سريلانكا... أطلال تشهد على 3 آلاف سنة من التاريخ

في جُعبتها مغامرات تتنوّع بين التحليق في السماء وتسلق الجبال والغوص في المحيط

منظر لمزارع الشاي بالقرب من أنورادابورا
منظر لمزارع الشاي بالقرب من أنورادابورا
TT

سريلانكا... أطلال تشهد على 3 آلاف سنة من التاريخ

منظر لمزارع الشاي بالقرب من أنورادابورا
منظر لمزارع الشاي بالقرب من أنورادابورا

بين سائح وآخر تختلف الأذواق في كيفية اختيار الهوايات وأماكن ممارستها، فلكلٍ عشقه الخاص لانتقاء بلد أو مدينة يمضي فيها أوقات إجازته. وتبقى الطبيعة بنشاطاتها المختلفة مطلب الغالبية، فكيف إن كانت الوجهة سريلانكا التي لا تزال تحافظ على طبيعتها التي لم تعبث بها يد إنسان حتى الآن.
تاريخها عريق يمتدّ لأكثر من 3 آلاف سنة، وفي أرضها بعض أقدم المدن على مستوى العالم، مثل أنورادابورا وبولوناروا وديغامادولا. ولا تزال أطلال الحواضر العظيمة والقصور والمعابد والأديرة والمستشفيات التي كانت قائمة في تلك البقع بوقت مضى شاهدة على هذا التاريخ، وإن كانت اليوم مهجورة بسبب الغابات الزاحفة من حولها. وتبقى أنورادابورا أعظمها على الإطلاق. فهي العاصمة الثالثة في تاريخ البلاد وأطولها أمداً، وواحدة من أقدم مدن العالم التي لا تزال مسكونة حتى اليوم. استمرّت عاصمة للبلاد منذ القرن الرابع قبل الميلاد حتى مطلع القرن 11. وكانت واحدة من أبرز مراكز النّفوذ السّياسي على مستوى جنوب آسيا وأكثرها استقراراً.
بيد أن المدن المثيرة للاهتمام كثيرة في سريلانكا، فهناك سيغيريا وهي عبارة عن حصن يعود تاريخ بنائه إلى القرن الخامس بعد الميلاد. تضم حديقة مائية متميّزة وبعض أقدم الجداريات في تاريخ البلاد. كما هناك مدينة بولوناروا، ثاني أقدم مملكة في تاريخ سريلانكا التي تميزت بأنظمة ري متقدمة للغاية، ولا تزال تستخدم حتى يومنا هذا في توفير المياه إلى المزارعين داخل وحول بولوناروا.
أمّا ديغامادولا، وهي مملكة سريلانكا الشرقية، فكانت بمثابة العاصمة الرّوحية والزراعية للبلاد خلال عهد مملكة أنورادابورا.
وكانت كاندي المملكة الأخيرة في تاريخ سريلانكا بمثابة شهادة على قدرتها على النّهوض من الرّماد وبناء نفسها من جديد، فبعد أن تعرّضت للحرق والنّهب 3 مرات على أيدي البرتغاليين الغازيين، لا تزال المنازل والقصور والمعابد الرائعة فيها، تحتفظ اليوم برونقها بعد قرابة 500 سنة.
ما لا يختلف عليه أي زائر لسريلانكا أنها قد تكون جزيرة صغيرة نسبيّاً، إلا أنّ الطبيعة وهبتها تنوعاً لا مثيل له. من شواطئها الذهبية، إلى مناطق سياحية أخرى عبارة عن مرتفعات وتلال وجبال، فضلاً عن المناطق الواقعة في قلب الجزيرة وتزدان بمزارع الشاي التي تقطعها من حين لآخر مساقط مائية رائعة. كما تتميز بطقس لطيف وسماء ضبابية بعض الأحيان ومنازل مؤلّفة من طابق واحد تشكل بقايا حقبة ولّت.
ولقلب الجزيرة مثلث ثقافي مميّزٌ في ظل وجود أطلال من ممالك قديمة مختلفة، وكهوف صخريّة مخفيّة، ومعابد قديمة مقدسة، ومبانٍ تعكس معماراً وفنوناً وهندسة قديمة مذهلة، تكاد لا تصدّقها العين لشدّة دقتها.
أمّا شمال البلاد فيتميّز على وجه التحديد بمذاقه المميّز وثقافته الفريدة. ورغم أنّه لا يزال يحمل ندبات من الحرب الأهلية التي عصفت بالبلاد، ففي طياته دليل ملموس على التنوع الثّري الذي تمتاز به سريلانكا. وفي شمالها تنعكس تأثيرات مختلفة وتتمازج سمات برتغالية وهولندية وتاميلية ومسلمة وبريطانية. وحتى يومنا هذا، تنتشر مجموعات من الجزر البكر أمام سواحلها بانتظار من يكشُف النّقاب عن سحرها المجهول.
وفي شرقها تنتشر حقول كثيفة، ويسود نمط الحياة الرّيفية أبطأ وتيرة عن نظيرتها الشّمالية، حيث تظهر الشّمس ساعة شروقها لتقدّم للسائح مشهداً رائعاً يختلف عن الحياة العصرية بيومياتها الراكضة. كما يزدان الشرق بأماكن عبادة يتداخل فيها كثير من الألوان المبهجة ومتنزهات وطنية وموانئ ومياه صافية براقة توفر تجارب لا تنسى للزائرين.
وهنا يستطيع السائح ممارسة ما يروق له من نشاطات التزلج على الأمواج وركوب الكاك والغطس، أو مجرد التمدد على الشاطئ للاستمتاع بحرارة الشّمس الدافئة.
وبفضل الرياح الشّمالية الشّرقية، يسود طقس مشمس السواحل جنوب الغربية وتظل الأمواج هادئة خلال الفترة بين نوفمبر (تشرين الثاني) ومارس (آذار)، بينما تجعل الرياح الجنوبية الغربية مياه السواحل الشرقية هادئة مع سطوع مستمر ولطيف لأشعة الشّمس.
وتتضمن أفضل مناطق السواحل الجنوبية؛ تانغالا وبيروالا وميريسا وبنتوتا وأوناواتونا، وتتميز بخيارات متنوعة بما في ذلك فنادق مريحة وشعاب مرجانية متنامية وحواجز رملية.
وبينما اكتُشفت شواطئها الجنوبية منذ فترة طويلة، لا تزال شواطئ الجهة الشرقية لم تُكتشف بصورة كاملة. وتعتبر أروغام باي، أشهرها على الإطلاق كونها قبلة عشّاق التزلج على الأمواج في المنطقة.
أما على الطرف الغربي من البلاد إلى الشمال من كولومبو، فتوجد بحيرة نيغامبو. وتعتبر شواطئها مزاراً يجذب السّكان المحلّيين والأجانب منذ زمن بعيد. ويبقى شاطئ غالي فيس غرين، الممتد لمسافة نصف ميل بين غالي رود والمحيط الهندي، الوجهة المفضلة للكثيرين.

الطبيعة البرية

مساحة سريلانكا صغيرة بوجه عام، إلّا أنّ هذا الأمر لم يمنعها من التميّز لتكون واحدة من أعلى معدلات التوطن البيولوجي على مستوى العالم، سواء من حيث النباتات أو الحيوانات. وهي من بين أكبر 5 مراكز للتنوع الحيوي على مستوى العالم. فيها 91 نوعاً من الثّدييات، مثل الأفيال والدّبب الكسلانة والفهود والصمبر والجاموس البرّي. ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ اللوريس الأحمر النّحيل والمكاك القلنسوي واللنغور الرمادي أندر الثدييات فيها، وهي من الكائنات المهدّدة بالانقراض. يُضاف إلى ذلك، الطيور التي تُعتبر ذروة الحياة البرية في الجزيرة، وتضمّ قرابة 433 نوعاً منها.
لكن سريلانكا مقصد لنوع آخر من السياحة، ألا وهو السياحة الصحية بفضل شهرتها في مجال الأيورفيدا، وترجمتها «علم الحياة». منظومة من تعاليم الطّب التقليدي نشأت في شبه القارة الهندية، ويعود تاريخ هذا النظام الاستشفائي لأكثر من 5 آلاف عام. ويعتمد على الأعشاب ونظام غذائي محدد، وقد شكّل أسلوب العلاج الوحيد في المنطقة حتى إقرار العقاقير الغربية في القرن 19.
وسريلانكا تتوفر على كثير من المنتجعات التي تعتمد على تخليص الجسم والروح من أعباء الحياة اليومية وضغوطاتها، من خلال التأمل والعلاج بالتدليك والحمامات العشبية، واتباع نظام غذائي خاص.

الغوص

في جعبة سريلانكا مجموعة غنيّة من المغامرات، بسبب منظومتها المناخية والجغرافية المتنوعة، ما بين تسلّق أعالي الجبال إلى استكشاف أعماق المحيط والسّير في غاباتها الخضراء.يعيش السّائح لحظات لا تُنسى على شواطئها بين ممارسة رياضة غوص «سكوبا» والتزلج على الأمواج. ولرياضة «سكوبا» تاريخ طويل مع سريلانكا. واليوم، تعجّ مياه المحيط حول الجزيرة بحدائق مرجانية وأعداد ضخمة من أسماك غريبة ولافتة وحطام سفن من أزمان غابرة، ما يجعل سريلانكا موطناً لبعض أفضل تجارب الغوص عالمياً، خصوصاً حول ميناء غالي ومواقع الغوص الشهيرة في كالبيتيا وأمبارا وترينكومالي في السواحل الشرقية والغربية للبلاد، حيث رسّخ التزلج على الأمواج، لنفسه، وجوداً قوياً على مدار الـ25 عاماً الماضية. كما تعتبر المياه المحيطة بها مثالية لممارسة هواية الصيد.

مشاهدة الحيتان

تعتبر مياه المحيط موطناً لواحدة من ألطف الكائنات البحرية وأكثرها ضخامة: الدلافين. وتحرص أسراب منها على فرض وجودها بالظهور في كثير من المواقع خلال شهور ديسمبر (كانون الأول)، ويناير (كانون الثاني)، وفبراير (شباط)، ومارس (آذار)، وأبريل (نيسان).
جدير بالذكر أن كثيراً من طرق هجرة الحيتان والدلافين تمر قرب سريلانكا، ما يجعل من الجزيرة موقعاً مثالياً لمراقبة هجرة ما يقدر بـ26 نوعاً من الحيتان منها الحوت الأزرق، وحوت العنبر والحوت الزعنفي، إضافة إلى مجموعة متنوعة من الدلافين.

تسلق الجبال

تجذب الجزيرة أيضاً عشّاق الجبال وتمكّنهم من عيش تجربة مثيرة بتسلق الصّخور والشّعور ببعض منها تنزلق أسفل قدميهم للوصول إلى ارتفاعات شاهقة تصيب الرأس بالدوار. ومن بين أشهر جبالها؛ سلسلة نكلز وإيلا وهابارانا سيغيريا وبولوناروا وسهول هورتون التي تنطوي جميعها على تحديات في تسلّقها والصّعود إلى قممها، لكنّها تبقى تجارب ممتعة للهواة، وكذلك المتسلقين المخضرمين. أمّا أحدث صيحات التسلق في سريلانكا فتجري اليوم عند الجبال التي تتفجّر منها مساقط مائية وشلالات. بالإضافة إلى السّير في غاباتها الغنية وحقولها ومتنزهاتها. تتوفر أيضاً على مجموعة غنية من الغابات المطيرة والجبال، وحدائق الشّاي والسهول التي تعجّ بأنواع نادرة من الطيور والحشرات، علاوة على تميزها بدرجات حرارة معتدلة.

ركوب المنطاد

يمكن للزائر الاستمتاع بالتحليق في سماء سريلانكا ورؤية طبيعتها ومزاراتها الساحرة من أعلى. تعمل هذه المناطيد بالهواء الساخن على ارتفاعات تتراوح بين 500 وألفي متر. ويجري تنظيم رحلات خاصة في ساعات الشّروق.
- قبل تحديد فترة السفر إليها، من المهم وضع أحوال الطقس في الاعتبار، علماً أنه يشهد تقلبات من عام إلى آخر، خصوصاً في ظل التغييرات المناخية العالمية وارتفاع درجات حرارة الأرض التي تزيد المشهد العام تعقيداً.
إلا أنه طقس مستقر عموماً وعلى مدار العام. فدرجة الحرارة تتراوح في المناطق السّاحلية والمنخفضة بين 26 و30. ومع الارتفاع، تتراجع لتصل إلى ما يتراوح بين 18 و22 في كاندي. وفي نوارا إليا والأجزاء الأعلى من الجزيرة، تتراوح ما بين 14 و17. أما ليلاً وفي المناطق المرتفعة، فمن الممكن أن تنخفض درجات الحرارة بشدة ويصبح البرد قارساً. أمّا الرطوبة، فغالباً ما تكون مرتفعة ويمكن أن تصل إلى 90 في المائة في جنوب غربي البلاد، وتتراوح في المتوسط بين 60 في المائة و80 في المائة بباقي أرجاء الجزيرة.
ويعني هذا النمط المناخي أنّ الوقت المناسب لزيارة سريلانكا يعتمد على الوجهة التي تقصدها داخل الجزيرة على وجه التحديد. إذا كنت تقصد السواحل الغربية والجنوبية، فإنّ الفترة بين ديسمبر (كانون الأول) ومارس هي الأمثل. أمّا إذا كنت تنوي زيارة السّاحل الشّرقي، فإن الفترة من أبريل إلى مايو (أيار) حتى سبتمبر (أيلول) هي الأفضل.
- مواطنو معظم دول الخليج العربي لا يحتاجون إلى فيزا عند السفر إلى سريلانكا، وقد يحصلون على التأشيرة فور وصولهم إلى مطارها، في حين أنّ بعض البلدان ينبغي على مواطنيها طلب فيزا إلكترونية وبتكلفة 30 دولاراً تقريباً.
- يتحدث السكّان في سريلانكا 3 لغات تعدّ رسمية في البلاد؛ وهي اللغة السنهالية، واللغة التاميلية، واللغة الإنجليزية والعملة المتداولة في البلاد هي الروبية.


مقالات ذات صلة

السعودية توسع نطاق التأشيرة السياحية لتشمل دولاً جديدة

الخليج تشمل التأشيرة السياحية حضور الفعاليات وأداء مناسك العمرة وزيارة المعارض والمؤتمرات (واس)

السعودية توسع نطاق التأشيرة السياحية لتشمل دولاً جديدة

وسّعت السعودية نطاق التأشيرة السياحية الإلكترونية بإضافة أربع دول جديدة إلى قائمة الدول المؤهلة للحصول عليها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
سفر وسياحة السياحة الصحية... رحلة العافية والاسترخاء على ساحل البحر الأحمر

السياحة الصحية... رحلة العافية والاسترخاء على ساحل البحر الأحمر

لم تعد السياحة الصحية تقتصر على الاسترخاء والابتعاد عن ضغوط الحياة اليومية، بل باتت تشمل تجارب تجمع بين اللياقة البدنية، والتغذية، والعلاج الطبيعي، وتحسين النوم

فاطمة القحطاني (الرياض)
سفر وسياحة مسار المسيلحة (فيسبوك)

دروب لبنان... رحلات على إيقاع الطبيعة والتاريخ

ليس ضرورياً أن تكون الوجهة السياحية مدينةً مزدحمة أو شاطئاً بحرياً حتى تستحقّ الرحلة.

فيفيان حداد (بيروت)
شؤون إقليمية سفينة سياحية تصل إلى ميناء ليماسول في قبرص بعد إجلاء أشخاص من حيفا بإسرائيل وسط الحرب بين إسرائيل و«حماس» يوم 17 أكتوبر 2023 (رويترز - أرشيفية)

تفتيش سفينة سياحية متجهة إلى إسرائيل بعد تهديد بوجود قنبلة

أعلنت السلطات اليونانية أن تهديداً بوجود قنبلة على متن سفينة سياحية متجهة إلى إسرائيل أدى إلى القيام بعملية أمنية في ميناء جزيرة سيروس اليونانية يوم الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (أثينا)
يوميات الشرق زوار يحيطون بطائرة من طراز «إيرباص A340-600» بمطار في برلين (أ.ب)

أحد عشاق طائرة «إيرباص A380» ينقل جزءاً من فخامتها إلى منزله

في حصاد أبرز القصص المتعلقة بالسفر، هذا الأسبوع، يسلط تقرير «سي إن إن» الأميركية الضوء على أغرب طائرات الركاب ذات المحركات الأربعة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

السياحة الصحية... رحلة العافية والاسترخاء على ساحل البحر الأحمر

لقطة لمنطقة المسبح العائلية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)
لقطة لمنطقة المسبح العائلية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)
TT

السياحة الصحية... رحلة العافية والاسترخاء على ساحل البحر الأحمر

لقطة لمنطقة المسبح العائلية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)
لقطة لمنطقة المسبح العائلية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)

لم تعد السياحة الصحية تقتصر على الاسترخاء والابتعاد عن ضغوط الحياة اليومية، بل باتت تشمل تجارب تجمع بين اللياقة البدنية، والتغذية، والعلاج الطبيعي، وتحسين النوم؛ في محاولة لمساعدة الأفراد على فهم احتياجاتهم الصحية وتطوير عادات أطول استدامة.

يتوسط مدخل منتجع جاياسوم أمالا عمل فني سعودي لبندول محاط بأعمال من السدو (الشرق الأوسط)

وعلى ساحل البحر الأحمر شمال غربي السعودية، تقدم «وجهة أمالا»، ضمن مشروعات «شركة البحر الأحمر الدولية»، نموذجاً لهذا التوجه، من خلال برامج تجمع بين الحركة، والعلاجات، والاستشارات الصحية. وفي منتجع «جاياسوم أمالا»، تتوزع التجربة بين أنشطة بدنية، وممارسات للاسترخاء، وخيارات غذائية، مع برامج تُصمَّم وفق أهداف الضيوف واحتياجاتهم.

لكن تنوع الخدمات لا يمثل، في نظر كارين كامبل، الرئيسة التنفيذية لعلامة «جاياسوم»، جوهر تجربة العافية «بقدر ما يمثل فهم الفرد ما يحتاج إليه فعلاً، وسط نمط حياة تزداد فيه المطالب وتتقلص فيه المساحة المتاحة للتأمل والراحة».

مطعم «لومي رو» المستوحى من المطبخ اللبناني السعودي في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)

العافية تبدأ بالإصغاء إلى الذات

تقول كامبل، في حديثها إلى صحيفة «الشرق الأوسط»، إن وفرة المعلومات والأدوات المتعلقة بالصحة لم تجعل تحديد الاحتياجات الشخصية أمراً سهلاً بالضرورة؛ «إذ قد يصعب على الإنسان، وسط المطالب اليومية المتنافسة على انتباهه، معرفة ما يساعده على الشعور بالعافية وما يحتاج إلى تغييره في نمط حياته».

وتوضح أن الفكرة حاضرة في تصميم البرامج، التي تجمع بين التغذية، والحركة والراحة، وممارسات اليقظة الذهنية، مع مراعاة اختلاف أهداف الضيوف. والغاية، وفق تصورها، هي «توفير مساحة تسمح لهم بإبطاء إيقاعهم وإعادة التواصل مع أنفسهم، ثم نقل ما يناسبهم من عادات إلى حياتهم اليومية».

وترى كامبل أن العافية ليست نتيجة تجربة مؤقتة، «بل ممارسة تتشكل من الخيارات التي يلتزمها الإنسان باستمرار. ومن هنا، فلا تقاس قيمة الرحلة بعدد العلاجات التي يستكشفها الزائر، بل بقدرته على التعرف إلى احتياجاته واتخاذ خيارات أعمق وعياً بعد العودة إلى المنزل».

الحركة والعلاج البدني ضمن تجربة متكاملة

تبدأ البرامج بجلسة مع مستشار للعافية، تُحدَّد خلالها الأهداف والتطلعات، قبل وضع مسار شخصي يجمع بين الاستشارات والأنشطة البدنية والعلاجات المناسبة.

وتشمل التجربة جلسات للياقة والبيلاتس والعلاج الطبيعي، إلى جانب أنشطة مائية وممارسات للاسترخاء. ويعكس هذا التنوع اتجاهاً نحو الجمع بين الحركة والراحة ضمن برنامج واحد، بدلاً من التعامل معهما على أنهما مساران منفصلان.

وتختلف طبيعة هذه البرامج باختلاف احتياجات المشاركين، سواء أتعلق الأمر بتحسين الحركة، أم تعزيز اللياقة، أم الحد من الإجهاد. ومع ذلك، فإنه يظل من المهم التمييز بين الأنشطة التي تستهدف الاسترخاء وتحسين الشعور العام بالعافية، والتدخلات العلاجية التي تستلزم تقييماً مختصاً، خصوصاً عند التعامل مع إصابات أو حالات صحية محددة.

أحد غرف العلاجية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)

الموروث العلاجي في مواجهة أسئلة الطب الحديث

يمثل الطب العربي والإسلامي التقليدي أحد المداخل التي تستكشفها التجربة، إلى جانب ممارسات علاجية مستمدة من ثقافات أخرى. وتقول كامبل إن «هذا الموروث يحمل معارف غنية تتصل بالتوازن، والتغذية، والوقاية، وعلاقة الإنسان بمحيطه. واستكشافُ سبل الاستفادة منه يتيح فتح حوار بين الممارسات التقليدية والطب الحديث».

ويطرح هذا التوجه سؤالاً يتجاوز استعادة المعارف القديمة إلى كيفية تقييمها في سياق صحي معاصر. فالجمع بين الموروث والطب الحديث يتيح مساحة للاستكشاف، لكنه يتطلب أيضاً التمييز بين القيمة الثقافية للممارسات التقليدية، وفاعليتها العلاجية التي ينبغي أن تستند إلى الأدلة العلمية المتاحة.

قبة أيموري الصوتية واحدة من ضمن علاجات جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)

«الثقافة والمكان» جزء من العافية

لا تحصر كامبل مفهوم العافية في التجربة الفردية، بل تربطه أيضاً بالبيئة والعلاقات الاجتماعية. وتشير إلى أن «الضيافة والروابط الأسرية في المجتمع السعودي تتيحان النظر إلى العافية بوصفها تجربة يمكن مشاركتها، من خلال الأنشطة المشتركة وتخصيص وقت للتواصل مع الأشخاص الأقرب».

ويَظهر هذا الارتباط بالمكان أيضاً في حضور أعمال لفنانين سعوديين وتفاصيل تصميمية مستوحاة من الحرف المحلية، ومنها السدو في منطقة تبوك. وترى كامبل أن «الفن واستكشاف الثقافة يمكن أن يوفرا للضيف مساحة للتأمل، وأن يجعلا التجربة أوثق اتصالاً بالبيئة التي تحتضنها».

وتؤكد أن «العمل في السعودية يتطلب التعلم المستمر والتكيف مع الثقافة المحلية»، في مقاربة ترى أن «تجربة العافية لا يمكن فصلها تماماً عن المجتمع والمكان، حتى عندما تتشابه بعض الخدمات المقدمة مع تجارب في وجهات أخرى».

يقدم منتجع «جاياسوم أمالا» على ساحل البحر الأحمر أكثر من 200 علاج وتجربة صحية

التغذية والعادات التي تستمر بعد الرحلة

تحتل التغذية والنوم والراحة موقعاً مكملاً للأنشطة البدنية؛ إذ تتضمن الإقامةُ وجباتٍ صحيةً وخياراتٍ مستوحاةً من مطابخ متعددة، مع التركيز على المكونات الطازجة والموسمية. وتندرج هذه العناصر ضمن تصور أوسع يربط العافية بمجموعة من العادات اليومية؛ لا بخدمة منفردة.

كما يتيح البرنامج إمكانية استمرار الإرشاد بعد انتهاء الإقامة، بما يساعد الضيوف على نقل بعض الممارسات إلى حياتهم المعتادة. ويظل هذا الجانب مهماً في تجربة تقوم على تخصيص البرامج وفق احتياجات الأفراد، وعلى فكرة أن التغيير المستدام يتطلب الاستمرارية أكثر مما يتطلب الابتعاد المؤقت عن الروتين.

جانب من داخل أحد فلل منتجع جاياسوم أمالا بإطلالة ساحلية (الشرق الأوسط)

على ساحل البحر الأحمر، تلتقي السياحة الصحية باللياقة والعلاج البدني والتغذية، في تجربة تتجاوز مفهوم الاستجمام التقليدي. غير أن جوهرها، وفق رؤية كامبل، «لا يكمن في كثرة الخيارات المتاحة، بل في إيجاد مساحة تساعد الإنسان على فهم ما يحتاج إليه، والتمييز بين ما يناسبه وما لا يناسبه، وبناء علاقة أعمق وعياً بصحته في حياته اليومية».


دروب لبنان... رحلات على إيقاع الطبيعة والتاريخ

مسار المسيلحة (فيسبوك)
مسار المسيلحة (فيسبوك)
TT

دروب لبنان... رحلات على إيقاع الطبيعة والتاريخ

مسار المسيلحة (فيسبوك)
مسار المسيلحة (فيسبوك)

ليس ضرورياً أن تكون الوجهة السياحية مدينةً مزدحمة أو شاطئاً بحرياً حتى تستحقّ الرحلة. ففي لبنان، يمكن للمشي أن يتحوّل إلى تجربة استكشافية متكاملة، تنقل زائرها بين الغابات والوديان والأنهار والقرى القديمة، وتتيح له الاقتراب من الطبيعة والتعرّف إلى حكايات الأمكنة التي يعبرها. وتشكّل دروب المشي المنتشرة في مختلف المناطق اللبنانية خياراً لمحبي المغامرة والباحثين عن الهدوء في آن؛ إذ تتفاوت مستوياتها بين مسارات سهلة تناسب النزهات العائلية وأخرى تتطلّب لياقة بدنية وخبرة في السير الجبلي.

ومن شمال لبنان إلى جنوبه، تبرز ثلاثة مواقع تستحقّ أن تكون على خريطة هواة المشي: درب المسيلحة في قضاء البترون، ووادي قاديشا في الشمال، وغابة الصنوبر في بلدة بكاسين الجنوبية. لكلّ منها طبيعته الخاصة، ولكلّ درب حكاية مختلفة، تجمع بين المشهد الطبيعي والإرث التاريخي والذاكرة المحلية.

درب المسيلحة... بين النهر والحصون القديمة

في محيط البترون، لا تقتصر متعة المشي على اجتياز المسافات، بل تمتدّ إلى اكتشاف علاقة الطبيعة بتاريخ المنطقة. ويقدّم درب المسيلحة، المرتبط بمجرى نهر الجوز، تجربة تجمع بين المساحات الخضراء والمياه والجسور الحجرية القديمة وطواحين المياه التي تروي جانباً من الحياة الريفية في الماضي.

ويشكّل النهر، الذي يشقّ طريقه وسط الوادي وتنتشر أشجار الجوز على ضفافه، عنصراً أساسياً من جاذبية المسار. فخلال الرحلة، تتبدّل المشاهد بين الممرّات الطبيعية والغطاء النباتي والمعالم الحجرية، في تجربة تتيح للمشاة الابتعاد عن ضجيج الطرق الرئيسية والتعرّف إلى وجه آخر من البترون، بعيداً عن صورتها البحرية المعتادة.

تكتسب المنطقة أهمية تاريخية، بفضل قلعة المسيلحة، القائمة على نتوء صخري طويل قرب النهر. وقد شُيّدت في عهد الأمير فخر الدين الثاني خلال القرن السابع عشر، لحماية الطريق الذي كان يصل بيروت بطرابلس، ويمنح موقعها المرتفع، الزائر فرصة تأمّل المشهد المحيط بها، حيث تلتقي التضاريس الصخرية بالخضرة ومجرى المياه.

لا ينحصر درب المسيلحة في مسار واحد؛ إذ تتوافر مسارات تربط المنطقة بمحيط نهر الجوز وقرى مجاورة، من بينها كفرحي وكفتون. وتشير بعض الرحلات المنظّمة إلى مسافة تقارب 12 إلى 13 كيلومتراً. وتناسب هذه الوجهة محبي المشي الذين يفضّلون الجمع بين الطبيعة والمعالم التاريخية، على أن يُختار المسار وفق مستوى اللياقة البدنية والظروف الميدانية.

مسار وادي قاديشا (فيسبوك)

وادي قاديشا... دروب تحمل ذاكرة الوادي المقدّس

في وادي قاديشا، يصبح المشي أشبه برحلة في طبقات التاريخ. فهنا، بين الجروف الصخرية والمنحدرات العميقة والأشجار التي تتوزّع على السفوح، تتجاور الطبيعة مع أديرة قديمة ومغاور لجأ إليها النساك والمتعبّدون عبر قرون طويلة. ولهذا، لا يُختصر استكشاف الوادي بجماله الطبيعي، بل يشمل أيضاً التعرّف إلى إرث روحي وثقافي جعل منه أحد أبرز المواقع التاريخية في لبنان.

وقد أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) وادي قاديشا، المعروف بالوادي المقدّس، على قائمة التراث العالمي عام 1998، تقديراً لأهميته في تاريخ الحياة الرهبانية المسيحية. وتنتشر في محيطه أديرة ذات قيمة تاريخية، من بينها دير مار أنطونيوس قزحيا، ودير سيدة حوقا، ودير قنوبين، ودير مار ليشع.

وتتيح دروب الوادي الاقتراب من هذه المعالم سيراً على الأقدام، وسط مشاهد تتغيّر مع اختلاف الارتفاعات ونقاط الانطلاق. ففي بعض المقاطع، يرافق المشاة مجرى النهر، فيما تقوده مسارات أخرى إلى الأديرة والمغاور والمواضع التي اختارها النساك للعزلة والتأمّل. وبين هذه المحطات، تبرز المدرّجات الزراعية القديمة التي تشهد على حياة المجتمعات التي سكنت الوادي واستفادت من أرضه ومياهه.

ولا تقتصر التجربة على المشهد البصري؛ إذ يفرض المكان إيقاعاً مختلفاً على زائره. فالصعود والهبوط على الممرّات الجبلية، والتوقّف عند الأديرة، ومراقبة تفاصيل الطبيعة، تجعل الرحلة أقرب إلى استكشاف هادئ لموقع يحمل ذاكرة دينية واجتماعية عريقة.

بكاسين من أجمل المناطق اللبنانية (فيسبوك)

بكاسين... نزهة في ظلال غابة الصنوبر بجنوب لبنان

تقدّم بلدة بكاسين صاحبة لقب «أفضل القرى السياحية في العالم»، تجربة مختلفة لهواة المشي. وتأتي غابة الصنوبر الممتدّة على مساحة واسعة تحيط بالبلدة عنواناً لها، وتشكّل جزءاً أساسياً من هويتها الطبيعية. ويكفي السير تحت أشجارها العالية لاكتشاف سبب تحوّلها إلى وجهة يقصدها محبو الطبيعة، بعيداً عن صخب المدن وازدحامها.

وتُعدّ غابة بكاسين من أبرز غابات الصنوبر المثمرة في لبنان والشرق الأوسط، وتمتدّ، وفق بيانات سياحية محلية، على نحو 200 هكتار. ولا تقتصر أهميتها على المشهد الطبيعي؛ إذ ترتبط أيضاً بإنتاج الصنوبر وبالحياة الاقتصادية والاجتماعية لأبناء البلدة، ما يجعل الحفاظ عليها جزءاً من حماية إرث محلي.

وتتنوّع خيارات المشي في المنطقة، من جولات قصيرة بين الأشجار إلى مسارات أطول تصل الغابة بمحيط جزين وقلعة نيحا وبعض الأودية والقرى المجاورة. ويتيح أحد المسارات اكتشاف الغابة انطلاقاً من ساحة البلدة باتجاه عين الزعرور والرمانة، مع إطلالات تمتدّ نحو صيدا والبحر الأبيض المتوسط. أما المسار الذي يربط بكاسين بقلعة نيحا، فيمرّ بمشاهد طبيعية أكثر تنوّعاً، تشمل وادي جزين ووادي بسري، إلى جانب جسر عثماني قديم وطاحونة مياه محفوظة.

وتختلف مسافة الرحلة ودرجة صعوبتها بحسب الطريق المختار؛ فهناك جولات قصيرة نسبياً تناسب من يبحثون عن نزهة في أحضان الطبيعة، فيما تتطلّب المسارات الطويلة قدرة أكبر على المشي وصعود المرتفعات واجتياز بعض الدروب الوعرة.

ولا تكتمل زيارة بكاسين من دون التوقّف في البلدة نفسها، حيث البيوت التقليدية ذات القرميد الأحمر والأزقّة الهادئة، إلى جانب كنيسة القديسة تقلا التي تشكّل معلماً بارزاً فيها.

وهكذا، يمكن تحويل النزهة إلى يوم سياحي يجمع بين المشي والتعرّف إلى الحياة الريفية، وتذوّق المنتجات المحلية، بما فيها المنتجات المرتبطة بموسم الصنوبر.


من الأقصر إلى السعودية... خريطة جديدة للسياحة الطبية

تعتمد السياحة الخليجية على التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي (واس)
تعتمد السياحة الخليجية على التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي (واس)
TT

من الأقصر إلى السعودية... خريطة جديدة للسياحة الطبية

تعتمد السياحة الخليجية على التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي (واس)
تعتمد السياحة الخليجية على التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي (واس)

لم تكن فكرة السفر من أجل الصحة جديدة عندما ظهرت عبارة «السياحة الطبية» بصورتها الحديثة. فمنذ القرن التاسع عشر، كان الأوروبيون يسافرون إلى مدن وبلدان بحثاً عن مناخ أكثر ملاءمة للراحة والعلاج، وكانت الأقصر المصرية واحدة من الوجهات التي جذبت الزوار بفضل مناخها الجاف والدافئ.

معالم الأقصر من عناصر الجذب للسياحة الثقافية (الهيئة العامة للاستعلامات)

اليوم تغيرت الصورة

ولا يزال فاحشو الثراء ينفقون آلاف الدولارات على تجارب لإنقاص الوزن قد تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى الحرمان منها إلى الرفاهية. ففي عيادة «ماير» الأصلية في النمسا، لا تزال أنظمة غذائية شديدة الانخفاض في السعرات، تصل في بعض البرامج إلى نحو 800 سعرة حرارية يومياً، تحظى بإقبال بين المشاهير والباحثين عن طرق سريعة لتغيير أوزانهم. هنا لا يدفع الزائر مقابل الطعام فحسب، بل مقابل تجربة كاملة تجعل حتى الوجبة الصغيرة جزءاً من أسلوب حياة فاخر.

ويكشف حجم هذه السوق تصنيف أفضل 50 وجهة للسياحة الطبية لعام 2026، الذي أعدته «Travel And Tour World» ونشرته «Time Out».

جاءت تركيا في المركز الأول، تلتها تايلاند والهند والمكسيك وكوريا الجنوبية، بينما حلت الإمارات في المركز التاسع. وجاءت مصر في المركز 36 والسعودية في المركز 39 ضمن القائمة الكاملة.

علب من «أوزيمبيك» و«مونجارو» (رويترز)

لكن الأرقام ليست القصة كلها

فالسياحة الطبية لم تعد تعني السفر لإجراء عملية جراحية والعودة إلى المنزل. المريض اليوم يقارن بين الخبرة الطبية والتكنولوجيا والكلفة ومدة الانتظار، كما ينظر إلى الفندق والمدينة والخدمات التي سترافقه خلال فترة العلاج والتعافي.

مواقع أثرية بالأقصر تشهد إقبالاً (وزارة السياحة والآثار)

السعودية... سوق تتوسع

في السعودية، يتجه الاهتمام بالسياحة الطبية إلى بناء منظومة متكاملة للمرضى الدوليين، بالتوازي مع توسع خدمات علاج السمنة وإدارة الوزن.

وفي مايو (أيار) 2026، أطلق المجلس السعودي لاعتماد المنشآت الصحية «CBAHI» وشركة «Temos International» برنامج اعتماد مشتركاً للسياحة الطبية، بهدف تطوير معايير خدمات المرضى القادمين من الخارج ورفع جودة الرعاية المقدمة لهم. وكان المركز الطبي الدولي في جدة أول منشأة تبدأ المشاركة في البرنامج.

وفي مجال إنقاص الوزن، تتسع الخيارات من جراحات السمنة إلى البرامج غير الجراحية والعلاج الدوائي والتغذية والمتابعة الطبية.

وفي أغسطس (آب) 2026، وافقت الهيئة السعودية للغذاء والدواء على تسجيل علاج فموي جديد لإدارة الوزن، في خطوة تعكس اتساع سوق علاجات السمنة إلى ما هو أبعد من العمليات والحقن.

(بيكسلز)

مصر... العلاج وسط الرحلة

أما مصر، فلديها ميزة مختلفة. فالسياحة العلاجية تمتلك تاريخاً طويلاً، بينما توفر البلاد قاعدة طبية واسعة وتكاليف قد تكون أكثر جذباً لبعض المرضى القادمين من الخارج.

وتبقى الأقصر مثالاً واضحاً على قدرة مصر على الجمع بين العلاج والسياحة. فالمدينة التي جذبت الزوار تاريخياً بحثاً عن الراحة والمناخ، تضم اليوم منشآت طبية حديثة، ويمكن للزائر أن يجمع بين العلاج والإقامة وزيارة المعابد والنيل.

لكن المفاجأة في سوق اليوم أن فقدان الوزن نفسه أصبح سبباً للسفر. هناك من يسافر لإجراء جراحة سمنة، ومن يختار برنامجاً غذائياً ورياضياً متكاملاً، ومن يبحث عن متابعة طبية، بينما يذهب آخرون إلى منتجعات العافية بعيداً عن ضغط العمل والمطاعم والعادات اليومية.

ثم جاءت حقن الـGLP-1 لتغير المعادلة

أدوية مثل «ويغوفي» و«مونجارو» جعلت علاج السمنة أكثر حضوراً في الحياة اليومية، وأصبح إنقاص الوزن في حالات معينة جزءاً من خطة علاجية طويلة الأمد. وبالنسبة إلى البعض، يصبح السؤال بسيطاً: لماذا أسافر وأقيم في مصح لأسابيع إذا كان بإمكاني الحصول على علاج يصفه الطبيب والعودة إلى حياتي المعتادة؟

لكن الحقنة لم تنه المصح وربما أعطته وظيفة جديدة

فالدواء يمكن أن يكون جزءاً من العلاج، بينما يمنح المصح الشخص فرصة للابتعاد عن بيئته المعتادة. بطعام محسوب، ونشاط بدني، ونوم أكثر انتظاماً، وفحوص واستشارات، وأحياناً دعم سلوكي واسترخاء.

وتلعب الكلفة دوراً في اختيار الوجهة، لكن المقارنة ليست دائماً بين سعر دواء وسعر إقامة. فالعلاج الدوائي قد يكون أقل كلفة، لكنه مستمر، بينما تشمل بعض برامج المصحات الإقامة والطعام والفحوص والتمارين والمتابعة.

لذلك، لا يبدو أن السؤال الحقيقي هو: المصح أم الحقنة؟

هناك من يريد علاجاً يندمج في حياته اليومية، وهناك من يحتاج إلى الابتعاد عن حياته لبعض الوقت حتى يبدأ تغيير عاداته.

وفي الشرق الأوسط، تحاول السعودية ومصر الاستفادة من هذا التحول، كل وفق إمكاناتها وموقعها. فالسوق لم تعد تبحث عن مستشفى فقط، بل عن رحلة صحية كاملة.

وفي زمن أصبح فيه إنقاص الوزن ممكناً بعلاجات حديثة، لا يزال بعض الناس يريدون شيئاً لا توفره وصفة طبية وحدها: مكاناً يبتعدون فيه قليلاً عن حياتهم القديمة، ليعودوا إليها بعادات جديدة... وربما بوزن أقل.