الكوري «مانهي»... الشاعر الثائر بين الحب والطبيعة

اختار قصائد له وترجمها للعربية الكاتب أشرف أبو اليزيد

الطبيعة الكورية الخلابة التي غناها الشاعر في معظم قصائده
الطبيعة الكورية الخلابة التي غناها الشاعر في معظم قصائده
TT

الكوري «مانهي»... الشاعر الثائر بين الحب والطبيعة

الطبيعة الكورية الخلابة التي غناها الشاعر في معظم قصائده
الطبيعة الكورية الخلابة التي غناها الشاعر في معظم قصائده

رحلة خصبة مع الشعر والحياة عاشها الشاعر الكوري مانهي (1879 - 1944)، بدأت منذ صباه بقريته «غيونسانغ» بكوريا الجنوبية، وتنوعت ما بين العمل بالتدريس، ودراسة الرهبنة والمبادئ البوذية، ونيل لقب الراهب، والتفرغ للعزلة والتأمل الروحي لفترات طويلة، وامتدت الرحلة لافتتاحه مركزاً باسمه للحفاظ على التعاليم البوذية، ونشرها، والدعوة إلى فهمهما بشكل جديد مستنير، ثم انخراطه في النضال السياسي ضمن حركة الاستقلال، وأصبح عضواً دائماً بلجنتها التنفيذية، سعياً لتحرير بلاده من الاستعمار، وصار رمزاً للمقاومة السلبية غير العنيفة في حركة الاستقلال. كما كان أحد 33 عضواً وقّعوا في عام 1919 وثيقة تاريخية باعتبارهم ممثلي الشعب لإعلان الاستقلال الكوري من السيطرة الاستعمارية اليابانية، واختير زعيما لحزب ماندانج، وهو جمعية سرية مناهضة لليابان... وغيرها من المحطات الفارقة التي امتزج فيها الشعر بالنضال من أجل العدل والحب والحرية.
يكشف عن هذه الرحلة كتاب «أمتطي غيمة لأبحث عنك.. قصائد للشاعر الكوري مانهي»، اختارها وترجمها للعربية وقدم لها الكاتب الروائي أشرف أبو اليزيد، ملقياً الضوء عل مسيرة شاعر مهم، وفضاء شعري وأدبي لا تتوفر المعرفة الكافية به في المكتبة العربية.
الكتاب صدر حديثا عن «دار فهرس للنشر والتوزيع» بالقاهرة في نحو مائة صفحة، وهو نتاج رحلة عاشها المترجم في ربوع كوريا، زار خلالها كل الأماكن التي عاش فيها الشاعر، ونقَّب في طبيعته الشخصية وأفكاره وفلسفته، وما انطوت عليه الأماكن من علامات وإشارات وذكريات، كما زار بيته في سيول ومتحفه، وهو عبارة عن مؤسسة ثقافية تحمل اسمه، ووقف خلال الرحلة على جذور المعنى لغوياً وفنياً لكثير من الكلمات التي شكلت صعوبة ما في الترجمة.
كما خصص ملحقاً للتعريف بجائزة «مانهي» التي انطلقت في 29 يونيو (حزيران) 1996، بمناسبة مرور ربع قرن على وفاة «هان يونغ أون»، وهو الاسم البوذي الذي اختاره الشاعر ليوقّع به قصائده في فتر الرهبنة، وأفرد ملحقاً خاصا للتعريف بأهدافها والحاصلين عليها.
تمنح هذه الجائزة في فروع السلام، وخدمة المجتمع، والتميز الأكاديمي، والممارسات البوذية، والفن والأدب، واقتصرت في البداية على الكوريين، ثم اتسعت لتشمل العالم كله، وحصل عليها عدد من الكتاب الحاصلين على جائزة نوبل في الآداب والسلام، منهم الروائي النيجيري وول سوينكا، والكاتب الصيني موبان، والمناضل الأفريقي نيلسون مانديلا، والدلاي لاما من التبت، والدكتورة شيرين عبادي من إيران، والشاعر الأميركي روبرت هاس، والشاعر اليوناني قسطنطين كيدروف، والشاعرة الكويتية سعاد الصباح، كما حصل عليها مترجم الكتاب.
درس مانهي الأدب الصيني الكلاسيكي واللغة الصينية في فترة مبكرة من حياته، كما اهتم بكتب التاريخ والإدارة والاقتصاد، كركائز أساسية في بناء المستقبل، وكتب شعره باللغتين الصينية والكورية، ويذكر المترجم أن في تراثه الشعري 164 قصيدة باللغة الصينية، نظمها عبرة فترة تجاوزت الثلاثين عاماً (1909 - 1939)، منها قصيدة شهيرة بعنوان «فجر كوخ جبلي».. وفيها يقول:
صاعدة تحلِّق نتفُ الجليد خارج النافذة
لتغطي الجبال، حين يحل الفجر الآن
منازل القرية الدافئة تبدو كصورة
دفقة إحساس شعري تُنسي حتى المرض».
في مقدمته للكتاب يلتقط أبو اليزيد الركائز الجمالية والفكرية في شعر مانهي، واصفاً إياه بأنه «الشاعر الثائر بين الحب والطبيعة»، مشيراً إلى أن هذه المختارات المترجمة تم اختيارها من ديوانه «صمْتُ كل شيء شغفتُ به»، وأنه اعتمد على شروح ومصادر في إنجاز ذلك من خلال ترجمة ديوان مانهي «صمت حبيبي»، التي نقلتها للإنجليزية الناقدة المترجمة فرانشيسكا تشو، موضحاً أن رمزية الحبيب «نيم» لدى الشاعر هي دلالة استعارية، حيث لا تعبر هذه الكلمة في اللغة الكورية وتقاليدها عن عاشق فحسب بالمعني العاطفي الرومانسي والحسي، ولكنه أيضاً أي شخص، وأي شيء في إطار حالة العشق، وتمتد هذه الرمزية إلى سيادة المرء السياسية، وعلاقته بوالديه، وبمدرسته، وبلده، وفضائه الإنساني.
هذا المعنى الاستعاري الذي يتسم بكلية الرمز يتجسد بوضوح في شعر مانهي، يشير إليه المترجم بمقطع دال من شعره، يقول فيه:
«نيم.. ليس الإنسان المحب وحسب، بل كل شيء يكون الشوق إليه
كل الكائنات هي (نيم) بالنسبة إلى بوزا، والفلسفة كانت (نيم)
مطر الربيع هو (نيم)...
نيم هو من أحب، وهو أيضاً من يحبني».
يؤشر المعنى في هذا المقطع المشدود للحب والسلام، إلى الرسالة التي ينطوي عليها شعر مانهي؛ فهو شاعر حالم بكل شيء في الحياة، بل إن الشعر نفسه حلم لا ينتهي، هو خزنة أسرار الشاعر، ومفاتيحه لفهم نفسه والعالم من حوله. ومن أجمل صور الحلم في الديوان، التوحد بالآخر، ليس فقط رغبة في الحب، بل في التخفيف من آلامه ومشاطرته أحزانه، وهو ما يتجسد على نحو لافت في قصيدة بعنوان «لنكن شخصاً واحداً» يقول فيها:
«لو تأخذ قلبي
خذني أيضاً
واجعلني معك شخصاً واحداً
فإن لم تفعل أعطني قلبك
ولا تعطِ وجعه فحسب،
وكن معي شخصاً واحداً
فإن لم تفعل أعد لي قلبي
وهبني اللاسعادة
حينها سيكون قلب لي
وسأحب الألم الذي وهبتني إياه».
بهذه الروح المفعمة بالوجع الإنساني تنفتح شاعرية مانهي على الطبيعة؛ تتوحد بغيومها وأمطارها وتحولات فصولها، وكأنها ترنيمة لحلم الإنسان، ومرثية له في الوقت نفسه، بل كثيراً ما يتوسم في مشاهدها التعاليم البوذية، حيث يبدو النظر إلى الطبيعة وكأنها الجسر الأقوى الذي تتنقل عليه خطى الإنسان نحو العالم الآخر، مثلما يصورها في قصيدة بعنوان «المعدية والمسافر» قائلاً:
«أنا المعدية
وأنت المسافر
تسير فوقي بقدمين غطاهما الطمي،
فأمسك بك ونعبر الماء
أحملك عبر التيارات العميقة الضحلة والسريعة
فإن لم تأتِ، سأتحمل قسوة الريح والجليد والمطر
وأنا أنتظرك من الغسق حتى مطلع الفجر
ما إن تعبر الماء ستمضي دون نظرة إلى الوراء
آجلا، أم عاجلا سـتأتي.. أعرف
أنتظرك وأنا أكبر يوماً بعد يوم
فأنا المعدية
وأنت المسافر».
لا تخلو شاعرية مانهي من روح المرح والدعابة، خصوصاً إذا كان الخطاب موجهاً إلى الأنثى الحبيبة، كاشفاً عن طبيعة النساء التي تنفر من الغموض، وتريد أن يكون كل شيء واضحاً، تماماً مثل قلب العاشق، لذلك لا يراهن الشاعر على الوضوح في العلاقة، بل ينحاز إلى الأسرار، ويسخر منها في الوقت نفسه، لو شكلت حاجزاً بينه وبين قلبه، أو بينه وبين حبيبته... يجسد هذا المعنى في قصيدة بعنوان «أسرار» قائلاً:
«أسرار... أسرار
تقولين أي الأسرار قد أملكها؟
لقد حاولت أن أصون سراً عنك، لكن لم أفلح.
عبر دموعي تخلل سري إلى عينيك
وعبر أنفاسي تسرب سري إلى أذنيك
وعبر صدري النابض.. لامست سري
الآخر أصبح قطعة من قلبي الأحمر
فدخل إلى أحلامك
وعندي سر أخير
لكني لا يمكن أن أفضي به
لأنه يشبه صدى بلا صوت».
تجذر مانهي، بشعره وشخصيته المستنيرة المنفتحة في الوجدان الكوري؛ فقد حافظ على تقاليد بلاده الثقافية والاجتماعية، ومع ذلك ظل نظره مسكوناً بالمستقبل، داعياً إلى التحرر من كل ما يكبل طموحات الإنسان للرقي والتقدم، فدعم حرية المرأة وضرورة تعليمها ونيل حقوقها المشروعة في المجتمع تماماً مثل الرجل، كما اقترح الزواج للرهبان البوذيين، ما داموا قادرين على ذلك، وأن تترك البوذية المعابد النائية في التلال والجبال، حتى تنخرط في واقع الحياة الحضرية للمجتمع. وظل يدعو لذلك، حتى وفاته في يونيو 1944 قبل عام من تحرير بلاده من الاستعمار الياباني.



الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء

الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء
TT

الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء

الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء

لم تكن الأنهار على امتداد العصور مجرد تفصيل عابر في حياة البشر، ولا كانت مجاريها مجرد ناقل للمياه، من مساقطها الأم إلى مصباتها البحرية، بل لطالما أسهمت من خلال دورها المحوري في إخصاب الأرض ورفدها بأسباب النماء، وسد غائلة الجوع والعطش عن كائناتها المختلفة، وفي جعل الكوكب الأرضي مكاناً صالحاً للعيش، وفي رسم خرائط الهجرات التي رسمت من خلالها حدود الدول.

وإذا كانت الأنهار، وفق ما أظهره التاريخ وأكدته الأدلة المحسوسة، قد هيأت الظروف الملائمة لنشوء الحضارات الكبرى، وبُنيت على ضفافها كبريات المدن والعواصم، فلا بد أن تكون تبعاً لذلك محل احتفاء الشعوب القديمة في اليونان ومصر وبلاد الرافدين، وفي شرق العالم وغربه، وأن تكون منجماً للأساطير وآلهة الخصب، وأن تقام لها الاحتفالات والأعياد والأضحيات من كل نوع. ولأن حضور الماء مقترن بحضور الحياة، وغيابه مقترن بغيابها، فقد كان من الطبيعي أن تشكل الأنهار ومجاري المياه وأحواضها، أحد أكثر مسببات الحروب، والنزاعات الدموية بين البشر.

وكما أن على الثلج أن يخسر هويته ومادته الصلبة، ليرفد بالماء اللازم مجاري الأنهار، فإن ما يحدث للأنهار هو الشيء نفسه، ولو بصورة أخرى، حين تكتشف أن حلمها الدهري بعناق البحر والاتحاد فيه، لا سبيل إلى تحقيقه إلا عبر فنائها بالذات. وقد أسهمت الأنهار في تغذية قرائح الشعراء والمبدعين بما يلزمها من الاستعارات، لا بفعل تكوينها اللولبي، المتراوح بين الظهور والخفاء، وهندستها الجمالية التلقائية، ولا بسبب غضب شتائها الطوفاني، أو نعاس صيفها المقمر فحسب، بل بسبب قدرتها الفائقة على الملاءمة بين حاجة الجماعة إلى تاريخ مشترك، وحاجة الأفراد إلى تأهيل ذاكرتهم بالأسرار.

ولهذه الأسباب وغيرها، تمكنت الأنهار بمختلف أحجامها، من رفد الأذهان ورفوف المكتبات، بأعمال وسرديات شديدة الفرادة، من بينها «الدون الهادئ» لشولوخوف، و«قلب الظلام» لكونراد، و«ثرثرة فوق النيل» لنجيب محفوظ، و«ثلاثمائة فرسخ على الأمازون» لجول فيرن، و«هناك أنهار في السماء» لأليف شافاك.

وإذا كان الليطاني لا يَثبت بمعايير الطول والغزارة والاتساع أمام أنهار العالم الكبرى، فإنه بالقياس إلى البلد الصغير الذي يشقه مجراه من الوريد إلى الوريد، يلعب الدور نفسه الذي يلعبه أترابه في حياة الشعوب والجماعات. إضافةً إلى أنه شكَّل على المستوى الجيوسياسي، محلاً للتجاذب المتواصل بين القوى الدولية المتصارعة، وبخاصة في الفترة التي أعقبت سقوط الدولة العثمانية، حيث تمكنت دولة الانتداب الفرنسي من أن تنجح في دفع الحدود الجنوبية للبنان الكبير، قليلاً إلى ما وراء النهر.

أما الليطاني نفسه، فقد تمكّن منذ خروجه من نبع العلَّيق غربي بعلبك، حتى مصبه في المتوسط، إلى الشمال من صور، من أن يجتذب إلى مجراه كثيراً من الروافد، بدءاً من البردوني وعمّيق والخريزات، وصولاً إلى ينابيع عين الزرقا والحجير والخردلي ووادي السلوقي وغيرها. كما أن إسهامه في حياة الفلاحين الساكنين إلى جواره، تراوح بين ري الأراضي العطشى، وتوليد الكهرباء، وبين إتراع قصص الحب بما يلزمها من الظلال والشجن الرومانسي. وهو إذ أعطى كنيته لبعض القرى، كما هو حال «علي النهري»، و«دير قانون النهر»، اتخذ من بعض محطات مجراه أسماء جانبية له، حتى إذا بلغ المصب أطلق عليه الجنوبيون اسم نهر «القاسمية».

ومع أن الليطاني قد ارتبط في أذهان كثيرين بالجنوب اللبناني، رغم أن معظم المسافات التي يقطعها تنتمي إلى البقاع، فإن الأمر عائد على الأرجح، إلى أن الشطر الأخير من النهر، حيث تكاد الحدود اللبنانية والفلسطينية تتلامسان تماماً في غير موضع، كان ولا يزال الجزء الأكثر عرضة للأطماع من سواه. فهو الذي اشتعلت من حوله الحروب، وسُميت باسمه «عملية الليطاني»، وتعمدت كل قطرة من مياهه بدماء الجنوبيين، كما بدموعهم وعرق جباههم وتباريح قلوبهم المجهدة.

أما في أزمنة السلم والتعاقب الوادع للسنين، فلطالما أسهمت الطبيعة الأليفة للنهر، والتقارب الحميم بين ضفتيه، في جعله مقصداً شبه دائم لأبناء جبل عامل، يلوذون بمياهه من حر الصيف، ويبثّونه لواعج قلوبهم وشكاواهم من شح المواسم وانقلاب الأحوال، ويُلقون إليه بأجسادهم التعبى، وأرواحهم الظامئة إلى السكينة.

وإذا كان من البديهي، أن يشكل الليطاني، بمياهه الرقراقة وأشجاره الظليلة ومشهديته الاحتفالية الباذخة، أحد ينابيع الإلهام الأكثر ثراءً لشعراء جبل عامل وكتابه، فإن ما يبعث على الحيرة والاستغراب، هو ألا يحظى النهر بالاهتمام نفسه، الذي لقيته أنهار العالم المماثلة، رغم كل ما يزخر به حوضه من إرث غني، متصل بعضه بالأساطير والطقوس والشعائر الدينية والدنيوية، وبعضه الآخر بالفلكلور والأهازيج والأغاني.

ورغم كل ما بذلته من جهد في هذا المجال، فإن كل ما أمكنني العثور عليه هي أبيات كتبها الشاعر العباسي عبد المحسن الصوري، ابن مدينة صور، تحت عنوان «لا يوم كيومنا بشاطئ ليطا»، وهو اسم النهر آنذاك. وفي تلك الأبيات، ذات النظم المتكلف والتقفية المتعسفة، التي اضطره اسم النهر إلى استخدامها، يقول الصوري:

والطلُّ ينشر كلّ وقتٍ لؤلؤاً فيها سقيطا

وجواهر الأنوار تُطلِع من زبرجدها خليطا

فإذا رأيت الدرّ أبصرت العقيق به منوطا

حالٌ تردُّ إلى التصابي كلَّ كسلانٍ نشيطا

وقد اختلف الوضع قليلاً بين نهايات القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين، حيث إن تحلُّق العامليين حول النهر لم تقتصر أسبابه على ما وفرته لهم ضفافه من مساحات الفرح والبهجة، بل لأنهم رأوه، في ظل التبلور الصعب للكيانات السياسية الوليدة، بوصفه رمز وجودهم، وصورة هويتهم القلقة والباحثة عن التحقق. وحيث شكّل اختيار وادي الحجير، أحد أجمل بقاع النهر، مكاناً لانعقاد المؤتمر الشهير الذي تنادى إليه العامليون للإعلان عن مبايعة فيصل الأول عام 1920 ملكاً على بلاد الشام، تجسيداً واضحاً لرمزية المكان وخصوصيته ودلالاته، فقد تحول الوادي المذكور وللأسباب نفسها، إلى ملتقى أثير للشعراء وتابعيهم، والى موئل دوري للمناظرات الأدبية والفكرية، ولمجالس الشاي والأنس والسمر.

وإذ كان من الطبيعي في تلك الفترة، أن تنعكس ملامح النهر وصوره الموزعة بين أودية الحجير والخردلي والسلوقي وغيرها، في قصائد العامليين ومقطوعاتهم، فقد خصه برسائل الحب والحنين وقصائد الوصف، غير واحد منهم، فكتب علي محمود الأمين، قصيدة عن وادي السلوقي، مطلعها «طرزتْ ثرَّةُ السحابِ الدَّفوقِ، بصنوف الأزهار وادي السلوقي». وكتب الفقيه المعروف محسن الأمين، قصيدة جاء فيها:

وادي الحجيْر سقاكَ وكَّافُ الحيا

كم فيك للأبصار من مستمتَعِ

جُمعتْ من الأشجار فيك بواسقٌ أمثالها

بسواكَ لم تتجمّع

ولقد تقاسمنا الغضا وغصونهُ

في راحتيك وناره في أضلعي

وادٍ حكتْ أزهارهُ ورياضهُ وجهاً

من الحسناء غير مقنَّعِ

على أن ما يبعث على الحيرة والاستغراب، لا ينحصر فقط بما تعرض له الليطاني من ظلم أهل السلطة والمتنفذين، ومقاولي الثروات الطبيعية، والتسبب بتلويث مياهه، وتحويل مجراه إلى مستنقع للسموم، بل بكون هذا الجمال الملحمي، الذي شكَّل الظهير الأكثر صلابة، للغة شعراء الجنوب وكتابه اللاحقين، لم يجد عدا استثناءات قليلة، صداه المناسب فيما ظهر لهم من قصائد وأعمال شعرية وروائية. وإذ تحتاج مقاربة هذه الإشكالية إلى غير هذا المقام، فإن ما أستطيع قوله أخيراً هو أن عظمة الأنهار لا تقاس بأحجامها وغزارة مياهها، بل بكونها واسطة عقد الذاكرة الجمعية، وبكونها مصدراً دائم التجدد للإلهام والأمل، وإرادة البقاء. وإذا كان بدر شاكر السياب قد رفع جدولاً صغيراً كنهر بويب، المحاط بغابات النخيل الوارفة في جنوب العراق، إلى مقام الأسطورة، فحريٌّ بأن يحظى الليطاني من الشعراء والكتاب الذين تربوا في كنف مياهه، بالتكريم نفسه والاهتمام إياه.


قبّة ديوان قصر هشام

لوحة من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدرها قصر هشام في نواحي حيفا
لوحة من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدرها قصر هشام في نواحي حيفا
TT

قبّة ديوان قصر هشام

لوحة من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدرها قصر هشام في نواحي حيفا
لوحة من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدرها قصر هشام في نواحي حيفا

تمّ استكشاف سلسلة من القصور الأموية الموزّعة على نواحٍ من بوادي بلاد الشام خلال النصف الأول من القرن العشرين، وخرجت حملات التنقيب المتعاقبة في هذه المنشآت بمجموعات متنوّعة من اللقى الأثرية، شكّلت مادة للتعريف بالفنون الأموية المدنية. يعود الجزء الأكبر من هذه اللقى في الأصل إلى حلل زينية معمارية، ويعتمد في الدرجة الأولى تقنية الجص المنقوش، وتُعتبر أهمّ شواهده تلك التي خرجت من قصر المَشتى في الأردن، وقصر الحير الغربي في سوريا، وقصر هشام في فلسطين. تتكوّن هذه النقوش الجصيّة من شبكات هندسية زخرفية تجمع بين المفردات الهندسية المجرّدة والعناصر التصويرية المتعدّدة، منها النباتي، ومنها الحيواني، ومنها الآدمي. تحضر هذه العناصر المختلفة في قطعة كبيرة مستديرة الشكل، قيل إنها كانت تزيّن قبة ديوان قصر هشام، بأسلوبها الفني الرفيع، وتختزل جمالية خاصة طبعت الفن الإسلامي المدني في تلك المرحلة المبكرة من تكوينه.

تجمع حلل قصر هشام بين عناصر متعدّدة تعود إلى فنون العالم المتوسطي والعالم الفارسي والعالم الآسيوي الأوسط، وتعكس قدرة مثيرة في الابتكار والقولبة والتجديد. من هنا تبدو هذه الحلل متأصلة في تقاليد قديمة، ومطبوعة بطابع محلّي خاص يُعرف اليوم بالطابع الأموي. إلى جانب الزخارف المكوِّنة للعناصر المعمارية، كالتيجان والأفاريز والفتحات المعروفة بالنوافذ، اعتمدت هذه الحلل سلسلة من العناصر النباتية، منها أغصان الكرمة وسعف النخيل وبعض الثمار، كما اعتمدت سلسلة متنوعة من الأشكال الحيوانية، منها المعز الجبلية والغزلان والقردة والأرانب والخيول المجنحة، إضافة إلى أصناف عدة من الطيور. حضرت هذه العناصر الحية في شبكات زخرفية غلب عليها طابع التحوير والموازاة والتجانس المحكم، وحوى بعض منها عناصر آدمية متعدّدة الأشكال، بدت مدمجة بشكل كامل في التصاميم النباتية والسلاسل الزخرفية الهندسية. تجلّى هذا الانصهار بشكل لافت في قطعة دائرية من الحجم الكبير، رأى أهل الاختصاص أنها كانت تزيّن على الأرجح قبة تعلو قاعة قيل إنها تمثّل الديوان الخاص بقصر هشام، وهذه القاعة مربّعة، وطول ضلعها نحو 4 أمتار.

وصلت هذه القطعة المستديرة مهشّمة، وتم جمع مكوّناتها المبعثرة وصهرها إثر عملية ترميم متأنية. تحضر في الوسط زهرة محوّرة هندسياً تحيط بها ستة وجوه آدمية صيغت في وضعية المواجهة. يشكّل هذا التأليف الدائري نواة هذه القبة المتقنة، ويبلغ طول قطره نحو 1.5 متر. تلتف الوجوه الستة في حلقة دائرية يحيط بها شريط تزيّنه أغصان مورقة. ويلتفّ من حول هذا الشريط شريط أكبر حجماً تزيّنه أغصان مورقة مغايرة في الشكل. حافظت الكتلة الوردية التي تحتل وسط الصورة على مكوّناتها بشكل شبه كامل، ونقع على صورة توثيقية لها في الكتاب المرجعي الذي نشرته جامعة أوكسفورد في سنة 1959، وحمل عنوان: «خربة المفجر: قصر عربي في الصحراء». تتألف الوردة من ست بتلات، تحيط بها سلسلة بتلات، ينقسم كل منها جزأين متجانسين. تحيط بهذه السلسلة ست أوراق نباتية عريضة من فصيلة الأقنثا، وهذه الفصيلة معروفة في قاموس الفن الكلاسيكي، وتشكّل عنصراً من عناصر الفنين اليوناني والروماني المتوارثين عبر العصور والقارات. على صعيد الأسلوب المتبع، تحل الوردة في قالب تحويري يغلب عليه الطابع الهندسي التجريدي. في المقابل، تحل أوراق الأقنثا في قالب كلاسيكي، وتحافظ بشكل كبير على مثالها الطبيعي.

تنعقد حول هذه الأوراق سلسلة من ستة وجوه، تتشابه حتى التماثل. تبدو هذه الوجوه النضرة أنثوية في المقام الأوّل، غير أن التفحّص فيها يظهر أن اثنين منها ملتحيان، ممّا يعني أنها تجمع بين وجوه من الجنسين. التكوين واحد، ويتمثل بوجه بيضاوي ممتلئ، بدت ملامحه المجسّمة واضحة وجليّة. العينان لوزيتان ضخمتان، يتوسّط كلّ منهما بؤبؤ على شكل ثقب دائري غائر، والحاجبان عريضان ومقوّسان ومنفصلان. الأنف ناتئ ومستقيم، ومنخراه ظاهران. الثغر منمنم، وتعلوه ابتسامة خفرة. العنق عريضة ومكتنزة، وتشكّل قاعدة للرأس المنتصب من فوقها.

يعلو كل رأس قوس تزينه سلسلة من الفصوص البيضاوية، وتشكل هذه الأقواس شريطاً يحدّه شريطان نحيلان يخلوان من أي زخرفة. يلتف فوق هذا الشريط غصن مورق تُظهر أوراقه أنه من فصيلة الكرمة. تنصهر هذه الكرمة داخل شريط يتألف من سلسلة مشابهة من الأقواس المتجانسة، في قالب يحافظ كذلك على طابعه الواقعي الكلاسيكي، كما تشهد أوراق الدالية المصوغة بأسلوب واقعي. يلتف حول هذه الدالية شريط يماثل الشريط الذي يحيط بالوجوه، ومن حول هذا الشريط، تلتف سلسلة من الأغصان اللولبية، تشكّل خانات دائرية تحوي كل منها نبتة محوّرة، تستعيد شكل الأقنثا بأسلوب زخرفي مبتكر. تأتلف هذه النبتة من ورقتين متعاكستين، تعلوهما ورقتان عموديتان، وبين هاتين الورقتين، ينساب كوز مثمر بدت حبوبه مرصوفة في كتلة متراصة. يكتمل هذا التكوين الزخرفي المتين مع شريط دائري يلتف من حوله، وتزيّن هذا الشريط كذلك فصوص بيضاوية، وفقاً للطراز المتبع.

تتميّز هذه الشبكة بدقّتها ورهافة صناعتها، كما تتميز بهذه السلسلة من الوجوه الفتية التي تحيط بالوردة التي تحتل وسط التأليف. تتبع هذه الوجوه أسلوباً محلياً شاع بشكل خاص في تدمر، وتحضر في شواهد أثرية أخرى خرجت من بين أطلال قصر هشام، منها لوح مستطيل حوى تسعة وجوه تطل من وسط سلسلة من الميداليات الدائرية المتشابكة. في هذه اللوحة، كما في العديد من اللقى الجزئية، تطلّ هذه الوجوه في وضعية المواجهة، وتفتح عيونها اللوزية الشاخصة، وكأنّها تتأمل في ما لا يُرى.


المغني الكردي الذي قُتل مرتين

المغني الكردي الذي قُتل مرتين
TT

المغني الكردي الذي قُتل مرتين

المغني الكردي الذي قُتل مرتين

صدر حديثاً عن دار «TASQ» للنشر كتاب «يوسف جلبي: المغني الكردي الذي قُتل مرتين» للكاتب إبراهيم اليوسف، وهو عمل توثيقي يستعيد سيرة الفنان الراحل يوسف جلبي، أحد أبرز مؤسسي الأغنية الكردية الحديثة، وأحد أهم رموز الفلكلور الكردي في سوريا.

يتناول الكتاب حياة يوسف جلبي ومسيرته الفنية والإنسانية، منذ ولادته عام 1927 في قرية جبلكراو التابعة لمنطقة نصيبين، مروراً بانتقاله إلى الجزيرة السورية وبداياته الفنية، وصولاً إلى تحوله إلى واحد من أكثر الفنانين تأثيراً وحضوراً في الوجدان الشعبي الكردي.

ويبرز الكتاب المكانة الريادية التي شغلها يوسف جلبي في تاريخ الأغنية الكردية، إذ كان من أوائل الفنانين الذين عملوا على حفظ الأغنية التراثية الكردية وصونها من الضياع، كما أعاد أداء عدد كبير من الأغاني الشعبية المتوارثة، وفي الوقت نفسه ألّف كلمات أغنيات جديدة، ولحّنها وغنَّاها، ليترك إرثاً فنياً جمع بين الحفاظ على التراث وتجديده وتطويره. وقد شكّلت أعماله جسراً بين الذاكرة الشعبية والإبداع الفني، الأمر الذي جعل اسمه حاضراً في ذاكرة أجيال متعاقبة من الفنانين والجمهور.

ويستند المؤلف إلى جهد توثيقي امتد سنوات، اعتمد خلاله على لقاءات وشهادات ووثائق ومرويات نادرة، ويحتل الحوار المطول مع نجله البكر جلبي جلبي، موقعاً محورياً في الكتاب، حيث يقدم شهادات تفصيلية عن حياة والده وفنه وعلاقاته الاجتماعية والظروف التي أحاطت باعتقاله. كما يضم الكتاب شهادات ومرويات من أفراد أسرته ومحيطه، تسهم في رسم صورة أكثر اكتمالاً للفنان الإنسان وللمرحلة التي عاشها.

كما يتناول الكتاب الظروف السياسية والاجتماعية التي أحاطت بيوسف جلبي، والضغوط التي تعرض لها بسبب مواقفه وأغانيه، وصولاً إلى اعتقاله وتعذيبه على يد عناصر المكتب الثاني تحت إشراف ضابط الاستخبارات في قامشلي حكمت ميني، وانتهاء حياته تحت التعذيب عام 1962، في حادثة لا تزال حاضرة في الذاكرة الثقافية الكردية بوصفها واحدة من أكثر الصفحات إيلاماً في تاريخ الفن الكردي.

ويحاول المؤلف من خلال هذا العمل إعادة فتح ملف يوسف جلبي فنياً وإنسانياً، وإعادة الاعتبار إلى إرثه الذي تعرَّض جانب منه للتغييب والضياع نتيجة غياب التوثيق، رغم تأثيره العميق في مسيرة الأغنية الكردية وفي عدد كبير من الفنانين الذين حملوا أغانيه وألحانه إلى الأجيال اللاحقة.

قدم للكتاب الدكتور محمد عزيز زازا والدكتور ولات محمد، اللذان تناولا تجربة يوسف جلبي الفنية ومكانته في تاريخ الغناء الكردي ودوره بوصفه أحد الآباء المؤسسين للأغنية الكردية في سوريا. وكان غلاف الكتاب لوحة تشكيلية للفنان رحيمو حسين.