طرح «أرامكو» يعيد «التسهيلات المالية» لمشهد التمويل البنكي السعودي للأفراد

السعوديون يبدأون التداول وسط تسهيلات مالية يقدمها القطاع البنكي بغرض الاكتتاب في «أرامكو» (الشرق الأوسط)
السعوديون يبدأون التداول وسط تسهيلات مالية يقدمها القطاع البنكي بغرض الاكتتاب في «أرامكو» (الشرق الأوسط)
TT

طرح «أرامكو» يعيد «التسهيلات المالية» لمشهد التمويل البنكي السعودي للأفراد

السعوديون يبدأون التداول وسط تسهيلات مالية يقدمها القطاع البنكي بغرض الاكتتاب في «أرامكو» (الشرق الأوسط)
السعوديون يبدأون التداول وسط تسهيلات مالية يقدمها القطاع البنكي بغرض الاكتتاب في «أرامكو» (الشرق الأوسط)

عادت التسهيلات المالية إلى مشهد السوق المالية السعودية بعد أن خفت ضوؤها في أعقاب الانهيار المريع لسوق الأسهم السعودية في 2006، إذ تفاعلت المصارف في المملكة في خضمّ التأهب لطرح شركة الزيت العربية السعودية «أرامكو» المزمع اليوم (الأحد)، أسهمها في جزء من رأسمالها للاكتتاب العام للسعوديين والأجانب، بالإعلان عن تسهيلات بنكية للأفراد كفرصة لمضاعفة حجم الاكتتاب.
وأشارت معلومات رسمية عن البنوك السعودية إلى قبولها تقديم تسهيلات مالية، والتي تعني التمويل بهدف الاستثمار المالي لعملائها، حيث ستقدم مضاعفاً مالياً للقدرة الحالية للعميل ليتمكن من مضاعفة اكتتابه المرغوب فيه. وحسب نشرات بثّتها البنوك السعودية مؤخراً، اتضح السماح للبنوك بتقديم هكذا منتجات تحت مسمى «التسهيلات المالية» للاستفادة منها عبر التمويل التقليدي للراغبين في المساهمة بالطرح العام.
وكانت عودة التسهيلات المالية لمشهد السوق المالية السعودية عبر تمكين المؤسسات المالية بعد زيادة عمق السوق ومأسستها بهدف تمويل تداولات الأسهم السعودية، حيث شهدت ارتفاعاً العام الماضي 2018 عبر ضخ 1.3 مليار ريال تسهيلات جديدة بارتفاع 16% بعد أن كانت متراجعة بنسبة 30% خلال عام 2017.
وبعودة التمويل المالي للاستثمار في سوق الأسهم السعودية يكون مشهد التسهيلات المالية التي تقدمها المصارف في المملكة لتعزيز الاستثمار في السوق المالية عاد مجدداً بوضوح للأفراد، بعد أن كانت أصابع الاتهام تشير إليها بين أسباب انهيار سوق الأسهم السعودي قبل 13 عاماً مضت.
وشهدت سوق الأسهم في فبراير (شباط) 2006 انهياراً كلياً، حيث لامس مؤشرها العام النقطة 21 ألفاً متدفقاً منذ عام 2002 من 2000 نقطة بلغها المؤشر، لتصل التعاملات ذرى تضخمية فائقة الصعود، سجلت معها انهياراً كبيراً أدى إلى خسارة السوق مليارات الدولارات، وأدى ذلك إلى تشديدات حكومية حول التمويل المالي وهيكلة السوق وفرض تشريعات جديدة ضمن إصلاح شامل للسوق المالية منذ ذلك الحين.
من جهته، سيمكّن «بنك البلاد» -أحد البنوك المتوافقة مع الشريعة الإسلامية في السعودية- المكتتب، من مضاعفة اكتتابه عبر طلب تمويل الاكتتاب في أسهم «أرامكو»، لكنها فضلت في الوقت ذاته أن يتم ذلك عبر الخيارات التقنية وتحديداً عبر تطبيق الهواتف الذكية والخدمات الإلكترونية، إذ سيجنب ذلك العملاء دفع الرسوم المالية وتجنب تقديم المستندات الورقية.
من ناحيتها، طالبت مجموعة «سامبا» المالية عملاءها بالاستفادة من فرصة الاكتتاب في طرح «أرامكو» السعودية للاستفادة من تسهيلات بنكية ستقدمها من أجل هذا الحدث، مشددةً على أهمية أن يكون ذلك عبر الوسائل البسيطة وتحديداً من خلال تطبيق الهواتف الذكية أو جوال «سامبا» أو عبر خدمات الأونلاين.
وذهب في ذات الاتجاه، مصرف الإنماء حيث لفت إلى انفتاحه على التمويل المالي بغرض المساهمة في الطرح العام لـ«أرامكو» السعودية، مؤكدةً أنه لطلب تمويل للاكتتاب متوافق مع الضوابط الشرعية، عليه فقط الاستفادة من وسائل التقنية التي يقدمها البنك بالإضافة إلى زيارة الفرع للراغبين في ذلك.
كانت دراسة أعدها باحثون ماليون هم: جوش ليرنر، وآنن لمون، وستيف، خلال عام 2017 لصالح هيئة السوق المالية ومجموعة أبحاث «بيلا» تحت عنوان «هيئة السوق المالية وانهيار سوق الأسهم السعودية عام 2006»، أفصحت بوضوح عن أن التسهيلات والسيولة المتدفقة من البنوك للمساهمين في سوق الأسهم كانت سبباً جوهرياً في انهيار سوق الأسهم السعودية، إلى جانب أسباب أخرى منها قلة البدائل الاستثمارية، وضعف البنية الهيكلية للبورصة، وهشاشة عمق السوق المالية، وكذلك ضعف الثقافة التعاملاتية المالية للمتداولين، وقلة عدد المساهمين المؤسساتيين، ودخول التقنية ووسائل التكنولوجيا في التأثير على صنع القرار الاستثماري الخاطئ.
وحسب الدراسة فإن البنوك السعودية أرادت زيادة مستوى إقراضها من خلال فرصة الاستفادة من جاذبية سوق الأسهم حينها؛ خصوصاً مع تدفق عمليات الطرح الأوّلي وتحقيق الأرباح جراء التداولات بعد الإدراج وجني المكاسب سريعاً لا سيما أن المستثمرين الأفراد يشكّلون 95% من حجم التداول اليومي.
وحسب الباحثين في الدراسة صعدت مستويات الديون عبر البنوك خصوصاً تلك المستهدفة بـ«أغراض أخرى»، أي التي لا تتعلق بشراء العقارات والسلع، بنحو 5 مرات حتى عام 2005، رغبةً من هؤلاء المستثمرين قليلي الخبرة والدراية بالتداولات المالية في الاستفادة من هكذا طفرة استثمارية حينها.


مقالات ذات صلة

«أرامكو» تجمع 4 مليارات دولار عبر إصدار سندات دولية رباعية الشرائح

الاقتصاد مبنى «أرامكو» في «كافد» بالرياض (أ.ف.ب)

«أرامكو» تجمع 4 مليارات دولار عبر إصدار سندات دولية رباعية الشرائح

أعلنت شركة «أرامكو السعودية» أنها أكملت بنجاح عملية إصدار سندات دولية بقيمة 4 مليارات دولار عبر 4 شرائح.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد لافتة لمحطة وقود تابعة لشركة «أرامكو» على مشارف الرياض (أ.ف.ب)

إقبال قياسي... 10.5 مليار دولار طلبات أولية لسندات «أرامكو»

شهد سجل أوامر الاكتتاب في سندات «أرامكو السعودية» الدولية المقوّمة بالدولار، إقبالاً لافتاً في ساعاته الأولى، حيث تجاوز إجمالي الطلبات 10.5 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مستثمرون سعوديون يقفون أمام شعار «أرامكو» خلال المنتدى العالمي العاشر للتنافسية (أ.ف.ب)

مستفيدةً من ظروف السوق... «أرامكو» تطرح سندات دولية بالدولار

أعلنت «أرامكو السعودية»، يوم الاثنين، بدء إصدار سندات دولية مقوَّمة بالدولار الأميركي، بموجب برنامجها للسندات الدولية متوسطة الأجل.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد شعار «أرامكو» (رويترز)

«أرامكو السعودية» تحدد أسعاراً استرشادية لسندات دولارية بـ4 شرائح

قدَّمت شركة «أرامكو السعودية» أسعاراً استرشادية لأربع شرائح من السندات المقوّمة بالدولار، وفقاً لما ذكرته وكالة أنباء الدخل الثابت (IFR) يوم الاثنين.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد الناصر يتحدث في إحدى جلسات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (أ.ف.ب)

رئيس «أرامكو» من دافوس: توقعات «تخمة المعروض» مبالغ فيها بشدة

أكد الرئيس التنفيذي لشركة «أرامكو السعودية»، أمين الناصر، أن التنبؤات المنتشرة حول حدوث «تخمة» في إمدادات النفط العالمية هي تنبؤات «مبالغ فيها إلى حد بعيد».

«الشرق الأوسط» (دافوس)

«جونسون كنترولز العربية»: فرص النمو في السعودية تتجه للذكاء الاصطناعي

TT

«جونسون كنترولز العربية»: فرص النمو في السعودية تتجه للذكاء الاصطناعي

الرئيس التنفيذي لشركة «جونسون كنترولز العربية» د. مهند الشيخ (الشرق الأوسط)
الرئيس التنفيذي لشركة «جونسون كنترولز العربية» د. مهند الشيخ (الشرق الأوسط)

مع تسارع التحولات الاقتصادية عالمياً، وإعادة الدول ترتيب أولوياتها الاستثمارية وسلاسل الإمداد، تبرز السعودية لاعباً محورياً بفضل رؤيتها الواضحة لتمكين القطاع الخاص وجذب الاستثمار الأجنبي.

هذا ما أكده الرئيس التنفيذي لشركة «جونسون كنترولز العربية»، الدكتور مهند الشيخ، موضحاً أن الفرص التجارية في المملكة تتجه بقوة نحو الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات العملاقة التي يتوقع أن تحقق نمواً سنوياً يصل إلى 29 في المائة على مدى ما بين 7 و8 سنوات مقبلة، بالتوازي مع المشروعات العملاقة والسياحة الدينية والانفتاح المتنامي على تملك الأجانب العقار.

جاءت تصريحات الشيخ لـ«الشرق الأوسط» على هامش «منتدى صندوق الاستثمارات العامة والقطاع الخاص»، في الرياض، حيث أوضح أن «المشهد الاقتصادي في المملكة اليوم يقوم على رؤية استثمارية وتجارية واضحة، مدعومة بتشجيع الاستثمار الأجنبي، وتمكين القطاع الخاص ليكون شريكاً رئيسياً في النهضة الاقتصادية الجارية».

وقال إن التحول العالمي الناتج عن الأحداث الجيوسياسية والاقتصادية جعل الدول أعمق وعياً بأهمية بناء قواعد إنتاج محلية قوية؛ «مما استفادت منه السعودية عبر تسريع برامج التوطين وتعزيز بيئة الأعمال».

الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات

ويرى الشيخ أن الحصة الكبرى من فرص النمو خلال السنوات المقبلة ستكون في مجال الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات الضخمة، مشيراً إلى وجود نقص عالمي في الكفاءات المختصة بتصميم وهندسة هذه المراكز، وكذلك بتصنيع المعدات المرتبطة بها.

وأضاف أن نجاح مراكز البيانات يعتمد بشكل أساسي على سرعة التنفيذ وطرح المشروعات في السوق للمستثمرين أو المستفيد النهائي؛ «مما يجعل توفر الموارد البشرية المؤهلة عاملاً حاسماً».

ولفت إلى أن المملكة «بحكم أنها مصدر رئيسي للطاقة، فإن تمتلك ميزة تنافسية مهمة في هذا المجال، خصوصاً أن مراكز البيانات تعتمد بشكل كبير على الطاقة والتبريد». كما أشار إلى «الاستثمارات المعلنة من قبل شركات محلية من بينها (هيوماين) و(إس تي سي)، إلى جانب التركيز المتصاعد من الجامعات السعودية على إطلاق برامج علمية تدعم احتياجات القطاع الخاص في هذا المجال الذي يشهد نقصاً عالمياً في المهارات».

وأضاف أن موقع المملكة الجغرافي الذي يربط الشرق بالغرب، إلى جانب بنيتها التحتية الرقمية، «يعززان من جاذبيتها بوصفها مركزاً إقليمياً لمراكز البيانات المتصلة بالذكاء الاصطناعي».

إلى جانب التكنولوجيا، أشار الشيخ إلى أن «المشروعات العملاقة المقبلة، واستضافة المملكة فعاليات دولية كبرى، من بينها (كأس العالم لكرة القدم) و(إكسبو)، سيفتحان آفاقاً واسعة أمام قطاعات متعددة». كما توقع نمواً كبيراً في مكة المكرمة والمدينة المنورة بمجال السياحة الدينية، مدعوماً بانفتاح السوق السعودية على الاستثمار الأجنبي والسماح بتملك الأجانب العقار.

محفزات التوطين

وبشأن العوامل الأساسية لنجاح مشروعات التوطين، أوضح الشيخ أن السوق السعودية تمثل ما بين 60 و70 في المائة من سوق الشرق الأوسط؛ «مما يجعل وجود الصناعات داخل المملكة ضرورة تفرضها سرعة الوصول إلى المنتج النهائي، قبل أن يكون مطلباً تنظيمياً». وأضاف أن المحفزات الحكومية لعبت دوراً داعماً من خلال تشجيع توطين بعض الصناعات وتعزيز سلاسل الإمداد.

وبين أن «جونسون كنترولز العربية» تعمل مع نحو 280 مورداً، وأن بعض منتجاتها تضم ما يصل إلى 40 ألف جزء؛ «مما يجعل استدامة سلاسل الإمداد عنصراً حيوياً للمصنعين». كما شدد على أهمية التعاون مع الجامعات السعودية في البحث والتطوير، مشيراً إلى أن هذا التعاون أسهم في رفع المحتوى المحلي؛ «بل ومكّن الشركة من تصنيع منتجات في السعودية وتصديرها إلى أسواق أميركية؛ نظراً إلى تطابق معايير الاستهلاك والجودة».

وأضاف أن وجود مراكز بحث وتطوير ومختبرات محلية يسرّع تطوير المنتجات ويساعد الشركات على تلبية متطلبات الأسواق الإقليمية والدولية.

سلاسل الإمداد وفرص المستقبل

وبشأن توطين سلاسل الإمداد، قال الشيخ إن جائحة «كوفيد19» كانت نقطة تحول عالمية؛ إذ أدركت الدول خلالها أهمية تأمين احتياجاتها داخلياً. وأوضح أن المملكة تشهد اليوم «ثورة اقتصادية» على مستوى المشروعات والبيئة الاستثمارية، «مع توفر قاعدة صناعية محلية قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي في كثير من المنتجات النهائية».

وأشار إلى أن «الفرص لا تزال واسعة أمام المستثمرين العالميين للدخول في مجال توطين سلاسل الإمداد»، لافتاً إلى أن «هذا القطاع تحديداً ما زال يحمل إمكانات نمو أكبر مقارنة بالمنتجات النهائية التي حققت السعودية فيها مستويات متقدمة من الاكتفاء».

منصة تربط العرض بالطلب

وقال الرئيس التنفيذي إن «منتدى صندوق الاستثمارات العامة والقطاع الخاص» يمثل منصة عملية تجمع جميع الأطراف لتمكين الفرص وتحويلها إلى شراكات ومشروعات ملموسة.

يذكر أن «المنتدى» يجمع بين العرض والطلب، عبر ربط شركات محفظة الصندوق بالجهات الحكومية والمستثمرين وشركات القطاع الخاص، بما يفتح آفاقاً واسعة لعقد شراكات جديدة وتشكيل موجة تالية من المشروعات التي تعزز دور القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني.

ويختصر الشيخ المشهد بالقول إن «المملكة اليوم تعمل على بناء منظومة متكاملة تشمل الصناعة، والابتكار، وسلاسل الإمداد، والكوادر البشرية؛ مما يضعها في موقع متقدم للاستفادة من موجة التحول العالمي المقبلة، خصوصاً في مجالات الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والصناعات المتقدمة».


«مانيفستو العُلا» يُنهي حقبة «التبعية» للاقتصادات الناشئة

«مانيفستو العُلا» يُنهي حقبة «التبعية» للاقتصادات الناشئة
TT

«مانيفستو العُلا» يُنهي حقبة «التبعية» للاقتصادات الناشئة

«مانيفستو العُلا» يُنهي حقبة «التبعية» للاقتصادات الناشئة

لم يكن البيان المشترك الصادر عن وزير المالية السعودي محمد الجدعان، والمديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، في ختام «مؤتمر العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة»، مجرد توثيق روتيني لانتهاء الفعاليات؛ بل جاء ليعلن عمَّا يمكن وصفه بـ«مانيفستو العُلا» الاقتصادي الجديد الخاص بالاقتصادات الناشئة.

ولمن يتساءل عن ماهية «المانيفستو»؛ فهو في العُرف السياسي والاقتصادي «وثيقة مبادئ علنية» تُحدد أهدافاً استراتيجية ونيّات حاسمة لإحداث تغيير جذري في واقع قائم. وفي قلب العُلا، لم يكن هذا البيان مجرد كلمات، بل كان «ميثاقاً» يضع خريطة طريق لإنهاء حقبة «التبعية الاقتصادية» وتأسيس عهد تكون فيه الاقتصادات الناشئة هي القائد لا التابع.

التحليل العميق لمخرجات هذا «المانيفستو» يكشف عن تحول جذري: فالاقتصادات الناشئة لم تعد «الخاصرة الضعيفة» التي تئنّ تحت وطأة أزمات الدول المتقدمة، بل تحوّلت إلى «صمّام أمان» يقود اليوم 70 في المائة من النمو العالمي.

لقد أبرز مؤتمر العُلا الصمود الاستثنائي للاقتصادات الناشئة في وجه العواصف الجيوسياسية، بالتقاطع مع إطلاق تنبيه صارم مفاده أن «هذا ليس وقت التراخي». وفي البيان الختامي الصادر عن الجدعان وغورغييفا، تم التأكيد أن المؤتمر في نسخته الثانية رسَّخ مكانته منتدىً عالمياً مخصصاً يركز على التحديات والفرص المشتركة.

كما شدد الجدعان وغورغييفا على أن المرحلة المقبلة تفرض «ضرورة ملحة لتعزيز أطر السياسات والمؤسسات لدعم قدرة الاقتصادات الناشئة على الصمود واستغلال الفرص الكامنة، خصوصاً في ظل بيئة عالمية يكتنفها عدم يقين مستمر، وتحولات جيوسياسية عميقة، وتغير متسارع في أنماط التجارة العالمية والتكنولوجيا».

وقال البيان: «على مدى اليومين الماضيين، ركّزت المناقشات على كيفية تمكّن اقتصادات الأسواق الناشئة من التعامل مع بيئة عالمية تتسم باستمرار حالة عدم اليقين، والتحولات الجيوسياسية، وتغيّر أنماط التجارة، والتطور التقني المتسارع. وتُبرز هذه التحولات العميقة الحاجة الملحّة إلى تعزيز أطر السياسات والمؤسسات بما يدعم القدرة على الصمود ويُمكّن من اغتنام الفرص المتاحة في المرحلة المقبلة».

كسر قاعدة «الزكام» التاريخية

أبرزت مخرجات المؤتمر رسالة جوهرية وهي كسر القاعدة التاريخية التي تقضي بإصابة الأسواق الناشئة بـ«الزكام» كلما عطست الدول المتقدمة. فقد أشار البيان إلى أن الأطر السياساتية الموثوقة التي تبنتها هذه الدول جعلتها أكثر صموداً في وجه التضخم وتقلبات العملات، مما حافظ على قدرتها على النفاذ إلى الأسواق العالمية حتى في ظل ذروة عدم اليقين.

الإصلاحات

كما حدد البيان المشترك أن التحدي الحقيقي الآن ليس مجرد «البقاء» بل «الازدهار» والانطلاق إلى المرحلة التالية من الإصلاحات، وهي الإصلاحات التي تحقق نمواً أعلى وأكثر استدامة وزيادة بفرص العمل. وهنا تبرز ركائز المرحلة المقبلة التي تتجاوز استقرار المؤشرات الكلية إلى تحسين مستوى معيشة الشعوب عبر:

  • إطلاق عنان القطاع الخاص بوصفه المحرك الأساسي، مع ضرورة تقليل البيروقراطية وتعميق الأسواق المالية.
  • الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية.
  • الاستثمار في «الإنسان»: تأهيل الشباب في الدول الناشئة ليكونوا وقوداً لسوق العمل العالمية المتغيرة، وليس مجرد عبء ديمغرافي.

كما بعث المؤتمر برسالة مفادها أنه في ظل التحولات المتسارعة في أنماط التجارة والاستثمار، فإن تعميق التكامل داخل الإقليم وبين الأقاليم المتعددة يوفر فرصاً واعدة ومهمة. ويبقى تمكين التجارة وتعزيز التعاون الإقليمي أمرين أساسيين لاقتصادات الأسواق الناشئة في إطار تكيفها مع المشهد الاقتصادي العالمي المتغير.

تحذير من فخ الظروف المواتية

توازياً مع البيان الختامي، قدم الجدعان وغورغييفا في مقال تحليلي مشترك نشرته «بروجيكت سينديكيت» (Project Syndicate) العالمية، قراءة نقدية لمستقبل الأسواق الناشئة. وقد انطلق المقال من حقيقة تاريخية تغيرت؛ فبينما كان يُقال قديماً: «إذا عطست الاقتصادات المتقدمة، أصيبت الأسواق الناشئة بالزكام»، أثبتت الأزمات الأخيرة -من تضخم ما بعد جائحة «كورونا»، إلى موجات التعريفات الجمركية- أن الأسواق الناشئة باتت تمتلك حصانة ذاتية، حيث استقرت عملاتها، وتباطأ التضخم فيها، وبقيت تكاليف ديونها تحت السيطرة.

ورغم هذا الصمود، حدد الجدعان وغورغييفا «نقاط اليقظة» في أربعة محاور استراتيجية:

أولاً- حذر من «فخ التراخي» والمكاسب الهشة: أكد الجدعان وغورغييفا أن هذا ليس وقت الركون للهدوء.

ثانياً- التحول من «الدفاع» إلى «الهجوم» عبر الإصلاحات: أشاد الجدعان وغورغييفا بنماذج إصلاحية ناجحة؛ مثل البرازيل التي كانت سباقة في رفع الفائدة لمواجهة التضخم، ونيجيريا التي أصلحت نظام تسعير الطاقة، ومصر التي توسع قاعدتها الضريبية وتعتمد الرقمنة. وشددا على أن الصمود لا يترجَم تلقائياً إلى نمو، بل تجب الموازنة بين سياسات تعزيز النمو والحفاظ على «الهوامش المالية» (الاحتياطيات) للحماية من التقلبات.

ثالثاً- الذكاء الاصطناعي والاستثمار في «العنصر البشري»: دعا الجدعان وغورغييفا الدول الناشئة إلى الاقتداء بـالسعودية والهند ودول الخليج في استثماراتها الضخمة في البنية التحتية الرقمية، ووصفاها بالأساس الضروري لتبني الذكاء الاصطناعي. كما ركزا على «العائد الديمغرافي»، مؤكداً أن السكان الشباب هم «أصول اقتصادية» هائلة، لكن بشرط الاستثمار المكثف في تعليمهم وتدريبهم لمواجهة تحديات سوق العمل العالمية.

رابعاً- «التكامل» في مواجهة «التشرذم الجيوسياسي»: أقر الجدعان وغورغييفا بأن التوترات في التحالفات القديمة خلقت حالة من عدم اليقين، لكنها في المقابل خلقت فرصاً لأنماط جديدة من التعاون. وأشارا إلى أن دولاً في جنوب شرق آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية بدأت بالفعل في صياغة روابط تجارية ومالية أعمق، مما يجعل «التعاون الإقليمي» أداة بقاء وازدهار في ظل تراجع العولمة التقليدية.

واختتم الجدعان وغورغييفا بيانهما المشترك بالإعراب عن التقدير للالتزام الذي أبدته اقتصادات الأسواق الناشئة بالتكاتف وتبادل الخبرات واتخاذ خطوات حاسمة لمواجهة التحديات العالمية، متطلعَين إلى مواصلة هذه المناقشات والبناء على هذا الزخم في النسخ المقبلة من مؤتمر العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة.

إن «مانيفستو العُلا» لم يعد مجرد كلمات في ختام مؤتمر، بل هو تعهد دولي بصياغة مستقبل يقوده «المحرك السيادي» للاقتصادات الناشئة، متطلعين إلى بناء زخم أكبر في النسخ المقبلة من هذا المنتدى العالمي الفريد.


رئيس «إنرجيان إنترناشونال»: مصر وجَّهت شركات النفط بمضاعفة الإنتاج بحلول 2030

سفينة حاويات تمر بجوار منصة نفطية في خليج السويس (رويترز)
سفينة حاويات تمر بجوار منصة نفطية في خليج السويس (رويترز)
TT

رئيس «إنرجيان إنترناشونال»: مصر وجَّهت شركات النفط بمضاعفة الإنتاج بحلول 2030

سفينة حاويات تمر بجوار منصة نفطية في خليج السويس (رويترز)
سفينة حاويات تمر بجوار منصة نفطية في خليج السويس (رويترز)

قال نيكولاس كاتشاروف الرئيس التنفيذي لشركة «إنرجيان ‌إنترناشونال»، ​الثلاثاء، إن ‌مصر وجَّهت شركات النفط الدولية بمضاعفة ⁠الإنتاج ‌بحلول عام ‍2030.

وأضاف، وفقاً لـ«رويترز»، أن العقود الحالية تحتاج إلى إعادة ​التفاوض لزيادة إنتاج مشاريع إعادة ⁠تطوير المناطق.

وأوضح أن أسعار الغاز المنخفضة التي دعمت مراحل التطوير السابقة قد «انتهت»، مما يستدعي تحديث الشروط لتشجيع الشركات على استثمار رؤوس أموالها وزيادة الإنتاج في المواقع القائمة.وقال: «لا أستطيع تحديد السعر بدقة، لكن هناك فرقا شاسعا بين أسعار الغاز المحلي وأسعار الغاز المستورد». وأشار إلى أن شركته مدينة لمصر بأكثر من 200 مليون دولار، وقد استلمت مؤخراً 80 مليون دولار، مؤكداً أن الشركة لا تزال واثقة من تعهدات وزير البترول بتسديد المتأخرات المتبقية. كما ذكر أن تدفقات الغاز من إسرائيل إلى مصر قد ارتفعت، وأن خط الأنابيب يعمل الآن بكامل طاقته.