سيمون أسمر... عاشق صناعة الأضواء ونجم لن يتكرر

«الشرق الأوسط» تحاور المقربين من المخرج اللبناني الراحل

TT

سيمون أسمر... عاشق صناعة الأضواء ونجم لن يتكرر

في 2 يناير (كانون الثاني) من عام 1943، وُلِد الطفل سمعان بطرس الأسمر في بلدة الكنيسة بمنطقة المتن الأعلى. يومها لم يخطر على بال أحد أن الابن الأصغر لورود وبطرس الأسمر سيحمل على كتفيه الساحة الفنية اللبنانية، ويعطيها عمره حتى الرمق الأخير.
وبعيد انتهائه من تخصصه في الدراسات الإلكترونية خضع لدورات خاصة ليتخرّج فيها مهندس صوت. عمل بعدها في «إذاعة لبنان» الرسمية لسنوات قليلة. وفي منتصف الستينات سافر إلى باريس، حيث درس الإخراج التلفزيوني وإدارة إعداد الفنانين. هناك لمعت في ذهنه فكرة جديدة في العالم العربي، ألا وهي إخراج برامج لهواة الغناء. وكانت أول تجربة له عام 1971 ضمن برنامج «كل المدينة تغني» (toute la ville chante) على القناة «9» التابعة لتلفزيون لبنان الرسمي والناطقة بالفرنسية.
عام 1972، بدأت انطلاقته الحقيقية في عالم التلفزيون من خلال برنامج «استوديو الفن» الذي حضّر أول موسم منه لشاشة تلفزيون لبنان. وكان البرنامج يستضيف هواة غناء ورقص شعبي وشرقي وشعر وتقديم تلفزيوني وغيرها من الفئات الفنية، ومن تقديم سونيا بيروتي. من رحم هذا البرنامج وُلِدت كوكبة من الفنانين المعروفين على الساحة اليوم أمثال وليد توفيق وماجدة الرومي وعبد الكريم الشعار ونوال الزغبي ووائل كفوري وراغب علامة وغيرهم.
شكّلت هذه المحطة مفصلاً أساسياً في حياة سيمون أسمر المهنية، بحيث أصبح لقبه «صانع النجوم» ومكتشفها، فكان مخرج برامج تلفزيونية فنية وأخرى ترفيهية كثيرة كرّت سبحتها بعد «ستوديو الفن» كـ«درج الفن»، و«افتح يا سمسم»، و«كأس النجوم»، وغيرها من البرامج التي عرضت ما بين التسعينات والألفية الثانية على شاشة «إل بي سي آي».
رغم أنه عمل تحت الأضواء، وفي صناعة النجوم، فإن الشهرة لم تكن يوماً هدفه. صحيح أنه ذاع صيته بين ليلة وضحاها وصار رجل التلفزيون الأول على الساحتين العربية واللبنانية، والمخرج صاحب الأفكار المتجددة، لكنه كان يفضل أن يبقى خلف الكاميرا بعيداً عن الأضواء. حتى إنه كان مقلّاً في إطلالاته ببرامج تلفزيونية استدعته ليحل ضيفاً عليها، ويكتفي بالقليل منها للظهور.
9 مواسم من برنامج «استوديو الفن» وُلدت على يد المخرج سيمون أسمر، وشكّل نجاح هذا البرنامج الذي أكمل عرضه بعد مغادرته تلفزيون لبنان على شاشة «إل بي سي آي» حتى عام 2000 وقعاً إيجابياً على الساحة العربية. طُلِب منه إنجاز نسخة للتلفزيون المصري في عام 2004، فقدم موسماً واحداً فقط. وفي عام 2011 كان على وشك تقديم النسخة التونسية منه، إلا أن قيام ثورة الربيع العربي وإحراق محمد بوعزيزي نفسه ألغى المشروع من أساسه.
«مرّ والدي بظروف صعبة كثيرة، وواجه خسارات مادية كبيرة، إلا أنها لم تمنعه من إكمال طريقه بعزم»، يقول بشير سيمون أسمر متحدثاً عن والده الذي رحل في 11 سبتمبر (أيلول) الحالي.
ويضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما دخل السجن على خلفية إفلاسه لم يكن الأمر وليد اللحظة، بل تراكم نكبات مرّ بها، بدءاً من (نهر الفنون)، الذي افتتحه في منطقة عاليه، وتوقف عن العمل إثر اندلاع حرب يوليو (تموز)، مروراً باحتراق المركز الأساسي لهذا المطعم في منطقة نهر الكلب، وصولاً إلى مشروع (استويو الفن) في تونس». ويتابع في سياق حديثه: «أمضى وقتذاك 10 أشهر في السجن على خلفية تحريره شيكات غير قابلة للصرف. وكان في الوقت نفسه يعاني من مشاكل صحية كبيرة في الكلى. إلا أنني لا أتذكره يوما محبطاً أو يائساً، بل على العكس، كان رمزاً للتفاؤل في أحلك الظروف، تزين وجهه دائماً ابتسامة مشرقة تعد بالأمل القريب. فهو كان من اللبنانيين الذين يعملون تحت سقف القانون مؤدياً واجباته إلى آخر حدّ».
صحيح أن الماديات شحّت في تلك الفترة (2013)، وهو معروف بكرمه وحبه للعطاء من دون حدود، إلا أنه بقي متمسكاً بأحلامه حتى الرمق الأخير. «كان يردد دائماً على مسامعنا أن مَن استطاع أن ينجح مرة يستطيع أن ينجح ألف مرة. حتى إنه كان يحضر لتقديم نسخة جديدة من برنامج هواة الغناء (كأس النجوم) على شاشة (إم تي في) اللبنانية.
وبدأ الاستعداد لها، بعد إجراء مشاورات ومحادثات مع رئيس مجلس إدارة التلفزيون المذكور ميشال المر، إلا أن المرض كان أسرع ورحل عن هذه الدنيا قبل أن يحقق مشروعه هذا».
ولكن ما كانت وصية سيمون أسمر الأخيرة لأولاده وزوجته؟ «طلَب منا أن نكمل العمل على تأسيس جمعية خيرية لتكريم الفنانين المبدعين الذين تركوا بصمتهم على الساحة في مختلف الميادين. وأطلق عليها اسم (أوبرا لبنان). واستحصلنا على الرخصة لها، وسجلناها تحت اسمه في الدوائر الرسمية، وسننكبّ على تفعيلها قريباً، كي ينام مرتاحاً وقرير العين في العالم الآخر».
وعن حالته الصحية قبيل وفاته، وفترة صراعه مع المرض يقول بشير الأسمر: «بقي واعياً متيقظاً لكل شاردة وواردة، لم يتأفف أو يتحدث عن أوجاعه، رغم أن المرض كان قد بدأ يأكل جسمه النحيل بأكمله، حتى إنه كان يواسينا بدل أن نخفف نحن عنه».
كان سيمون أسمر «بابا» من نوع آخر. جميع الفنانين الذين اكتشف مواهبهم كانوا بمثابة أولاده يحيطهم برعايته، فيهتم بلباسهم وبإطلالاتهم وبمشكلاتهم الصغيرة والكبيرة. «لقد كان والداً حنوناً بالفعل، وجميع الفنانين كانوا بمثابة أولاده. لا أذكر أنه رفض يوماً طلباً لنا، صحيح أن حضوره إلى المنزل كان قليلاً، بفعل انشغالاته الكثيرة، إلا أنه لم يكن يفوت فرصة للاجتماع بنا، أيام الآحاد خاصة».
كان في داخل سيمون أسمر طفل صغير لا يكبر، يبحث دائماً عن لعبة تلفزيونية جديدة، لم يسبق أن فكر بها أحد غيره. كان له باعه الكبير في تحديث برامج التسلية والترفيه على شاشات التلفزة، حتى إن مشاركته الأخيرة في موسمي «ديو المشاهير» على شاشة «إم تي في» حملت له تجربة أحبها. ويروي محمد السيد، أحد المقربين من الراحل سيمون أسمر، الذي رافقه في عمله على مدى أكثر من 40 عاماً: «كان يصوّر حلقات هذا البرنامج وهو مريض. وأتذكر مرة أنني اتصلتُ به أثناء تصوير إحداها ولم يرد عليّ حتى طالعني بصوت خافت يقول لي إنه متعب، فقد كان يعاني من مرض فشل الكلى، ومخرج البرنامج كميل طانيوس كان يعلم بمعاناته».
ويتهدج صوت رفيق العمر محمد عندما يتذكر حادثة حصلت بينه وبين سيمون أسمر، ويقول في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «كان بالفعل طفلاً حقيقياً في أعماقه لا يعرف الحقد أو الضغينة، يسامح من دون حدود، عصبيّاً يصرخ بلحظة ويهدأ في لحظات. أذكر مرة في عام 2006 عندما خضع لعملية زرع كلى، وقبل توجهه إلى المستشفى، قال لي: محمد سأجري عملية أريد أن أقول كلمتين، فقد أموت فيها. إذا كنتُ قد أخطأتُ معك سامحني».
سيمون أسمر الذي أسهم في ولادة أكثر من نجم كانت تعزّه الدنيا مرات، وقلة منهم كانت تسأل عنه. «في إحدى الفترات وأثناء وجوده في المستشفى قبيل رحيله سنحت لي الفرصة لأكون وحدي معه للحظات. فأسر لي بعتبه على نجوم لم يزوروه أو يسألوا عنه، ولو باتصال هاتفي».
ويتابع محمد السيد: «ألم يكن من الأفضل لمن قاموا بواجبهم معه عند وفاته، وحضروا جنازته أن يسألوا عنه ويزوروه وهو حي يرزق؟». ويتابع: «قلة قليلة منهم أمثال المايسترو إيلي العليا والمطربتين ماجدة الرومي ونجوى كرم كانوا يتواصلون معه بشكل دائم. أما رئيس مجلس إدارة تلفزيون (إل بي سي آي) بيار الضاهر، فكان الأكثر وفاء له. صحيح أن ظروفاً معينة حصلت بينهما في الماضي، لكن موقف الشيخ بيار من سيمون في الفترة الأخيرة يشهد لها. حتى إنه عندما تُوفي وجاءت الممرضات كي يلففن جثمان أستاذ سيمون، طلب منهن أن يقوم بهذه المهمة بنفسه؛ فهو من لفّ بيديه كفن سيمون أسمر على جسده».
ثاقب النظر وصاحب أذن لا تخطئ، وتوقعات قلما تفشل. أما الحديث عن كرمه وحبّه للعطاء فلا ينتهي؛ فقد كان يحرص على تأمين ما يحتاج إليه أحدهم، حتى لو تطلّب منه الأمر أن يستعير فستاناً من خزانة زوجته كي ترتديه متسابقة في برنامجه ذات إمكانيات مادية محدودة. حتى إن العاملين معه كانوا ينبهرون بسرعة استنتاجاته وتفوقه في عمله إلى أبعد حدود. و«أبو السيم» كما كان يحب أن ينادوه، لا سيما أنه رُزِق بأول أولاده وأطلق عليه اسم «وسيم»، كي لا يفقد اللقب هذا، كان يستطيع أن يقرأ الشخص الذي أمامه منذ اللحظة الأولى لمشاهدته له. وجوسلين أبو فرحات التي عملت مساعدة له لنحو 30 عاماً، وكان يناديها بـ«بنت البيت»، هي أكثر مَن يستطيع أن يتحدث عنه في مجال العمل.
«كان بمثابة موسوعة متنقلة؛ يملك معلومات غنية في أي موضوع. ففي التصوير كما في الإخراج والغناء والرقص وحتى في مجال الطبخ كان شاملاً بمعرفته. كما كان كريماً ومتواضعاً وبسيطاً، لا يحب التبجح وعرض العضلات. أتذكر مرة عندما دخلت المكتب، وكان يُعدّ القهوة وطلبت منه أن أعدها له. نظر إليّ يقول: (يجب أن نكون بسطاء في الحياة). وهي عبارة بقِيَت محفورة في ذاكرتي حتى اليوم».
واكبته جوسلين أبو فرحات في جميع محطاته الناجحة والقاسية، ولم تفارق أفراد عائلته في مشوارهم معه في المرض. «لقد تناولت مؤخراً طعام الغداء في منزله مع أفراد عائلته بعيد رحيله. وكنا جميعاً نشعر بفقدان سيمون على المائدة، نلمح طيفه حيناً، وتطن ضحكته في آذاننا حيناً آخر، ونتخيله يحمل أطباقاً حضَّرها بنفسه». وعن اللحظات الأخيرة التي واكبته فيها تقول: «كان يتألم بصمت الكبار، وأنابيب الأكسيجين موصولة إلى رئتيه. وكان يردد الصلوات باستمرار، فلقد كان يعرف في قرارة نفسه أنه اقترب موعد الرحيل. وكانت زوجته الرائعة ندى، التي لم تتركه يوماً إلى جانبه دائما فيناديها: (مامي)، وهي تبادله بالمثل. إنه بمثابة الأب الذي فقدته باكراً، وفي إحدى المرات أثناء وجوده في غرفة العناية المشددة قبيل وفاته بنحو أسبوع، أدار رأسه نحوي، وقال لي: (أحبك)، وكانت الابتسامة لا تفارقه أبداً حتى وهو في حالة صحية رديئة».
في 20 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل سيقام لسيمون أسمر قداس تأبينيّ بمناسبة مرور أربعين يوماً على وفاته، وذلك في كنيسة غزير بالقرب من مكان إقامته. وبعدها ستتم زيارة مدفنه الذي أعده بنفسه قبل فترة. «هو مدفن يليق به ويشبهه مصنوع من الحجر الصخري». وتختم أبو فرحات متأثرة: «هو شخص لن يتكرر برأيي. كان قاسياً وحنوناً في آن، ديناميكياً وشغوفاً بمهنته إلى أبعد حدود».
وبمناسبة الأربعين، تحضّر المؤسسة اللبنانية للإرسال لسيمون أسمر حفلاً تكريمياً تنقله مباشرة على الهواء.
أما الفنانة جورجيت جبارة، صديقته المقربة ورفيقته في برنامج «استوديو الفن» لسنوات طويلة، فتستذكره صديقاً وفياً لم يتوانَ يوماً عن الوقوف على رأيها، والعمل به. «إن العمل معه عميق وشفاف وصادق، فهو مخرج له الفضل على نجوم الساحة الغنائية اليوم. وأرفض أن يُقال عنه: محتكر للمواهب، ويا ليتهم ينظرون إلى الوعاء بنصفه الملآن؛ فلولاه أين كان سيصبح هؤلاء، ومن كان سيعرفهم؟ وفي جميع بلدان العالم هناك إدارة أعمال فنان ومكتب استشاري يتبنى أعماله. وسيمون أسمر كان السباق في نقل هذا الأمر إلى الوطن العربي. ومن بعده كرّت السبحة وصار هناك وجود لشركات إنتاج تعمل على الاحتكار من بابه العريض». وتتابع في سياق حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «كان سيمون أسمر واضحاً لا يوارب ولو على حساب سمعته. فكان شجاعاً إلى حد يجعله يكشف جميع أوراقه على الملأ، لأنه يكره الكذب، كما أن الصداقة بالنسبة له لا يمكن أن تهتز. وفي الفترة الأخيرة أثناء مشاركته في برنامج (ديو المشاهير)، كنا نتحدث دائماً كصديقين قديمين وعزيزين لم تستطع الأيام أن تفرقهما يوماً. وأنا أصف كاميرته بريشة الرسام التي كانت تترك أثرها أينما حلّت».


مقالات ذات صلة

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)
الولايات المتحدة​ مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

«واشنطن بوست» تعلن تسريح ثلث موظفيها في جميع الأقسام

في ضربة قاسية لإحدى أعرق المؤسسات الصحافية... أعلنت صحيفة «واشنطن بوست» عن تسريح ثلث موظفيها بقسم الأخبار والأقسام الأخرى

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق أكدت الجلسة الحوارية أن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية إيصال الأخبار بشكل احترافي (المنتدى السعودي للإعلام)

خبراء: المنصات الحديثة تفرض على المؤسسات الصحافية مراجعة أدواتها

أكد خبراء إعلاميون أن التحولات الرقمية المتسارعة تفرض على المؤسسات الصحافية إعادة التفكير في أدواتها وأساليبها، مع الحفاظ على القيم المهنية وجودة المحتوى.

غازي الحارثي (الرياض) عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق بحث الطرفان خلال اللقاء أوجه التعاون الإعلامي والابتكار الرقمي (SRMG)

وفد قطري يطّلع على تطورات العمل بـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام»

استقبلت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)، بمقرها في الرياض، الشيخ حمد آل ثاني، المستشار بالمؤسسة القطرية للإعلام، يرافقه عدد من القيادات الإعلامية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».


السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
TT

السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)

أكَّد محمد بن فهد الحارثي، رئيس المنتدى السعودي للإعلام، أن قطاع الإعلام في السعودية يحظى بأولوية وطنية بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي. وأشار الحارثي، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إلى أن رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز تمنح المنتدى بُعداً يُعزز من مكانة المملكة بوصفها مركزاً إعلامياً عالمياً.

وكشف رئيس المنتدى السعودي للإعلام، الذي سينطلق الاثنين 2 فبراير (شباط) المقبل، عن تفاصيل «بوليفارد 2030» التي تحتفي بمشروعات السعودية، وتأتي بالتزامن مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وعن إطلاق أول جائزة عالمية في فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي.

رعاية ملكية للمنتدى

وقال الحارثي إن رعاية خادم الحرمين الشريفين لنسخة هذا العام رسالة واضحة بأن الإعلام يحظى بأولوية وطنية، بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي، ما يجذب نخبة من صناع القرار والخبراء الدوليين، ويرسخ مكانة السعودية مركزاً إعلامياً يصنع التأثير، ويقود الحوار حول مستقبل الصناعة في عالم سريع التحول.

وأوضح أن المنتدى يتميز بأنه حراك استراتيجي متواصل يترجم «رؤية المملكة 2030»، وأن ما يميزه هو التكامل بين الحوارات المهنية والمبادرات العملية، ومن ذلك معرض «فومكس» والجائزة السعودية للإعلام، ما يخلق منظومة شاملة تنتج مخرجات ملموسة.

وأضاف: «نحن نضيف للقطاع بُعداً مستقبلياً من خلال استكشاف تأثير الذكاء الاصطناعي، وبناء جسور التواصل مع المؤسسات العالمية، وتمكين الكوادر الوطنية، بما يجعل المنتدى رافداً حقيقياً لتطوير الصناعة محلياً وإقليمياً».

وأكد الحارثي أن المنتدى هذا العام يكتسب بُعداً استثنائياً بتزامنه مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وسيشهد للمرة الأولى إطلاق «بوليفارد 2030»؛ وهي مساحة تستعرض منجزات برامج الرؤية والمشروعات الضخمة (مثل الدرعية، والعلا، والبحر الأحمر، والقدية)، بجانب معرض مستقبل الإعلام.

أول جائزة عالمية للذكاء الاصطناعي

وعن قدرة المنتدى على مواكبة التحولات العالمية، قال الحارثي إن شعار المنتدى، «الإعلام في عالم يتشكل»، يعكس إدراكاً عميقاً للتحولات الجيوسياسية والتقنية. وقال: «ستعقد أكثر من 150 جلسة حوارية تغطي موضوعات متنوعة، من توظيف الذكاء الاصطناعي إلى اقتصاد الإعلام والترفيه، ومن أبرز الإنجازات أن النسبة الأكبر من المتحدثين هم قيادات إعلامية دولية بارزة تزور السعودية للمرة الأولى. كما أضفنا للجائزة السعودية للإعلام فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، لتكون أول جائزة عالمية في هذا المجال».

وعن مساهمة المنتدى في بناء جسور التفاهم مع المؤسسات العالمية، وتصحيح الصورة الذهنية، قال الحارثي إن المنتدى يُمثل أداة قوة ناعمة؛ من خلال مبادرة «SMF Connect» تربط الإعلاميين السعوديين بنظرائهم عالمياً. وأضاف: «لقد لمسنا أن الإعلامي الأجنبي حين يأتي للسعودية يخرج بانطباعات إيجابية، وبعضهم اعترف بأن نظرته للمملكة كانت مبنية على معلومات غير دقيقة قبل أن يخوض التجربة المعيشة، ويرى الإنجازات بنفسه في الرياض».

وأوضح الحارثي أن أبرز التحديات التي تواجه الإعلام السعودي حالياً، هي مواكبة التقنيات المتسارعة، وبناء كوادر مؤهلة في المجالات المستقبلية، وتعزيز المنافسة العالمية للمحتوى السعودي. وعن آلية عمل المنتدى على مواجهتها، قال الحارثي: «إن ذلك يتم عبر برامج متخصصة مثل مبادرة (غرفة العصف)، وهي مساحة مُصمَّمة للعصف الذهني وصناعة الأفكار؛ حيث يجتمع الشباب الموهوبون مع الخبراء والمختصين في جلسات منظمة لاستكشاف قضايا الإعلام الراهنة، وتوليد أفكار برامجية ورقمية يتم تبنيها من مؤسسات إعلامية أو إنتاجية مختلفة، ومبادرة نمو (SMF GROW UP) الداعمة للشركات الناشئة، وهي بالشراكة مع برنامج ضمان تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة (كفالة) والفرصة متاحة للمؤسسات الإعلامية لكي تستفيد من هذه المبادرة».

محمد بن فهد الحارثي رئيس المنتدى السعودي للإعلام (المنتدى)

«سفراء الإعلام»

ومبادرة «سفراء الإعلام» التي تُهيئ طلاب الجامعات ليكونوا جيلاً جديداً من الكوادر المهنية القادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً. ونفخر بأن معظم الشباب والشابات الذين يعملون في فريق المنتدى في هذه النسخة هم من مخرجات هذه المبادرة في نسختيها السابقتين.

وأشار الحارثي إلى أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي محوران رئيسيان في نسخة المنتدى 2026، وأضاف: «خصصنا جلسات متعمقة لاستكشاف توظيف الذكاء الاصطناعي في الصحافة وصناعة المحتوى، والبنية الرقمية للإعلام، كما أطلقنا فئة جديدة في الجائزة السعودية للإعلام للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، وهي نقلة نوعية تُعيد تشكيل مفهوم الصناعة الإبداعية، وتهدف هذه الخطوات إلى تحفيز الابتكار وبناء ثقافة تجريبية لدى الإعلاميين، بما يجعل المملكة في طليعة الدول المستفيدة من التقنيات المتقدمة. ومن مبادرات المنتدى المتخصصة في هذا الإطار، (معسكر الابتكار الإعلامي) الذي يُركز على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات».

توسع في الجائزة السعودية للإعلام

وأوضح الحارثي طبيعة التوسع الذي شهدته الجائزة السعودية للإعلام، عبر 4 مسارات تغطي 14 فرعاً؛ حيث تمثلت الإضافة الأبرز في استحداث فئة المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي ضمن مسار المحتوى المرئي والمسموع، لتكون بذلك أول جائزة عالمية متخصصة في هذا المجال ضمن منظومة الجوائز المهنية. كما أُضيفت جائزة «المنافس العالمي» التي تكرّم المبادرات الإعلامية السعودية ذات الحضور والتأثير الدولي، بهدف تحفيز المنافسة العالمية وترسيخ ثقافة الابتكار.

وعمّا إذا كان قد انعكس هذا التوسع في الجائزة على نتائج المشاركة في فروعها، قال الحارثي: «إن الجائزة تجاوزت البُعد المحلي لتصبح منصة عالمية حقيقية؛ حيث استقطبت مشاركات من أكثر من 20 دولة، بزيادة قدرها 200 في المائة في المشاركات الدولية مقارنة بالنسخة السابقة، يشمل ذلك تنوعاً جغرافياً استثنائياً يشمل دولاً عربية، ويمتد إلى قوى إعلامية عالمية، مثل الصين وأميركا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، إضافة إلى سنغافورة وسويسرا وهولندا، ونجح هذا الحضور الدولي في رفع سقف المنافسة؛ حيث تأهل أكثر من 500 عمل للفرز النهائي ضمن 14 فرعاً مهنياً، وسيحتفي المنتدى بالفائزين من مختلف أنحاء العالم، في حفل التكريم يوم 4 فبراير (شباط) 2026».

بالإضافة إلى الجائزة، أصبح للمنتدى مبادرات متعددة. وعن أهميتها في تعزيز قطاع الإعلام السعودي، قال الحارثي: «إن المبادرات تحوّل المنتدى من فعالية سنوية إلى عمل مؤسسي مستدام وحراك متواصل، فمبادرة (ضوء المنتدى) تنقل النقاشات الإعلامية لمختلف مناطق المملكة، و(غرفة العصف) تخلق مساحة لصناعة الأفكار الإبداعية، في حين (سفراء الإعلام) تبني جيلاً جديداً من الكوادر الأكاديمية بخبرة ميدانية مبكرة، وهذه المبادرات مجتمعة تُسهم في بناء بيئة إعلامية ممكّنة، وتعزز القدرات الوطنية، وتضع المملكة في موقع القيادة الإعلامية إقليمياً ودولياً».