ناشط بيئي هندي ورحلة تنظيفه لشواطئ مومباي

أفروز شاه... على قائمة أبطال شبكة «سي إن إن» الإخبارية الأميركية لعام 2019

شاطئ فيرسوفا قبل عمليات التّنظيف
شاطئ فيرسوفا قبل عمليات التّنظيف
TT

ناشط بيئي هندي ورحلة تنظيفه لشواطئ مومباي

شاطئ فيرسوفا قبل عمليات التّنظيف
شاطئ فيرسوفا قبل عمليات التّنظيف

بدأت رحلة الناشط البيئي أفروز شاه، البالغ من العمر 36 عاماً، في 2015 عندما شرع جنباً إلى جنب مع جاره هاربانش ماثور، البالغ من العمر 84 عاماً، في الاضطلاع بمهمة عملاقة تتمثل في تنظيف أكثر الشواطئ قذارة (شاطئ فيرسوفا) في مدينة مومباي، العاصمة المالية والاقتصادية في الهند في ذلك الوقت. كان شاطئ فيرسوفا قد شهد أيام الصبا واللعب الأولى من حياة الناشط أفروز شاه، ثم تحوّل مع مرور الوقت إلى مكبّ لمختلف النفايات، وقد أزعجه كثيراً أن يرى رمال الشاطئ الذهبية وقد اختفت تماماً تحت أرتال القمامة والنفايات التي تجاوزت آلاف الكيلوغرامات وزناً من طبقة سميكة تزيد على خمسة أقدام طولاً.
تولّى أفروز شاه بنفسه تنفيذ هذه المهمة غير المسبوقة وشرع في التقاط النفايات البلاستيكية من على حافة الغرق في قلب المحيط. ولقد واجه العديد من المشكلات خلال مراحل حملته البيئية لتنظيف الشاطئ، التي تضمّنت محاولة تغيير طريقة تفكير الناس وتصرفهم من حوله، مع محاولة تغيير أسلوب تعامل السلطات البلدية مع الأمر، وحضّ الطرفين على العمل سوياً للمصلحة العامة. ويقول أفروز شاه عن ذلك: «كان الشاطئ بأسره عبارة عن سجادة كبيرة من المخلفات البلاستيكية».
وشهد شهر أغسطس (آب) من عام 2016. مشاركة أكثر من 500 شخص من سكان المدينة، فضلاً عن مشاهير من سينما بوليوود الهندية، ومسؤولي الأمم المتحدة، بمن فيهم إريك سولهايم، رئيس برنامج الأمم المتحدة للبيئة، والسباح العالمي لويس بوغ، راعي الأمم المتحدة للمحيطات، الذين شاركوا بأنفسهم وجمعوا بأيديهم ما يقرب من 284 ألف كيلوغرام من النفايات والقمامة من شاطئ فيرسوفا الذي يبلغ طوله 2.5 كيلومتر. وقبل أشهر قليلة، شاركت السيدة برون بورسون وزيرة البيئة الفرنسية مع الناشط البيئي الهندي أفروز شاه في أعمال التنظيف وتجميل الشاطئ. كما أشاد رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بأعمال أفروزشاه وجهوده الكبيرة خلال برنامجه الإذاعي الشهير «حديث من القلب» في عام 2016. وفي العام نفسه، نال أفروز شاه أعلى وسام تمنحه منظمة الأمم المتحدة «وسام بطل الأرض»، نظير جهوده البيئية المتميزة.
واليوم، أصبح أفروز شاه معروفاً في كافة أرجاء العالم بأنّه الرجل الذي بدأ أكبر مشروع للتّنظيف في العالم على شاطئ فيرسوفا في مومباي الهندية. وتحوّلت جهوده إلى حركة بيئية حملت اسم «مؤسسة أفروز شاه»، إذ تمكنت الحركة التطوعية البيئية في إزالة 60 مليون رطلاً من القمامة والنفايات، لا سيما النفايات البلاستيكية، من مختلف شواطئ وأنهار مدينة مومباي.
ما الذي دفعه إلى العمل منفرداً؟
يقول أفروز شاه: «لم نتمكن من انتظار تدخل الحكومة في الأمر، فلقد انتظرناهم 70 عاماً كاملة بعد الاستقلال. وهذه أرضي، وهذا كوكبي، وهذا محيطي، ولا بد من تنظيفه». لذا، شرع في العمل بعطلات نهاية الأسبوع، أسبوعاً تلو الآخر، حيث كان يأتي ممسكاً بالسلال والمجاريف، محاولاً سحب المواد البلاستيكية وغيرها من الخردة والنفايات الملقاة على شاطئ المحيط، وينظف الشاطئ منها. ومع مرور الشهور، بدأ المشاركون بالتزايد جنباً إلى جنب مع أنباء نجاحه الباهر التي عمّت الآفاق. وفي وقت وجيز، تحوّلت الحركة المحلية الصغيرة إلى أكبر حملة من حملات التنظيف المجتمعية في عموم الهند، حيث انضم إليها الآلاف من المتطوعين الذين يعملون على تنظيف الشواطئ الهندية بصفة أسبوعية.
ويواصل الناشط أفروز شاه عمله من دون تلقي أي منح مالية أو دعم تنظيمي من خارج البلاد، وأغلب التمويل يحصل عليه من أرباح عمله كمحامٍ ناجح في مومباي، وجهوده البيئية تعتمد على العمل التطوعي في المقام الأول، وفي ذلك، يقول: «يقوم كل واحد منا بواجبه على قدر استطاعته، من ثمّ يغادر إلى منزله. وأحاول التبرع بعشرة في المائة من أرباح عملي لدعم الجهود البيئية. وإن احتجت إلى ثلاثة جرارات أو أربعة حفارات، فإنني أذهب إلى البنك وأسحب الأموال الكافية لاستئجارها».
وتنامت مجموعة المركبات والعربات التي يستعين بها أفروز شاه في أعماله البيئية على مدى العامين الماضيين. والآن، وبالإضافة إلى سيارته الخاصة، فإنّه يملك ثلاثة قوارب (أحدها جاءت تبرعاً من إحدى شركات البلاستيك، واثنان تبرعت بهما شركة أديداس)، فضلاً عن جرار وحفار قوي كانا تبرعات من الممثل الهندي الشهير أميتاب باتشان.
وبحلول أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2018، انتهت أعمال التنظيف بالكامل في شاطئ فيرسوفا، ثم توسّعت أعمال التنظيف الخاصة بالناشط أفروز شاه لتشمل شواطئ أخرى بالإضافة إلى نهر «ميثي» في مومباي.
كما انعكست نجاحات تنظيف الشواطئ خلال العام الجاري عندما تمكنت السلاحف الصغيرة من مغادرة بيضها على شاطئ فيرسوفا في مومباي متجهة صوب بحر العرب. ووفقاً إلى الروايات السابقة، تُعدّ المرّة الأولى التي تشاهد فيها تلك السلاحف الصغيرة في رحلتها الطبيعية من على شاطئ فيرسوفا خلال 15 إلى 20 عاماً الماضية.
واحتفل بهذا الحدث الفريد من نوعه بحماس كبير ولافت للأنظار، والسّبب أنّ وجود السلاحف البحرية يعد دليلاً قاطعاً على صحة الأنظمة البحرية البيئية في تاك الأماكن على المحيط.
يقول أفروز شاه: «أصبح شاطئ فيرسوفا نظيفاً بالكامل الآن، وهناك جهود مستمرة ومطبقة بالفعل على الشاطئ. أشعر أن عملي على شاطئ فيرسوفا قد انتهى الآن، وحان الوقت للمضي قدماً إلى مكان آخر»، وأضاف أنّه سيدعم ويساند المتطوعين كلما احتاجوا للمساعدة، لا بد أن نحبّ بلدنا والطبيعة من حولنا، هذا ما تعنية الوطنية الحقيقية بالنسبة إلى أفروز شاه، الذي يواصل عمله في تنظيف شواطئ مدينة مومباي وأنهارها على مدى السنوات الأربع الماضية من دون توقف.
وبعد مرور سنوات من العمل المستمر، كما يقول الناشط أفروز شاه: «في كل أسبوع، هناك ما يشبه الموعد الغرامي مع المحيط بالنسبة لي. إنّني عاشق للشواطئ للغاية، وبحر العرب بصفة خاصة، وهذا الحب هو مصدر إلهامي الذي يدفعني دفعاً لمواصلة زيارة هذا المكان أسبوعاً تلو الآخر».
أمّا بالنسبة لقصة نهر «ميثي» في مومباي - وهو يحمل هذا الاسم نظراً لأنّ مياهه كانت عذبة في يوم من الأيام لدرجة سهولة الشرب مباشرة منها - فهي قصة تبعث على المرارة والألم. فلقد وصف خبراء البيئة ذلك النهر، الذي يبلغ طوله 18 كيلومتراً وهو يحمل فيضان مياه بحيرة «بوواي»، وبحيرة «فيهار» إلى المصب في بحر العرب، بأنّه أكبر مصارف المجاري في المدينة. وبعد دوره العجيب في فيضانات مومباي العارمة في عام 2005. عندما صرف النهر آلاف اللترات من مياه الصرف الصحي والمياه المحملة بالنفايات الصناعية إلى شوارع المدينة بدلاً من القيام بدوره الفعال كمجرى لصرف مياه العواصف والأمطار.
وعلى مدى الشهور العشرة الماضية، شوهدت النتائج المذهلة حيث صار أكثر من كيلومترين من النهر خالياً تماماً من المخلفات والنفايات البلاستيكية.
ويدور أسلوب الناشط أفروز شاه في العمل حول جمع مجموعة من المتطوعين والتركيز على مشكلة واحدة بعينها حتى الانتهاء منها تماماً وببطء شديد، قطعة بلاستيكية واحدة في المرة الواحدة. وعندما التقينا به، كان يواصل العمل على مشروع جديد يمتد لثمانية أسابيع. وحتى الآن، تمكن رفقة المتطوعين الذين يعملون معه من تنظيف 200 متر أخرى من النهر الممتد لمسافة 18 كيلومتراً. ويوضح: «لقد انتهينا من إخراج النفايات الصلبة من مجرى النهر، بالإضافة إلى النباتات المائية الضارة، وللتعامل مع النفايات السائلة نقوم بتركيب محطة معالجة حيوية في أول محطة للصرف الصحي تدخل مجرى النهر. ودعونا نرى كيف تعمل هذه التجربة. فهي عملية بطيئة وتزداد صعوبة مع مرور الوقت عند مواجهة الصناعات الملوثة لمياه النهر التي توجد على ضفافه بطول 6 كيلومترات».
وفي عطلة نهاية الأسبوع، يقوم الناشط أفروز شاه بطهي الطعام ويحمله بنفسه إلى 50 أو 100 متطوع من العملين معه. وهو يستعين بالوجبات الشعبية كمنصة لتثقيف الملايين الذين يعيشون على جانبي ضفاف النهر، شارحاً لأفكاره البيئية مثل إعادة التدوير والاستدامة.
وألهمت أعماله المستمرة منذ أكثر من 200 عطلة من عطلات نهاية الأسبوع انضمام أكثر من 200 ألف متطوع إلى حملته البيئية الكبيرة.
من جانبه، يقول المخرج السينمائي الهندي راجيش شرينغاربيور (الذي كان يلعب في صباه على شاطئ دادار في مومباي، لكنه فوجئ أنّه تحول إلى مكب للنفايات عندما حاول زيارته رفقة ابنته في أبريل (نيسان) 2017): «سمعت عن أفروز شاه للمرة الأولى من الصحف التي تناقلت أنباء جهوده البيئية. ولقد ألهمتني أعماله كثيراً، لأبدأ بتنظيف شاطئ دادار على نفس الأسلوب والمنوال».
ويواصل المخرج الهندي حديثه: «رغم وجود بعض الخيوط البلاستيكية هنا وهناك بين رمال الشاطئ، فإنه تحسن كثيراً عما كانت عليه الأوضاع قبل عامين كاملين. حيث يمكنك مشاهدة الناس يلعبون الكرة الطائرة الآن على شاطئ دادار، وهناك عائلات تخرج إليه في العطلات مع صغارها».
ومع البدء في تنظيف الشواطئ بالجهود المحلية واحداً تلو الآخر، تحاول مجموعات المتطوعين الآن التركيز على الأسباب الجذرية للمشكلة بالأساس مع العمل المتواصل للوصول إلى حلول نهائية لها.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».