الجيل الجديد في كشمير يستغل الموسيقى أداةً للتعبير السياسي

أغانٍ تلامس مصطلحات وتعبيرات عن المقاومة وجذب الانتباه لقضايا معينة

وجهان من الجيل الجديد من الموسيقيين في كشمير
وجهان من الجيل الجديد من الموسيقيين في كشمير
TT

الجيل الجديد في كشمير يستغل الموسيقى أداةً للتعبير السياسي

وجهان من الجيل الجديد من الموسيقيين في كشمير
وجهان من الجيل الجديد من الموسيقيين في كشمير

في 7 أغسطس (آب)، بعد يومين من إلغاء الحكومة الهندية الوضع الخاص لجامو وكشمير، كان أحمر جاويد (24 عاماً)، المقيم في سريناغار، عائداً إلى منزله قادماً من دلهي، حيث كان مشاركاً في حفلات موسيقية لأغانٍ من ألبومه الأول «طفل صغير وأحلام كبيرة».
ويعتبر أحمر واحداً من كثير من أبناء كشمير ممن استغلوا الموسيقى أداة للتعبير السياسي. كانت أجيال متعاقبة من الموسيقيين استغلوا أغانيهم الشعبية وسيلة للتعبير عن الاعتراض السياسي والآمال الشخصية، وجذب الانتباه لقضايا معينة، وفتح حوار حول أخرى. وفي خضم الصراع، لامست أغاني الجيل الجديد من المغنين ومؤلفي الأغاني، الشباب داخل كشمير، وأضفت مصطلحات وتعبيرات جديدة على المقاومة.
وتعكس أغاني هؤلاء المطربين الأحداث المحيطة بهم والحياة داخل كشمير. ويستغل هؤلاء الموسيقيون القضايا السياسية محوراً لأغانيهم، ومع أن أغانيهم التي ينتجونها في الغالب داخل منازلهم، لا تتسم بمستوى رفيع من الجودة، فإنهم يحرصون باستمرار على تنمية مهاراتهم. كما أنهم لا يخجلون من التعبير عن مشاعرهم حول الصراع المشتعل منذ عقود داخل وطنهم.
على سبيل المثال، عبر أغاني ألبومه الأول «طفل صغير وأحلام كبيرة»، الذي أطلقه في يوليو (تموز)، يقتفي جاويد قصة كشمير عبر عقود. مثلاً، تقول كلمات أغنيته «إيلان»: «من أين أتيت؟ من أخطر مكان على الكوكب. إنهم يحرموننا من العدالة. ويسعدون بانتهاك حقوقنا. هنا إذا علقت أحذيتهم، ستظل صاحب شأن. أما إذا أيدت الحقيقة، ستصبح مجرماً!». ويرى المغني أن هذه الأغنية تعد بمثابة «صيحة حرب في وجه كل من يستغل الاختلافات الاجتماعية ـ السياسية والدينية في تقسيم صفوف الكشميريين».
ويعتمد الأسلوب المميز لجاويد في الأغاني على تعرية الحقائق والقصص، وحث المستمع على إمعان النظر فيها والحكم بنفسه عليها، بدلاً عن توجيهه نحو نتيجة بعينها.
وقال جاويد إنه تعلم روح المقاومة والتمرد الكامنة في كلمات الأغاني من أبناء البشرة السمراء وأصحاب الأصول اللاتينية في تصديهم للقمع الذي يواجهونه داخل الولايات المتحدة، وقال: «يدور الأمر حول نقل رسالة والتعبير عما داخل الإنسان ـ وكان هذا من الأمور المهمة في حياتي أيضاً. لقد عاينت كيف تحدث أبناء البشرة السمراء داخل الغيتوهات الخاصة بهم علانية ضد الانتهاكات التي يتعرضون لها من وحشية الشرطة وما إلى غير ذلك. وشعرت أن هذا الجزء يمسني». بوجه عام، تعمل الموسيقى متنفساً للشباب للتعبير عن آرائهم وإبداء بعض المقاومة للخطاب المفروض من جانب الحكومة. كما تكشف الموسيقى عن إرث ثقافي ثري في كشمير يختفي خلف سحابة كثيفة من الكراهية الطائفية والاضطرابات السياسية.
وقال مغني «الروك»، علي سيف الدين، إن موسيقاه تأثرت بما يجري في الشوارع. وأضاف: «في كشمير، هناك موجة جديدة من المقاومة من خلال الفن والكثير من الصبية ينضمون إليها».
جدير بالذكر أن واحدة من أغاني المقاومة الخاصة بسيف الدين تقول كلماتها: «كم عدد الشباب الذين ستقتلون، من كل منزل سيخرج شاب، وسيتدفق الدم في الشرايين، وستشتعل حالة جنون محموم». وبفضل أغاني المقاومة التي يشدو بها، نجح سيف الدين في الوصول إلى العالمية، فقد ظهر ببرنامج خاص بشبكة «بي بي سي» في لندن، وتحدث عن الأوضاع الاجتماعية والسياسية في كشمير، والحظر المفروض من فترة طويلة بالإقليم وانتهاك حقوق المواطنين.
جدير بالذكر أن أول أغنية «راب» تعترض على الأوضاع في كشمير جاءت عام 2010 أثناء موجة الاضطرابات التي شهدها العام عندما غنى مطرب من سريناغار، كان عمره حينذاك 20 عاماً اشتهر باسم «إم سي كاش»، أغنية بعنوان «أنا أعترض» حققت نجاحاً كبيراً. ويعتبر المطرب «إم سي كاش»، واسمه الحقيقي روشان إلاهي، من الأسماء الرائدة بمجال أغاني «هيب هوب» الباكستانية.
وينسب الفضل إلى إلاهي، وهو ابن شاعر معروف، عن إدخال موسيقى «الراب» إلى كشمير من خلال أغنيته «أنا أعترض»، التي تنضح كلماتها بالتحدي، وتقول: «أنا أعترض! على كل ما فعلتموه، أنا أعترض! نيابة عن الأم التي فقدت ابنها، أنا أعترض! سأقذف الحجارة، وأنا أعترض!»، وفي عام 2010 نشر إلاهي الأغنية عبر شبكة الإنترنت، وأصبحت أيقونة غنائية للاعتراض والتحدي.
من جهته، قال إلاهي: «عندما خرجت عام 2010، كنت واضحاً للغاية ومباشراً للغاية، وهذا واحد من العناصر الرئيسية لأغاني (هيب هوب) أو (راب). من جانبي، أقف ضد الظلم والقمع وكل ما هو خطأ. وسأظل في التعبير عن هذا الرفض، إن شاء الله، وسأستمر في الغناء».
الملاحظ أن غالبية هؤلاء المطربين الذين استغلوا أغاني «الراب» في التعبير عن آراء سياسية من مواليد التسعينيات، عندما كانت الحركات المسلحة داخل كشمير في ذروة نشاطها.
وبينما اتسمت أغاني «إم سي كاش» بالتعبيرات الواضحة والصريحة، فقد أيد مثلاً إلقاء الحجارة، اختار الفنانون التالون مثل زيشان نابي (26 عاماً) إبقاء أغانيهم ذكية وأقل إثارة للمشكلات. وبينما دارت أغاني «إم سي كاش» حول كشمير، على وجه الخصوص، قال زيشان إنه يعمد إلى ترك أغانيه بنهاية مفتوحة. وقال: «الفن بحاجة لأن يكون كياً كي يبقى».
جدير بالذكر أن زيشان يملك استوديو يدعى «ميراكي» يحاول من خلاله التواصل مع الفنانين الراغبين في تلحين وغناء موسيقى أصلية. وقال زيشان الذي درس الموسيقى الهندية والغربية في «كيه إم كوليدج أوف ميوزيك آند تكنولوجي» في تشيناي عام 2012، إن الفن «شكل جزءاً من كل ثورة» اشتعلت على مر التاريخ. في الكلية، بينما كان أصدقاؤه يؤلفون أغاني عن الحب، كان زيشان منهمكاً في تلحين أغانٍ يغلب عليها الحزن واليأس.

وقال: «كانت هناك دوماً نبرة حزينة في موسيقاي، وذلك بسبب الصراع الذي عايشته منذ طفولتي».
وفي الوقت الذي يظهر فنانون جدد من تلقاء أنفسهم، فإن البعض مثل شايان نابي (29 عاماً)، لا يلحن أغاني، وإنما مستمر في تأليف الكلمات فحسب. ومن بين أوائل مغني «الراب» في كشمير، شايان، الذي يقول إنه استقى إلهامه من «إم سي كاش»، صديقه. وقال: «أنار (إم سي كاش) الطريق وكيف يمكن إنجاز الأمور، وكيف يمكن للمرء إظهار مهاراته عبر البقاء مرتبطاً بصدق بجذوره. إن كشمير مكان مليء بالقصص. ولذلك، فإنه باعتباري فناناً في كشمير، تكمن مسؤوليتي في دفع هذه القصص قدماً».
الملاحظ أن بعض هؤلاء المغنين الذين يغنون بالهندوستانية لديهم معجبون ومستمعون من مختلف أرجاء الهند.
من ناحيته، يعمل محمد منعم في فرقة «ألف» الموسيقية، التي تتميز أغانيها بالموسيقى المرتفعة والحادة بعض الشيء، وتملك كلمات أغاني فرقته القوية القدرة على البقاء بداخلك لفترة طويلة. ويميل منعم لاختيار أغانيه من الفولكلور الكشميري والحديث عن الدماء الذي خلفه عقدان من الصراع في كشمير.
ولد منعم عام 1983، وتولى تدريب نفسه بنفسه على عزف الموسيقى والتلحين، وجاء مولده قبل 6 سنوات تقريباً من اشتعال حركة التمرد في كشمير. وقال المغني صاحب الأعوام الـ35: «لدى كل فرد من أبناء كشمير قصة مأساوية بحياته، وفي قلب كل واحد منهم ندبة لا تندمل».
يجمع منعم في أغانيه بين موسيقى البوب الغربية والموسيقى الكشميرية التقليدية، مع الاعتماد على آلات موسيقية محلية، وتحمل أغانيه أصداء الآلام التي تكابدها غالبية الكشميريين. وشارك منعم بالعديد من المهرجانات الغنائية بمختلف أرجاء الهند. وتحمل إحدى أغانيه اسم «إيكيبانا»، اسم فن ترتيب الزهور باليابانية، وخصصها إلى من فقدوا أحباءهم في الصراع الكشميري.
من بين المغنين المشهورين الآخرين وينيت تيكو الذي يبدو وكأن كل شيء من حوله يقف ساكناً دونما حراك، بمجرد أن ينطلق صوته بالغناء، وذلك بفضل صوته العذب الشجي والموسيقى الدافئة التي تحمل عبق تلال ووديان كشمير. ولد تيكو ونشأ داخل كشمير، لكنه يعيش حالياً في مومباي، وتعكس موسيقاه بعمق التقاليد الصوفية في كشمير. وتتميز أغانيه بقوتها ومزجها بين عناصر كشميرية تقليدية وأخرى غربية من موسيقى «روك آند رول». وشارك تيكو في مهرجانات وحفلات كبرى.
وقال تيكو: «لا أحاول استغلال الموسيقى في التعبير عن آرائي السياسية. لقد كانت تجربة مؤلمة أننا كنا بين مئات الآلاف من الكشميريين الذين أجبروا على الفرار من ديارهم وأرضهم بسبب أعمال عنف مسلحة وخلافات دينية. لقد سامحت، لكنني لم أنسِ ما حدث لنا».
أيضاً، هناك فرقة في بنغالور تدعى «بارفاز»، التي يعتبر خالد أحمد المغني الأول بها، وكذلك مير كاشف إقبال (عازف الغيتار)، واللذان ينتميان إلى سريناغار ويحرصان دوماً على إحياء كشمير دوماً وقضيتها في موسيقاهما. وتحظى الفرقة بشهرة واسعة بمختلف أرجاء البلاد لقدرة موسيقى الفرقة على ملامسة الروح واعتمادها على أشعار شعراء كشميريين مشهورين.
اللافت أن الجزء الأكبر من جمهور الفرقة من خارج كشمير، ما يحمل دلالات عميقة عن مدى القبول الواسع للموسيقى والفن الكشميري.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».