موسكو عززت من «البوابة السورية» حضورها الإقليمي والدولي

أربع سنوات على تدخلها العسكري المباشر دعماً للأسد

بوتين والأسد في قاعدة حميميم الروسية باللاذقية بحضور وزير الدفاع الروسي في 2017 (غيتي)
بوتين والأسد في قاعدة حميميم الروسية باللاذقية بحضور وزير الدفاع الروسي في 2017 (غيتي)
TT

موسكو عززت من «البوابة السورية» حضورها الإقليمي والدولي

بوتين والأسد في قاعدة حميميم الروسية باللاذقية بحضور وزير الدفاع الروسي في 2017 (غيتي)
بوتين والأسد في قاعدة حميميم الروسية باللاذقية بحضور وزير الدفاع الروسي في 2017 (غيتي)

قبل أربع سنوات كاملة، وتحديداً في اليوم التالي لبدء العمليات العسكرية الروسية المباشرة في سوريا، كتب توماس فريدمان في صحيفة «نيويورك تايمز» مندداً بـ«الانتهازية الأميركية» في التعامل مع «مغامرة» الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سوريا. قال إن بوتين «سيواجه غضب العالم الإسلامي بأسره، بما فيه المسلمين الروس»، و«سيجد نفسه في وضْع مَن تسلق شجرة لا يستطيع النزول منها. وتورطه في سوريا ربما هو الذي سيرغمه في النهاية على البحث عن حل سياسي هناك».
لا يبدو المشهد الحالي مطابقاً للتوقعات التي عبر عنها كثيرون في تلك المرحلة. ورغم أنه بعد مرور سنوات تغيرت فيها كثيراً خرائط النفوذ على الأرض السورية، وانقلبت موازين القوى، وتبدلت أحوال المنطقة والعالم، لم يهدأ السجال حول آفاق ونتائج «مغامرة بوتين السورية»، فإن جردة الحسابات الروسية تظهر تحقيق الكرملين كل الأهداف تقريباً التي وضعت عند اتخاذ القرار الحاسم ليلة 30 سبتمبر (أيلول) 2015.
كانت دمشق سوف «تسقط في أيدي الإرهابيين بعد أسبوعين على الأكثر»، كما أكد بعد ذلك مراراً مسؤولون روس، وكان «الإرهابيون سوف يؤدون رقصة النصر في ساحاتها، ويغدو أبو بكر البغدادي صاحب الكلمة العليا»، وفقاً للتبريرات التي أطلقتها وزارة الخارجية الروسية لدعم ضرورة التدخل المباشر وتوقيته. لكن خلف العبارات القوية عن «إنقاذ سوريا من الانهيار»، برزت حسابات على المستويين الداخلي والخارجي دلت على أن تغيير مسار الحرب السورية، وفرض أمر واقع جديد فيها «على الأرض»، يتعدى في أهميته كثيراً الحدود السورية، ليشمل انطلاق موسكو من «البوابة السورية» إلى تعزيز الحضور الإقليمي والدولي في ملفات كثيرة لم تكن موسكو قادرة على التعامل معها من دون تكريس نتائج هذه التجربة، وهو الأمر الذي عبر عنه أحد الخبراء المقربين من الكرملين في وقت مبكر تقريباً، في 2013، عندما قال إنه «مهما كان شكل التسوية النهائية في سوريا، فإن المؤكد أن اللاعبين الأساسيين فيها سوف تكون لهم الحصة الأساسية في رسم ملامح النظامين الجديدين على المستويين الإقليمي والدولي».
بهذا الفهم أطلقت موسكو العنان لعملياتها العسكرية في سوريا في 2015، مستفيدة من تجربتها في الحرب الشيشانية بداية، قبل أن تبدأ بالتعامل مع الملف لاحقاً وفقاً لمتطلبات تطورات الوضع ميدانياً وعسكرياً في سوريا.
وبرز تكرار التجربة الشيشانية في سوريا من خلال سياسة قضم المناطق الاستراتيجية تدريجياً، باستخدام القوة العسكرية المفرطة، بالتوازي مع إطلاق هياكل وآليات «المصالحات» في المناطق، قبل أن تنتقل روسيا لترتيب آليات إقليمية مع اللاعبين المؤثرين ميدانياً، خصوصاً تركيا وإيران وإسرائيل، في ظل غياب التنسيق السياسي مع واشنطن، واقتصار الاتصالات على المستوى العسكري لتجنب الصدام غير المقصود على الأرض.
وبهذا المعنى أيضاً، وجدت موسكو ضرورة تدعيم نشاطاتها العسكرية بتحرك على مستوى الأطراف العربية المعنية، لذلك توصلت إلى إنشاء مركز التنسيق الأمني الرباعي في بغداد (روسيا وسوريا والعراق وإيران) في نهاية عام 2015، قبل أن تفتح قنوات الاتصال مع الأردن لضمان ترتيبات «الجبهة الجنوبية» في 2017.
«مسار آستانة»

وقاد انطلاق «مسار آستانة» في بداية عام 2017 إلى وضع خرائط جديدة للتحرك، أسفر عن حصر النقاش في مناطق خفض التصعيد الأربع التي أعلن عن تشكيلها في مايو (أيار) 2017، وشملت مناطق غوطة دمشق والمنطقة الجنوبية وشمال ووسط محافظة حمص ومنطقة إدلب، قبل أن تطلق القوات الروسية نشاطاً عسكرياً واسعاً لدعم القوات النظامية في عمليات قضم المناطق تدريجياً، وفرض السيطرة الحكومية عليها، باستثناء منطقة إدلب التي ما زالت تشكل عقدة الحسم النهائي على الأرض.
عموماً، تضع روسيا بين أبرز «إنجازاتها» الميدانية أنها نجحت في إعادة 97 في المائة من الأراضي السورية إلى سيطرة الحكومة، وفقاً لبيانات رسمية لوزارة الدفاع. ولا يمكن فهم البيانات والتقارير العسكرية التي تتحدث عن هذه الأرقام إلا في إطار الترويج الداخلي لحجم الإنجازات الكبير، إذ تدل ملامح «الخريطة الجديدة» لسوريا على أن النظام يسيطر حاليا على نحو 60 في المائة من الأراضي، مع الأخذ بالاعتبار خروج منطقتي شرق الفرات وإدلب عن سيطرته، فضلاً عن الوجود الأميركي في منطقة التنف، وعن طبيعة التسويات في المنطقة الجنوبية التي لا تمنحه سيطرة مطلقة.
لكن هذا لا يمنع التأكيد على التغيير الكبير الذي طرأ على ملامح الخريطة السورية بعد مرور أربع سنوات على التدخل الروسي المباشر. ولا تخفي موسكو وهي تخوض مفاوضات شاقة مع تركيا ومع الأطراف المختلفة أنها تسعى إلى توسيع رقعة سيطرة الحكومة السورية، وأن الهدف النهائي هو استعادة السيطرة على «كل شبر» من الأرض السورية.
ويبالغ بعض المتابعين في تقييم الخسائر الروسية في الحرب السورية، وتبرز إشارات كثيرة إلى ما يوصف بأنه «انزلاق روسي إلى الغرق في المستنقع السوري». لكن حسابات الإنفاق الروسي على هذه الحرب تبدو مغايرة.
على المستوى الاقتصادي، يتحدث البعض عن تخصيص موازنات مرهقة لموسكو، في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها أصلاً، لكن اللافت أن هذا الملف لم يبرز على المستوى الداخلي في النقاش، رغم تصاعد مزاج التذمر من سياسات الكرملين عموماً خلال الفترة الأخيرة.
ويشير خبراء إلى أن «الخسائر المالية» لروسيا في الحرب السورية تكاد تقترب من الصفر، ذلك أن الإنفاق على الحملة العسكرية السورية وضع تحت بند في موازنة وزارة الدفاع التي تبلغ وفقاً لأرقام رسمية نحو 80 مليار دولار، يتعلق بإجراء التدريبات وتطوير طرازات الأسلحة الروسية، وهو بند يلتهم نحو نصف الموازنة العسكرية الروسية.
وفي هذا الإطار، فإن كل النشاط العسكري الروسي في سوريا يندرج في إطار التدريبات العسكرية، وتطوير قدرات روسيا العسكرية. وهذا يفسر حرص الكرملين على إبراز حجم «الإنجازات» على هذا الصعيد. وتقول مصادر إن موسكو تنفق سنوياً نحو 10 مليارات دولار في حملتها العسكرية في سوريا، ويعد هذا الرقم محدوداً بالمقارنة مع حجم الإنفاق العسكري الأميركي في العراق مثلاً.
والأهم من ذلك أنه ذهب، وفقاً للتأكيدات الرسمية الروسية، على تطوير قدرات روسيا العسكرية، من خلال تحويل سوريا إلى ساحة تجارب للسلاح الجديد، ولاختبار قدرات التقنيات العسكرية التي لم تكن قد جربت في ساحات قتال حقيقية في السابق.
«جرب في سوريا»

بهذا المعنى، جاء الإعلان الروسي الرسمي، على لسان وزير الدفاع سيرغي شويغو، أن موسكو جربت نحو 300 طراز من أسلحتها على الأرض السورية، وأنها عملت على إدخال تعديلات كبيرة على جزء واسع منها، بعدما أظهرت العمليات العسكرية نواقص فيها. وفي المقابل، أوقفت إنتاج 12 طرازاً من الأسلحة التي أظهرت الحرب هناك أنها ليست ذات جدوى. ويكفي القول، وفقاً لتأكيدات الوزير، إن موسكو لم تكن قد جربت، في العهد السوفياتي ولا في تاريخ روسيا المعاصرة، حاملة الطائرات لديها في ظروف ميدانية، ناهيك عن تجربة صواريخ «كاليبرا» المهمة التي يمكن إطلاقها من البر والبحر، ومن عمق البحار في الغواصات، وهي تجربة قامت بها موسكو مراراً في سوريا.
هكذا، يمكن تفسير كلام الرئيس فلاديمير بوتين عن أن «الحرب السورية وفرت مجالاً لا يقدر بثمن لتجربة السلاح الروسي في ظروف ميدانية حقيقية لم تكن ساحات التدريب لتوفرها أبداً».
والمثير في هذا الإطار أن المؤسسات الروسية المختصة بالترويج للسلاح الروسي باتت تضع «علامة مسجلة» لكل طرازات الأسلحة التي جربت في سوريا، فهي في إطار حملاتها الترويجية ونقاشاتها مع الأطراف حول توقيع صفقات جديدة تستخدم عبارة «جرب في سوريا» لتكون بمثابة «علامة الجودة» لهذا السلاح أو ذاك.
وفي المقابل، يشير خبراء عسكريون إلى أن خسائر روسيا العسكرية في سوريا تعد «محدودة جداً»، بالمقارنة مع المعدلات التقليدية في ظروف مماثلة، إذ خسرت روسيا بضع عشرات من الطائرات والمروحيات على مدى أربع سنوات، ولا تكاد خسائرها البشرية تكون موجعة، وتشير تقديرات رسمية إلى مقتل 5 جنرالات، وأكثر بقليل من مائة عسكري، وهنا لا يتم حساب المرتزقة الروس الذين قاتلوا إلى جانب النظام، ولا تعترف موسكو رسمياً بخسائرهم التي بلغت عدة مئات.
واللافت أن الرئيس الروسي كان قد أعلن عدة مرات بعد ذلك أن بلاده «قادرة على الانسحاب في غضون أسبوعين من سوريا» إذا دعت الظروف، وهو تصريح رغم أنه موجه بالدرجة الأولى إلى الداخل الروسي، فإنه يؤشر إلى أن «موسكو لا تخسر كثيراً في حال اضطرت إلى تغيير قواعد تحركها في سوريا والمنطقة»، وفقاً لتحليل خبراء روس.
تعزيز الانفتاح الإقليمي

وفي مقابل حسابات الربح والخسارة على المستوى العسكري، يضع مجتمع الخبراء الروس رزمة كاملة من الإنجازات السياسية للكرملين بسبب الحرب السورية على المستوى الإقليمي. فخلافاً لتوقعات سابقة، فقد ساهم الوجود العسكري في سوريا بتعزيز مسار الانفتاح الإقليمي على موسكو، من خلال الفهم المتزايد للأطراف العربية المؤثرة بأنه لا بديل عن التفاهم مع موسكو على الترتيبات اللاحقة في سوريا والمنطقة.
وشكل هذا واحداً من عناصر الصعود الروسي على المستويين الإقليمي والدولي، مع ما يعزز ذلك من تدخل روسي واضح في عدد من الأزمات الإقليمية بفضل «التجربة السورية». ومع الانفتاح الإقليمي على موسكو، بدت موسكو واثقة من ترسيخ المبدأ الأساسي الذي عملت لتكريسه، وفقاً لمقولة «لا تسوية لأي مشكلة إقليمية أو دولية من دون دور روسي»، مع التركيز على الإقرار الغربي بصحة هذه المقولة، في مقابل العزلة السياسية الواسعة التي كانت موسكو تعاني منها بعد قرار ضم شبه جزيرة القرم في عام 2014.
ورغم أن مشكلة تطوير الحوار مع واشنطن ما زالت تشكل عائقاً أمام حصد النتائج المتوقعة من جانب موسكو، فإن أوساطاً روسية ترى أن الكرملين تجاوز «عقدة الأزمة» في هذا المجال، وهو مع متاعبه الكثيرة في سوريا، انطلاقاً من القناعة بأنه ما زال ليس قادراً على ترجمة إنجازاته العسكرية إلى واقع سياسي عبر دفع التسوية التي توافق هواه، فإنه «لم يعد أي طرف قادراً على الادعاء بأنه يستطيع دفع تسوية ما من دون روسيا»، وفقاً لتأكيد محلل استراتيجي روسي أخيراً.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended