موسكو عززت من «البوابة السورية» حضورها الإقليمي والدولي

أربع سنوات على تدخلها العسكري المباشر دعماً للأسد

بوتين والأسد في قاعدة حميميم الروسية باللاذقية بحضور وزير الدفاع الروسي في 2017 (غيتي)
بوتين والأسد في قاعدة حميميم الروسية باللاذقية بحضور وزير الدفاع الروسي في 2017 (غيتي)
TT

موسكو عززت من «البوابة السورية» حضورها الإقليمي والدولي

بوتين والأسد في قاعدة حميميم الروسية باللاذقية بحضور وزير الدفاع الروسي في 2017 (غيتي)
بوتين والأسد في قاعدة حميميم الروسية باللاذقية بحضور وزير الدفاع الروسي في 2017 (غيتي)

قبل أربع سنوات كاملة، وتحديداً في اليوم التالي لبدء العمليات العسكرية الروسية المباشرة في سوريا، كتب توماس فريدمان في صحيفة «نيويورك تايمز» مندداً بـ«الانتهازية الأميركية» في التعامل مع «مغامرة» الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سوريا. قال إن بوتين «سيواجه غضب العالم الإسلامي بأسره، بما فيه المسلمين الروس»، و«سيجد نفسه في وضْع مَن تسلق شجرة لا يستطيع النزول منها. وتورطه في سوريا ربما هو الذي سيرغمه في النهاية على البحث عن حل سياسي هناك».
لا يبدو المشهد الحالي مطابقاً للتوقعات التي عبر عنها كثيرون في تلك المرحلة. ورغم أنه بعد مرور سنوات تغيرت فيها كثيراً خرائط النفوذ على الأرض السورية، وانقلبت موازين القوى، وتبدلت أحوال المنطقة والعالم، لم يهدأ السجال حول آفاق ونتائج «مغامرة بوتين السورية»، فإن جردة الحسابات الروسية تظهر تحقيق الكرملين كل الأهداف تقريباً التي وضعت عند اتخاذ القرار الحاسم ليلة 30 سبتمبر (أيلول) 2015.
كانت دمشق سوف «تسقط في أيدي الإرهابيين بعد أسبوعين على الأكثر»، كما أكد بعد ذلك مراراً مسؤولون روس، وكان «الإرهابيون سوف يؤدون رقصة النصر في ساحاتها، ويغدو أبو بكر البغدادي صاحب الكلمة العليا»، وفقاً للتبريرات التي أطلقتها وزارة الخارجية الروسية لدعم ضرورة التدخل المباشر وتوقيته. لكن خلف العبارات القوية عن «إنقاذ سوريا من الانهيار»، برزت حسابات على المستويين الداخلي والخارجي دلت على أن تغيير مسار الحرب السورية، وفرض أمر واقع جديد فيها «على الأرض»، يتعدى في أهميته كثيراً الحدود السورية، ليشمل انطلاق موسكو من «البوابة السورية» إلى تعزيز الحضور الإقليمي والدولي في ملفات كثيرة لم تكن موسكو قادرة على التعامل معها من دون تكريس نتائج هذه التجربة، وهو الأمر الذي عبر عنه أحد الخبراء المقربين من الكرملين في وقت مبكر تقريباً، في 2013، عندما قال إنه «مهما كان شكل التسوية النهائية في سوريا، فإن المؤكد أن اللاعبين الأساسيين فيها سوف تكون لهم الحصة الأساسية في رسم ملامح النظامين الجديدين على المستويين الإقليمي والدولي».
بهذا الفهم أطلقت موسكو العنان لعملياتها العسكرية في سوريا في 2015، مستفيدة من تجربتها في الحرب الشيشانية بداية، قبل أن تبدأ بالتعامل مع الملف لاحقاً وفقاً لمتطلبات تطورات الوضع ميدانياً وعسكرياً في سوريا.
وبرز تكرار التجربة الشيشانية في سوريا من خلال سياسة قضم المناطق الاستراتيجية تدريجياً، باستخدام القوة العسكرية المفرطة، بالتوازي مع إطلاق هياكل وآليات «المصالحات» في المناطق، قبل أن تنتقل روسيا لترتيب آليات إقليمية مع اللاعبين المؤثرين ميدانياً، خصوصاً تركيا وإيران وإسرائيل، في ظل غياب التنسيق السياسي مع واشنطن، واقتصار الاتصالات على المستوى العسكري لتجنب الصدام غير المقصود على الأرض.
وبهذا المعنى أيضاً، وجدت موسكو ضرورة تدعيم نشاطاتها العسكرية بتحرك على مستوى الأطراف العربية المعنية، لذلك توصلت إلى إنشاء مركز التنسيق الأمني الرباعي في بغداد (روسيا وسوريا والعراق وإيران) في نهاية عام 2015، قبل أن تفتح قنوات الاتصال مع الأردن لضمان ترتيبات «الجبهة الجنوبية» في 2017.
«مسار آستانة»

وقاد انطلاق «مسار آستانة» في بداية عام 2017 إلى وضع خرائط جديدة للتحرك، أسفر عن حصر النقاش في مناطق خفض التصعيد الأربع التي أعلن عن تشكيلها في مايو (أيار) 2017، وشملت مناطق غوطة دمشق والمنطقة الجنوبية وشمال ووسط محافظة حمص ومنطقة إدلب، قبل أن تطلق القوات الروسية نشاطاً عسكرياً واسعاً لدعم القوات النظامية في عمليات قضم المناطق تدريجياً، وفرض السيطرة الحكومية عليها، باستثناء منطقة إدلب التي ما زالت تشكل عقدة الحسم النهائي على الأرض.
عموماً، تضع روسيا بين أبرز «إنجازاتها» الميدانية أنها نجحت في إعادة 97 في المائة من الأراضي السورية إلى سيطرة الحكومة، وفقاً لبيانات رسمية لوزارة الدفاع. ولا يمكن فهم البيانات والتقارير العسكرية التي تتحدث عن هذه الأرقام إلا في إطار الترويج الداخلي لحجم الإنجازات الكبير، إذ تدل ملامح «الخريطة الجديدة» لسوريا على أن النظام يسيطر حاليا على نحو 60 في المائة من الأراضي، مع الأخذ بالاعتبار خروج منطقتي شرق الفرات وإدلب عن سيطرته، فضلاً عن الوجود الأميركي في منطقة التنف، وعن طبيعة التسويات في المنطقة الجنوبية التي لا تمنحه سيطرة مطلقة.
لكن هذا لا يمنع التأكيد على التغيير الكبير الذي طرأ على ملامح الخريطة السورية بعد مرور أربع سنوات على التدخل الروسي المباشر. ولا تخفي موسكو وهي تخوض مفاوضات شاقة مع تركيا ومع الأطراف المختلفة أنها تسعى إلى توسيع رقعة سيطرة الحكومة السورية، وأن الهدف النهائي هو استعادة السيطرة على «كل شبر» من الأرض السورية.
ويبالغ بعض المتابعين في تقييم الخسائر الروسية في الحرب السورية، وتبرز إشارات كثيرة إلى ما يوصف بأنه «انزلاق روسي إلى الغرق في المستنقع السوري». لكن حسابات الإنفاق الروسي على هذه الحرب تبدو مغايرة.
على المستوى الاقتصادي، يتحدث البعض عن تخصيص موازنات مرهقة لموسكو، في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها أصلاً، لكن اللافت أن هذا الملف لم يبرز على المستوى الداخلي في النقاش، رغم تصاعد مزاج التذمر من سياسات الكرملين عموماً خلال الفترة الأخيرة.
ويشير خبراء إلى أن «الخسائر المالية» لروسيا في الحرب السورية تكاد تقترب من الصفر، ذلك أن الإنفاق على الحملة العسكرية السورية وضع تحت بند في موازنة وزارة الدفاع التي تبلغ وفقاً لأرقام رسمية نحو 80 مليار دولار، يتعلق بإجراء التدريبات وتطوير طرازات الأسلحة الروسية، وهو بند يلتهم نحو نصف الموازنة العسكرية الروسية.
وفي هذا الإطار، فإن كل النشاط العسكري الروسي في سوريا يندرج في إطار التدريبات العسكرية، وتطوير قدرات روسيا العسكرية. وهذا يفسر حرص الكرملين على إبراز حجم «الإنجازات» على هذا الصعيد. وتقول مصادر إن موسكو تنفق سنوياً نحو 10 مليارات دولار في حملتها العسكرية في سوريا، ويعد هذا الرقم محدوداً بالمقارنة مع حجم الإنفاق العسكري الأميركي في العراق مثلاً.
والأهم من ذلك أنه ذهب، وفقاً للتأكيدات الرسمية الروسية، على تطوير قدرات روسيا العسكرية، من خلال تحويل سوريا إلى ساحة تجارب للسلاح الجديد، ولاختبار قدرات التقنيات العسكرية التي لم تكن قد جربت في ساحات قتال حقيقية في السابق.
«جرب في سوريا»

بهذا المعنى، جاء الإعلان الروسي الرسمي، على لسان وزير الدفاع سيرغي شويغو، أن موسكو جربت نحو 300 طراز من أسلحتها على الأرض السورية، وأنها عملت على إدخال تعديلات كبيرة على جزء واسع منها، بعدما أظهرت العمليات العسكرية نواقص فيها. وفي المقابل، أوقفت إنتاج 12 طرازاً من الأسلحة التي أظهرت الحرب هناك أنها ليست ذات جدوى. ويكفي القول، وفقاً لتأكيدات الوزير، إن موسكو لم تكن قد جربت، في العهد السوفياتي ولا في تاريخ روسيا المعاصرة، حاملة الطائرات لديها في ظروف ميدانية، ناهيك عن تجربة صواريخ «كاليبرا» المهمة التي يمكن إطلاقها من البر والبحر، ومن عمق البحار في الغواصات، وهي تجربة قامت بها موسكو مراراً في سوريا.
هكذا، يمكن تفسير كلام الرئيس فلاديمير بوتين عن أن «الحرب السورية وفرت مجالاً لا يقدر بثمن لتجربة السلاح الروسي في ظروف ميدانية حقيقية لم تكن ساحات التدريب لتوفرها أبداً».
والمثير في هذا الإطار أن المؤسسات الروسية المختصة بالترويج للسلاح الروسي باتت تضع «علامة مسجلة» لكل طرازات الأسلحة التي جربت في سوريا، فهي في إطار حملاتها الترويجية ونقاشاتها مع الأطراف حول توقيع صفقات جديدة تستخدم عبارة «جرب في سوريا» لتكون بمثابة «علامة الجودة» لهذا السلاح أو ذاك.
وفي المقابل، يشير خبراء عسكريون إلى أن خسائر روسيا العسكرية في سوريا تعد «محدودة جداً»، بالمقارنة مع المعدلات التقليدية في ظروف مماثلة، إذ خسرت روسيا بضع عشرات من الطائرات والمروحيات على مدى أربع سنوات، ولا تكاد خسائرها البشرية تكون موجعة، وتشير تقديرات رسمية إلى مقتل 5 جنرالات، وأكثر بقليل من مائة عسكري، وهنا لا يتم حساب المرتزقة الروس الذين قاتلوا إلى جانب النظام، ولا تعترف موسكو رسمياً بخسائرهم التي بلغت عدة مئات.
واللافت أن الرئيس الروسي كان قد أعلن عدة مرات بعد ذلك أن بلاده «قادرة على الانسحاب في غضون أسبوعين من سوريا» إذا دعت الظروف، وهو تصريح رغم أنه موجه بالدرجة الأولى إلى الداخل الروسي، فإنه يؤشر إلى أن «موسكو لا تخسر كثيراً في حال اضطرت إلى تغيير قواعد تحركها في سوريا والمنطقة»، وفقاً لتحليل خبراء روس.
تعزيز الانفتاح الإقليمي

وفي مقابل حسابات الربح والخسارة على المستوى العسكري، يضع مجتمع الخبراء الروس رزمة كاملة من الإنجازات السياسية للكرملين بسبب الحرب السورية على المستوى الإقليمي. فخلافاً لتوقعات سابقة، فقد ساهم الوجود العسكري في سوريا بتعزيز مسار الانفتاح الإقليمي على موسكو، من خلال الفهم المتزايد للأطراف العربية المؤثرة بأنه لا بديل عن التفاهم مع موسكو على الترتيبات اللاحقة في سوريا والمنطقة.
وشكل هذا واحداً من عناصر الصعود الروسي على المستويين الإقليمي والدولي، مع ما يعزز ذلك من تدخل روسي واضح في عدد من الأزمات الإقليمية بفضل «التجربة السورية». ومع الانفتاح الإقليمي على موسكو، بدت موسكو واثقة من ترسيخ المبدأ الأساسي الذي عملت لتكريسه، وفقاً لمقولة «لا تسوية لأي مشكلة إقليمية أو دولية من دون دور روسي»، مع التركيز على الإقرار الغربي بصحة هذه المقولة، في مقابل العزلة السياسية الواسعة التي كانت موسكو تعاني منها بعد قرار ضم شبه جزيرة القرم في عام 2014.
ورغم أن مشكلة تطوير الحوار مع واشنطن ما زالت تشكل عائقاً أمام حصد النتائج المتوقعة من جانب موسكو، فإن أوساطاً روسية ترى أن الكرملين تجاوز «عقدة الأزمة» في هذا المجال، وهو مع متاعبه الكثيرة في سوريا، انطلاقاً من القناعة بأنه ما زال ليس قادراً على ترجمة إنجازاته العسكرية إلى واقع سياسي عبر دفع التسوية التي توافق هواه، فإنه «لم يعد أي طرف قادراً على الادعاء بأنه يستطيع دفع تسوية ما من دون روسيا»، وفقاً لتأكيد محلل استراتيجي روسي أخيراً.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.