ترمب يلغي اجتماعاً سرياً مع قادة «طالبان» بعد اعترافهم بشن هجوم في كابل

بومبيو: المحادثات توقفت حالياً وسنواصل الضغط على الحركة

وجود أمني أفغاني في هيرات أمس خلال شهر محرم وهو الشهر الأول في التقويم الإسلامي  حيث يحتفل أبناء طائفة «الهزارة»  بالعديد من المناسبات (إ.ب.أ)
وجود أمني أفغاني في هيرات أمس خلال شهر محرم وهو الشهر الأول في التقويم الإسلامي حيث يحتفل أبناء طائفة «الهزارة» بالعديد من المناسبات (إ.ب.أ)
TT

ترمب يلغي اجتماعاً سرياً مع قادة «طالبان» بعد اعترافهم بشن هجوم في كابل

وجود أمني أفغاني في هيرات أمس خلال شهر محرم وهو الشهر الأول في التقويم الإسلامي  حيث يحتفل أبناء طائفة «الهزارة»  بالعديد من المناسبات (إ.ب.أ)
وجود أمني أفغاني في هيرات أمس خلال شهر محرم وهو الشهر الأول في التقويم الإسلامي حيث يحتفل أبناء طائفة «الهزارة» بالعديد من المناسبات (إ.ب.أ)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب في وقت متأخر أول من أمس أنه ألغى اجتماعا سريا في منتجع كامب ديفيد بولاية ميريلاند، مع قادة طالبان والرئيس الأفغاني، بعد مفاوضات استمرت عدة أشهر وكادت تنجح في التوصل إلى اتفاق سلام لوقف إطلاق النار.
وأعلن ترمب عبر «تويتر» إلغاء الاجتماع وقال: إنه كان سيجتمع بشكل سري مع قادة طالبان، وبشكل منفصل مع الرئيس الأفغاني أشرف غني في كامب ديفيد أول من أمس. وكان من المقرر وصولهم إلى الولايات المتحدة مساء السبت. وقال الرئيس ترمب: «للأسف في محاولة لتعزيز نفوذ مزيف قاموا بالاعتراف بشن هجمات على كابل والتي أسفرت عن مقتل جندي أميركي من جنودنا العظماء و11 شخصا آخر وقد قمت فورا بإلغاء مفاوضات السلام». وأضاف: «ما نوع هؤلاء الناس الذين يقتلون الكثيرين لكي يظهروا بمظهر القوة في موقفهم التفاوضي؟ وهم لم يحققوا ذلك لكنهم أساءوا الموقف».
من جهته، قال وزير الخارجية مايك بومبيو صباح أمس، إن المحادثات حول إحلال السلام في أفغانستان متوقفة في الوقت الحالي إلى أجل غير مسمى، وإن الولايات المتحدة ستواصل الضغط على قادة «طالبان» مع تقديم الدعم العسكري للقوات الأفغانية حتى ترى التزاماً حقيقياً من جانب حركة «طالبان».
وقال بومبيو في تصريحات لشبكة «فوكس نيوز»: «كنا قد وصلنا إلى نقطة تقارب جيدة، وحققنا تقدماً حقيقياً ثم فشلت حركة طالبان في الوفاء بسلسلة من الالتزامات التي قطعتها على نفسها. وعندما حدث ذلك، قال الرئيس ترمب إنني لن أوافق على هذا الاتفاق، ولن أعمل مع شخص لا يستطيع الوفاء بالتزاماته».
وأضاف وزير الخارجية الأميركي أن «الصفقة والاتفاق هما مجرد ورقة، وعلينا أن نرى تغييراً فعلياً، فإذا لم تتصرف طالبان وتفي بالتزاماتها التي تعهدت بها لنا منذ أسابيع، فإن الرئيس لن يخفف الضغوط على طالبان».
وأوضح بومبيو أنه يأمل في استئناف المحادثات، وقال: «آمل أن نبدأ من جديد، والأمر متروك لطالبان في النهاية». وأشار بومبيو إلى أن الولايات المتحدة استدعت المبعوث الأميركي الخاص لأفغانستان زالماي خليل زاد إلى واشنطن لمناقشة الخطوات المقبلة. ورداً على سؤال حول ما إذا كانت المحادثات الأفغانية قد انتهت، أم لا، أجاب بومبيو: «في الوقت الحالي، نعم».
وكانت حركة طالبان قد اعترفت بشن هجوم انتحاري بسيارة مفخخة يوم الخميس أدت إلى مقتل جندي أميركي، و11 شخصا آخر في العاصمة الأفغانية كابل، ليرتفع عدد القتلى بين الجنود الأميركيين في أفغانستان هذا العام إلى 16. وشن مقاتلو طالبان الذين يسيطرون حالياً على أكبر مساحة من الأراضي منذ 2001 هجمات جديدة على مدينتي قندوز وبيل خمري الشماليتين خلال الأسبوع الماضي، ونفذوا تفجيرين انتحاريين كبيرين في العاصمة كابل. وقال الجنرال كينيث ماكينزي، قائد القيادة المركزية الأميركية في تصريحات يوم السبت، إن زيادة هجمات «حركة طالبان» في أفغانستان «لن تفيد»، خاصة في ظل جهود السلام التي تُبذل الآن. وخلال زيارته لباكستان المجاورة، حيث يتمركز كثير من مقاتلي الحركة، رفض ماكينزي التعليق على المفاوضات ذاتها. ونقلت وكالة أسوشييتد برس عن متحدث باسم «حركة طالبان» أن تفجير كابل، الذي أدى إلى مقتل 12 شخصا منح الحركة موقفا أقوى للمساومة وقال «إننا نفهم أن محادثات السلام جارية، لكن يجب أن يفهموا أننا لسنا ضعفاء، وإذا دخلنا في محادثات فإننا ندخل من موقف قوي». وكان مفاوضون من الولايات المتحدة و«طالبان» قد توصلوا، الأسبوع الماضي، لمسودة اتفاق سلام قد تؤدي إلى تقليص عدد القوات الأميركية في أطول حرب خاضتها الولايات المتحدة، ولكن موجة من أعمال العنف التي قامت بها «طالبان» أثرت بشكل سلبي على الاتفاق.
وقال ماكينزي للصحافيين الذين يرافقونه في رحلته: «تصعيد (طالبان) للعنف لن يفيد خاصة في هذه المرحلة من تاريخ أفغانستان». وأضاف أنه من أجل إحراز تقدم في عملية السلام «يجب على كل الأطراف الالتزام بتسوية سلمية في نهاية الأمر» والتي يجب أن تسفر بدورها عن تقليص أعمال العنف.
وقال مسؤول كبير بالإدارة الأميركية إن الترتيبات أن يتم الاجتماع يوم الاثنين قبل يومين فقط من ذكرى هجمات 11 سبتمبر وتم التخطيط لهذه الهجمات من أفغانستان وأعقبها غزو الولايات المتحدة لأفغانستان. وأوضحت مصادر أن ترمب قرر إلغاء الاجتماع يوم الخميس لكنه قرر عدم إعلان قراره إلا يوم السبت. وعلى الجانب الآخر أشار المسؤولون الأفغان إلى أن الرئيس غني قد أجل اجتماعا كان مقررا في واشنطن. وأشارت مصادر إلى أن ترتيبات زيارة «طالبان» لواشنطن لم تكن على جدول الأعمال إلا منذ أسبوع فقط.
وكان إعلان ترمب مفاجئا لعدة أسباب منها الإعلان عن هذا الاجتماع السري في كامب ديفيد مع قادة «حركة طالبان»، المتمردة التي قامت بالكثير من الهجمات على الآلاف من الأميركيين منذ غزو أفغانستان في أكتوبر (تشرين الأول) 2001 وعقد قمة بشكل مفاجئ بما يمثل مناورة دبلوماسية مثيرة أشبه بلقاءات ترمب بالزعيم الكوري الشمالي كيم يونغ أون.
من ناحية أخرى، فإن إلغاء هذه القمة يعني أن ترمب لن يستطيع الوفاء بالوعد الذي وعد به بسحب القوات الأميركية من أفغانستان والذي وصفه بأنه أطول صراع دام 18 عاما «بلا هدف».
ويأتي أيضا إلغاء هذا الاجتماع السري وسط موقف مقاوم وعنيد داخل الحكومة الأفغانية، بشأن اتفاق السلام مع تصميم الرئيس غني على إجراء الانتخابات في 28 سبتمبر الجاري وتوقعاته بالفوز بها، فيما أصرت «حركة طالبات» على تأجيل الانتخابات قبل البدء في مفاوضات مع الحكومة الأفغانية. وأثار إعلان ترمب حيرة الكثير من المطلعين على المشاورات الدبلوماسية بين إدارة ترمب وحركة طالبان، فالرئيس أشار إلى أنه ألغى مفاوضات السلام ردا على مقتل جندي أميركي - مع التقدير لهذا الحادث المأساوي - إلا أنه يبدو وكأن الرئيس ترمب يحاول البحث عن ذريعة لإلغاء المحادثات، وأن تلك المحادثات تواجه مشكلة أكبر من ذلك. وليس من الواضح ما إذا كان موقف الرئيس ترمب لإلغاء مفاوضات السلام مع طالبان سيكون أمرا منهيا، أم سيعود إلى استئناف المحادثات مرة أخرى. وللرئيس ترمب مواقف مشابهة، حيث قام بإلغاء فجائي للقمة الثانية مع الزعيم الكوري الشمالي، ثم عاد وأعلن مشاركته في القمة. ويقول مسؤولون على دراية بتفاصيل المفاوضات الأفغانية إنه سيكون من الصعب استئنافها. ومن المؤكد أن هذا التطور سيشعل جدلا في الدوائر السياسية في واشنطن حول هذه المحادثات التي أثارت ضجة في دوائر الأمن القومي، وتعرض ترمب لضغوط كبيرة من الجمهوريين المحافظين لعدم الخروج باتفاق بشكل متعجل مع «حركة طالبان» وتشكك البعض في مدى التزام الحركة بوقف إطلاق النار ومدى التزامها ببنود الاتفاق الذي يتم التوصل إليه، وقال الكثير من الديمقراطيين البارزين إنهم يدعمون محادثات السلام التي تؤدي إلى انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان.
وكان المبعوث الخاص زلماي خليل زاد قد بدأ مفاوضات مكثفة منذ العام الماضي وقام برحلات متكررة إلى العاصمة القطرية الدوحة لإجراء جلسات تفاوض مرهقة مع قادة «طالبان». وقاد خليل زاد تسع جولات من المفاوضات الشاقة التي اقتربت على ما تم وصفه بأنه اتفاق سلام مرحلي يبدأ بصفقة بين الولايات المتحدة و«طالبان» من شأنها أن تفتح الباب أمام مفاوضات مباشرة مع الحكومة الأفغانية ثم التوصل إلى اتفاق سلام بين الطرفين بشكل نهائي.
وصرح زلماي خليل زاد الأسبوع الماضي أن إدارة الرئيس ترمب توصلت إلى اتفاق من حيث المبدأ لإغلاق عدة قواعد وسحب خمسة آلاف جندي أميركي من أفغانستان خلال خمسة أشهر في مقابل اتفاق سلام مع «طالبان» ويوجد حاليا ما يقرب من 14 ألف جندي.



متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
TT

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

صار مألوفاً بين المحللين القول إننا دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق»، وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة. هكذا بتنا نرى أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق القوة والنفوذ بدلاً من التوافق والتعددية. ولا شك في أن هذا النظام يتشكل من خلال إمبراطوريات متفاوتة الأحجام، تسعى إلى توسيع دوائر النفوذ ومصادر الثروة باستخدام القوة، بدلاً من الاعتماد على الاتفاقات الدولية التي تجمع بين الدول الكبرى والصغرى على أساس المساواة.

وغني عن القول أن الهدف الأول لأي نظام عالمي تشاركي هو البحث عن السلام المستدام. وعن ذلك قال الفيلسوف الهولندي (البرتغالي الأصل) باروخ سبينوزا (1632 - 1677)، إن «السلام فضيلة وحالة ذهنية تقوم على الإحسان والثقة والعدالة». فيما أكد ألبرت آينشتاين (1879 - 1955)، أن «السلام لا يمكن فرضه بالقوة؛ بل يتحقق بالتفاهم». ومنذ القدم، أدرك أفلاطون أن «إقامة السلام والصداقة هي أسمى واجبات المواطن والمشترع»، وأكد أرسطو أن «الانتصار في الحرب لا يكفي، بل الأهم هو إرساء السلام». أما غاندي (1869 - 1948)، فجزم بأن «السلام لا يولد من الصدام المسلّح؛ بل من عدالة تُمارَس حتى في وجه التحديات».

سلام الاستثناء

في مقابل هذه الرؤى الحكيمة، تكشف التجربة التاريخية أن السلام كان الاستثناء لا القاعدة؛ فخلال ما بين 3500 و5000 عام من التاريخ البشري المدوّن، لم يعرف العالم سوى نحو من 230 إلى 268 عاماً خالية تماماً من الحروب الكبرى؛ أي أقل من 10 في المائة من تاريخه. وهذا يعني أن الصراع هو السمة الغالبة على العلاقات الإنسانية على المستويين الفردي والجماعي.

مضيق هرمز مسرح لصراع كبير (رويترز)

ولا بدّ من التمييز في هذا السياق بين «النظام الدولي» و«النظام العالمي»؛ فالنظام الدولي يصف آليات «عمل» العالم من حيث الفاعلين والقوى والدوافع والقيود، بينما يُعدّ النظام العالمي بناءً سياسياً ومؤسساتياً وثقافياً يتشكّل عبر التفاوض أو التعاون أو حتى الإكراه (كما حصل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين انتهى كل منهما بغالب ومغلوب). والنظام العالمي ليس معطًى ثابتاً؛ بل هو نتيجة خيارات واعية تتخذها القوى الفاعلة لتنظيم العالم وإدارته.

ومن المنصف القول إن النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية حقق نجاحات؛ إذ تراجعت احتمالات الحروب العالمية الشاملة، وانتهت الإمبراطوريات التقليدية ذات المدى الجغرافي الواسع، وازداد مستوى الرفاه والازدهار بشكل غير مسبوق، وأُرسيت دعائم السيادة الوطنية لدول عديدة بناءً على مفاهيم «صلح وستفاليا». غير أن هذا النظام لم يعد يلبّي متطلبات التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، وهو ما يفسر الإحساس المتزايد بالأزمة وذلك الشعور بالضيق العام على المستوى العالمي، والقلق الجدّي من نشوب حرب عالمية ثالثة محفوفة بأخطار «الجنون النووي».

تحوّلات ونماذج بديلة

في العقود الأخيرة، شهدنا إعادة توزيع للنفوذ في الكرة الأرضية، مع صعود قوى جديدة تتحدى الهيمنة الغربية التي قامت على الثروة المادية والتقدّم العلمي - التكنولوجي؛ مثل دول مجموعة «بريكس» التي باتت تؤدي دوراً متزايد التأثير اقتصادياً وسياسياً. ولا يقتصر هذا التحول على انتقال عناصر القوة؛ بل يمتد إلى تغيّرات فكرية وثقافية عميقة، مع سعي ملموس من الدول غير الغربية إلى تأكيد هوياتها الخاصة وتقديم نماذج بديلة للحكم والتنمية.

وتشهد هذه المرحلة، التي توصف أحياناً بـ«ما بعد الغرب»، تحديات كبرى وجودية للغرب نفسه ولمنافسيه، تتطلب تعاوناً دولياً أوسع، خصوصاً في مواجهة قضايا عابرة للحدود مثل التغير المناخي، والأمن السيبراني، والهجرة، والجريمة المنظمة، والإرهاب... غير أن هذا التحول لا يخلو من التوترات؛ إذ تسعى القوى الصاعدة إلى تعزيز مصالحها، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاكات مع القوى التقليدية، خصوصاً في العلاقات التجارية وأحياناً في مواجهات ميدانية، ويعقّد المساعي إلى بناء توازن عالمي مستقر.

مصنع للسيارات الكهربائية في مدينة جينهوا الصينية... قوة صاعدة بسرعة كبيرة (رويترز)

ويُضاف إلى ذلك أن صعود النزعات القومية والشعبوية يشكّل سبباً آخر من أسباب الاضطراب، لأن هذه التيارات المتطرفة تنحو بطبيعتها المشكِّكة إلى تقويض التعاون الدولي وتغليب المصالح الضيقة، مما يضعف المؤسسات الدولية ويهدد الاستقرار العالمي. وتزيد النزاعات الإقليمية والتنافس بين القوى الكبرى؛ مثل التوترات بين الولايات المتحدة والصين، هذا التفكك حدةً.

ومن أبرز التحديات أيضاً ضرورة إيجاد توازن بين القيم العالمية والخصوصيات الوطنية؛ إذ لا يمكن فرض معايير دولية بشكل أحادي دون مراعاة التنوع الثقافي والسياسي. ولذلك، يصبح الحوار البنّاء والدبلوماسية الشبكية المرنة (لا الهرمية الجامدة) أمرين ضروريين لإيجاد أرض صلبة مشتركة لتشييد «مبنى» السلام.

امتحان التكيّف والتعاون

خلاصة القول؛ إن النظام الدولي الحالي يمرّ بمرحلة تحول عميقة، تتداخل فيها عوامل صعود قوى جديدة، وتراجع النفوذ الغربي، وتصاعد النزاعات، وتزايد التحديات العالمية، والسعي المحموم إلى الحصول على «غنائم» اقتصادية تعزّز الموقع وتحصّن السيادة. ويعتمد مستقبل هذا النظام على قدرة الفاعلين الدوليين على التكيف والتعاون، وبناء شراكات جديدة، والانفتاح على رؤى متعددة لفهم تعقيدات العالم.

وفي هذا السياق، لا يجوز النظر إلى بروز سرديات بديلة بوصفه تهديداً؛ بل فرصة لفهم أعمق لعالم متعدد الأقطاب. فالنظام الدولي الذي يتشكل اليوم يعكس انتقالاً تاريخياً مهماً، حيث لم يعد الغرب مركز القوة الوحيد؛ بل بات واحداً من عدة مراكز.

إن الطريق نحو نظام عالمي أكثر تعقيداً وتداخلاً، تتعايش فيه نماذج مختلفة من الحوكمة العالمية، ارتسم بالفعل. غير أن التعامل في هذا الواقع الجديد وسلوك دروبه الوعرة يتطلبان فكراً مبتكراً ومنفتحاً على التغيير، مع الحفاظ في الوقت ذاته، على ما أثبتت التجربة أهميته من هياكل ومؤسسات قائمة؛ في مقدّمتها الأمم المتحدة التي تحتاج إلى إصلاح هيكلي يجنبها التداعي والسقوط. وفي النهاية، يبقى بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً واستدامة مرهوناً بإرادة جماعية قادرة على التوفيق بين الاختلاف والتعاون.

اقرأ أيضاً


حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
TT

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

لم تفلح 7 أسابيع من الحرب في إسقاط حكام إيران، أو إجبارهم على تلبية جميع مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنها بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة وحلفائها، كشفت واحدة من نقاط ضعفه الرئيسية؛ وهي الضغط الاقتصادي، وفق تحليل لوكالة «رويترز».

وحتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة)، أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، ​فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

وانضم ترمب إلى إسرائيل في مهاجمة إيران في 28 فبراير (شباط)، مستنداً إلى ما وصفه بتهديدات أمنية وشيكة، لا سيما بخصوص ما يتعلق ببرنامجها النووي. لكن الآن، ومع ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة وتزايد التضخم وانخفاض شعبيته، يسابق ترمب الزمن لإبرام اتفاق دبلوماسي من شأنه أن يخفف من حدة التداعيات في الداخل.

ناقلة نفط ترفع علم مالطا تقترب من العراق بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

ويقول محللون إن إيران تلقت ضربة عسكرية قاسية، لكنها أثبتت قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية استخف بها ترمب ومساعدوه، مما أدى إلى أسوأ صدمة طاقة عالمية على الإطلاق.

* تكاليف الطاقة وخطر الركود

كثيراً ما تجاهل ترمب علناً المخاوف الاقتصادية المحلية الناجمة عن الحرب، خصوصاً أن الولايات المتحدة لا تعتمد على خُمس شحنات النفط العالمية التي حُجبت فعلياً بسبب سيطرة إيران على مضيق هرمز، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة قد أثر سلباً على المستهلكين الأميركيين. ويزيد تحذير صندوق النقد الدولي من خطر حدوث ركود عالمي من حدة هذا الوضع القاتم.

وهكذا، تزايدت الضغوط لإيجاد مخرج من هذه الحرب التي لا تحظى بتأييد في الولايات المتحدة؛ إذ يدافع المنتمون إلى حزب ترمب الجمهوري، عن أغلبيتهم ‌الضئيلة بالكونغرس في ‌انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولا يخفى أي شيء من هذا عن قادة إيران الذين استغلوا السيطرة على مضيق ​هرمز ‌لدفع ⁠فريق ترمب ​إلى ⁠الجلوس على طاولة المفاوضات.

ويقول المحللون إن الصين وروسيا قد يستخلصان درساً مماثلاً؛ إذ إنه بينما أظهر ترمب رغبة في استخدام القوة العسكرية في ولايته الثانية، فإنه يبحث عن مخرج دبلوماسي بمجرد أن يصبح الوضع الاقتصادي مؤرقاً في الداخل.

وقال بريت بروين، وهو مستشار سابق للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ويترأس حالياً شركة «غلوبال سيتويشن روم» الاستشارية: «يشعر ترمب بالضائقة الاقتصادية، وهي نقطة ضعف في هذه الحرب».

وذكر المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، أنه فيما تعمل الإدارة على التوصل إلى اتفاق مع إيران لحل مشاكل سوق الطاقة «المؤقتة»، فإنها «لم تفقد تركيزها أبداً على تنفيذ أجندة الرئيس المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف والنمو».

* التحوّل

جاء تحول ترمب المفاجئ في 8 أبريل (نيسان)؛ من الغارات الجوية إلى الدبلوماسية، بعد ضغوط من الأسواق المالية وبعض المؤيدين لسياساته.

ويقع جزء من المعاناة الاقتصادية على عاتق المزارعين الأميركيين، وهم قاعدة انتخابية رئيسية لترمب، بسبب تعطل شحنات الأسمدة. وينعكس ذلك أيضاً في ارتفاع أسعار تذاكر الطيران نتيجة لزيادة أسعار وقود الطائرات.

ومع اقتراب انتهاء ⁠أسبوعَي وقف إطلاق النار، يبقى أن نرى ما إذا كان الرئيس الأميركي الذي يتبنى نهجاً لا يمكن توقعه، سيتوصل ‌إلى اتفاق يلبي أهدافه من الحرب، أو يمدد الهدنة إلى ما بعد 21 أبريل أو يجدد حملة القصف.

لكن أسعار ‌النفط العالمية انخفضت بشكل حاد في حين ازدهرت الأسواق المالية، التي غالباً ما يعدّها ترمب مقياساً لنجاحه، أمس (الجمعة)، ​بعد أن قالت إيران إن المضيق سيظل مفتوحاً للفترة المتبقية من هدنة منفصلة مدتها ‌10 أيام بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية.

مزارعان يجهّزان أسمدة لاستخدامها في حقل قمح بمقاطعة هينان الصينية (رويترز)

وسارع ترمب إلى إعلان أن مضيق هرمز آمن، مشيداً باتفاق قيد الإعداد مع إيران قال إنه سيُبرم قريباً وبمعظم شروطه. لكن ‌مصادر إيرانية صرّحت لـ«رويترز»، بأن بعض الثغرات لا يزال بحاجة إلى حل.

وحذر خبراء من أنه حتى لو انتهت الحرب قريباً، فإن إزالة الأضرار الاقتصادية قد تستغرق أشهراً إن لم تكن سنوات.

ويبقى السؤال الرئيسي حول ما إذا كان أي اتفاق سيحقق الأهداف التي حددها ترمب، بما في ذلك إغلاق الطريق أمام إيران نحو امتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفي طهران منذ فترة طويلة سعيها إليه.

وتمتلك إيران مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب يُعتقد أنه دُفن بعد غارات أميركية إسرائيلية في يونيو (حزيران). وصرح ترمب لـ«رويترز» أمس (الجمعة)، بأن الاتفاق الذي يجري إعداده يدعو الولايات المتحدة إلى التعاون مع إيران لاستعادة هذه ‌المواد ونقلها إلى الولايات المتحدة. ونفت إيران الموافقة على نقل اليورانيوم إلى أي مكان في الخارج.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الولايات المتحدة تحافظ على «عدة خطوط حمراء» في المفاوضات مع إيران.

وفي الوقت نفسه، لم يلقَ النداء الذي وجهه ⁠ترمب في بداية الحرب للإيرانيين للإطاحة بحكومتهم، أي ⁠استجابة.

وفي البداية، صُدم حلفاء للولايات المتحدة من أوروبا إلى آسيا بقرار ترمب خوض الحرب دون استشارتهم، أو مراعاة الأخطار التي قد يتعرضون لها بسبب إغلاق إيران للمضيق.

وقال غريغوري بولينغ، خبير الشؤون الآسيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: «جرس الإنذار الذي يدق للحلفاء الآن هو كيف أبرزت الحرب أن الإدارة (الأميركية) يمكن أن تتصرف بشكل غير منتظم، دون مراعاة كبيرة للعواقب».

وبعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، كان الرئيس الأميركي السابق المنتمي للحزب الديمقراطي جو بايدن، حذراً في فرض عقوبات على قطاع الطاقة في موسكو خشية تقليل إمدادات النفط وتضخيم أسعار الغاز في الولايات المتحدة.

لكن ترمب، الذي تعهد عند الترشح لولاية ثانية بتوفير بنزين بتكلفة منخفضة وتقليل التضخم، أبدى أنه يتأثر بالاتهامات الموجهة إليه بأن سياساته ترفع الأسعار. ومن الأمثلة على ذلك خفض الرسوم الجمركية على الصين العام الماضي، بعد أن ردت على الرسوم المرتفعة بالمثل.

* أخطاء في التقدير

مثلما أخطأ ترمب في تقدير رد بكين في الحرب التجارية، يبدو أنه أخطأ في تقدير رد إيران اقتصادياً من خلال مهاجمة البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وإغلاق الممر المائي الاستراتيجي في المنطقة.

رجل يملأ سيارته وقوداً في لوس أنجليس (أ.ب)

وقال مسؤولون أميركيون في مناقشات مغلقة، إن ترمب اعتقد خطأ أن الحرب ستكون عملية محدودة؛ مثل الغارة الخاطفة التي شنها على فنزويلا في 3 يناير (كانون الثاني)، والضربات التي استهدفت المواقع النووية الإيرانية في يونيو. لكن هذه المرة، جاءت التداعيات أوسع نطاقاً.

وقد تكون الرسالة الموجهة إلى الحلفاء الآسيويين؛ مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أنه من الممكن توقع أن يسعى ترمب، الذي يتطلع إلى علاقات أكثر وديةً مع الصين، ​إلى تحقيق أهدافه الإقليمية مع إيلاء اهتمام أقل بأمنهم الجيوسياسي والاقتصادي.

ويعتقد المحللون أن ​تلك الحكومات ستتكيف مع أي شيء يطرأ؛ مثل محاولة الصين الاستيلاء على تايوان، بدافع القلق إزاء مصداقية ترمب.

والأمر نفسه ينطبق على الشرق الأوسط؛ حيث يريد الجميع حلاً دبلوماسياً إنما مع ضمانات أمنية تحفظ استقرار المنطقة بشكل مستدام.


سفير أميركا في أنقرة: لا نمانع عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف - 35»

السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)
TT

سفير أميركا في أنقرة: لا نمانع عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف - 35»

السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)

قال السفير الأميركي لدى تركيا توم براك إن واشنطن لا تمانع عودة تركيا إلى برنامج إنتاج وتطوير مقاتلات «إف - 35»، متوقعاً أن يتم معالجة مسألة العقوبات الأميركية المفروضة عليها بسبب شرائها منظومة الدفاع الصاروخي الروسية «إس - 400» قريباً.

وفي تكرار لتصريحات أطلقها في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قال براك، خلال جلسة في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الذي انطلقت دورته الخامسة، الجمعة، في مدينة أنطاليا جنوب تركيا،: «أعتقد أن مشكلة منظومة (إس – 400) ستحل قريباً، ومن وجهة نظر رئيسي (دونالد ترمب)، لا مانع من قبول تركيا في برنامج طائرات (إف - 35)».

وأخرجت الولايات المتحدة تركيا من برنامج مقاتلات «إف - 35»، التي تنتجها شركة «لوكهيد مارتن»، عقب حصولها على منظومة «إس - 400» في صيف عام 2019، لتعارضها مع منظومة حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وفرض عليها ترمب عقوبات بموجب قانون «كاتسا» في أواخر عام 2020، فيما اعتبرته تركيا قراراً غير عادل، لا سيما أنها دفعت نحو 1.4 مليار دولار لشراء مقاتلات «إف - 35».

منظومة «إس - 400» الروسية (موقع الصناعات الدفاعية التركية)

وعلى الرغم من اتجاه تركيا للبحث عن بدائل مثل طائرات «يوروفايتر تايفون» الأوروبية أو إنتاج بدائل محلية، فإنها تواصل السعي لرفع العقوبات الأميركية والحصول على مقاتلات «إف - 35».

وفي ديسمبر الماضي، قال براك، إن أنقرة باتت أقرب إلى التخلي عن المنظومة الروسية، متوقعاً إمكانية حل هذا الملف خلال فترة تتراوح بين 4 و6 أشهر، لافتاً إلى أن القانون الأميركي لا يسمح لتركيا بتشغيل أو حيازة المنظومة الروسية إذا أرادت العودة لبرنامج إنتاج وتطوير المقاتلة الأميركية.

واقترحت تركيا، في مارس (آذار) الماضي، تشغيل منظومة «إس - 400» بشكل مستقل عن أنظمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) لحل الخلاف مع الولايات المتحدة، وإنهاء أزمة استبعادها من مشروع إنتاج وتطوير مقاتلات «إف - 35» والحصول عليها.

وزير الدفاع التركي يشار غولر (الدفاع التركية)

ولم تفعّل تركيا المنظومة الروسية منذ حصولها عليها، بموجب الصفقة التي وقعت مع روسيا في عام 2017، أو نقلها إلى مكان آخر أو بيعها لدولة أخرى.

وقال وزير الدفاع التركي، يشار غولر، «إن الحل الذي اقترحته تركيا بات واضحاً، تم إبلاغ نظرائنا الأميركيين بفكرة تشغيل منظومة (إس – 400) كنظام مستقل، دون دمجها في أنظمة الناتو، وإن هذا هو الحل الأمثل».

وعن مسار العلاقات التركية - الأميركية، قال براك إن العلاقات بين أنقرة وواشنطن شهدت تقدماً ملحوظاً خلال الـ16 شهراً الماضية يفوق ما تحقق خلال الـ15 عاماً الماضية.

ولفت إلى إحراز تقدم في مجالات السياسة الخارجية والاستخبارات والشؤون العسكرية والتجارية، لا سيما في ظل العلاقات الجيدة بين الرئيسين، رجب طيب إردوغان ودونالد ترمب.

براك متحدثاً عن العلاقات التركية - الأميركية خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي الجمعة (إعلام تركي)

وأضاف براك: «يجري إعادة تشكيل التحالف بين البلدين، ما حدث في سوريا (منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024) كان في صالح تركيا إلى حد كبير، تستحق تركيا والسعودية ثناءً كبيراً لدعمهما هذا «الهيكل الناشئ» في سوريا.

وتابع أنه «حتى مع وجود بعض العيوب؛ في الواقع، كانت تركيا العامل الحاسم في هذه العملية، العلاقات بين البلدين أفضل من أي وقت مضى، أعتقد أنه سيتم التوصل إلى حل لمسألة منظومة (إس – 400) قريباً، ومن وجهة نظري، فإن إعادة قبول تركيا في برنامج (إف - 35) أمر ممكن أيضاً».