غلق الملاعب أمام الجماهير الحل الأمثل للقضاء على الهتافات العنصرية

الإجراءات القانونية من جانب اللاعبين يجب أن تكون الخطوة التالية لمواجهة الإساءات وطرد مثيري الشغب

لوكاكو ضحية جديدة للهتافات العنصرية في الملاعب الإيطالية
لوكاكو ضحية جديدة للهتافات العنصرية في الملاعب الإيطالية
TT

غلق الملاعب أمام الجماهير الحل الأمثل للقضاء على الهتافات العنصرية

لوكاكو ضحية جديدة للهتافات العنصرية في الملاعب الإيطالية
لوكاكو ضحية جديدة للهتافات العنصرية في الملاعب الإيطالية

في نهاية الأسبوع الماضي، نشرت شركة «بادي باور» الآيرلندية الشهيرة للمراهنات تغريدة على موقع «تويتر» تقارن فيها بين الغرامة التي بلغت قيمتها 10 آلاف جنيه إسترليني التي فرضها الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم على نادي ميلوول في أغسطس (آب) الماضي بسبب ترديد جمهوره لهتافات عنصرية، وبين الغرامة التي بلغت قيمتها 50 ألف جنيه إسترليني التي فرضها الاتحاد ضد نادي هيدرسفيلد تاون بسبب ارتداء لاعبي الفريق لشعار إحدى الشركات الراعية فوق قمصانهم خلال إحدى المباريات الودية استعداداً للموسم الجديد.
لقد قمنا بإعادة نشر هذه التغريدة، لكي نلفت النظر إلى أن الغرامة الضئيلة التي فُرضت على نادي ميلوول لن تثني جمهور النادي عن ترديد هتافات عنصرية في المستقبل، خاصة أن جمهور هذا النادي معروف بعنصريته!.
عند إعادة نشر هذه التغريدة تلقينا وابلاً من الإساءات الشخصية من جانب جمهور نادي ميلوول، وأكد بعضهم على «أننا غير منصفين لأننا صورنا جميع جمهور النادي كأنه يتصرف بهذه الطريقة غير الجيدة، في حين عزز البعض الآخر هذه الصورة النمطية عن جمهور ميلوول وتمادى في توجيه الإساءات».
وقد أصبحت تغريداتنا الآن تخضع للحماية لتجنب المزيد من الإساءات، بمعنى أنه لا يمكن لأي شخص أن يراها أو يرد عليها إلا إذا تم الموافقة على طلبه. وفي غضون ساعات قليلة تلقينا نحو 100 طلب متابعة من أشخاص عرفوا أنفسهم على أنهم مشجعون لنادي ميلوول، والذين كانوا يتوقعون أن نمنحهم الموافقة التي يحتاجونها لإرسال إساءاتهم، وبالنسبة لهؤلاء الأشخاص، لم يكن كافياً كتابة تعليقات مسيئة، لكنهم كانوا يريدون أن يتأكدوا من أننا رأينا هذه الإساءات!.
في نهاية الشهر الماضي، نشرت كتاباً بعنوان «إنهم لا يُعلمون هذا»، وهو نتاج عام من الجهد الكبير، ليس من جانبي فقط، بل من جانب الجهات الناشرة أيضاً. وفي غضون 48 ساعة من التغريدة التي نشرتها، تلقت دار «أمازون» للنشر عشرات المراجعات من قبل أشخاص لم يشتروا أو يقرأوا الكتاب، وهي مراجعات لم تكن في معظمها عنصرية، لكن مؤلفيها كانوا مدفوعين بوضوح بالقبلية والحقد والكراهية.
لقد عملت بكل جد واجتهاد من أجل الانتهاء من هذا الكتاب، وبالتالي فإنني لن أكتفي بمجرد الجلوس والقبول بأن هؤلاء الأشخاص - الذين لا يستطيعون تحمل الحقيقة بشأن ناديهم أو الذين يجسدون بأنفسهم هذه العنصرية الضغينة - يمكن أن يدمروا فرص نجاح هذا الكتاب عن طريق بث كراهيتهم بينما يختبؤون خلف عباءة عدم الكشف عن هويتهم!.
يمكننا أن نؤكد على أن بعض ما كُتب عني وعن كتابي يمكن وصفه بأنه يهدف إلى تشويه صورتي في المقام الأول والأخير، ولا يهدف إلا لإثناء الناس عن شراء كتابي، وبالتالي فأنا أسعى لكي أوضح لهم عواقب هذه العنصرية.
أنا لا أسعى لكسب شهرة من خلال الدخول في مهاترات، لكن في بعض الأحيان يكون القانون هو الحل الوحيد. في عام 2017. وبعد أن استنفدت كل الطرق الممكنة داخل الجهات التابعة للاتحاد الإنجليزي لكرة القدم دون العثور على أي شخص يمكنه أن يأخذ قضيتي على محمل الجد، لجأت إلى محكمة العمل، التي لم يكن لديها خيار سوى أن تتعامل مع الأمر بكل جدية.
لقد طبقت المحكمة الإجراءات المتعلقة بالإبلاغ عن المخالفات، وتحركت هيئة «يو كيه الرياضية» الحكومية، وأُجبر الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم على تقديم اعتذار على الملأ وبشكل مهين بالنسبة له! لقد تغير كل شيء بمجرد أن لجأت إلى الطريق القانوني. صحيح أن الأمر لم يكن ممتعاً، لكنه في بعض الأحيان يكون هو الحل الوحيد.
لقد حان الوقت لاتخاذ إجراءات بشأن الإساءات عبر الإنترنت. ويعيد لاعبو كرة القدم من أصحاب البشرة السمراء في الكثير من الأحيان نشر تغريدات عن العنصرية الموجهة إليهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لكن «تويتر» و«فيسبوك» لا يفعلان ما يكفي لإيقاف هذه الإساءات. لكن يبدو أن «تويتر» لا يريد القيام بأي شيء، نظراً لأنه يدرك أن الغضب والجدل هما ما يجذبان الناس إلى الموقع، وبالتالي لا يريد أن ينهي هذا الأمر لأنه هو الشيء الذي يأتي إليه بالمتابعين!
لكن يمكننا أن نعرف هوية الأشخاص الذين يوجهون إساءات عنصرية على موقع «تويتر»، فكل ما يتطلبه الأمر هو الحصول على أمر من المحكمة بالإفصاح عن أسمائهم، وبعد ذلك فإنهم سيواجهون مشاكل كبيرة. ويجب أن نعرف أن هناك قوانين يعمل بها لإيقاف مثل هذه الأشياء، وعلى الأشخاص الذين لا يفهمون الحجة الأخلاقية ضد العنصرية أن يفهموا أنه ستكون هناك عواقب قانونية وخيمة.
وربما يكون الحل الأكثر فاعلية هو أن يتخذ الرياضيون من أصحاب البشرة السمراء والإناث والخلفيات الاجتماعية المختلفة، إجراءً قانونياً جماعياً. وإذا كانت رابطة لاعبي كرة القدم المحترفين ملتزمة حقاً بحماية مصالح اللاعبين، فيجب عليها أيضاً أن تبحث عن حل لهذه المسألة. وربما يمكنها تجميع فريق قانوني يعمل على إجبار «تويتر» على الكشف عن هوية الأفراد الذين يوجهون إساءات عنصرية لأعضاء هذه الرابطة، حتى يمكن ملاحقتهم من قبل الشرطة أو القضاء.
في الحقيقة، يتعين على لاعبي كرة القدم أن يدركوا أن الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم و«تويتر» لن يفعلا أي شيء، وبالتالي يتعين على اللاعبين أنفسهم أن يتحركوا من أجل الحصول على حقوقهم.
إن الغرامة الهزيلة التي فرضت على نادي ميلوول تثبت أن الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم لا يأخذ القضية على محمل الجد، ومن الواضح أيضاً أن الأندية تفشل في منع مشجعيها من توجيه إساءات عنصرية للاعبين.
في إيطاليا، أكد نادي كالياري مؤخراً على أنه يعتزم «تحديد وعزل ومنع» المشجعين الذين وجهوا إساءات عنصرية لمهاجم إنتر ميلان، روميلو لوكاكو، لكن يجب أن ندرك أن جمهور هذا النادي يوجه إساءات عنصرية للاعبين السود بشكل مستمر منذ سنوات طويلة.
ربما سيقوم النادي بمعاقبة شخص أو اثنين، لكن عندما تسمع الهتافات العنصرية وهي تتردد في المدرجات تدرج على الفور أن الأمر لا يقتصر على مشجع أو اثنين فقط! ومع ذلك، لم نسمع من قبل عن نادٍ قام بمنع 100 مشجع أو أكثر من دخول الملاعب بسبب تورطهم في ترديد هتافات عنصرية، خاصة عندما يكون هؤلاء المشجعون ممن يذهبون لمؤازرة الفريق كل أسبوع والذين يعتمد عليهم النادي بشكل دائم.
إن الأندية تريد أن تأتي روابط الألتراس بشكل دائم لمؤازرتها، بغض النظر عما تفعله هذه الروابط. لكن عندما يتم معاقبة هذه الأندية بخوض مباريات دون جمهور، فإنها ستدرك حينئذ أنها ستتعرض لخسائر مالية، وقد تخسر الرعاة أيضاً بمرور الوقت، إذا لم تتعامل مع قضية العنصرية بجدية، ومن المؤكد أن هذا الأمر سيحدث قريباً.
وعندما يريد الاتحاد الأوروبي لكرة القدم أن يطبق قواعد اللعب المالي النظيف أو يواجه قضية التلاعب في نتائج المباريات، فإنه يتعامل مع هذه الأمور بكل جدية وحسم. وبالتالي يتعين عليه أن يتعامل بنفس هذه الجدية مع قضية العنصرية.
ويجب أن ندرك أن العقوبات الرادعة يمكنها أن تغير الثقافة تماماً، وخير مثال على ذلك ما حدث في نادي تشيلسي، حيث إن مواجهة النادي لعقوبة عدم التعاقد مع لاعبين جدد قد جعلت النادي يتعاقد مع مدير فني إنجليزي شاب، وهو فرانك لامبارد، وسمحت له بالدفع باللاعبين الإنجليز الشباب، من أمثال ماسون ماونت وتامي أبراهام، الذين لم يكن بإمكانهم أن يجدوا مكاناً لهم في صفوف الفريق الأول لولا حدوث ذلك.
لقد اضطر تشيلسي إلى إعادة تقييم الطريقة التي يعمل بها، فاستعان بخدمات مجموعة من لاعبيه السابقين، مثل بيتر تشيك وفرانك لامبارد وجودي موريس وكلود ماكيليلي، لقيادة الفريق، وغير تماماً طريقة العمل داخل النادي، وهذا هو ما تفعله القواعد والقوانين في لعبة كرة القدم.
وفي حالة العنصرية، يعتقد الجمهور أنه يمكنه توجيه إساءات عنصرية للاعبين خلال المباريات أو عبر الإنترنت دون أي مشكلة، وهو الأمر الذي يجب أن يتغير. وإذا فهم الناس، عندما يسمعون المشجعين من حولهم يرددون هتافات عنصرية للاعبين، أن ذلك سيؤدي إلى غلق جزء من المدرجات أو حتى المدرجات بالكامل في الأسبوع التالي ولن يتمكن أي منهم من مشاهدة فريقه من الملعب، فإنهم سيفرضون رقابة ذاتية على أنفسهم في هذه الحالة.
صحيح أن الأمر متروك للاتحادات الوطنية لتنظيم السلوك داخل الملاعب، لكن من المسؤول عن تنظيم السلوك على شبكة الإنترنت؟ لقد حان الوقت لكي يجتمع اللاعبون معاً ويبدأون التحاور بشأن الخيارات التي يجب اللجوء إليها لمواجهة هذه القضية. يتعرض الناس للإيذاء كالكلاب في الشوارع، ويجب أن يتوقف هذا الأمر. وفي بريطانيا لا توجد ثقافة اللجوء إلى الإجراءات القانونية، لكن يجب أن تكون هذه هي الخطوة التالية. وبمجرد أن يعرف اللاعبون حقوقهم ويتصرفوا في هذا الإطار لحماية أنفسهم، فإنهم سيكتشفون مقدار القوة التي لديهم بالفعل!.


مقالات ذات صلة


بعد 20 عاماً من ليلة برلين... كيف يقود كانافارو أحلام أوزبكستان المونديالية؟

فابيو كانافارو مدرب أوزبكستان (رويترز)
فابيو كانافارو مدرب أوزبكستان (رويترز)
TT

بعد 20 عاماً من ليلة برلين... كيف يقود كانافارو أحلام أوزبكستان المونديالية؟

فابيو كانافارو مدرب أوزبكستان (رويترز)
فابيو كانافارو مدرب أوزبكستان (رويترز)

أعاد الإيطالي فابيو كانافارو رسم ملامح مسيرته المهنية بالعودة إلى الواجهة المونديالية بعد مرور عقدين كاملين على ليلته التاريخية في برلين عام 2006، ولكن هذه المرة من المقعد الفني مديراً فنياً لمنتخب أوزبكستان في كأس العالم 2026. لم يكن جلوس كانافارو على المقاعد الفنية لمنتخب أوزبكستان مجرد حدث عابر في أروقة المونديال الحالي، بل هو تلاقٍ تاريخي بين جيلين وثقافتين يفصلهما عقدان من الزمان وعامران بالأمجاد الكروية، المدافع الذي قاد كتيبة «الأزوري» للتتويج بالذهب العالمي في برلين عام 2006، والذي ارتدى قميص بلاده في 136 مباراة دولية تاريخية، يعود اليوم إلى المعترك العالمي متسلحاً برصيد أسطوري يضعه كآخر مدافع في التاريخ يجمع بين الكرة الذهبية وجائزة أفضل لاعب في العالم في عام واحد.

فابيو كانافارو يحتفل بتتويج إيطاليا بكأس العالم 2006 (أ.ف.ب)

هذا الحصاد الكروي الهائل الذي بناه كانافارو عبر محطات عملاقة في نابولي، وبارما، ويوفنتوس، وريال مدريد تحول اليوم إلى مادة تعليمية دسمة وتكتيك صارم يلقنه للاعبي أوزبكستان، بهدف كسر رهبة الظهور الأول في التاريخ للذئاب البيضاء في نهائيات كأس العالم

هذه المفارقة الزمنية تعزز من القيمة التكتيكية والإعلامية التي تبحث عنها أوزبكستان لإثبات حضورها بين كبار اللعبة، معتمدة على عقلية بطل عالم سابق يعرف جيداً كيف تُدار المعارك الاستراتيجية الكبرى فوق المستطيل الأخضر.

ظهور تاريخي فوق العشب المكسيكي

فابيو كانافارو يوجه لاعبيه خلال المباراة (أ.ب)

سجل كانافارو ظهوره التدريبي الأول على خط التماس المونديالي في مواجهة مثيرة جرت على أرضية ملعب «أزتيكا» العريق بالمكسيك، واصطدم المنتخب الأوزبكي بطموح ونضج نظيره الكولومبي، لينتهي اللقاء بخسارة أوزبكستان بنتيجة ثلاثة أهداف مقابل هدف وحيد لحساب المجموعة الحادية عشرة. ورغم الفارق الفني الواضح الذي أظهره الجناح الكولومبي لويس دياز، فإن بصمة المدافع الإيطالي ظهرت جلياً في التنظيم الدفاعي الصارم، حيث اعتمد على طريقة ثلاثة مدافعين في الخلف لتطبيق دفاع الخط العالي والحد من خطورة خاميس رودريغيز ومنع الاختراقات العميق لوسط الميدان.

لغة الأرقام التكتيكية... تفاصيل الملحمة الافتتاحية لـ«الذئاب البيضاء»

فابيو كانافارو مدرب أوزبكستان (إ.ب.أ)

أظهرت إحصائيات المباراة الافتتاحية لمنتخب أوزبكستان تحت إشراف كانافارو ملامح أسلوبه الذي يحاول غرسه في عقول لاعبيه، حيث اعتمد الفريق على إغلاق المساحات والارتداد السريع، مما جعل نسبة الاستحواذ تميل للمنافس الكولومبي بسبع وستين في المائة مقابل ثلاثة وثلاثين في المائة للذئاب البيضاء، وعلى مستوى التمرير، نجح لاعبو أوزبكستان في إكمال مائتين وأربع وستين تمريرة ناجحة من أصل ثلاثمائة وثلاثين محاولة، بنسبة دقة بلغت ثمانين في المائة، مع القيام بسبع تسديدات كاملة نحو المرمى أسفرت إحداها عن تسجيل النجم الشاب عباس بيك فايزولاييف الهدف التاريخي الأول لبلاده في المونديال.

حسابات المجموعة... رهان التأهل قائم في الجولات المقبلة

كانافارو (رويترز)

لم تُغلق خسارة الجولة الأولى باب الآمال أمام المنتخب الأوزبكي في حسابات التأهل عن المجموعة؛ إذ تظل الفرصة سانحة للتعويض والتمسك بحظوظ العبور إلى الأدوار الإقصائية بناءً على النظام الحالي للبطولة. وينتظر منتخب أوزبكستان اختبارين مصيريين في قادم الأيام، حيث يواجهون منتخب البرتغال المدجج بالنجوم في مدينة هيوستن يوم الثالث والعشرين من يونيو (حزيران) الحالي، قبل الانتقال إلى مدينة أتلانتا في السابع والعشرين من الشهر ذاته لخوض المواجهة الحاسمة ضد جمهورية الكونغو الديمقراطية لتحديد الترتيب النهائي للمجموعة.


«نادي الأربعين» يكسر قيد الزمن في المونديال الأكبر تاريخياً

«نادي الأربعين» يكسر قيد الزمن في المونديال الأكبر تاريخياً
TT

«نادي الأربعين» يكسر قيد الزمن في المونديال الأكبر تاريخياً

«نادي الأربعين» يكسر قيد الزمن في المونديال الأكبر تاريخياً

يشهد التاريخ الرياضي المعاصر كتابة فصول استثنائية فوق الملاعب الأميركية، حيث لم يعد التقدم في السن حائلاً دون معانقة المجد المونديالي، إذ فتحت بطولة كأس العالم 2026 أبوابها الحصرية لتدشين حقبة كروية غير مسبوقة يتصدرها «نادي الأربعين». لعقود طويلة، ظل الأسطورة الكاميروني روجيه ميلا محتفظاً بلقب «الظاهرة النادرة» بوصفه لاعب الساحة الوحيد الذي تجاوز هذا الحاجز السني في نهائيات كأس العالم، إلا أن هذه الهيمنة الفردية تلاشت تماماً في المونديال الحالي بعد انضمام ثلاثة من أبرز عمالقة العصر الحديث، ليتحول الصراع التقليدي بين الأجيال إلى استعراض علني لصلابة الجسد والالتزام الاحترافي، متجاوزاً حسابات الزمن الجافة وصعوبة المنافسة في أعلى المستويات العالمية.

روجيه ميلا... الأب الروحي لـ«المعجزة الأفريقية» وصاحب الرقصة الخالدة

الكاميروني روجيه ميلا (ويكيبيديا)

لا يمكن الحديث عن صمود الأربعين دون العودة إلى الجذور التي غرسها القناص الكاميروني روجيه ميلا، الذي يظل الأيقونة الكلاسيكية الملهمة لهذا النادي التاريخي. ففي مونديال الولايات المتحدة عام 1994، وفوق الملاعب ذاتها التي تستضيف الحدث الحالي، نجح ميلا في هز شباك المنتخب الروسي وهو بعمر 42 عاماً و39 يوماً، مرتدياً قميصه الأخضر الشهير رقم 9 ومتوجاً بلقب أكبر هداف في تاريخ كأس العالم. رقصة ميلا الشهيرة عند راية الركنية لم تكن مجرد احتفال عابر، بل كانت إعلاناً رسمياً لولادة مفهوم جديد للياقة البدنية عند المهاجمين الأفارقة، وشرارة الأمل الأولى التي أثبتت للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) والعالم أجمع أن الشغف باللعبة قادر على ترويض أحكام الشيخوخة الرياضية.

رونالدو في النسخة السادسة... حضور قيادي يزن ذهباً

المخضرم كريستيانو رونالدو قائد منتخب البرتغال (إ.ب.أ)

رغم شح التهديف تتجه الأنظار بالدرجة الأولى نحو البرتغالي كريستيانو رونالدو، الذي بات يمثل واجهة هذا النادي الاستثنائي بظهوره التاريخي في نسخته المونديالية السادسة، محققاً رقماً قياسياً كأكبر لاعب ساحة يشارك أساسياً بعمر 41 عاماً و132 يوماً، ورغم أن ظهوره في الملحمة الافتتاحية لمنتخب بلاده أمام جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي انتهت بالتعادل الإيجابي بهدف لمثله، كشف عن تراجع نسبي في مساهماته التهديفية المعتادة باكتفائه بلمس الكرة 25 مرة داخل الملعب منها 5 لمسات فقط في منطقة الخصم، فإن وجود القائد صاحب القميص رقم 7 يظل ثقلاً تكتيكياً ونفسياً لا غنى عنه في حسابات المدرب والجماهير البرتغالية على حد سواء.

لوكا مودريتش... مهندس «التمرير المثالي» الذي لا يشيخ

المخضرم لوكا مودريتش قائد منتخب كرواتيا (رويترز)

في وسط الميدان وفي السياق نفسه من الإبهار الكروي، يقف الساحر الكرواتي لوكا مودريتش علامة فارقة أخرى تتحدى أحكام السنين. قاد مودريتش، البالغ من العمر 40 عاماً و9 أشهر و8 أيام، خط وسط كرواتيا بقميصه رقم 10 في مواجهة عاصفة ضد إنجلترا انتهت بخسارة فريقه بأربعة أهداف مقابل هدفين. وعلى مدار 58 دقيقة أمضاها فوق العشب الأخضر قبل استبداله، قدم النجم المخضرم درساً بليغاً في هندسة التمرير محققاً نسبة دقة بلغت 100في المائة في تمريراته، ومثبتاً للجميع أن الرؤية الكروية الفذة والقدرة على التحكم بالإيقاع لا تفقدان بريقهما، بل تزدادان نضجاً وعمقاً مع تقدم الأعمار والخبرات المتراكمة.

إدين دجيكو يكمل المربع الذهبي

إدين دجيكو قائد منتخب البوسنة المخضرم (د.ب.أ)

واكتملت أركان هذا المربع الذهبي النادر بالهجومات البدنية الشرسة التي خاضها البوسني المخضرم إدين دجيكو، ليصبح الاسم الرابع في هذا المحفل المونديالي الموقر. دجيكو، الذي ارتدى قميصه رقم 11 مدافعاً عن ألوان البوسنة والهرسك أمام سويسرا في اللقاء الذي انتهى بخسارة فريقه بأربعة أهداف لهدف، ظهر فوق أرضية الملعب لمدة 63 دقيقة كاملة. ورغم نيل الهداف البوسني بطاقة صفراء نتيجة التنافس البدني القوي، فإن دقة تمريراته ومحاولاته المستمرة أعادت للأذهان الروح التاريخية لميلا.


أكبر المدربين سناً في تاريخ كأس العالم: أدفوكات يحطم الرقم القياسي بعمر 78 عاماً

أكبر المدربين سناً في تاريخ كأس العالم: أدفوكات يحطم الرقم القياسي بعمر 78 عاماً
TT

أكبر المدربين سناً في تاريخ كأس العالم: أدفوكات يحطم الرقم القياسي بعمر 78 عاماً

أكبر المدربين سناً في تاريخ كأس العالم: أدفوكات يحطم الرقم القياسي بعمر 78 عاماً

يمثل مونديال 2026 محطة تاريخية استثنائية كُسرت فيها المفاهيم التقليدية حول السن المناسبة للعطاء في عالم التدريب، حيث نجح أربعة مدربين مخضرمين في تحطيم الرقم القياسي لأكبر المديرين الفنيين سناً في تاريخ كأس العالم خلال الأيام الأولى فقط من انطلاق البطولة.

وأثبت هذا الحرس القديم أن حنكة السنين والتمرس التكتيكي يتفوقان أحياناً على حماس الشباب، ليعيدوا صياغة التاريخ الرياضي على الملاعب الأميركية بمدارس كروية متنوعة وقصص ملهمة للجيل الحالي.

وفيما يلي رصد شامل وتفصيلي لهؤلاء الأساطير الأربعة الذين قادوا منتخباتهم بخبرة العقود:

ديك أدفوكات... العراف الهولندي وعميد مدربي المونديال التاريخي

مدرب كوراساو ديك أدفوكات يحيي الجماهير بعد المباراة (رويترز)

تربع المدير الفني لمنتخب كوراساو، الهولندي المخضرم ديك أدفوكات، على عرش المدربين الأكبر سناً في تاريخ كأس العالم منذ تأسيسها، حيث يخوض غمار البطولة الحالية بعمر يناهز ثمانية وسبعين عاماً وثمانية أشهر. وحطم أدفوكات بهذا العمر الرقم القياسي السابق الذي كان مسجلاً باسم الألماني أوتو ريهاغل في مونديال 2010.

ولا يقتصر إنجاز الأسطورة الهولندي عند حدود السن، بل يمتد إلى نجاحه في قيادة منتخب الجزيرة الكاريبية الصغيرة لتأهل إعجازي غير مسبوق في تاريخهم، ليسجل مشاركته المونديالية الثالثة مع ثلاثة منتخبات مختلفة بعد مسيرته السابقة مع هولندا عام 1994 وكوريا الجنوبية عام 2006.

ميروسلاف كوبيك... الصرامة التشيكية في الهرم التدريبي

مدرب منتخب جمهورية التشيك ميروسلاف كوبيك (إ.ب.أ)

يأتي المدرب التشيكي ميروسلاف كوبيك في المرتبة الثانية مباشرة ضمن قائمة حكماء المونديال، حيث يقود منتخب بلاده التشيك في محفل كأس العالم الحالية بعمر يبلغ أربعة وسبعين عاماً وتسعة أشهر. ويعد كوبيك نموذجاً حياً للانضباط التكتيكي الأوروبي الصارم، إذ نجح في بناء توليفة فنية قوية تمزج بين الاندفاع البدني والتوازن الدفاعي المنظم. وحفر كوبيك اسمه في السجلات التاريخية كونه تخطى أيضاً الرقم السابق لريهاغل، ليثبت للشارع الرياضي العالمي أن العطاء الفكري والقدرة على إدارة المجموعات داخل غرف الملابس لا يرتبطان بتقدم العمر.

هوغو بروس... ثعلب القارة السمراء وقائد نهضة بافانا بافانا

مدرب جنوب أفريقيا هوغو بروس (إ.ب.أ)

سجل البلجيكي هوغو بروس حضوراً لافتاً في النسخة الحالية من المونديال وهو يبلغ من العمر أربعة وسبعين عاماً وشهرين، متولياً القيادة الفنية لمنتخب جنوب أفريقيا. ونجح بروس في إعادة منتخب «الأولاد» إلى الواجهة العالمية بعد غياب طويل من خلال فرض أسلوب لعب يتسم بالهدوء البناء والتحولات السريعة على أرضية الملعب. وافتتح بروس مشواره بالبطولة برسم ملامح شخصية قوية لفريقه مستفيداً من كاريزمته العالية وخبرته الطويلة في الملاعب الأفريقية والدولية، مما جعله أحد أبرز الوجوه التدريبية التي تحظى باحترام واسع من وسائل الإعلام والجماهير.

كارلوس كيروش... الخبير البرتغالي وملك الأرقام القياسية

كارلوس كيروش (أ.ب)

دَوّن البرتغالي كارلوس كيروش اسمه بأحرف من ذهب في تاريخ اللعبة بعد أن أصبح أكبر مدرب يحقق فوزاً في مباراة بتاريخ كأس العالم، وذلك إثر قيادته لمنتخب غانا في الجولة الأولى بعمر ثلاثة وسبعين عاماً. ويعتبر كيروش ظاهرة تدريبية فريدة من نوعها كونه يخوض المونديال الخامس في مسيرته الاحترافية، بعدما قاد سابقاً منتخب البرتغال في نسخة 2010 ومنتخب إيران في ثلاث نسخ متتالية بين عامي 2014 و2022. ويتميز البرتغالي بقدرته الفائقة على قراءة الخصوم وإغلاق المساحات، وهو ما ظهر بوضوح في إدارته التكتيكية للمباراة الافتتاحية لغانا بالبطولة الحالية.