المواد النانومترية المصنّعة... منافع علمية ومخاوف بيئية

المواد النانومترية المصنّعة... منافع علمية ومخاوف بيئية
TT

المواد النانومترية المصنّعة... منافع علمية ومخاوف بيئية

المواد النانومترية المصنّعة... منافع علمية ومخاوف بيئية

حصل على جائزة نوبل في الكيمياء عام 2016 ثلاثة علماء طوّروا «آلات جزيئية» يمكن دفعها داخل جسم الإنسان لنقل عقار دوائي إلى خلايا محدّدة. وتعدّ هذه الجائزة تتويجاً لعمل استمر ثلاثة عقود، ونتج عنه ما يمكن وصفه بسيارة يبلغ طولها أربعة نانومترات ذات أربع عجلات تعمل بمحرك جزيئي، مما يعني نجاح العلماء في الربط بين الجزيئات لتصميم أي شيء وتصغيره.
هذه الآلات الجزيئية، التي يقل حجمها عن حجم الشعرة آلاف المرات، تفتح باباً واسعاً في تكنولوجيا النانو، يفضي إلى تطبيقات واعدة لتصاميم المواد الذكية الدقيقة الحجم والفائقة التأثير. وفي المقابل، تتضمن الابتكارات النانوية المتسارعة استخدام مواد ذات خواص فيزيائية وكيميائية مستحدثة يمكن لها أن تبدّل العالم على نحو غير متوقع.
تتكوّن المواد النانومترية من جزيئات فائقة الصغر، يقلّ أحد أبعادها عن 100 نانومتر (النانومتر هو جزء من مليون جزء من الميلليمتر). وهي، بصفتها هذه، ليست أمراً جديداً، كما أنها ليست مصنّعة بمجملها بل توجد في الطبيعة. الجديد هي قدرتنا المتزايدة على تصميمها هندسياً من مواد شائعة، لأغراض وظيفية دقيقة في الطب والبيئة والطاقة وغيرها.
تظهر المواد النانومترية في العالم الطبيعي عبر تشكيلات إحيائية وفيزيائية كثيرة، كهياكل العوالق البحرية والشعاب المرجانية وريش الطيور وشبكات العنكبوت، كما في نسيج الحرير والقطن والرماد البركاني وغيرها. وتعدّ المواد النانومترية الطبيعية بصفة أساسية نواتج عن عمليات كيميائية وكيميائية ضوئية وميكانيكية وحرارية وبيولوجية.
وتشير الأبحاث إلى أن بعض طرق التحضير المستخدمة في الطب التقليدي تُنتج بصورة عرضية مواد نانومترية ذات خواص فريدة. كما يعتقد الباحثون أن أساليب الطرق والسحب التي استخدمت في تصنيع السيوف الدمشقية منحتها شهرتها التاريخية بفضل الهياكل النانومترية المتشكّلة ضمن الفولاذ، مما جعلها قوية مرنة وخفيفة الوزن. وتعدّ تقنية صناعة السيف الدمشقي أحد الأسرار التي فقدت عبر الزمن، ولا تزال مثار الأبحاث العلمية حتى الآن.
تستخدم المواد النانومترية اليوم في طيف واسع من المنتجات، مثل الأجهزة الإلكترونية وفلاتر تحلية مياه البحر وإزالة التلوث والخلايا الكهروضوئية ومنتجات العناية الشخصية والملابس وغيرها. ورغم كثرة المواد النانومترية التي يجري تطويرها، فهي تنطوي على مخاطر كبيرة نتيجة عدم كفاية معرفتنا بآثار هذه المواد على صحة الإنسان والبيئة على المدى الطويل.

- عالم من التطبيقات
في قصة «أليس في بلاد العجائب»، تبتلع أليس جرعة تجعل حجمها متناهي الصغر، مما يسمح لها الولوج إلى عالم من الكائنات والشخصيات التي تختلف في تصرفاتها عن نظيراتها في العالم الأكبر حجماً. وبالمثل، تتغير الخواص والسلوكيات الفيزيائية والكيميائية والضوئية والمغناطيسية والكهربائية للمواد النانومترية بالمقارنة مع المواد ذاتها عندما تكون بأحجام كبيرة. ويحدث ذلك نتيجة الزيادة الضخمة في النسبة بين السطح والحجم وظهور الآثار الكمّية مع صغر حجم المادة.
إن إنتاج نسخة بحجم النانو من مادة ما يمكن أن ينتج قدرات في مواد تعد خاملة في غير هذا الحجم. فالذهب الخام مثلاً يستجيب للمجال المغناطيسي بشكل محدود للغاية، لكن جزيئات الذهب النانومترية تملك خواص مغناطيسية غير عادية.
وتستخدم الأشكال النانومترية من معادن مثل الفضة والتيتانيوم والزنك وأكاسيدها في معاجين الأسنان ومستحضرات التجميل والحماية من الشمس والطلاء والملابس والأطعمة. ونظراً لخصائصها المضادة للميكروبات، تُدمج الفضة النانومترية على نطاق واسع في العديد من المنتجات الاستهلاكية، مثل المنسوجات الرياضية والأحذية ومزيلات العرق ومستحضرات العناية الشخصية ومساحيق الغسيل.
وتتميز أنابيب الكربون النانومترية (الغرافين) بخصائص استثنائية، فهي أقوى من الصلب وتوصل الكهرباء أفضل من النحاس وتتمتع بتوصيل حراري أعلى من الماس. وتستخدم أنابيب الكربون النانومترية على نطاق واسع في بطاريات الليثيوم أيون وفي شفرات توربينات الرياح الخفيفة الوزن وفي صناعة هياكل القوارب وكابلات البيانات الرقمية وغيرها، وقد تخطى الإنتاج التجاري لأنابيب الكربون النانومترية آلاف الأطنان سنوياً.
ويبلغ معدل نمو سوق المواد النانومترية العالمي نحو 20 في المائة سنوياً، ومن المتوقع أن يصل حجم هذه السوق إلى 175 مليار دولار سنة 2025. ومع هذا النمو المتسارع، تسعى العديد من مراكز الأبحاث حول العالم إلى استكشاف المخاطر التي تنتج عن استخدام هذه المواد وتسرّبها إلى الأوساط الطبيعية والنظم الإيكولوجية، بما في ذلك آثارها على البيئة وصحة الإنسان.

- احذر مما تجهل
من المحتمل أن تؤدي زيادة إنتاج واستهلاك المواد النانومترية المصنّعة إلى انبعاثها غير المقصود في البيئة عند أي نقطة في دورة حياة المنتج. على سبيل المثال، تنبعث الفضة النانومترية من الملابس والأقمشة أثناء الغسيل، وتنبعث جزيئات ثاني أكسيد التيتانيوم النانومترية من الطلاء ومواد البناء إلى الهواء والماء نتيجة عوامل التعرية، وتصبح أنابيب الكربون النانومترية معلقة في الهواء أثناء الإنتاج أو تتحرر من مخلفات بطاريات الليثيوم أيون إلى التربة والمياه الجوفية.
هناك حالياً عدد محدود من الدراسات التي تفسّر مصير المواد النانومترية المصنّعة بمجرد انبعاثها في الغلاف الجوي والتربة والمياه والأوساط الحية، بما في ذلك سلوكها وتركيزها وانتقالها وتراكمها في سلاسل الغذاء وتفاعلاتها الكيميائية الحيوية. وفي المقابل تتوسع المعارف وتزداد البراهين على الآثار السمّية للمواد النانومترية.
في حالة الفضة النانومترية، يمكن أن يؤدي التسمم بها إلى مرض التصبّغ بالفضة، الذي يحوّل لون البشرة إلى الأزرق المعدني بصفة دائمة، كما يتسبب بالالتهابات الرئوية وتغيُّرات في وظائف الأعضاء واختلال الجهاز المناعي. ويمكن لثاني أكسيد السيليكون وثاني أكسيد التيتانيوم أن يسببا الالتهاب الرئوي.
وتظهر أنابيب الكربون النانومترية قدرتها على إلحاق الضرر بالجلد والعين والرئة وخلايا المخ، كما أنها تتراكم داخل الجسم. وهي تتشابه في بعض خصائصها مع ألياف الأسبستوس، إذ إنها ذات شكل إبري وهي ثابتة بيولوجياً ويمكنها اختراق الأنسجة والتسبب في الالتهابات.
وكانت أولى الإشارات إلى وجود مخاطر صحية للعمل في جوار الأسبستوس تعود إلى سنة 1898 إلا أن الحظر على الأسبستوس لم يطبّق حتى سنة 1999. أي بعد نحو 100 عام من تراكم الأدلة على حدوث الضرر وموت آلاف الأشخاص من الأسبستوس ذاته أو أنواع السرطان المرتبطة به.
والسؤال الذي يطرحه كثيرون: ما هي الدروس المستفادة من أبحاث قرن كامل لفهم المخاطر القاتلة التي يمثلها التعرض للأسبستوس عند إدارة المواد النانومترية وضمان سلامتها في المستقبل؟
من تجاربنا مع الأسبستوس وغيره من المواد الخطرة، نعلم أن قائمة التهديدات المحتملة طويلة، خاصة أن التعرض البيئي للمواد النانومترية المصنّعة أمر حتمي. وفي غياب الرصد الطويل الأمد والمعلومات العلمية حول سمّية المواد النانومترية، اتّسم ظهور الضوابط التشريعية واللوائح التنظيمية بالبطء، رغم المؤشرات المتراكمة حول إمكانية التعرض والمخاطر.
وكما في حالة الأسبستوس، فإن أول من يتعرض للمخاطر هم العمال، حيث مهدت الدراسات القليلة الأولى التي أجريت خلال العقدين الماضيين لتقييم التعرض المهني لأنابيب الكربون النانومترية الطريق نحو مزيد من التحقيقات في أماكن العمل. وكان من نتيجة ذلك قيام المنظمة الدولية لتوحيد المقاييس بوضع أولى الأدلة التوجيهية بشأن تحديد قيم التعرض المهني للهباء الجوي (الإيروسول) النانومتري في سنة 2007.
ونظراً لاتساع تطبيقات المواد النانومترية، يقع على الجهات التنظيمية اعتماد قوانين لضبط استخدامها في المواد الكيميائية والمستحضرات الصيدلانية ومستحضرات التجميل والغذاء، والإشارة إلى وجودها على لائحة المحتويات الملصقة على المنتج، مما يساعد في تنبيه المستهلكين.
في الاتحاد الأوروبي، تُستخدم «لوائح تسجيل المواد الكيميائية وتقييمها والتصريح بها وحظرها»، وذلك لضمان سلامة صحة الإنسان والبيئة من أي مادة كيميائية تُصنّع أو تُسوّق في الاتحاد الأوروبي. وعلى المستوى العالمي، وبموجب مبادرة «النهج الاستراتيجي للإدارة الدولية للمواد الكيميائية» التي يديرها برنامج الأمم المتحدة للبيئة، تعدّ المواد النانومترية إحدى التحديات البيئية الناشئة، حيث يجري العمل مع الحكومات وأصحاب المصلحة الدوليين لتيسير تبادل المعلومات بشأن تقنيات النانو والمواد النانومترية المصممة هندسياً، ولوضع إرشادات فنية وقانونية قابلة للتطبيق دولياً.
عند العمل مع التقنيات الجديدة، يوجد مزيج من الفرص والمخاطر وعدم اليقين، والأنسب تطبيق مبدأ التحوط لضمان سلامة المنتجات وعدم تسببها بالتلوث. وأمام هذه الفرص الواعدة، لا يملك العالم رفاهية تجاهل دروس الماضي حول الأضرار الكبيرة التي قد تطال صحة الإنسان وسلامة البيئة.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

باحثون: الأحياء التي تضم سيارات كهربائية أكثر تحظى بهواء أنقى

محطات شحن كهربائية لسيارات تسلا في مركز تسوق في بوكوم غرب ألمانيا (أ.ف.ب)
محطات شحن كهربائية لسيارات تسلا في مركز تسوق في بوكوم غرب ألمانيا (أ.ف.ب)
TT

باحثون: الأحياء التي تضم سيارات كهربائية أكثر تحظى بهواء أنقى

محطات شحن كهربائية لسيارات تسلا في مركز تسوق في بوكوم غرب ألمانيا (أ.ف.ب)
محطات شحن كهربائية لسيارات تسلا في مركز تسوق في بوكوم غرب ألمانيا (أ.ف.ب)

وجد باحثون درسوا بيانات من الأقمار الاصطناعية في ولاية كاليفورنيا الأميركية أن الأحياء التي يزداد بها عدد السيارات الكهربائية شهدت تراجعا في ​تلوث الهواء الناتج عن حرق الوقود الأحفوري.

وعلى العكس من ذلك، أكدت بيانات الأقمار الاصطناعية أيضا أن الأحياء التي زاد بها عدد السيارات التي تعمل بالوقود شهدت ارتفاعا في التلوث. وقالت رئيسة الدراسة ساندرا إيكل من كلية كيك للطب في جامعة جنوب كاليفورنيا في بيان «إننا حتى لم نصل بعد إلى مرحلة الاستخدام الكامل للسيارات الكهربائية، لكن ‌بحثنا يظهر أن ‌تحول كاليفورنيا نحو السيارات الكهربائية يحدث بالفعل ‌اختلافات ⁠يمكن ​قياسها ‌في الهواء الذي نتنفسه».

وذكر الباحثون في مجلة «ذا لانست بلانيتاري هيلث» أنه مقابل كل 200 سيارة عديمة الانبعاثات أضيفت إلى أحياء كاليفورنيا بين عامي 2019 و2023، انخفضت مستويات ثاني أكسيد النيتروجين بنسبة 1.1 بالمئة. ويمكن أن يؤدي هذا الغاز الملوِث، الذي ينبعث من حرق الوقود الأحفوري، إلى نوبات ربو والتهاب ⁠بالشعب الهوائية وزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتات الدماغية.

ولإجراء التحليل، قسم الباحثون ‌كاليفورنيا إلى 1692 حيا وحصلوا على البيانات ‍المتاحة للجمهور من إدارة ‍المركبات في الولاية بشأن عدد السيارات المخصصة للاستخدامات الخفيفة ‍وعديمة الانبعاثات المسجلة في كل حي. وتشمل هذه المركبات السيارات الكهربائية التي تعمل بالبطارية، والسيارات الهجينة القابلة للشحن، والسيارات التي تعمل بخلايا وقود الهيدروجين.

ثم حصلوا بعد ذلك على بيانات من جهاز استشعار عالي ​الدقة بقمر اصطناعي يراقب مستويات ثاني أكسيد النيتروجين من خلال قياس كيف يمتص الغاز أشعة الشمس ويعكسها. وقال ⁠الباحثون إنهم يعتزمون مقارنة البيانات المتعلقة باستخدام السيارات عديمة الانبعاثات بعدد زيارات غرف الطوارئ ودخول المستشفيات للعلاج بسبب الربو في جميع أنحاء كاليفورنيا.

وتفضل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيارات التي تعمل بالوقود وألغت الإعفاءات الضريبية التي كانت تهدف إلى تشجيع استخدام السيارات الكهربائية. وأشار التقرير إلى أنه من المتوقع أن يؤدي الانتقال الكامل إلى السيارات الكهربائية إلى تقليل تركيزات ثاني أكسيد النيتروجين في الهواء الطلق بنسبة 61 بالمئة في الولايات المتحدة وبنسبة تصل إلى 80 بالمئة في الصين.

وقالت إيكل إن النتائج الجديدة «‌تظهر أن الهواء النقي ليس مجرد نظرية، بل إنه يحدث بالفعل في مجتمعات محلية في أنحاء كاليفورنيا».


السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
TT

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)

تستضيف السعودية خلال الربع الأخير من العام الحالي أعمال «القمة العالمية الأولى للشعب المرجانية»؛ تأكيداً لريادتها الدولية في مجال حماية النظم البيئية البحرية، وإبراز مكانتها المتقدمة في قيادة الجهود الدولية لمواجهة التحديات البيئية حول العالم.

وأعلنت عن استضافة القمة الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان السفيرة السعودية لدى الولايات المتحدة، خلال فعاليات «البيت السعودي» المنعقدة على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.

من جانبه، أكّد المهندس عبد الرحمن الفضلي وزير البيئة والمياه والزراعة السعودي، أن هذه الاستضافة تُجسّد جهود بلاده محلياً ودولياً في حماية وحفظ النظم البيئية البحرية، عبر تبنّي أفضل البرامج والتقنيات المبتكرة، والممارسات العالمية؛ للإسهام في تحقيق مستهدفات التنمية المُستدامة، من خلال إعادة تأهيل الشُعب المرجانية، واستعادة التوازن البيئي، وتحسين جودة الحياة.

بدوره، أوضح الدكتور خالد الأصفهاني، الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة المحافظة على الشعب المرجانية والسلاحف في البحر الأحمر»، أن أعمال القمة ستركز على 3 محاور رئيسية، هي السياسات، والبحث العلمي، والتمويل، منوهاً بأنها تسعى لطرح إطار عملي وموجّه للسياسات والتشريعات، يُمكّن من تحقيق الاستدامة المالية للشعب المرجانية والأنظمة البحرية المرتبطة بها، مع رسم مسار واضح للانتقال من الحوار إلى التنفيذ.

وأضاف الأصفهاني أن القمة تهدف أيضاً إلى إبراز الشعب المرجانية كأصول اقتصادية ضمن استراتيجيات الاقتصاد الأزرق، واستحداث آليات تمويل مستدامة وقابلة للتوسع، كذلك إشراك القادة وصنّاع ومتخذي القرار؛ لتطوير نماذج استثمارية قابلة للتنفيذ عبر السياسات والتشريعات، وإنشاء مسار تعبئة دولي منظم يقود إلى مخرجات ملموسة وقابلة للقياس.

وتتولى السعودية تنظيم هذه القمة العالمية، من خلال المؤسسة، وذلك بصفتها رئيساً للمبادرة الدولية للشعاب المرجانية (ICRI)، التي تضم في عضويتها 45 دولة، ما يعكس الثقة الدولية في دور المملكة القيادي في حماية الشعب المرجانية حول العالم.


2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
TT

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي ومعهد «بيركلي إيرث» الأميركي، الأربعاء، أن 2025 كان ثالث أحرّ الأعوام المسجلة على مستوى العالم، متوقعاً أن يبقى 2026 عند مستويات مرتفعة تاريخياً.

وأشار مرصد «كوبرنيكوس» في تقريره السنوي إلى أن درجات الحرارة العالمية لا تزال منذ ثلاث سنوات عند مستويات لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري، إذ تجاوز معدل درجات الحرارة خلال هذه الفترة مستويات ما قبل الثورة الصناعية (1850-1900) بمقدار 1,5 درجة مئوية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي سياق منفصل، قال علماء من معهد «بيركلي إيرث» في الولايات المتحدة إن «الارتفاع الحاد المسجل بين عامي 2023 و2025 كان استثنائياً، ويشير إلى تسارع وتيرة الاحترار المناخي».

وأقرّ العديد من علماء المناخ والقادة السياسيين، بالإضافة إلى الأمم المتحدة، علناً منذ العام الماضي بأن الاحترار سيتواصل بمعدل 1,5 درجة مئوية، وهو الحد الذي طمحت اتفاقية باريس الموقعة عام 2015 إلى عدم تجاوزه.

ومع بلوغ هذه العتبة منذ ثلاث سنوات، يرجّح برنامج «كوبرنيكوس» أن يتم الإعلان رسمياً عن تجاوز الحد المستدام بحلول نهاية هذا العقد، أي قبل أكثر من عقد من الموعد المتوقع أساساً.

ويثير هذا التسارع قلقاً متزايداً نظراً لأن الولايات المتحدة، ثاني أكبر مصدر لانبعاثات غازات الدفيئة، تتخلى عن التعاون المناخي العالمي في عهد رئيسها دونالد ترمب.

صورة أرشيفية من طوكيو عاصمة اليابان لأشخاص يحملون الشماسي للوقاية من حرارة الشمس (أ.ف.ب)

منحى مشابه في 2026

في الوقت نفسه، تفقد الجهود المبذولة للجم انبعاثات غازات الدفيئة زخمها في الدول الغنية. ففي فرنسا وألمانيا، تراجعت جهود خفض الانبعاثات مجدداً في عام 2025، وفي الولايات المتحدة، تسبب التوسع الكبير في محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم في زيادة البصمة الكربونية للبلاد مرة أخرى، ما بدّد سنوات من التقدم.

وقال رئيس وحدة «كوبرنيكوس»، ماورو فاكيني، في مؤتمر صحافي: «الحاجة إلى العمل المناخي باتت ملحّة أكثر من أي وقت مضى».

ولا توجد أي مؤشرات على أن عام 2026 سيخالف الاتجاه المسجل في السنوات الأخيرة.

وتوقعت نائبة مدير قسم تغير المناخ في «كوبرنيكوس»، سامانثا بورغيس، أن يكون عام 2026 من بين أحرّ خمسة أعوام مسجلة على الإطلاق، وقد يكون مماثلاً لعام 2025.

ويتوقع علماء المناخ في «بيركلي إيرث» أيضاً أن يكون 2026 «على الأرجح مشابهاً لعام 2025، مع ترجيح أن يكون رابع أحرّ عام منذ عام 1850».

وفي حال حدوث ظاهرة «إل نينيو» وما يصاحبها من ارتفاع في درجات الحرارة، «قد يجعل ذلك 2026 عاماً قياسياً»، وفق ما أوضح مدير قسم تغير المناخ في المرصد، كارلو بونتيمبو، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

لكن «سواء كان ذلك في عام 2026 أو 2027 أو 2028، فالأمر لا يهم حقاً. المسار واضح جداً»، حسب بونتيمو.

سكان يراقبون حريقاً كبيراً يقترب من كونغوستا بإسبانيا (رويترز - أرشيفية)

معدلات قياسية في آسيا وأنتركتيكا

عام 2025، فاق معدل درجات حرارة سطح الأرض والمحيطات بـ1,47 درجة مئوية مستويات ما قبل الثورة الصناعية، بعد أن سجل معدل حرارة قياسياً تخطى تلك المستويات بـ1,60 درجة مئوية عام 2024.

ويخفي هذا المتوسط العالمي درجات حرارة قياسية في مناطق معينة، لا سيما في آسيا الوسطى والقارة القطبية الجنوبية ومنطقة الساحل، وفق تحليلات أجرتها «وكالة الصحافة الفرنسية» باستخدام بيانات يومية من الخدمة الأوروبية.

وبذلك، شهد 770 مليون شخص موجات حر قياسية في بلدانهم، حسب حسابات معهد «بيركلي إيرث».

والأربعاء، أفادت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة، بأنّ اثنتين من مجموعات البيانات الثماني التي حلّلتها أظهرتا أنّ عام 2025 كان ثاني أكثر السنوات حراً، ولكن المجموعات الأخرى صنّفته في المرتبة الثالثة.

وقدّرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية متوسط الاحترار للفترة 2023-2025 عند 1,48 درجة مئوية، مع هامش خطأ يبلغ زائد أو ناقص 0,13 درجة.

وقالت الأمينة العامة للمنظمة، سيليست سولو، في بيان، إنّه على الرغم من ظاهرة التبريد المناخي «لا نينيا»، فإنّ عام 2025 «يبقى أكثر الأعوام حراً على الإطلاق على مستوى العالم بسبب تراكم الغازات الدفيئة في غلافنا الجوي».

في الوقت نفسه، لم تُسجل أي درجات حرارة منخفضة قياسية في عام 2025، وفق المعهد الأميركي.

شهد عام 2025 العديد من الظواهر الجوية المتطرفة، من موجات حرّ وأعاصير وعواصف عاتية في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية، إلى حرائق غابات مدمرة في إسبانيا وكندا وكاليفورنيا، تفاقمت حدتها أو تواترها بفعل الاحترار العالمي.

وتلعب التقلبات الطبيعية دوراً في الاحترار؛ فعلى سبيل المثال، كانت ظاهرة التبريد المعروفة باسم «لا نينيا» ضعيفة نسبياً في العام الماضي.

لكن كبير العلماء في مركز «بيركلي إيرث»، روبرت رود، يُبدي قلقه إزاء عوامل أخرى غير متوقعة تُفاقم الاحترار، حتى وإن كان ذلك بمقدار أجزاء من عشرة أو من مائة من الدرجة على المستوى العالمي.

وعلى وجه الخصوص، كان للقواعد الدولية التي خفضت محتوى الكبريت في زيت وقود السفن منذ عام 2020 أثر غير مقصود، تمثل في المساهمة في الاحترار من خلال خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت. ففي السابق، كانت هذه الجسيمات العالقة تتسبب في نشوء سحب صافية تعكس ضوء الشمس، ما يُساهم في تبريد الأرض.