المواد النانومترية المصنّعة... منافع علمية ومخاوف بيئية

المواد النانومترية المصنّعة... منافع علمية ومخاوف بيئية
TT

المواد النانومترية المصنّعة... منافع علمية ومخاوف بيئية

المواد النانومترية المصنّعة... منافع علمية ومخاوف بيئية

حصل على جائزة نوبل في الكيمياء عام 2016 ثلاثة علماء طوّروا «آلات جزيئية» يمكن دفعها داخل جسم الإنسان لنقل عقار دوائي إلى خلايا محدّدة. وتعدّ هذه الجائزة تتويجاً لعمل استمر ثلاثة عقود، ونتج عنه ما يمكن وصفه بسيارة يبلغ طولها أربعة نانومترات ذات أربع عجلات تعمل بمحرك جزيئي، مما يعني نجاح العلماء في الربط بين الجزيئات لتصميم أي شيء وتصغيره.
هذه الآلات الجزيئية، التي يقل حجمها عن حجم الشعرة آلاف المرات، تفتح باباً واسعاً في تكنولوجيا النانو، يفضي إلى تطبيقات واعدة لتصاميم المواد الذكية الدقيقة الحجم والفائقة التأثير. وفي المقابل، تتضمن الابتكارات النانوية المتسارعة استخدام مواد ذات خواص فيزيائية وكيميائية مستحدثة يمكن لها أن تبدّل العالم على نحو غير متوقع.
تتكوّن المواد النانومترية من جزيئات فائقة الصغر، يقلّ أحد أبعادها عن 100 نانومتر (النانومتر هو جزء من مليون جزء من الميلليمتر). وهي، بصفتها هذه، ليست أمراً جديداً، كما أنها ليست مصنّعة بمجملها بل توجد في الطبيعة. الجديد هي قدرتنا المتزايدة على تصميمها هندسياً من مواد شائعة، لأغراض وظيفية دقيقة في الطب والبيئة والطاقة وغيرها.
تظهر المواد النانومترية في العالم الطبيعي عبر تشكيلات إحيائية وفيزيائية كثيرة، كهياكل العوالق البحرية والشعاب المرجانية وريش الطيور وشبكات العنكبوت، كما في نسيج الحرير والقطن والرماد البركاني وغيرها. وتعدّ المواد النانومترية الطبيعية بصفة أساسية نواتج عن عمليات كيميائية وكيميائية ضوئية وميكانيكية وحرارية وبيولوجية.
وتشير الأبحاث إلى أن بعض طرق التحضير المستخدمة في الطب التقليدي تُنتج بصورة عرضية مواد نانومترية ذات خواص فريدة. كما يعتقد الباحثون أن أساليب الطرق والسحب التي استخدمت في تصنيع السيوف الدمشقية منحتها شهرتها التاريخية بفضل الهياكل النانومترية المتشكّلة ضمن الفولاذ، مما جعلها قوية مرنة وخفيفة الوزن. وتعدّ تقنية صناعة السيف الدمشقي أحد الأسرار التي فقدت عبر الزمن، ولا تزال مثار الأبحاث العلمية حتى الآن.
تستخدم المواد النانومترية اليوم في طيف واسع من المنتجات، مثل الأجهزة الإلكترونية وفلاتر تحلية مياه البحر وإزالة التلوث والخلايا الكهروضوئية ومنتجات العناية الشخصية والملابس وغيرها. ورغم كثرة المواد النانومترية التي يجري تطويرها، فهي تنطوي على مخاطر كبيرة نتيجة عدم كفاية معرفتنا بآثار هذه المواد على صحة الإنسان والبيئة على المدى الطويل.

- عالم من التطبيقات
في قصة «أليس في بلاد العجائب»، تبتلع أليس جرعة تجعل حجمها متناهي الصغر، مما يسمح لها الولوج إلى عالم من الكائنات والشخصيات التي تختلف في تصرفاتها عن نظيراتها في العالم الأكبر حجماً. وبالمثل، تتغير الخواص والسلوكيات الفيزيائية والكيميائية والضوئية والمغناطيسية والكهربائية للمواد النانومترية بالمقارنة مع المواد ذاتها عندما تكون بأحجام كبيرة. ويحدث ذلك نتيجة الزيادة الضخمة في النسبة بين السطح والحجم وظهور الآثار الكمّية مع صغر حجم المادة.
إن إنتاج نسخة بحجم النانو من مادة ما يمكن أن ينتج قدرات في مواد تعد خاملة في غير هذا الحجم. فالذهب الخام مثلاً يستجيب للمجال المغناطيسي بشكل محدود للغاية، لكن جزيئات الذهب النانومترية تملك خواص مغناطيسية غير عادية.
وتستخدم الأشكال النانومترية من معادن مثل الفضة والتيتانيوم والزنك وأكاسيدها في معاجين الأسنان ومستحضرات التجميل والحماية من الشمس والطلاء والملابس والأطعمة. ونظراً لخصائصها المضادة للميكروبات، تُدمج الفضة النانومترية على نطاق واسع في العديد من المنتجات الاستهلاكية، مثل المنسوجات الرياضية والأحذية ومزيلات العرق ومستحضرات العناية الشخصية ومساحيق الغسيل.
وتتميز أنابيب الكربون النانومترية (الغرافين) بخصائص استثنائية، فهي أقوى من الصلب وتوصل الكهرباء أفضل من النحاس وتتمتع بتوصيل حراري أعلى من الماس. وتستخدم أنابيب الكربون النانومترية على نطاق واسع في بطاريات الليثيوم أيون وفي شفرات توربينات الرياح الخفيفة الوزن وفي صناعة هياكل القوارب وكابلات البيانات الرقمية وغيرها، وقد تخطى الإنتاج التجاري لأنابيب الكربون النانومترية آلاف الأطنان سنوياً.
ويبلغ معدل نمو سوق المواد النانومترية العالمي نحو 20 في المائة سنوياً، ومن المتوقع أن يصل حجم هذه السوق إلى 175 مليار دولار سنة 2025. ومع هذا النمو المتسارع، تسعى العديد من مراكز الأبحاث حول العالم إلى استكشاف المخاطر التي تنتج عن استخدام هذه المواد وتسرّبها إلى الأوساط الطبيعية والنظم الإيكولوجية، بما في ذلك آثارها على البيئة وصحة الإنسان.

- احذر مما تجهل
من المحتمل أن تؤدي زيادة إنتاج واستهلاك المواد النانومترية المصنّعة إلى انبعاثها غير المقصود في البيئة عند أي نقطة في دورة حياة المنتج. على سبيل المثال، تنبعث الفضة النانومترية من الملابس والأقمشة أثناء الغسيل، وتنبعث جزيئات ثاني أكسيد التيتانيوم النانومترية من الطلاء ومواد البناء إلى الهواء والماء نتيجة عوامل التعرية، وتصبح أنابيب الكربون النانومترية معلقة في الهواء أثناء الإنتاج أو تتحرر من مخلفات بطاريات الليثيوم أيون إلى التربة والمياه الجوفية.
هناك حالياً عدد محدود من الدراسات التي تفسّر مصير المواد النانومترية المصنّعة بمجرد انبعاثها في الغلاف الجوي والتربة والمياه والأوساط الحية، بما في ذلك سلوكها وتركيزها وانتقالها وتراكمها في سلاسل الغذاء وتفاعلاتها الكيميائية الحيوية. وفي المقابل تتوسع المعارف وتزداد البراهين على الآثار السمّية للمواد النانومترية.
في حالة الفضة النانومترية، يمكن أن يؤدي التسمم بها إلى مرض التصبّغ بالفضة، الذي يحوّل لون البشرة إلى الأزرق المعدني بصفة دائمة، كما يتسبب بالالتهابات الرئوية وتغيُّرات في وظائف الأعضاء واختلال الجهاز المناعي. ويمكن لثاني أكسيد السيليكون وثاني أكسيد التيتانيوم أن يسببا الالتهاب الرئوي.
وتظهر أنابيب الكربون النانومترية قدرتها على إلحاق الضرر بالجلد والعين والرئة وخلايا المخ، كما أنها تتراكم داخل الجسم. وهي تتشابه في بعض خصائصها مع ألياف الأسبستوس، إذ إنها ذات شكل إبري وهي ثابتة بيولوجياً ويمكنها اختراق الأنسجة والتسبب في الالتهابات.
وكانت أولى الإشارات إلى وجود مخاطر صحية للعمل في جوار الأسبستوس تعود إلى سنة 1898 إلا أن الحظر على الأسبستوس لم يطبّق حتى سنة 1999. أي بعد نحو 100 عام من تراكم الأدلة على حدوث الضرر وموت آلاف الأشخاص من الأسبستوس ذاته أو أنواع السرطان المرتبطة به.
والسؤال الذي يطرحه كثيرون: ما هي الدروس المستفادة من أبحاث قرن كامل لفهم المخاطر القاتلة التي يمثلها التعرض للأسبستوس عند إدارة المواد النانومترية وضمان سلامتها في المستقبل؟
من تجاربنا مع الأسبستوس وغيره من المواد الخطرة، نعلم أن قائمة التهديدات المحتملة طويلة، خاصة أن التعرض البيئي للمواد النانومترية المصنّعة أمر حتمي. وفي غياب الرصد الطويل الأمد والمعلومات العلمية حول سمّية المواد النانومترية، اتّسم ظهور الضوابط التشريعية واللوائح التنظيمية بالبطء، رغم المؤشرات المتراكمة حول إمكانية التعرض والمخاطر.
وكما في حالة الأسبستوس، فإن أول من يتعرض للمخاطر هم العمال، حيث مهدت الدراسات القليلة الأولى التي أجريت خلال العقدين الماضيين لتقييم التعرض المهني لأنابيب الكربون النانومترية الطريق نحو مزيد من التحقيقات في أماكن العمل. وكان من نتيجة ذلك قيام المنظمة الدولية لتوحيد المقاييس بوضع أولى الأدلة التوجيهية بشأن تحديد قيم التعرض المهني للهباء الجوي (الإيروسول) النانومتري في سنة 2007.
ونظراً لاتساع تطبيقات المواد النانومترية، يقع على الجهات التنظيمية اعتماد قوانين لضبط استخدامها في المواد الكيميائية والمستحضرات الصيدلانية ومستحضرات التجميل والغذاء، والإشارة إلى وجودها على لائحة المحتويات الملصقة على المنتج، مما يساعد في تنبيه المستهلكين.
في الاتحاد الأوروبي، تُستخدم «لوائح تسجيل المواد الكيميائية وتقييمها والتصريح بها وحظرها»، وذلك لضمان سلامة صحة الإنسان والبيئة من أي مادة كيميائية تُصنّع أو تُسوّق في الاتحاد الأوروبي. وعلى المستوى العالمي، وبموجب مبادرة «النهج الاستراتيجي للإدارة الدولية للمواد الكيميائية» التي يديرها برنامج الأمم المتحدة للبيئة، تعدّ المواد النانومترية إحدى التحديات البيئية الناشئة، حيث يجري العمل مع الحكومات وأصحاب المصلحة الدوليين لتيسير تبادل المعلومات بشأن تقنيات النانو والمواد النانومترية المصممة هندسياً، ولوضع إرشادات فنية وقانونية قابلة للتطبيق دولياً.
عند العمل مع التقنيات الجديدة، يوجد مزيج من الفرص والمخاطر وعدم اليقين، والأنسب تطبيق مبدأ التحوط لضمان سلامة المنتجات وعدم تسببها بالتلوث. وأمام هذه الفرص الواعدة، لا يملك العالم رفاهية تجاهل دروس الماضي حول الأضرار الكبيرة التي قد تطال صحة الإنسان وسلامة البيئة.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«إل نينيو» تدفع نحو تسجيل حرارة قياسية في 2026

ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
TT

«إل نينيو» تدفع نحو تسجيل حرارة قياسية في 2026

ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)

أكّد مدير مرصد المناخ التابع للاتحاد الأوروبي، الاثنين، أن تفاقم ظاهرة «إل نينيو» تسبّب بدرجات حرارة قياسية في منطقة رئيسية بالمحيط الهادئ خلال سبتمبر (أيلول)، وقد يُسهم في جعل هذا العام الأكثر حرّاً على الإطلاق على المستوى العالمي.

ويحذّر خبراء الأرصاد الجوية حول العالم منذ أشهر من أن ظاهرة «إل نينيو» الحالية قد تصبح الأقوى على الإطلاق، فيما تحطم الرقم القياسي الأخير حتى قبل بلوغ الظاهرة ذروتها المتوقعة في وقت لاحق من العام الحالي.

و«إل نينيو» هي مرحلة احترار ضمن دورة مناخية طبيعية تؤدي إلى ارتفاع درجات حرارة مياه المحيط الهادئ الاستوائية بشكل مؤقت، ما يتسبب في تغيرات بأنماط الطقس قد تزيد مخاطر الجفاف والفيضانات وتفاقم الاحترار العالمي الناجم عن النشاط البشري.

وأفاد مرصد «كوبرنيكوس» للمناخ بأن درجات حرارة سطح البحر في منطقة رئيسية لرصد ظاهرة «إل نينيو» في المحيط الهادئ تُعرف باسم «نينيو 3.4»، بلغت مستوى قياسياً غير مسبوق عند 29.70 درجة مئوية الشهر الماضي.

وتجاوزت هذه الحرارة المستويات القصوى المسجلة خلال موجات «إل نينيو» القوية السابقة في أعوام 1982-1983 و1997-1998 و2015-2016.

وقال مدير «كوبرنيكوس»، كارلو بونتمبو، لوكالة «فرانس برس»، إن «إل نينيو» هذا العام التي ظهرت في يونيو (حزيران) «استثنائية جداً»، لكن ما زال من المبكر تحديد إن كانت الأقوى التي يتم تسجيلها على الإطلاق.

ومع ارتفاع درجات حرارة المحيطات بفعل التغير المناخي، قد تبدو موجات «إل نينيو» الأخيرة أقوى من سابقاتها، ما يعقّد المقارنات التاريخية.

وأوضح مرصد «كوبرنيكوس» أنه اعتمد مؤشراً جديداً يأخذ في الاعتبار ارتفاع حرارة المحيطات الاستوائية، ويشير إلى أن الظاهرة الحالية لم تتجاوز بعد الموجات السابقة من حيث القوة.

وقال بونتمبو «إنه حدث كبير للغاية حتى وفق هذا المقياس، وهذه الظاهرة الكبيرة جداً تحدث اليوم في ظل مناخ أشد حرارة بكثير».

ولا يعتمد جميع خبراء الأرصاد الجوية المقياس نفسه لتقييم ظاهرة «إل نينيو».

لقطة من أعلى تُظهر المحاصيل بعد ظروف جفاف طويلة الأمد وذلك تزامناً مع إعلان الجمعية التشريعية في السلفادور حالة الطوارئ الوطنية بسبب تأثيرات ظاهرة «إل نينيو» (رويترز)

وأعلنت وكالة الأرصاد الجوية اليابانية، الجمعة، أن ظاهرة «إل نينيو» بلغت «أعلى شدة مسجلة على الإطلاق».

ومع اشتداد «إل نينيو»، سجل متوسط درجات حرارة سطح البحر عالمياً مستوى قياسياً لشهر سبتمبر (أيلول) بلغ 21.05 درجة مئوية، متجاوزاً الرقم القياسي السابق للشهر نفسه المسجل في عام 2023 الذي بلغ 20.92 درجة مئوية، وفق «كوبرنيكوس».

وحذّر خبراء من أن «إل نينيو» هذه المرة، مصحوبة بالتغيّر المناخي المدفوع بالأنشطة البشرية، يمكن أن تجعل 2027 العام الأكثر حراً على الإطلاق مع انبعاث الحرارة المخزّنة في المحيط الهادئ إلى الجو.

وقد تتسبب الظاهرة الجوية التي تقع عادة كل عامين إلى سبعة أعوام، وتدوم ما بين 9 أشهر و12 شهراً، برفع درجات الحرارة في العام التالي لتبلغ ذروتها.

لكن بونتمبو أشار إلى أن حتى العام 2026 يمكن أن يحطّم أرقاماً قياسية مع استعداد ظاهرة «إل نينيو» الحالية لبلوغ ذروتها.

وقال لـ«فرانس برس»: «إذا تابعنا النموذج الذي شهدناه في الماضي فقد ينتهي بنا المطاف بعام 2026 يحطّم الأرقام القياسية، متبوعاً بـ2027 يحطّم الأرقام القياسية» أيضاً.

وبعد شهر أغسطس (آب) الذي سجّل حرارة قياسية، سجل العالم عموماً ثاني أشد أشهر سبتمبر حرارة على الإطلاق، إذ بلغ متوسط درجة حرارة الهواء عند سطح الأرض 16.27 درجة مئوية، حسب المرصد الأوروبي.

وكانت درجات الحرارة في سبتمبر أعلى بمقدار 1.63 درجة مئوية من متوسط مستويات ما قبل الثورة الصناعية، أي الفترة الممتدة بين عامَي 1850 و1900.

وكان الشهر الثاني على التوالي الذي تجاوز فيه ارتفاع درجات الحرارة 1.5 درجة مئوية.

وقال بونتمبو إن درجات الحرارة ستبقى على الأرجح أعلى بـ1.5 درجة مئوية عن معدلها الطبيعي مطلع العام المقبل.

جعلت دورة «إل نينيو» الأخيرة عام 2024 العام الأكثر حرّاً على الإطلاق بعد عدة أشهر تجاوزت فيها الحرارة 1.5 درجة مئوية، حسب بونتمبو.

لكن في حين تلعب «إل نينيو» دوراً مهماً، فإن «السبب النهائي لارتفاع الحرارة وتجاوزها 1.5 درجة مئوية يعود إلى الانبعاثات البشرية لغازات الدفيئة»، على حد قوله.

واتفقت الدول خلال مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ في باريس في عام 2015 على إبقاء ارتفاع حرارة الأرض عند مستوى أقل بكثير من درجتَين مئويتَين مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، مع مواصلة الجهود لحصره عند 1.5 درجة مئوية، للحد من تداعيات التغير المناخي.

لكن الأمم المتحدة أعلنت في سبتمبر أن العالم سيتجاوز خلال سنوات قليلة هدف حصر الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية على المدى الطويل.

ويؤكد العلماء ضرورة خفض انبعاثات غازات الدفيئة الناجمة عن الوقود الأحفوري لتقليص الفترة التي يتجاوز فيها الاحترار العالمي عتبة 1.5 درجة مئوية، وإعادة درجات الحرارة إلى ما دونها بأسرع وقت ممكن.


البلاستيك يغزو «المتوسط»... ما خسائر الدول العربية؟

البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
TT

البلاستيك يغزو «المتوسط»... ما خسائر الدول العربية؟

البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)

يُسوَّق البلاستيك على أنه مادة رخيصة الثمن، وهو كذلك بالفعل عند البيع؛ غير أن السعر المدوّن على زجاجة المياه أو وعاء الوجبة الجاهزة لا يعكس سوى جزء ضئيل جداً من التكلفة الحقيقية التي تتكبدها الدول بسببه. إذ تظهر الفاتورة الحقيقية لاحقاً، متمثلةً في الأعباء التي تقع على عاتق الميزانية العامة والمناطق الساحلية والمنظومة الصحية. فالبلاستيك يكلّف العالم تريليونات الدولارات سنوياً، ومع تزايد النهم العالمي لاستخدامه، ستتفاقم هذه التكلفة أيضاً.

ويكشف تقرير جديد صادر عن منظمة «غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» تحت عنوان «الثمن الخفي للبلاستيك»، أن التلوث البلاستيكي يكلّف مصر والمغرب وتونس مجتمعين ما بين 1.7 و5.5 مليار دولار أميركي سنوياً نتيجة الأضرار التي يلحقها بالنظم البيئية البحرية في البحر الأبيض المتوسط، محذّراً من أن استمرار التقاعس عن مواجهة الأزمة قد يرفع من مقدار هذه الفاتورة لتصل إلى ما بين 30 و98 مليار دولار بحلول عام 2040.

وبيّن التقرير أن التلوث بالبلاستيك في كل من مصر والمغرب وتونس أصبح أحد أبرز الضغوط البيئية والاقتصادية في الوقت الحالي، إذ تتجاوز تداعياته الشواطئ المليئة بالنفايات لتطول ميزانيات الدول، وسبل العيش في المناطق الساحلية، والصحة العامة. وتشترك هذه الدول الثلاث في بحر يستقبل ما يقدر بـ229 ألف طن من البلاستيك سنوياً، ويحتوي بالفعل على أكثر من مليون طن في قاعه. كما أنها تقع في منطقة تولد أكثر من 155 مليون طن من النفايات سنوياً - ثلثاها لا تتم إدارته بشكل سليم - ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الحجم تقريباً بحلول عام 2050.

وبما أنّ خفض هذه التكلفة يتطلب تحركاً على المستويين الدولي والوطني، طرح التقرير مجموعة من الإجراءات العملية على المستوى الوطني في كل من الدول الثلاث.

قالت فرح الحطّاب، المسؤولة الأولى عن حملات البلاستيك في «غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»: «إن التلوّث البلاستيكي لم يعد مجرد مشكلة مرتبطة بإدارة النفايات، بل أصبحت له تكلفة تمتد إلى الاقتصاد والصحة والبيئة. وتتحمل الحكومات والبلديات والمجتمعات الساحلية والمواطنون جزءاً من هذه التكلفة، فيما تزداد الأعباء كلما استمر إنتاج البلاستيك واستخدامه وتسربه إلى البيئة».

التلوث البيئي يحاصر كثيراً من الدول (رويترز)

وأضافت، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تشمل الفاتورة تكلفة جمع النفايات ومعالجتها وتنظيف الشواطئ، إضافة إلى الخسائر التي تتكبدها قطاعات تعتمد على البيئة البحرية، مثل السياحة والصيد».

وتابعت: «لا تقتصر المخاطر على النفايات البلاستيكية نفسها. فبعض المواد الكيميائية المستخدمة في صناعة البلاستيك أو التي قد تتسرب منه ترتبط، وفق دراسات علمية، باضطرابات هرمونية وتأثيرات على الجهاز التناسلي والمناعي والتنفسّي. كما يمكن أن يدخل الميكروبلاستيك إلى الجسم عبر الغذاء والماء والهواء، ولا تزال آثاره الصحية على المدى الطويل قيد الدراسة. وهذا يعني أن التكلفة قد تمتد أيضاً إلى تكاليف الرعاية الصحية».

واستطردت أن البحر والكائنات البحرية يدفع ثمناً كبيراً أيضاً. فقد يؤدي ابتلاع البلاستيك أو التشابك به إلى إصابة الكائنات البحرية أو نفوقها، بينما يمكن للميكروبلاستيك أن يؤثر في التغذية والنمو والتكاثر لدى بعض الكائنات، وأن ينتقل عبر السلاسل الغذائية.

ووفق التقرير، تتفاوت التكلفة بين البلدان: ففي مصر، تتراوح بين 740 مليون دولار و3.1 مليار دولار سنوياً، بينما تُقدّر في المغرب بنحو 1.2 مليار دولار، وفي تونس بنحو 400 مليون دولار. وهذه التقديرات تركز على الأضرار الاقتصادية التي تلحق بالنظم البيئية البحرية، ولا تشمل كامل التكاليف المرتبطة بالتلوّث البلاستيكي.

ويكشف التقرير أيضاً عن تفاوت مهم في واقع البلدان الثلاثة. ففي مصر، يأتي ارتفاع التكلفة في سياق مستويات مرتفعة من التلوّث البلاستيكي في البحر المتوسط، فيما تُظهر حالة المغرب أن السياسات العامة يمكن أن تحدّ من بعض أشكال استخدام البلاستيك، كما حدث مع الأكياس البلاستيكية. أما في تونس، فيشير التقرير إلى أن خفض استخدام البلاستيك يمكن أن يحقق فوائد اقتصادية وبيئية.

وتأتي أهمية التقرير في توقيت حاسم لمسار المعاهدة العالمية للبلاستيك. فقد صدر قبيل اجتماع رؤساء الوفود الذي عُقد في بانكوك بين 27 و30 سبتمبر (أيلول)، بمشاركة ممثلين عن مصر والمغرب وتونس، وقبل الجولة الرسمية المقبلة من المفاوضات في مارس (آذار) 2027. وبالتالي، يقدّم التقرير دليلاً على أن تكلفة أزمة البلاستيك ليست بيئية وصحية فقط، بل اقتصادية أيضاً، وأن استمرار الاتجاه الحالي سيجعل تكلفة عدم التحرّك أعلى.

الشواطئ المصرية مليئة بالألعاب البلاستيكية (EPA)

قال الدكتور محمد عطية، أول باحث مصري ينضم للوكالة الأميركية لحماية البيئة، ويشغل حالياً منصب مستشار الخدمات البيئية والهندسية بشركة أيكوم: «إن البلاستيك رخيص الثمن عند الشراء، لكن تكلفته الحقيقية تظهر في المراحل التالية للشراء، في عمليات جمع وإدارة المخلفات، وعمليات التنظيف المطلوبة للتخلص منه، والتأثير على البيئة والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها»، موضحاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الأرقام الواردة بالتقرير تمثل تقديراً اقتصادياً لجزء من الضرر، وتحديداً ذلك الجزء المرتبط بتسرب البلاستيك إلى البيئة البحرية، وهو بالطبع لا يمثل التكلفة كاملة».

ووفق تقرير «غرينبيس» لا تشمل هذه الأرقام التكاليف المباشرة التي تتكبدها قطاعات السياحة، ومصايد الأسماك، والشحن البحري، أو التكاليف المتعلقة بصحة الإنسان؛ إذ لا يتضمن الرقم حالات دخول المستشفيات، أو أيام الصيد الضائعة، أو فواتير البلديات غير المسددة، كما أن جميع الافتراضات المستخدمة في إعداده وُضعت بحيث تُبقي التقديرات عند حدّها الأدنى، لا الأعلى. والجدير بالذكر أن القطاعات المستبعدة ليست ضئيلة؛ وتُضاف أي خسائر تلحق بهذه القطاعات بسبب التلوث بالبلاستيك إلى الأرقام المذكورة في التقرير.

وعلّق عطية بأن الحل هو مزيج من تقليل الاستخدامات غير الضرورية، مع زيادة معدلات إعادة الاستخدام، وتصميم منتجات أسهل في التدوير، وتحسين منظومة الجمع والاسترداد. محذراً من أن أي بديل مقترح لا بد أن يجري تقييمه على دورة حياته كاملة، فليس كل بديل «أخضر» يكون بالضرورة أفضل في كل الاستخدامات.

وأوصى عطية بتحليل لدورة حياة البلاستيك بشكل كامل، بما يضمن الاطلاع على كافة التفاصيل، وليس التركيز على المنتج النهائي فقط، مثل أنواع الكيماويات الداخلة في التصنيع ومعرفة حجم التأثير البيئي للمنتج.

ويعلق عطية على النتائج التقرير بقوله إن حجم التسرب هو أكبر نقطة ضغط في مصر، حيث يصل جزء كبير من المنتجات البلاستيكية إلى البحر المتوسط عبر نهر النيل، موصياً بتحسين عمليات جمع المخلفات البلاستيكية.

وأضاف أنه على الرغم من أن لدى المغرب بنية تحتية جيدة وخطط قائمة بالفعل، لكن التقرير يوضح وجود فجوة بين التخطيط والتنفيذ الفعلي على الأرض، مع وجود ضغوط مالية كبيرة على البلديات. وفي تونس هناك قطاع للجمع والتدوير، ولكن جزءاً كبيراً من قدرة التدوير غير مستغل، مع وجود مشكلة واضحة في نموذج التمويل، وليس مجرد نقص التكنولوجيا.

وأوضح أن التقرير يبرز بشكل واضح أن مشكلة مخلفات البلاستيك في هذه الدول الثلاث ليست في الاستخدام فقط، لكنها أيضاً في نظم الإدارة والتمويل.

من جانبها، شدّدت الحطّاب على أن المطلوب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، على الصعيد الدولي، هو معاهدة عالمية قوية تغيّر هذه المعادلة، من خلال الحد من البلاستيك غير الضروري من المصدر، وإلزام المنتجين بتحمّل مسؤولية ما يطرحونه في الأسواق، وتوفير آليات مالية قوية، بما يضمن ألّا تُترك دول منطقتنا وحدها في مواجهة تدفق متزايد من النفايات.


دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
TT

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)

أفادت دراسة جديدة نُشرت الأربعاء بأن دول العالم ليست على المسار الصحيح لتحقيق التزاماتها بحماية 30 في المائة من أراضي العالم ومحيطاته بحلول عام 2030.

وتأتي نتائج هذه الدراسة قُبيل عقد قمة في أرمينيا حول التقدم المحرز في أهداف حماية التنوع البيولوجي، لتُضاف إلى تقييم مماثل أجرته الأمم المتحدة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وحددت 200 دولة هدف «30 في 30»، أي حماية 30 في المائة من الأراضي بحلول عام 2030، في اتفاق أُبرم عام 2022، وأطلق بشكل غير رسمي «اتفاق باريس للطبيعة».

لكنّ تقريراً أعدته منظمتا «حملة من أجل الطبيعة» (Campaign for Nature)، و«معاً من أجل المحيط» (Together for the Ocean) أظهر أن الإجراءات لم تكن على قدر الالتزامات.

وقال مدير منظمة «حملة من أجل الطبيعة» براين أودونيل للصحافيين: «أظهرت الحكومات بالفعل أن تحقيق تقدّم سريع أمر ممكن، لكن العالم بعيد عن المسار الذي يضمن بلوغ نسبة 30 في المائة».

وأضاف التقرير أن وفاء الحكومات بجميع تعهداتها يمكن أن يرفع نسبة الأراضي والمياه المصنفة كمناطق محمية إلى 27 في المائة بحلول عام 2030.

غير أن نسبة المساحات البحرية المحمية قد لا تتجاوز 12 في المائة بحلول نهاية العقد.

وكانت اتفاقية التنوع البيولوجي، وهي المعاهدة الأممية المشرفة على الأهداف العالمية الخاصة بالطبيعة، حذرت أيضا الشهر الماضي من أن الدول لا تسير على الطريق الصحيح لتحقيق هذه الأهداف.

منظر جوي لغابات في الغابون (رويترز)

ويُعد نقص التمويل من أكبر العقبات أمام تحقيق الهدف.

وفيما تقدّر الحاجة بما بين 100 مليار دولار و180 ملياراً سنويا حتى عام 2030، لا يتجاوز الإنفاق السنوي حالياً 24 مليار دولار.

وقال التقرير إن «الفجوة تبدو أكثر وضوحاً فيما يتعلق بالمحيطات، إذ تقتضي الحاجة إنفاق نحو 16 مليار دولار سنوياً، بينما لا يتجاوز الإنفاق الفعلي حالياً ملياراً و800 مليون دولار».

ويتعيّن توجيه جزء كبير من هذا التمويل إلى البلدان النامية التي تضم بعضاً من أغنى النظم البيئية في العالم، لكنها تفتقر إلى الوسائل الكافية لحمايتها.

وقال أودونيل إن على الحكومات تخصيص موارد أكبر من موازناتها، كما يمكنها سن تشريعات تُلزم الصناعات الملوثة، مثل شركات الوقود الأحفوري والتعدين، بالمساهمة في تمويل جهود الحفظ.

وأضاف: «هذه الشركات لن تقوم بذلك طوعاً».

ورأى أن هدف «30 في 30»، ما زال ممكن التحقيق، لكن ذلك يتطلب جهوداً كبيرة على قدر «التحديات الكبيرة».

وستكون قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان، التي تنطلق في 19 أكتوبر (تشرين الأول)، أول مناسبة تناقش فيها الدول فجوة التقدم المحرز وسبل إعادة أهداف الاتفاق إلى مسارها الصحيح.