الحلقة (6): «سبها» تقلب حياة التلميذ معمر رأسا على عقب وتتسبب في طرده من ولاية فزان إلى «مصراتة»

أحمد قذاف الدم يروي لـ {الشرق الأوسط} مسيرة نصف قرن مع معمر القذافي

قوة تدريب أساس الجيش السنوسي (جيش التحرير) ويتكون من ضباط وضباط صف ليبيين وإنجليز وأخذت الصورة في المقر الأساس جنوب غربي القاهرة وفيها محمد قذاف الدم والد أحمد
قوة تدريب أساس الجيش السنوسي (جيش التحرير) ويتكون من ضباط وضباط صف ليبيين وإنجليز وأخذت الصورة في المقر الأساس جنوب غربي القاهرة وفيها محمد قذاف الدم والد أحمد
TT

الحلقة (6): «سبها» تقلب حياة التلميذ معمر رأسا على عقب وتتسبب في طرده من ولاية فزان إلى «مصراتة»

قوة تدريب أساس الجيش السنوسي (جيش التحرير) ويتكون من ضباط وضباط صف ليبيين وإنجليز وأخذت الصورة في المقر الأساس جنوب غربي القاهرة وفيها محمد قذاف الدم والد أحمد
قوة تدريب أساس الجيش السنوسي (جيش التحرير) ويتكون من ضباط وضباط صف ليبيين وإنجليز وأخذت الصورة في المقر الأساس جنوب غربي القاهرة وفيها محمد قذاف الدم والد أحمد

كانت قوافل الإبل تمضي إلى إقليم فزان في الجنوب وسط الصحراء القاحلة في مطلع خمسينات القرن الماضي. وعلى طول الدرب حيث تمر على النجوع تستمع لقصص عن الوباء الذي قتل أطفالا من القبيلة الفلانية وعن «غزو الطليان» الذي أجبر قبيلة أخرى على الهجرة. هذه واحدة من مسيرات الترحال. وسيمر من هنا فتى لم يتجاوز عمره 15 عاما، مرتديا بالطو أسود فوق بنطلون داكن وجاكيت رمادي، ويبدو منطويا على نفسه حينا ومنفتحا على الآخرين، لكن في مجموعات صغيرة ومحددة، حينا آخر..
يمضي مرة على ظهر ناقة ومرة في صندوق شاحنة، مع المرتحلين بين البلدات الصحراوية، ويراقب العوز في خيام النجوع البائسة وفي أكشاك الصفيح والخشب في القرى. ومن هنا يقرأ بعضا من الكتب القليلة المتوفرة في هذا القفر، عن الثورات ونظم الحكم، وسيتشكل فكره الذي حيّر العالم، إلى أن ترك بلاده في فوضى عارمة في 2011. بينما لا أحد يعرف المكان الذي دفن فيه، ولا حقيقة الكثير من الأسرار التي ظلت معلقة في الفراغ. وتمر الأيام ولا تكف الريح عن الهبوب وهي تسفي الرمال على سكان البوادي الممتدة من مدينة سرت في شمال وسط ليبيا، حتى مدينة سبها على بعد نحو 600 كيلومتر في الجنوب.

لم تكن هذه هي البداية الوحيدة التي تسببت في أن يطفو اسم قبيلة «القذاذفة» على سطح الأحداث في العالم من خلال رجلين على الأقل، الأول هو معمر القذافي، والثاني هو ابن عمه، أحمد قذاف الدم، الذي يروي لـ«الشرق الأوسط» أسرار الكثير من الأحداث. الآن نحن في السنوات الأولى من القرن العشرين، حين نزح عدد من أولاد قبيلة القذاذفة مع عائلاتهم المنكوبة إلى مصر، هربا من الاحتلال الإيطالي لليبيا. وفي مصر ولد قذاف الدم، الذي أصبح يعرف فيما بعد بأنه «رجل ليبيا في مصر»، و«رجل مصر في ليبيا» أيضا.. كما أطلق عليه الإعلام أحيانا «الصندوق الأسود وكاتم أسرار القذافي».
ولم يظهر البالطو الأسود على جسد معمر القذافي إلا مع بداية الصف النهائي من المرحلة الإعدادية في مدرسة سبها المركزية، حيث كان من قبل يلبس الثوب الأبيض ويضع الطاقية البيضاء على رأسه مثل باقي تلاميذ المدرسة.. وبهذه المناسبة، لا بد أنك تتخيل الآن الملابس الأفريقية الملونة التي أصبح يرتديها حاملا لقب «ملك ملوك أفريقيا» وتثير الاستغراب في السنوات الأخيرة من حكمه لليبيا الذي استمر 42 سنة، لكن أحمد قذاف الدم يقول إن القذافي كان في الحقيقة يحارب الدول الاستعمارية في أفريقيا من خلال استقطاب قيادات ممالك القارة السمراء، و«للأسف كان البعض يسخر من هذا العمل، ويقولون.. أصبح القذافي ملك ملوك أفريقيا التقليديين وأصبح يرتدي الملابس الأفريقية، وغير ذلك، لكن هذا كان عملا جبارا هو الذي أدى لقلق الغرب منه، واستفزهم، وقتلوه لهذا السبب مع أسباب أخرى».
وبالعودة إلى الوراء عدة عقود ستجد أن التربة التي نما فيها هذا الرجل، قرب معسكرات الفرنسيين في سبها، كانت عبارة عن خليط من الثقافة البدوية الليبية، ممزوجة بالانفتاح المصري على الراديو وما فيه من أخبار وخطب وموسيقى، إضافة للطابع العسكري الذي تطبعت به أسرة «قذاف الدم» حين انتقل القذافي صبيا لاستكمال دراسته النظامية لديها، بدلا من الاقتصار على التعليم الديني في سرت. كان عمر المختار يقاتل الإيطاليين في شرق البلاد، في الربع الأول من القرن الماضي. وفي ذلك الوقت تحرك ركبان من الرجال الجرحى والنساء والأطفال من مدينة سرت في اتجاهين للنجاة بأنفسهم.. الأول ناحية الصحراء الغربية المصرية والثاني ناحية الصحراء التشادية في أقصى الجنوب، وذلك بعد أن أسرَ الطليان وقتلوا الكثير من المقاومين. وكان معتقل العقيلة المجاور للمدينة يغص بالليبيين، بينما انتقلت عائلة والد القذافي، الذي لم يكن قد أنجب معمر بعد، إلى صحراء سرت الجنوبية بعيدا عن خطر الإيطاليين.
ويقول أحمد قذاف الدم: «عندما قتل الطليان جدي، فر كثيرون من أهلنا، من الصغار والعجائز.. هاجر بعضهم إلى مصر وبعضهم إلى تشاد، بينما نزحت عائلة والد معمر إلى جنوب سرت. الوضع كان خطيرا لعائلات ليبية بدوية مسالمة، ولم يكن هناك أي شيء يحتمون به أو يلجأون إليه للبقاء حتى على قيد الحياة.. كانوا مطاردين، لأن الاستعمار الإيطالي وقتها كان يسعى لتفريغ ليبيا من السكان ويتعامل معها على أنها الشاطئ الرابع لإيطاليا».
وأخيرا وصلت هذه القافلة، التي فيها والد قذاف الدم، إلى واحة جغبوب الليبية ومنها إلى واحة سيوة المقابلة، داخل مصر. وكان في القافلة فتى لا يزيد عمره عن 16 سنة، هو والد أحمد قذاف الدم، الذي سينخرط في جيش التحرير الوطني، بقيادة الأمير محمد إدريس السنوسي، انطلاقا من مصر، وسيصبح آمرا في الجيش قرب معسكرات الفرنسيين في جنوب ليبيا، وسيستضيف معمر في بيته بعد أن يعود إلى سبها، حيث سيثير هذا التلميذ عاصفة من التساؤلات في تلك البلدة التي كانت في ذلك الوقت تشبه في معظمها القرية المعزولة عن العالم.
ويبدو أن أحمد قذاف الدم نفسه تأثر بـ«غرابة» التلميذ «معمر» أمام أهل سبها وطلابها، أو على الأقل دفعه سلوكه الذي لا يشبه سلوك الآخرين، إلى التفكير في العالم من منظور مختلف، فهو، أي أحمد، شارك في خوض معارك كضابط في بلدان مختلفة في مصر ولبنان وأوغندا وغيرها، قبل أن يتحول لدبلوماسي حافظ أسرار القذافي ولطف الأجواء بينه وبين زعماء في الغرب والشرق.
ولقب «قذاف الدم» مأخوذ من الصفة التي يتميز بها «القلب»، وهي «ضخ الدم». ويقول أحمد عن رحلة نزوح والده إلى مصر كما سمعها منه بعد أن ولد وشب عن الطوق، إن القافلة واصلت رحلتها في مشقة ناحية الشرق، إلى أن وصلت إلى بحيرة قارون في محافظة الفيوم الواقعة جنوب القاهرة بنحو 90 كيلومترا، وظلت فترة هناك، وحين أصبح سن والده في العشرينات، انتقل ومن معه من ليبيين، للقاهرة التي كانت تشبه المدن الأوروبية جمالا ونظاما، وبدأوا ينتشرون بمصر.
وفي ذلك الوقت كانت نذر الحرب العالمية الثانية تخيم على المنطقة.. وبدأ القادة السياسيون يتحينون الفرص لكسب ما يمكن من بين مخالب الأطراف الدولية المتصارعة.. وكان الأمير محمد إدريس السنوسي، قد يئس من كثرة نقض الإيطاليين للمعاهدات التي يبرمونها في منطقة إقليم برقة، في الشرق الليبي، حيث كانت مدينة إجدابيا عاصمة للإقليم ومقرا للحكم. وزاد العداء بين الأمير والإيطاليين بعد أن بايعه الليبيون على أن يكون أميرا لإقليمي طرابلس وبرقة، حيث أججت هذه الخطوة غضب الإيطاليين منه ومن المقاومين بقيادة عمر المختار، خاصة بعد استيلاء الفاشيين على الحكم في روما، فوجهوا قوتهم إلى ليبيا في موجة جديدة من المطاردات والقتل والتخريب والاحتجاز في المعسكرات داخل الصحراء، بينما كانت البلاد تعاني أصلا من الفقر وانتشار الأوبئة.
وتتناقل أسر الليبيين أمام الصغار، ومنهم معمر وأحمد، كيف كانت طائرات الإيطاليين تأتي من السماء لضرب من يعتقد أنهم من ذوي «المتمردين». وكان الضرب على النجوع، فتجري النساء بأرديتهن المخططة - وهو لباس ليبي تقليدي للمرأة - بين القذائف المتفجرة في الرمال، يحاولن الاختباء بين الشجيرات الصحراوية القصيرة. ويستغرق الأمر وقتا قبل أن ترجع النساء مرة أخرى لبيوتهن ليستأنفن طحن الشعير على الرحى، من أجل تجهيز الطعام للرجال الذين سيأتون على الخيول للراحة بضع ساعات قبل أن يواصلوا الهجوم على معسكرات الإيطاليين.
وكانت توجد خشية على حياة الأمير من عسف الإيطاليين وهو في ليبيا، فتقرر أن ينتقل لإدارة الأمور من مصر التي كانت تحت الاحتلال الإنجليزي. وكانت القاهرة أيضا متعاطفة مع القضية الليبية في ذلك الوقت. ومع قيام الحرب العالمية الثانية عام 1939. استغل القادة السياسيون الليبيون بمصر الفرصة، وانضموا إلى الجانب المعادي للإيطاليين في تلك الحرب، وهم الإنجليز، بناء على اجتماعين عقدا في الإسكندرية والقاهرة لتكوين جيش لتحرير ليبيا وخوض غمار الحرب ضد إيطاليا بجانب الجيوش البريطانية وتحت الإمارة السنوسية.
ويقول أحمد قذاف الدم: في القاهرة تعرف والدي على الكثير من الليبيين المهجرين الآخرين.. التقوا بعضهم بعضا، وبدأ الحديث عن كيفية العودة إلى ليبيا وتحريرها من الطليان، وبدأت هذه الأفكار تتبلور إلى أن وصلت، مع الباقين، إلى فكرة إنشاء جيش تحرير ليبيا. واتجهوا للأمير محمد بحكم علاقته بالإنجليز، حيث كان ما زال يقيم في مصر، وبدأوا في تأسيس الجيش السنوسي وتدريبه في منطقة معسكرات أبو رواش، أي في الكيلو 9 بجوار الهرم (جنوب غربي القاهرة)، ودخل والدي مع أول مائة شاب ليبي الكلية الحربية المصرية. وأخذوا أيضا في تجنيد الليبيين بمصر وبعض المتطوعين من قبائل البادية للانضمام للجيش.
وكان جيش التحرير يتوجه من القاهرة غربا رويدا رويدا، بينما كان الطليان المتحالفون مع الألمان يعدون العدة لدخول مصر من ناحية برقة.. وفي محافظة البحيرة قرب مدينة الإسكندرية، تعرف والد أحمد على الشيخ حامد علي، شيخ قبائل «أولاد علي» بمصر في ذلك الوقت، وطلب منه مزيدا من المتطوعين لكي يذهبوا للجهاد ضد الطليان في ليبيا، فاستجاب له، وتطوع الكثيرون من محافظة البحيرة ومطروح وغيرهما، وبعضهم استقر فيما بعد في ليبيا، وبعضهم عاد لمصر بعد التحرير. ويقول أحمد قذاف الدم: «والدي تزوج ابنة الشيخ حامد علي، في تلك الفترة. وهذا هو أحد الأسباب التي ربطته بقبائل أولاد علي، حينها. كما أنني ولدت في مصر، أنا وأخي الأكبر».
هو من مواليد 1952. ورجع طفلا رضيعا إلى ليبيا، بعد الاستقلال مباشرة، وهو استقلال يصفه بأنه «كان صوريا» بسبب استمرار الهيمنة الأجنبية على البلاد. وسيعزز معمر القذافي، الذي يكبره بـ10 سنوات، من هذه النظرية، أثناء تشكيله لأول «خلية» من الطلاب أثناء دراسته في سبها، حيث ظهر معمر بوصفه تلميذا مختلفا عن الآخرين بالبالطو الأسود، وهو بالطو كان يعتز به كثيرا، وبدا كأنه ينكمش داخله ويغرس يديه في جيبيه الواسعين، قبل أن يفردهما ويندفع لتحريض مزيد من الطلاب ولتكوين خلية جديدة لا تعرف أي شيء عن الخلية الأخرى.
حتى حين قابل زميله في مدرسة سبها، وفي «مجلس قيادة الثورة» فيما بعد، الرائد عبد السلام جلود، لم يفش له التفاصيل عن باقي الخلايا. وربما كانت هذه الطريقة في الحرص والكتمان، مع الجنوح للانطواء أحيانا، ومنح المشكلات مزيدا من الوقت لتحل نفسها بنفسها، صبغت تصرفات معمر في إدارة علاقاته بالحكم وبالعالم، وكانت أحد أسباب نهايته في نهاية المطاف، فعلى سبيل المثال كانت له علاقات جيدة مع الاتحاد السوفياتي فـ«روسيا»، لكنه اكتشف أثناء هجمات حلف الناتو أنه لم يوقع اتفاقية ذات شأن مع موسكو تحميه من «الهجمة الغربية» التي ظل يتخوف منها سنوات طويلة، ونجا من بعضها كتلك التي قام بها الرئيس الأميركي رونالد ريغان في الـثمانينات.
على أي حال.. ومنذ مطلع الـخمسينات، بدأ انتشار الجيش الوطني الملكي في ليبيا، وكان من نصيب والد أحمد قذاف الدم، الضابط، الإقامة في سبها كقائد للقوة المتحركة في إقليم فزان.. ويقول إن والده بقي هناك فترة طويلة، إلى أن تقاعد في الستينات. حينها كان المستقبل غامضا، ومعسكرات الفرنسيين والأميركيين والإنجليز منتشرة في عدة مواقع ليبية، كما أن البلاد كانت قاحلة ولم يكن فيها أي إمكانيات للحياة، مقارنة بمصر التي كانت مزدهرة في ذلك الوقت. وكان الأطفال في سبها لا يتورعون عن الجري حفاة في ثيابهم البيضاء والمخططة وراء سيارات الجنود الفرنسيين وهم يصيحون في أثرهم وسط سحب التراب: أعوذ بالله منكم.
وفي ذلك الوقت كان معمر القذافي يقيم مع أسرته في صحراء جنوب سرت، لكنه انتقل مع والده ووالدته إلى سبها لاستكمال دراسته، وأقاموا جميعا في منزل أسرة قذاف الدم بحكم القرابة التي بينهما. ويقول أحمد قذاف الدم: كان أهل سرت، في الشمال، يأتون إلى سبها لأن فيها مدرسة.. يأتون لتلقي التعليم. أهلنا منتشرون في تلك المنطقة؛ منطقة الوسط.. وجاء معمر هو وأبوه ووالدته.. هو أصلا كان في الصف الثالث الابتدائي، لكن حين وجد الأساتذة أنه متقدم في دراسته، قاموا بنقله إلى الصف الخامس مباشرة، وذلك بعد أن أجروا له اختبارات خاصة. وكانت مدرسة سبها المركزية تضم المرحلتين الابتدائية والإعدادية.
الضابط قذاف الدم، كان يعامل معمر معاملة خاصة ربما لأنه ضيف أو لأنه صموت ويختفي ويظهر دون أن تشعر به، ويحب قراءة ما يصل للبيت من صحف وكتب. كما كانت تجتذب هذا التلميذ الخطب التي تتردد من «صوت العرب» عبر المذياع، وهو جهاز لم يكن يوجد مثله في بيوت الأسر العادية. ويقول قذاف الدم: «معمر جاء، وبقي معنا في بيتنا.. عاش معنا فترة بحكم القرابة، وكان والدي يعامله معاملة خاصة، لأنه كان شابا محترما، ومتدينا.. وبرغم صغر سنه كان لافتا للانتباه.. لأنه لم يكن كغيره من أقرانه.. يعني كان خجولا، وشديد الأدب، وخدوما.. ويعكف على مذاكرة دروسه، ولا يهتم باستهتار الأولاد الآخرين ولا يفعل مثلهم».
ولو مررت على سبها سنة 1955 فلا بد أنك سترى القلعة التي تعود للعهد العثماني، من بعيد. وفي الجانب الآخر المدرسة المركزية التي تشبه الثكنة العسكرية. ومن الباب يدخل مجموعات من الطلاب يرتدون ثيابهم وعلى بعضها صدريات داكنة بينما الجرس يدق من الداخل. ويمكن أن ترى من هناك أبراج الاتصالات لقواعد الجيش الفرنسي من على بعد، وهو جيش تحارب معه القذافي فيما بعد في تشاد لسنوات.
ويضيف قذاف الدم وهو يتذكر فترة إقامة معمر في منزل أسرته: هو تعرف على شخصية عبد الناصر عندنا في البيت، من خلال المذياع.. كان المذياع في تلك الفترة شيئا نادرا وكان عبارة عن جهاز له صندوق خشبي كبير.. وبحكم أن والدي كان في مصر فكانت توجد لدينا في البيت أيضا صورة عبد الناصر معلقة على الجدار، وكان معمر يستمع لخطب تتحدث عن القضايا القومية والوطنية وثورة الجزائر وثورة مصر، حتى أثرت بشكل كبير في تكوينه وتكوين جيلنا كله تقريبا.
أمضى معمر نحو 5 سنوات في سبها.. كان منزل الأسرة يقع في المنطقة الأكثر تمدنا في إقليم فزان كله. كانت ليبيا مقسمة إلى 3 أقاليم إدارية.. إقليم فزان وتوجد فيه قواعد فرنسية، وإقليم برقة وتوجد فيه قواعد إنجليزية، وإقليم طرابلس وتوجد فيه قواعد أميركية وإيطالية.. «كانت ليبيا فقيرة، لكن سبها كانت الأفقر.. وهناك تقف القلعة وبجوارها المطار، وبعض المساكن الحديثة في ذلك الوقت، حيث كان الفرنسيون يسكنون بجوار مساكننا، وكانت من المساكن النادرة التي فيها كهرباء وثلاجة (مبرد) وكان لدينا سيارة.. كانت هذه المنطقة السكنية تبعد قليلا عن قلب سبها، لكن الآن بطبيعة الحال، اختلطت المدينة وامتدت حتى حدود القلعة نفسها».
ويقول إن والد معمر ووالدته وشقيقاته الـ3 أقاموا لديهم أيضا فترات من الوقت أثناء زيارتهم لسبها. فوالده كان يرعى إبله وأغنامه في بادية سرت، ككل البادية، و«في الصيف يتوجهون إلى الجنوب لأخذ التمر وبيع بعض السلع والتبادل بالمقايضة، وفي الشتاء، وهذا كان ديدنهم، يعودون إلى سرت لرعاية الأغنام والاستفادة من الأمطار التي تنزل في تلك المنطقة من الصحراء والوديان المحيطة بسرت، ويستفيدون من الربيع هناك».
ويلتقي أحمد قذاف الدم ومعمر القذافي، في درجة القرابة، عند الجد الثالث. ويقول ردا على سؤال حول ما أثير من لغط عن أن والدة معمر يهودية في السنوات الأخيرة من حكمه لليبيا، إنه كلام لا يستحق الرد عليه. وكان البعض من المتطرفين في ليبيا قد عدوا هذه القصة من مبررات الانتفاضة المسلحة على القذافي. ويضيف قذاف الدم: نحن بادية، ولا يستطيع أي أحد أن يخفي أي شيء داخل المجتمع البدوي.. فنحن لم نكن نعيش في مدينة أو في عمارات أو ناطحات سحاب بحيث لا يعرف أحدنا أحدا. والدة معمر، ووالده وعائلته، كلهم أقاربنا، ونعرفهم بالاسم ونعرف ما يقومون به. هذه طبيعة البادية.
ويتابع قائلا إنه عندما جاء إلى سبها في الخمسينات، لم نستقبل شخصا لا نعرفه أو عائلة لا نعرفها. كان معه والده ووالدته التي تعاملت معها وهي من قبيلة ليبية وكنت أراها وهي تصلي في البيت أوقات الصلاة.. كان معه أيضا شقيقاته الـ3. وكان لمعمر شقيقان أصغر منه، لكنهما توفيا في وقت مبكر، حتى قبل أن يولد، وذلك في أيام الحرب العالمية الثانية، حين اجتاحت ليبيا الأوبئة والأمراض التي كانت تقضي على آلاف الليبيين، ومات شقيقاه في ذلك الوقت من الحمى.
ولقبيلة القذاذفة انتشار في ليبيا بسبب الترحال والدراسة والتزاوج، وأسهم هذا في سهولة حركة معمر سواء حين انتقل للدراسة في مصراتة أو بنغازي، أو حتى حين كان يستكشف طرابلس وهو في المرحلة الثانوية.. وتعد منطقة غريان، في غرب البلاد، أول منطقة يستوطن فيها الجد الكبير لمعمر وللقذاذفة قبل نحو 600 سنة، وكان من ضمن العرب العائدين لشمال أفريقيا عقب سقوط الأندلس.. «وتزوج جدنا الكبير في غريان، وأنجب 5 أولاد أصبحوا فيما بعد سلالة قذاف الدم». وكان معمر يضع اعتبارا خاصا للتقاليد البدوية والقبلية، وهي من الخصائص التي يتميز بها أبناء البادية في سبها وسرت وغيرهما. وحين كان ينتقل إلى أسرته في الإجازة في بداية الربيع في سرت، لوحظ أن معمر لم يعد يرتدي الثوب البدوي كثيرا، كما كان يفعل في البداية، وأصبح يفضل البنطلون والجاكيت والبالطو الأسود.. أما إذا كان الجو حارا فكان يخلع الجاكيت ويتركه في الخيمة ويحمل البالطو على ذراعه، وحين يجلس على حافة الوادي يرى النوق بأعناقها الطويلة وهي تمضغ الشوك.. ففي أي شيء كان يفكر هذا الطالب وهو يختلي بنفسه هنا؟ وهل كان يتوقع أن يرى كل ما رآه في حياته بعد ذلك، بداية من حكم ليبيا سنة 1969. وحتى الإطاحة به وقتله في نفس هذا المكان سنة 2011، حيث النوق ما زالت كما هي، ترفع أعناقها تحت الشمس وتمضغ الشوك.
مع حلول المساء ينهض.. ويمشي بجسده النحيف ووجهه الضامر، حتى ينضم لرجال النجع أمام الخيمة. هنا يجتمع حول النار وفناجين الشاي تدور وسط رائحة الشيح، بينما مصابيح الكيروسين معلقة على عمود الخيمة. وبعد نصف نهار من الصمت، يختلي معمر بعدد من شبان النجوع لأنه لا يريد أن يترك مسقط رأسه دون خلايا تتبعه، وربما كان قد انتهى من تكوين عدة خلايا أخرى دون أن تعرف كل خلية عن الأخرى شيئا. ومع بداية العام الدراسي تبدأ رحلة السفر إلى الجنوب؛ سبها.
لم يكن المذياع والخطب وبعض الصحف وما تيسر من الكتب هي فقط التي تسببت في الوعي السياسي لتلاميذ وطلاب مدرسة سبها المركزية. كان هناك معلمو المدرسة نفسها، وغالبيتهم من المصريين وبعض الفلسطينيين القادمين من بلاد تعج بالمتغيرات السياسية والجغرافية.. ثورات وحروب وهزائم وغربة.
ويوضح قذاف الدم قائلا: ليبيا بعد الاستقلال اعتمدت كثيرا على مصر، ومعظم المعلمين الذين كانوا لدينا في الجنوب، وفي عموم ليبيا أيضا، مصريون.. وبسبب ثورة 1952 أصبح غالبيتهم رسلا يحملون على أكتافهم قضية التحرر من الاستعمار والوحدة العربية. كان لديهم احترام كبير لدى الناس وتأثير كبير على جيلنا في نشر الوعي.. «جيلنا عاش هذه المرحلة وهذا المخاض، ولهذا كان وعينا غير وعي الأجيال التي جاءت بعدنا».

الحلقة (5): سلمنا برنامجنا النووي للغرب كي نتجنب مؤامرة كبيرة ضدنا.. ولم نسدد مستحقات ضحايا لوكيربي بالكامل
الحلقة (4): تعاملت مع إخوان مصر بالحسنى فباعوني لإخوان ليبيا بملياري دولار
قذاف الدم يتذكر الحلقة (3): علاقتنا بفرنسا ظلت بين شد وجذب لسنوات بسبب أفريقيا.. و«سوء تفاهم» أفشل مصالحة بشار ومبارك في
الحلقة (2) قذاف الدم يتذكر: الحسن الثاني وضع مبارك والقذافي في غرفة وأغلق عليهما الباب لتسوية خلافاتهما
لحلقة (1): قذاف الدم يروي لـ«الشرق الأوسط» بداية التوتر بين السادات والقذافي.. واجتماع ميت أبو الكوم


انفراجة كبيرة بأزمة جوازات السفر في اليمن

انفراجة في الحصول على جواز السفر بعد سنوات من المعاناة (إعلام محلي)
انفراجة في الحصول على جواز السفر بعد سنوات من المعاناة (إعلام محلي)
TT

انفراجة كبيرة بأزمة جوازات السفر في اليمن

انفراجة في الحصول على جواز السفر بعد سنوات من المعاناة (إعلام محلي)
انفراجة في الحصول على جواز السفر بعد سنوات من المعاناة (إعلام محلي)

شهدت أزمة استخراج جوازات السفر في اليمن انفراجاً ملحوظاً بعد سنوات من التكدس والمعاناة، إثر إعلان مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية إنهاء معظم المعاملات المتراكمة في المحافظات المحرَّرة، بعدما كان المواطنون ينتظرون ما بين سبعة وثمانية أشهر للحصول على جواز السفر، وهو ما تسبب في حرمان آلاف اليمنيين من فرص الدراسة والعمل والعلاج والسفر.

وأكدت المصلحة وصول عدد من فروعها إلى ما يُعرف بـ«مرحلة المعاملة صفر»، في إشارة إلى إنهاء جميع الطلبات المتراكمة، باستثناء فرع محافظة تعز الذي لا يزال يشهد ضغطاً كبيراً وتأخراً في إصدار الجوازات.

ومع تولي اللواء طارق النسي رئاسة المصلحة، جرى توفير نحو ثلاثة ملايين دفتر جواز سفر؛ الأمر الذي ساعد على معالجة الاختناقات المتراكمة وتسريع وتيرة الإنجاز. كما أعلن مكتب المصلحة في العاصمة المؤقتة عدن الانتهاء من طباعة جميع طلبات الجوازات المتأخرة، بما فيها معاملات مضى على بعضها عدة أشهر.

وأفاد فرع مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية في مديرية خور مكسر بوصوله إلى «مرحلة المعاملة صفر»، بعد استكمال طباعة جميع معاملات جوازات السفر المتراكمة الخاصة بعام 2025، وحتى الشهر الحالي، في خطوة عكست تحسناً في مستوى الأداء وتسريع إنجاز الخدمات للمواطنين.

تزايد الإقبال وتأخر وصول الجوازات تسبب في تراكم المعاملات لنصف عام (إعلام محلي)

وأكد مدير الفرع، العميد صالح الحكمي، أن تسلم الجوازات أصبح متاحاً للمواطنين الذين استكملوا إجراءاتهم، مشيراً إلى أن المعاملات الجديدة يتم إنجازها خلال أيام معدودة وفق إجراءات قانونية وإدارية منظمة.

وأوضح أن قسم التسليم سيواصل عمله خلال إجازة عيد الأضحى على فترتين، صباحية ومسائية، بما يضمن استمرارية الخدمة وتسهيل حصول المواطنين على جوازاتهم دون تأخير.

إجراءات رقابية

شدد الحكمي على استمرار الإجراءات الصارمة لمكافحة التزوير والابتزاز، وإحالة المخالفين إلى الجهات المختصة، مؤكداً تخصيص قنوات رسمية لتلقي شكاوى المواطنين ومقترحاتهم عبر تطبيق «واتساب» والبريد الإلكتروني، في إطار تعزيز التواصل المباشر وتحسين جودة الخدمات.

وفي السياق نفسه، أعلنت جوازات الحديدة استكمال طباعة جميع الجوازات التي كانت بحوزتها قبل إجازة عيد الأضحى، مؤكدة خلو سجلاتها حالياً من أي معاملات متراكمة، ودعت المواطنين إلى الحضور لتسلم جوازاتهم.

كما أكد مكتب جوازات محافظة مأرب الانتهاء من طباعة جميع الجوازات الموجودة لديه قبل بدء إجازة العيد، فيما لم تُسجل أي تأخيرات في مكاتب المصلحة بساحل ووادي حضرموت ومحافظتي شبوة والمهرة، إضافة إلى مكتب جوازات المخا في الساحل الغربي.

استمرار معاناة تعز

في المقابل، أعلن فرع مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية في تعز استكمال طباعة جوازات السفر الخاصة بشهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بإجمالي 26 ألفاً و685 جوازاً، إضافة إلى تصفية جميع المعاملات العالقة الخاصة بالعام الماضي.

وأرجع الفرع أسباب التأخير إلى الكثافة الكبيرة والاستثنائية في أعداد المتقدمين للحصول على الجوازات، موضحاً أنه يستقبل أعداداً تفوق ما تستقبله بقية الفروع على مستوى البلاد؛ الأمر الذي أدى إلى تضخم حجم المعاملات، وأطال المدة الزمنية اللازمة للطباعة والإنجاز.

كثير من اليمنيين عانوا من استخراج جواز سفر في الوقت المناسب (إعلام حكومي)

وبحسب قيادة الفرع، فإن التأخير لم يكن نتيجة توقف أعمال الطباعة أو قصور في الأداء، بل بسبب الحجم الكبير للطلبات الواردة مقارنة ببقية الفروع، مع استمرار الجهود الرامية إلى تحسين مستوى الخدمة وتسريع الإجراءات.

ورغم ذلك، لا تزال شكاوى المواطنين تتصاعد في تعز بسبب استمرار التكدس وتأخر تسلم الجوازات؛ حيث أكد مواطنون أن التأخير تسبب في ضياع فرص دراسية ومنح تعليمية ووظائف خارج البلاد، فضلاً عن تعثر سفر مرضى ومسافرين اضطر بعضهم إلى الانتظار لأكثر من سبعة أشهر.

دعم حكومي

على وقع هذه التطورات، أشاد رئيس مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية في الحكومة اليمنية بالإجراءات التي اتخذها فرع عدن لمكافحة التزوير والابتزاز، مشدداً على ضرورة مواصلة تطبيق القانون بحزم وإحالة المخالفين إلى الجهات المختصة.

وخلال زيارته للفرع، أثنى اللواء طارق النسي على جهود الموظفين وروح الانضباط والمسؤولية التي أسهمت في رفع كفاءة الأداء وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، مؤكداً أن الكوادر الوطنية تمثل الركيزة الأساسية لتطوير العمل المؤسسي.

كما اطّلع على التجهيزات التقنية والإدارية في الفرع، مشيداً بخطط تحديث البنية التحتية التي تهدف إلى تسريع إجراءات إصدار الجوازات وتقليص الوقت والجهد على المواطنين، وضمان أعلى معايير الدقة والموثوقية في المعاملات.

تخصيص مكاتب لذوي الاحتياجات وكبار السن والمرضى (إعلام حكومي)

وكان رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية وشؤون المغتربين، شائع الزنداني، قد دعا إلى إحداث نقلة نوعية في مستوى الأداء المؤسسي وتعزيز مبادئ الشفافية والكفاءة، بما يسهم في تخفيف الأعباء عن المواطنين وتحسين مستوى الخدمات الحكومية.

ووجّه الزنداني بضرورة تعزيز التنسيق مع الجهات ذات العلاقة والتوسع في الخدمات الإلكترونية، بما ينسجم مع توجهات الحكومة نحو تحديث مؤسسات الدولة والارتقاء بالأداء الحكومي.

وخلال لقائه برئيس مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية، أكد الزنداني أهمية الدور الحيوي الذي تضطلع به المصلحة، مشدداً على حرص الحكومة على تقديم الدعم اللازم لتذليل الصعوبات، وتمكينها من أداء مهامها بكفاءة وفاعلية.

كما ناقش آلية العمل في قطاعات الهجرة والجوازات والإجراءات المتخذة لتحسين جودة الخدمات وتسهيل إنجاز معاملات المواطنين، خصوصاً ما يتعلق بإصدار الجوازات والوثائق الرسمية، إلى جانب جهود التحول الرقمي وتحديث البنية التحتية التقنية.


ارتفاع الأسعار يخنق فرحة العيد في مدينة تعز

أحد الأسواق الشعبية في مدينة تعز (أ.ف.ب)
أحد الأسواق الشعبية في مدينة تعز (أ.ف.ب)
TT

ارتفاع الأسعار يخنق فرحة العيد في مدينة تعز

أحد الأسواق الشعبية في مدينة تعز (أ.ف.ب)
أحد الأسواق الشعبية في مدينة تعز (أ.ف.ب)

لم يعد سكان محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب) يسألون بعضهم البعض كم يكسبون من الأجور، بل كم يوماً يستطيعون الصمود قبل أن تبتلع الأسعار مداخليهم، حيث الغلاء لم يعد أزمة معيشية عابرة، بل واقع يومي يعيد تشكيل الحياة التي يرسم الحرمان تفاصيلها، خصوصاً في الأعياد.

وشهدت الأسابيع الأخيرة ارتفاعاً كبيراً في أسعار عدد من السلع والمستلزمات العيدية، ما دفع العديد من العائلات إلى التراجع عن مساعيها لتأمين احتياجات العيد، في حين تؤكد السلطات المحلية أنها عملت على ضبط أسعار السلع الأساسية، وسط تأثيرات الأزمات العالمية والحرب على إيران.

ويشكو سكان تعز من زيادة أسعار الملابس في أسواق المحافظة، سواء في المدينة أو في الأرياف والبلدات المتوزعة على أطرافها المترامية، عن الأسعار في المحافظات المجاورة الواقعة تحت سيطرة الحكومة الشرعية.

يقول عبد الرحمن القليعة، مدير عام مكتب الصناعة والتجارة في تعز، لـ«الشرق الأوسط»، إن أسعار السلع الضرورية مستقرة نتيجة الرقابة الصارمة على الأسواق والمخزون السلعي، وينفي وجود فارق بينها وبين الأسعار في باقي المحافظات، معتبراً أنها في تعز أفضل، مقارنة بالوضع الخاص التي تعيشه المحافظة جراء الحصار والحرب، إلى جانب وعورة الطرق وارتفاع تكاليف النقل.

الحصار الحوثي على تعز يعقد حركة النقل والتنقل ويضاعف أسعار السلع (أ.ف.ب)

ولفت إلى أن استمرار تبعات الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تسبب في ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف النقل والتأمين وندرة تدفق السلع وتوقف الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما يؤثر على الأسعار في عموم البلاد.

وعدّ نزوح معظم التجار والمستثمرين من المحافظة، وعودة أعداد كبيرة من السكان إليها، من أسباب تشكل عبء استهلاكي كبير، إلى جانب الكثافة السكانية التي تتميز بها المحافظة، وكل ذلك لم يدخلها في أزمات كغيرها من المحافظات الأخرى.

ولم يؤدِ تحسن العملة المحلية منذ صيف العام الماضي إلى تراجع الأسعار، إلا على نطاق محدود طبقاً لشهادات السكان والباعة.

التسوق من عدن

لم تتراجع أسعار الملابس، خصوصاً ملابس الأطفال كثيراً، برغم التحسن الذي عاشته العملة المحلية منذ نحو العام، وتتزايد الشكاوى في الأوساط التجارية من تكاليف التشغيل والجبايات والطاقة.

الباعة الجوالون في اليمن يوفرون ملابس رخيصة للمستهلكين (الشرق الأوسط)

ولجأت أماني محمد، وهي موظفة عمومية وربة منزل، إلى تحويل 100 ألف ريال يمني (65 دولاراً، حيث سعر الدولار يساوي 1558 ريالاً) إلى شقيقتها المقيمة في العاصمة المؤقتة عدن لشراء ملابس لطفليها، على أن تقوم شقيقتها بإرسالها إليها رفقة سيارات نقل الركاب، بسبب فوارق الأسعار الكبيرة بين المدينتين.

وتبين محمد لـ«الشرق الأوسط» أن ذلك المبلغ لم يكن يكفي لشراء ملابس العيد للطفلين، وهما ولد وبنت، حيث وجدت، بعد عدة جولات في أسواق المدينة، أنها ستحتاج إلى ما يوازي 100 دولار أو أكثر.

وتصل غالبية السلع المستوردة، بما فيها الملابس، عبر ميناء عدن، ويجري نقلها إلى باقي المحافظات في طرق طويلة، تمتد على جغرافيا معقدة، وتزيد ظروف الحرب والحصار الذي تفرضه الجماعة الحوثية من صعوبات النقل وتكلفته.

امرأة تتجول في أحد أسواق مدينة تعز حيث الغلاء يخنق القدرة الشرائية للسكان (أ.ف.ب)

ومنذ أشهر بدأت عدد من العائلات العودة إلى الوسيلة نفسها، حيث ينتقل العديد من أرباب وربات البيوت، خصوصاً في المناطق الجنوبية من المحافظة، إلى عدن للتسوق والعودة في اليوم نفسه أو اليوم التالي.

ويلقي غالبية التجار والباعة في تعز، وإلى جانبهم مسؤولون محليون، باللائمة على عدد من العوامل والظروف المحلية والإقليمية والدولية التي يرون أنها تسببت في رفع تكلفة وصول مختلف السلع.

واشتكى عدد من التجار في مركز المحافظة من استمرار الجبايات غير القانونية في نقاط التفتيش المنتشرة على طول الطريق بين عدن وتعز، التي لم تفلح الأوامر والتوجيهات الرسمية في إيقافها سوى على نطاق محدود.

الجبايات غير القانونية تضاعف من تكلفة السلع وتزيد الأعباء على السكان في تعز (فيسبوك)

وأقر معاذ محمد، وهو تاجر ملابس يملك محلات في عدد من محافظات البلاد، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، بوجود فوارق كبيرة في الأسعار بين مدينتي عدن وتعز بسبب تلك الجبايات، حيث يفرض أفراد تلك النقاط مبالغ متفاوتة على كل حمولة، وهو ما يجري تحميله لاحقاً على أسعار السلع في نقاط البيع الأخيرة.

جبايات بلا رقابة

لم تجد التوجيهات الرئاسية والحكومية بإيقاف الجبايات غير القانونية في نقاط التفتيش على الطرق المؤدية من وإلى العاصمة المؤقتة عدن، طريقها للنفاذ في محافظة تعز، بعد أن تمكنت السلطات في عدد من المحافظات المجاورة من تنفيذها خلال الأسابيع الماضية.

وأقرّ مصدر أمني في مدينة التربة، الواقعة جنوب المحافظة على الطريق بين عدن وتعز، لـ«الشرق الأوسط»، باستمرار الجبايات غير القانونية برغم كل التوجيهات بإيقافها، ملمحاً إلى وجود تعقيدات كثيرة تقف أمام تنفيذ تلك التوجيهات.

مسؤولون محليون في تعز خلال جولة لتفقد إجراءات الرقابة على الأسعار (إعلام حكومي)

وطبقاً للمصدر الذي رفض الكشف عن هويته، فإن إيقاف تلك الجبايات يقتضي تعاوناً بين مختلف السلطات الأمنية والتنفيذية، مع تحسين وانتظام رواتب أفراد الأمن، إلى جانب توحيد القرار الأمني في مختلف المحافظات التي تسيطر عليها الحكومة الشرعية.

بالعودة إلى عبد الرحمن القليعة، المسؤول التمويني في تعز، فإن التنسيق بين مكتب الصناعة والتجارة والجهات الأمنية والعسكرية في نقاط التفتيش «ينحصر فقط في دعم وتمكين مندوبي المكتب من تفتيش البضاعة في المنافذ»، والحصول على نسخ من فواتير ملاك البضائع، حيث لا سلطة للمكتب على نقاط التفتيش.

وبعد دخول ناقلات البضائع محافظة تعز، تمر عبر أكثر من خمس نقاط تفتيش قبل وصولها إلى المدينة، وتتفاوت الجبايات المفروضة فيها بحسب حجم المركبة وحمولتها، ويقول بعض السائقين إن مزاج أفراد النقطة وأعدادهم يحدد أيضاً المبلغ الذي يفرضونه عليهم.


هادي واليمن... وداع أعقب مساراً حافلاً بالتحوّلات

الرئيس اليمني السابق خلال خطابه أمام الاجتماع السنوي للأمم المتحدة (الأمم للمتحدة)
الرئيس اليمني السابق خلال خطابه أمام الاجتماع السنوي للأمم المتحدة (الأمم للمتحدة)
TT

هادي واليمن... وداع أعقب مساراً حافلاً بالتحوّلات

الرئيس اليمني السابق خلال خطابه أمام الاجتماع السنوي للأمم المتحدة (الأمم للمتحدة)
الرئيس اليمني السابق خلال خطابه أمام الاجتماع السنوي للأمم المتحدة (الأمم للمتحدة)

رحل الرئيس اليمني السابق المشير عبد ربه منصور هادي، الخميس، في العاصمة السعودية الرياض عن عمر ناهز 81 عاماً، وبذلك يطوي اليمن أحدَ أعقد فصوله السياسية والعسكرية منذ قيام الوحدة عام 1990؛ إذ يغيب الرجل الذي ارتبط اسمه بالمرحلة الانتقالية، والحوار الوطني، ثم الحرب الممتدة التي اندلعت عقب انقلاب الحوثيين على الدولة في أواخر 2014.

لم يكن هادي قائداً صدامياً أو خطيباً شعبوياً، بل ظهر طيلة مسيرته بوصفه رجل المؤسسة الهادئ، الذي فضل العمل بصمت، وتجنب المواجهات الحادة، حتى وهو في قلب أخطر الأزمات في تاريخ اليمن الحديث؛ مما جعله بين رؤيتين، فهناك من يراه شخصية توافقية جنبت البلاد انهيارات أكبر، وهناك من يحمله مسؤولية التراخي أمام تمدد الحوثيين وسقوط معظم مناطق شمال البلاد.

وُلد عبد ربه منصور هادي في 1 سبتمبر (أيلول) 1945 بقرية ذكين التابعة لمديرية الوضيع بمحافظة أبين جنوب اليمن، ونشأ في بيئة ريفية بسيطة قبل أن يتجه مبكراً إلى الحياة العسكرية.

تلقى تعليمه العسكري في عدد من الأكاديميات الخارجية، أبرزها «أكاديمية ساندهيرست» العسكرية الملكية في بريطانيا التي تخرج فيها عام 1966، كما حصل على دراسات عليا عسكرية في «أكاديمية ناصر» بمصر، ودورات تخصصية في الاتحاد السوفياتي السابق.

الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي يغادر الحياة بعد تاريخ حافل (إعلام حكومي)

تدرج هادي في المناصب العسكرية داخل جيش جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (جنوب اليمن سابقاً)، وتولى مواقع قيادية في سلاح المدرعات، قبل أن تشكل أحداث يناير (كانون الثاني) 1986 الدامية نقطة التحول الأبرز في حياته السياسية والعسكرية.

فبعد خسارة جناح الرئيس الجنوبي السابق علي ناصر محمد في تلك المواجهات، غادر هادي إلى صنعاء مع آلاف العسكريين الجنوبيين، ليبدأ مرحلة جديدة داخل الدولة اليمنية الشمالية، قبل قيام الوحدة بين الشطرين عام 1990.

برز اسم هادي بصورة أوضح خلال حرب صيف 1994، حين عينه الرئيس الراحل علي عبد الله صالح وزيراً للدفاع في مواجهة محاولة الانفصال التي قادها نائب الرئيس حينها الراحل علي سالم البيض.

وبعد انتهاء الحرب وتثبيت الوحدة، اختاره صالح نائباً لرئيس الجمهورية في أكتوبر (تشرين الأول) 1994، ليبقى في المنصب نحو 18 عاماً، في إحدى أطول فترات شغل منصب نائب الرئيس في تاريخ اليمن.

خلال تلك السنوات، عُرف هادي بأنه «الرجل الصامت» داخل السلطة؛ إذ نادراً ما دخل في صراعات مراكز النفوذ، أو ظهر طرفاً في التنافسات القبلية والعسكرية التي أحاطت بالرئيس صالح. كما حافظ على صورة المسؤول الإداري والعسكري المنضبط؛ الأمر الذي جعله مقبولاً لدى أطراف داخلية وخارجية بوصفه شخصية غير صدامية.

رئيس المرحلة الانتقالية

مع اندلاع احتجاجات عام 2011 ضد حكم صالح، دخل اليمن مرحلة سياسية شديدة الاضطراب، انتهت بتوقيع «المبادرة الخليجية» التي نقلت السلطة إلى هادي بوصفه رئيساً توافقياً للمرحلة الانتقالية.

وفي فبراير (شباط) 2012، انتُخب هادي رئيساً توافقياً لليمن بدعم محلي وإقليمي ودولي واسع، وسط آمال بإنقاذ البلاد من الانهيار، وإعادة بناء الدولة على أسس جديدة.

وتمثلت أبرز محطات عهده المبكرة في رعايته «مؤتمر الحوار الوطني الشامل» بين 2013 و2014، وهو المؤتمر الذي جمع مختلف القوى السياسية والمجتمعية، بمن فيهم الحوثيون والحراك الجنوبي؛ بهدف صياغة مشروع دولة اتحادية حديثة.

وعدّ كثير من اليمنيين آنذاك «الحوار الوطني» فرصةً تاريخية لإنهاء الصراعات المزمنة والتأسيس لدولة جديدة، غير أن الأحداث اللاحقة دفعت البلاد إلى مسار مغاير تماماً، حيث اجتاح الحوثيون في سبتمبر (أيلول) 2014 العاصمة صنعاء وسيطروا على مؤسسات الدولة، قبل أن يفرضوا الإقامة الجبرية على الرئيس هادي.

الرئيس اليمني الراحل عبد ربه منصور هادي (إعلام حكومي)

ورغم تقديمه استقالته تحت الضغط، فإن هادي تمكن في فبراير (شباط) 2015 من الفرار إلى عدن، وأعلن تمسكه بشرعيته الدستورية، قبل أن تتوسع الهجمات الحوثية وتدفعه لاحقاً إلى الانتقال للرياض.

ومن العاصمة السعودية، قاد هادي السلطة الشرعية المعترف بها دولياً طيلة سنوات الحرب، مستنداً إلى دعم واسع من التحالف العربي بقيادة السعودية، وإلى غطاء سياسي وقانوني وفره قرار مجلس الأمن الدولي «2216».

وخلال تلك السنوات، احتفظت حكومته باعتراف الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، وظل يمثل اليمن في المحافل الدولية رغم فقدان سلطته الفعلية على العاصمة المختطفة صنعاء وأجزاء واسعة من شمال البلاد.

جدل بشأن شخصيته وأدائه

أثارت شخصية هادي وأسلوبه في الحكم انقساماً واسعاً بين اليمنيين والمراقبين. فمنتقدوه رأوا أن طبيعته الهادئة، وميله إلى التريث، أضعفا مؤسسات الدولة في لحظات مصيرية، وأن بطء قراراته سمح للحوثيين بالتمدد والسيطرة على صنعاء. كما وُجهت إليه انتقادات تتعلق باعتماده على شبكات نفوذ حزبية وقبلية لم تنجح في حسم المعركة.

في المقابل، يرى مؤيدوه أن الرجل تسلم بلداً منهكاً وجيشاً منقسماً، وأنه واجه مشروعاً مسلحاً مدعوماً إقليمياً وسط ظروف جد استثنائية، ويرى هؤلاء أن هادي نجح في الحفاظ على الشرعية القانونية للدولة اليمنية، ومنع سقوطها الكامل في العزلة الدولية.

كما يشير مقربون منه إلى أن تمسكه بخيار الحوار والتوافق لم يكن ضعفاً، بل قناعة سياسية جنبت اليمن حروباً أوسع في المراحل الأولى من الأزمة.

اليمنيون انقسموا بشأن هادي بين مؤيد جهوده ومنتقد طريقة قيادته البلاد (أ.ف.ب)

حظي هادي طيلة فترة حكمه بدعم إقليمي ودولي استثنائي؛ إذ تبنت دول الخليج، وفي مقدمها السعودية، مسار انتقال السلطة في اليمن عبر المبادرة الخليجية.

كما تحول بعد انقلاب الحوثيين عنواناً للشرعية اليمنية الوحيدة المعترف بها دولياً، وحصل على دعم سياسي وعسكري واسع من التحالف العربي، إضافة إلى مساندة من الولايات المتحدة والدول الأوروبية.

واحتفظ اليمن خلال سنوات الحرب بمقعده في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية باسم حكومة هادي، وهو ما عُدّ أحد أبرز إنجازاته السياسية، خصوصاً في ظل مساعي الحوثيين للحصول على اعتراف دولي.

مغادرة السلطة بهدوء

في أبريل (نيسان) 2022، أعلن هادي نقل كامل صلاحياته إلى مجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي، في خطوة عدّها كثيرون تحولاً مفصلياً داخل معسكر الشرعية.

وجاء القرار عقب مشاورات يمنية - يمنية استضافتها الرياض، وسط ضغوط لإعادة ترتيب القوى المناهضة للحوثيين، وتوحيد مكوناتها السياسية والعسكرية.

ولقيت الخطوة ترحيباً إقليمياً ودولياً واسعاً، بوصفها انتقالاً سلمياً ومنظماً للسلطة، بينما اختار هادي الابتعاد عن المشهد السياسي بصورة شبه كاملة خلال سنواته الأخيرة.

الرئيس اليمني السابق هادي رحل بهدوء بعد 4 سنوات من تسليمه قيادة الشرعية (رويترز)

وأعلنت الرئاسة اليمنية، الخميس، وفاة هادي بعد معاناة صحية، مشيدة بما وصفتها بـ«مواقفه الوطنية» ودوره في الحفاظ على الشرعية ووحدة اليمن.

وبرحيله، يغيب آخر رئيس قاد اليمن الموحد في ظل الاعتراف الدولي الكامل قبل تشظي مؤسسات الدولة والحرب المفتوحة التي فجرها الحوثيون المدعومون من إيران، تاركاً وراءه إرثاً سياسياً وعسكرياً سيظل محل نقاش طويل بين اليمنيين.

فالرجل الذي جاء إلى السلطة بوصفه «مرشح التوافق» وجد نفسه يقود بلداً ينهار تحت وطأة الانقسامات والانقلاب الحوثي، وظل حتى لحظة مغادرته الحكم متمسكاً بشرعية الدولة، قبل أن يرحل بهدوء، مسدلاً الستار على فصل بالغ التعقيد من تاريخ اليمن المعاصر.

اقرأ أيضاً