بعد أن عاني في الآونة الأخيرة الإهمال وأغلقت أبوابه في وجه الجمهور ومحبي الفن، دبت الحياة من جديد في شرايين متحف الفن المصري الحديث بأرض الأوبرا بالقاهرة، ليستعيد المتحف دوره الحضاري كأحد أهم سجلات الفن التشكيلي في مصر. وفي خطوة في هذا السياق، قام الدكتور جابر عصفور، وزير الثقافة المصري، مساء الاثنين الماضي، بافتتاح جزئي للمتحف، التي تجري له حاليا عملية تطوير وصيانة ومراجعة شاملة لمقتنياته من قبل مختصين.
أكد عصفور في كلمة له بهذه المناسبة أن «المتاحف مصابيح تضيء سماء الأوطان، وهي انعكاس لحضارة عظيمة، لا تزال باقية وراسخة في الوجدان المصري، وعلينا أن نعمل على استمرارها والإفادة منها في صنع المستقبل».
وقام عصفور بجولة تفقدية في المتحف يرافقه الدكتور أحمد عبد الغني رئيس قطاع الفنون التشكيلية ولفيف من التشكيليين والمثقفين والفنانين والإعلاميين والصحافيين. وأكد عصفور حرص وزارته على أن تعمل المتاحف كاملة، وأن تضاء كل خشبات المسارح، وأن تعمل كل المكتبات بطاقتها، قائلا إنه لا بديل عن العمل.
وعد الدكتور أحمد عبد الغني، رئيس قطاع الفنون التشكيلية، إعادة افتتاح المتحف حدثا ثقافيا بارزا يسهم في التعريف بمسيرة التميز والريادة للفن التشكيلي المصري ومبدعيه، ويحمل في طياته رسالة مهمة للعالم أجمع بأن مصر عائدة وبقوة للاضطلاع بدورها التاريخي والريادي على المحاور كافة. وقال إنه لا سبيل لمقاومة الجهل والعنف إلا بالثقافة والفن.
ويعد افتتاح متحف الفن المصري الحديث باكورة لافتتاحات قادمة تشمل عددا من المتاحف الفنية المهمة في القاهرة والأقاليم خلال الفترة المقبلة، منها متحف الفنانين الأخوين سيف وأدهم وانلي بمركز محمود سعيد للمتاحف بالإسكندرية، وقصر عائشة فهمي (مجمع الفنون) بحي الزمالك على نيل القاهرة، والمنتظر افتتاحه في مستهل العام المقبل.
وأضاف عبد الغني قائلا: «إنه من الإهانة للفن المصري الحديث أن يظل هذا المتحف مغلقا وأن تكون المقتنيات مخزنة، فلا بد من افتتاحه ليعود منارة ثقافية مشعة»، مضيفا أن المتحف يضم ضمن مقتنياته 3 أعمال من سمبوزيوم أسوان الدولي لفن النحت، كما أهدى عدد من الفنانين الكبار أعمالهم إلى المتحف لتنضم إلى قائمة الأعمال المهمة التي تمتلكها مصر.
ويحتوي متحف الفن المصري الحديث، على أعمال تمثل مختلف مشارب وتيارات الفن التشكيلي المصري الحديث والمعاصر لفنانين من شتى الأجيال، ينتمون إلى مذاهب فنية وفكرية متنوعة، تمثل المدارس الواقعية والتجريدية والسريالية والتكعيبية والدادية، إضافة إلى بعض المنحوتات، وهو ما يكسب المتحف طابع البانوراما الفنية الشاملة، بل إنك قد تشاهد للفنان الواحد أكثر من عمل ينتمي إلى مدارس مختلفة أثناء مراحله العمرية.
وظهرت الحاجة إلى إنشاء متحف للفن مع إنشاء مدرسة الفنون الجميلة بالقاهرة التي أصبح اسمها فيما بعد «كلية الفنون الجميلة» في عام 1908، وبعد 4 سنوات أي في عام 1911 تخرجت في المدرسة دفعتها الأولى. وشهدت هذه الدفعة الكثير من الأسماء الذين شكلوا الإرهاصات الأولى للفن المصري الحديث، كان من بينهم مثال مصر الكبير محمود مختار، والفنانون راغب عياد، وكمال أمين، ويوسف كامل، وأحمد صبري والكثير من الأسماء اللامعة. وعلى أثر ذلك، انتشرت القاعات الفنية والمعارض وازدهر الفن التشكيلي بصفة عامة، وشهدت هذه الحقبة وما تلاها زخما فنيا هائلا.
وعبر قرن كامل، كان لزاما أن يوجد متحف كي يكون شاهدا على هذه الفترة. وفي عام 1927، اقترح محمد محمود خليل (صاحب المتحف الخاص الذي يحمل اسمه وسرقت منه لوحة «زهرة الخشاش» الشهيرة لفان غوخ قبل سنوات) إقامة متحف يضم هذه الأعمال الفنية التي كانت كنوزا من وجهة نظره. وكان أول مقر للمتحف عبارة عن غرفة صغيرة داخل جمعية محبي الفنون الجميلة بحي جاردن سيتي وسط العاصمة القاهرة. بعد ذلك، استقل المتحف وانتقل إلى متحف الشمع. وفي عام 1936، انتقل المتحف إلى مبنى صغير بشارع البستان بميدان التحرير، ثم انتقل إلى عدد من الأماكن الأخرى، إلى أن استقر في موقعه الحالي في عام في 1983، حيث تجرى تخصيص سراي 3 بدار الأوبرا - وكانت آنذاك أرض المعارض بالقاهرة - لكي تكون مقر المتحف الجديد.
وشيدت سراي المتحف على الطراز الإسلامي، وسلطت عليه الأضواء بعد إنشاء دار الأوبرا الجديدة في المكان نفسه وافتتاحها في 10 أكتوبر عام 1988، عوضا عن الأوبرا القديمة التي التهمها حريق ضخم في أكتوبر عام 1971.. وعاني المتحف خلال فترة تنقلاته مشكلات جمة، ونتيجة للإهمال فقدت الكثير من الأعمال القيمة وكذلك تلف بعضها، علاوة على سرقة البعض الآخر.
وفي عام 2005، ارتدى المتحف حلة قشيبة بعد أعمال ترميم وصيانة وتجديد تمت له، وتولت لجنة مختصة من كبار الفنانين، تحت رعاية الفنان أحمد نوار رئيس قطاع الفنون التشكيلية آنذاك، وفي عهد وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني، عملية التوثيق، والتوصيف، والتسجيل، والتصنيف، والمراجعة والرصد العلمي لكل محتويات المتحف، ليصبح منارة ثقافية تزخر بكنوز مصر من الفن التشكيلي.
وشملت عملية التطوير في تلك الفترة إضافة مركزين حيويين بالمتحف: أولهما «قاعة أبعاد»، ومهمتها تنظيم ورش بحثية وتحليلية حول أعمال في الفن لم يكشف النقاب عنها، أو حول فنانين لم ينصفهم تاريخ الفن المصري. أما المركز الثاني، فهو «قاعة الجماعات الفنية» وهي تتيح للباحثين التعرف على حركة الفن المصري منذ إنشاء جماعات الفن في العشرينات من القرن الماضي. كما تضمنت الخطة المستقبلية لتطوير المتحف إنشاء بنك للمعلومات والنسخ، وقاعة متخصصة لفنون الحداثة مثل (الإنستاليشن والفيديو والكومبيوتر المبرمج)، ومركزا لفنون الطفل المصري.. وحديثا، أنشئت بالمتحف من الخارج قاعة «الباب» للعروض التشكيلية الخاصة.
ويرى نقاد وفنانون تشكيليون أن المتحف بموقعة الراهن بجوار دار الأوبرا يقبع في منطقة تعد بمثابة فضاء ثقافي متنوع ومفتوح على شتى المجالات، كما يجاور أيضا قصر الفنون، ومبنى نقابة التشكيليين المصريين، والمكتبة الموسيقية، ومسرح الهناجر، ومركز الإبداع ومقر المجلس الأعلى للثقافة، وغيرها من المؤسسات الثقافية التي تسهم في جذب الأنظار إلى المتحف، وتعيد إليه دوره الرائد كبؤرة إشعاع ثقافي، وسجل لمسيرة الفن والإبداع في مصر.
متحف الفن المصري الحديث يستعيد دوره الحضاري
نفض عن كاهله غبار الإهمال بعملية تطوير شاملة
وزير الثقافة المصري وأحمد عبد الغني رئيس قطاع الفنون التشكيلية، المتحف من الخارج يبدو فيه طرازه المعماري الإسلامي
متحف الفن المصري الحديث يستعيد دوره الحضاري
وزير الثقافة المصري وأحمد عبد الغني رئيس قطاع الفنون التشكيلية، المتحف من الخارج يبدو فيه طرازه المعماري الإسلامي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

