أدونيس يراهن على دور البطل الفرد في تغيير الواقع ويعيد الشعراء إلى «الجمهورية»

لم يكفّ عن خلخلة الثوابت وتقويض المفاهيم والانقلاب على السائد وهو على مشارف التسعين

أدونيس
أدونيس
TT

أدونيس يراهن على دور البطل الفرد في تغيير الواقع ويعيد الشعراء إلى «الجمهورية»

أدونيس
أدونيس

«ويقولون: هذا غموضٌ \ ويقولون غيبٌ \ غيّبي كلماتي \ غيّبي خطواتي \ واجمحي وخذيني \ أيها الشهوة الملَكيّه \ إن رأيتَ على مدخل الجامعه \ نجمة، خذ يديها \ إن رأيتِ على مدخل الجامعه \ كوكباً عانقيه.. \ وكتبْنا على مدخل الجامعه: \ التواريخ تنهارُ، والنار تطغى...».
لم أجد، وأنا أبحث جاهداً عن مفتتح مناسب للكلام عن أدونيس، أفضل من هذا النص الشعري المقتطع من قصيدة له كتبها في منتصف سبعينات القرن الماضي تحت عنوان «أول الاجتياح». والواقع أن هذا الاختيار لا يعود فقط إلى قدرة النص على اختزال الكثير من وجوه التجربة الشعرية الأدونيسية التي تقف دائماً على مفترقات الثنائيات الضدية، حيث يتواجه الوضوح والغموض، الرماد واللهب، الحب والموت، بل لأن في هذا النص بالذات ما يربطني على المستوى الإنساني والإبداعي، ويربط زملاء وزميلات كثراً، بصاحب «أغاني مهيار الدمشقي» الذي تتلمذنا عليه في كلية التربية في الجامعة اللبنانية، قبيل اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية بقليل. ففي هذا النص ما يعكس ذات الشاعر العميقة والممتدة خارج نفسه والمنقلبة على التراتبية المألوفة للعلاقة بين الأستاذ وطلابه، لتتحول إلى صرخة عاتية في وجه البطالة الفكرية والتصحر الأكاديمي، وإلى دعوة مفتوحة لإقامة الصداقة واقتراف الحب وتحرير الجسد من قيوده. لم يكن اسم أدونيس مجهولاً لدينا، نحن طلاب قسم اللغة العربية وآدابها، حين تم إبلاغنا آنذاك بأنه سيدرّسنا مادة الأدب الحديث. وكنا بالطبع تواقين إلى التعرف عن كثب إلى الشاعر الذي تمكن منذ اللحظة الأولى أن ينقلنا من طور إلى طور، ومن ذائقة إلى ذائقة، ومن زمن إلى زمن. وكانت العلاقة معه لا تقتصر على غرفة الصف، بل تتدرج امتداداتها من كافيتريا الكلية وأروقتها، إلى متابعتنا أنشطته وأمسياته، وإلى جلسات الحوار في مقاهي المدينة المختلفة. كما فتح لنا، نحن طلابه اليافعين والممسوسين بلوثة الكتابة، صفحات مجلة «مواقف» التي كان أسسها بعد توقف مجلة «شعر» عن الصدور لكي تحتضن انطلاقتنا المبكرة على طريق الكتابة الشاقة. وحيث لم يكن سدنة المؤسسات الرسمية المحنطة وحراس هيكل البلادة ليستسيغوا حضور الشاعر الشاهق ومكانته في قلوب طلابه، فقد قرروا الطعن في شرعيته، بدعوى عدم حصوله على شهادة الدكتوراه التي تخوله التدريس في الجامعة؛ الأمر الذي حمله على تحويل كتابه القيم «الثابت والمتحول» إلى أطروحة جامعية استثنائية، مكّنته إثر مناقشتها في الجامعة اليسوعية في بيروت من الحصول على رتبة الشرف العليا.
لم تكن تلك الحادثة منبتّة بالطبع عن السياق الطبيعي لحياة الشاعر ومواقفه الرافضة للتدجين على مستويات السياسة والفكر والنص الإبداعي. وإذا كان أدونيس يرى في شخصية أبيه الراحل النموذج الأسمى الذي رسخ في داخله فكرة الحرية والحرص على رفض التبعية للحاكم، فإن تجربته ومفهومه للشعر كانا منذ بواكيره يجدان تربتهما الملائمة في معتقدات بيئته الدينية الخارجة عن النص الرسمي والتي تجد ظهيرها الأمثل في التصوف والتأويل والتنقيب عن المعنى، بما يدفع النص الشعري إلى حدوده القصوى، ويجعل من جدل الباطن والظاهر الوجه الآخر للجدل المماثل بين المرئي واللامرئي، كما بين الحقيقة والمجاز. وإذا كانت المصادفة قد لعبت دوراً كبيراً في حياة أدونيس، كالدقائق الخمس الفاصلة بين التحاقه بالخدمة العسكرية في بلاده أواخر الأربعينات وبين فراره إلى بيروت، فإن مصادفة أخرى سابقة هي التي جعلت الرئيس السوري الأسبق شكري القوتلي يستمع إلى قصيدته المدحية خلال مهرجان سياسي، ويقرر بالتالي إلحاقه على حساب الدولة بمدرسة اللاييك الفرنسية في طرطوس. وهو ما أتاح له أن يقرأ بشكل مبكر نتاجات بودلير، ورامبو، ونيتشه، ودو نيرفال من جهة، في حين كان من الجهة الأخرى يغوص في أعماق التراث العربي والمشرقي بكل جوانبه ومفارقاته وتناقضاته الضدية؛ مما وفر له الشروط الملائمة لإخراج الشعر من دائرة الانفعال العاطفي والغنائية الرخوة والمهارة الوصفية، وتحويله إلى مشروع رؤيوي يسهم في تقويض المفاهيم والبنى السائدة وإعادة صياغتها من جديد. وإذ رأى صاحب «أوراق في الريح» بأن الشعر في عمقه هو بمثابة إعادة تسمية للأشياء والكائنات، فهو قد بدا متململاً حتى من اسمه بالذات، فاستبدل اسم علي أحمد سعيد باسم جديد هو أدونيس، الذي بدا محلاً للتقاطع الواضح بين أناه العقائدية الجمعية، وهو الذي انتمى للحزب السوري القومي آنذاك، وبين الأنا الفردية التي بتماهيها مع الأصل الأسطوري كانت تعمل بضراوة على استيلاد أسطورتها الموازية من رحم المغامرة الإبداعية والصراع على حافة الموت مع الخنزير الآخر المتمثل بالجهل والظلم والفكر المتخثر والمؤسسات البالية. وإذا كان انضمام أدونيس إلى أسرة مجلة «شعر» التي أسسها يوسف الخال في النصف الثاني من خمسينات القرن الماضي قد عكس توقه الملح إلى البحث عن أفق مغاير للشعرية العربية التقليدية التي تخثرت مع الزمن، فإن تأسيسه مجلة «مواقف» فيما بعد بدا ترجمة ملموسة لمشروعه الفكري الأوسع الذي أراد من خلاله الانتصار للحرية بمستوياتها الثقافية والفكرية والسياسية، وتحديث البنى الفكرية والمعرفية العربية بعد إعمال النقد الجريء في أسسها وثوابتها الراسخة.
على المستوى الشعري بدت التجربة الأدونيسية منذ «قصائد أولى» مختلفة عن سواها، لا من حيث الأدوات الفنية والجمالية فحسب، بل من حيث النظر إلى الشعر بوصفه مساءلة للوجود ومشروعاً لتغيير العالم واستيلاداً للذات من رحم المكابدات الداخلية والصراع مع اللغة. ولعل قصيدة «الفراغ» المنشورة في مجموعة الشاعر الثانية «أوراق في الريح» كانت إعلاناً صريحاً عن عقم الواقع العربي الذي آلت محاولاته النهضوية إلى فشل محقق بفعل فساد التربة الفكرية والاجتماعية الحاضنة لها، وهو ما عبر عنه خليل حاوي لاحقاً عبر قصيدته الأشهر «لعازر 1962»، إلا أن الطبيعة الجدلية للرؤية الأدونيسية كانت تعصمه من اليأس وتدفعه باستمرار إلى المراهنة على عناصر القوة المختزنة في دواخل البشر الرافضين. على أن قراءة معمقة لتجربة أدونيس في مراحلها المختلفة تتيح لنا أن نلاحظ رهانه القوي على دور البطل الفرد في تغيير الواقع الآسن والانشقاق عليه. صحيح أن رهان الشاعر على التغيير قد تمثل تاريخياً عبر حركات وظواهر فكرية وثقافية وسياسية جمعية كالصعاليك والمعتزلة والقرامطة والزنج وغيرهم، إلا أنه في الآن ذاته لم يكف يوماً عن الاحتفاء بالمغامرين الكبار الذين يصرون على الانعطاف باللغة والفكر والعالم نحو مآلات أفضل، حتى لو أدى الأمر ببعضهم إلى النفي والاضطهاد وصولاً إلى الاستشهاد. وإذا كان أدونيس قد وجد في الكثير من رموز التراث المتباعدة أقنعة له ومحوراً لقصائده، كما هو شأن إسماعيل، وعروة بن الورد، وعبد الرحمن الداخل، وبشار بن برد، والحلاج، والسهروردي، وأبي تمام، وأبي نواس، والمتنبي، فهو قد اجترح من عندياته رموزاً لاختراق السائد مثل البهلول والمجنون، أو رموزاً تاريخية معدلة، مثل مهيار الدمشقي الذي «خانه عاشقوه \ والذي يرفض الغمامه \ تاركاً وجهه علامه \ فوق وجه الفصول». وهو إذ ينتقل بصوته الرافض من مجموعة إلى أخرى، يتحول في «المسرح والمرايا» إلى شرارة أخيرة في موقد التاريخ الهامد «سقطتْ مناديل الفضاء بشارة تلد البشاره \ لم يبق إلا عابرٌ شربتْ ملامحه الجسورْ \ هو مرة نجمٌ يشفّ ومرة نجمٌ يغورْ \ لم يبق من تيه الطريق سوى الطريق، سوى الشراره».
ليس ثمة من سبيل إلى السكون أو الاستكانة أو الركون إلى حقيقة ثابتة في شعر أدونيس. الحقيقة الوحيدة الثابتة عنده، وبتأثير من هيرقليطس، هي التحول المستمر والحركة التي لا تهدأ. ومع أن أرض كتابته تراجيدية بامتياز، حيث لم يفلح في ظل غياب الحرية وتعطيل العقل أي مشروع نهضوي، فإن ذلك لم يفض به إلى الاستسلام بل راح، متأثراً بنيتشه وجبران، ينقب عما يختزنه في أحشائه من عصف روحي ومساحات للمغايرة والتجدد. وهو إذ يعلن في «مقدمة لتاريخ ملوك الطوائف»، المهداة إلى جمال عبد الناصر، «جاء العصف الجميل ولم يأن الخراب الجميل»، يخاطب هذا الأخير بقوله «كنتَ كالآخرين ارفضِ الآخرين \ بدأوا من هناك ابتدئ من هنا \ من أنين الشوارع من ريحها الخانقة \ وابتدئ من هنا \ حول طفل يموت \ حول بيت تهدّم فاستعمرته البيوت».
وفي قصيدة «هذا هو اسمي» يرى بأن اسمه الحقيقي هو «لغم الحضارة»، وأن لا قيمة للاسم إذا لم يحوّله المسمى إلى طاقة سحرية فاعلة ورمز للصيرورة والتحول، حيث «علي لهبٌ \ ساحرٌ مشتعلٌ في كل ماءْ». وهو ما يعيدنا إلى صلب المنظور الأدونيسي للشعر الذي لا يرى في هذا الفن تصريفاً لفائض العاطفة، أو مجرد تفاعل رومانسي مع الوقائع والأحداث، أو حتى انكباب مفرط على تفاصيل لا طائل منها، ولا مشروعاً لتغيير اللغة وإنقاذها من تعنت النحاة فحسب، بل يرى فيه مشروعاً لتغيير العالم ووضْع الحياة عند التخوم الأخيرة للمغامرة والابتكار. ولأن الشعر هو بمثابة تاريخ آخر في قلب التاريخ، لا بل إن أدونيس قد ذهب إلى أبعد من ذلك في ثلاثيته الشهيرة «الكتاب»، التي تماهى من خلالها مع شخصية المتنبي، حيث رأى في الشعر تكريساً لسلطة اللغة بدلاً من لغة السلطة، وتاريخاً آخر يرسم المبدعون المتنورون تضاريسه الخلاقة بمحاذاة التاريخ الرسمي الممهور بالكذب والمضرج بالدم. ولعل هذا الإعلاء الاستثنائي لمعنى الشعر يضع أدونيس على الضفة المقابلة لأفلاطون، الذي أراد أن يطرد الشعراء من جمهوريته بدعوى كونهم متبطلين وهامشيين ومزورين للحقيقة.
على أن أدونيس المنقلب على المفاهيم ونظام القيم والأفكار المعلبة، لم يربط الحداثة بالتأخر الزمني ولم يرها رديفاً للمعاصرة، بل ربطها بالمغايرة والتجديد، حيث لا فرق بين شاعر جاهلي وشاعر معاصر إلا بالفرادة والابتكار، وهو ما أكدته بوضوح المختارات النادرة التي جمعها بنفسه تحت عنوان «ديوان الشعر العربي». وفي تجربته الشخصية لم يربط الحداثة بالشكل وحده، بل بالرؤيا والمقاربة والمشروع، بدليل أنه آلف عبر تجربته المديدة بين قصيدة الشطرين وقصيدتي التفعيلة والنثر. وهو لم ينقلب على الركائز الأولية للغة العرب، ولم يقوّض أسس النحو العربي بحجة تفجير اللغة أو تمجيد الركاكة، كما فعل البعض. لا، بل إن اللغة الأدونيسية هي من زاوية ما لغة «نبوية» حاسمة النبرة ومحْكمة الصياغة تتصادى مع بعض فصول العهد القديم ومع الروح العاتية لكل من نيتشه وجبران. وهي تتصادى، من زاوية عصبها الذكوري المتوتر والمشدود، مع سلالة الشعراء «الفحوليين» من أمثال امرئ القيس، وأبي تمام، والمتنبي، وسعيد عقل، في مقابل سلالة العصب «الأنثوي» ذي المنسوب العاطفي المرتفع والليونة الإيقاعية المترعة بالشجن، كما هو حال أبي فراس الحمداني وبدر شاكر السياب، وصولاً إلى محمود درويش. على أن ذكورية العصب التعبيري عند الشاعر لا علاقة لها على الإطلاق بذكورية القيم والمفاهيم البطريركية والأبوية، بل هي محاورة للأنوثة على القمة الموازية، ومن موقع الشغف والافتتان القصووي. وهو ما تعكسه بوضوح قصيدته الفريدة «تحولات العاشق» التي تؤالف بين النزوع الشبقي الشهواني وبين الالتحام الصوفي بالمرأة المعشوقة.
وإذا كان أدونيس قد استشهد بقولة القديس بالاماس «الجسد قبة الروح»؛ فلأنه كان ينتصر للجسد الشبقي والجمالي، واللغوي تالياً، في مواجهة الجسد الديني والأفلاطوني الذي يراوح بين الدنس والخطيئة والغياب. وهذه المزاوجة بين شبقية الحب وشبقية التعبير، أو ثنائية المرأة اللغة، تتكرر في غير عمل من أعمال الشاعر، وخصوصاً في «مفرد بصيغة الجمع»، حيث نقرأ: «أمحوكِ أيتها الشهوة \ أكتشفكِ \ أسمع للحوض صهيل الأفراس \ أسمع للسرة امتداد السهوب \ ألمس القحف والقلب \ نبض العظم \ وحوحة الشرايين.. \ اتركي لجسدي أن يَثْبت على الورق».



قرار «إزالة» مقبرة علي مبارك يعيد جدل هدم المدافن التاريخية في مصر

مدفن علي باشا مبارك من الداخل (تصوير الباحث إبراهيم طايع)
مدفن علي باشا مبارك من الداخل (تصوير الباحث إبراهيم طايع)
TT

قرار «إزالة» مقبرة علي مبارك يعيد جدل هدم المدافن التاريخية في مصر

مدفن علي باشا مبارك من الداخل (تصوير الباحث إبراهيم طايع)
مدفن علي باشا مبارك من الداخل (تصوير الباحث إبراهيم طايع)

جدَّد قرار إزالة مدفن «أبو التعليم المصري» وصاحب موسوعة «الخطط التوفيقية»، علي باشا مبارك، الجدلَ حول عمليات هدم المدافن التاريخية في مصر، بوصفها جزءاً من تاريخ البلاد وتراثها الحديث.

وقال جابر رمضان، حفيد علي باشا مبارك، إن العائلة تسعى إلى إلغاء قرار الهدم، أسوة بما حدث في قضية مقبرة القارئ الشيخ محمد رفعت، مشيراً إلى أن الإبقاء على المقبرة، رغم أعمال التوسعة ورصف الطريق التي شهدتها المنطقة، لن يؤثر في شيء، ولن يشكل عائقاً أمام تحسين المظهر العام هناك.

وأضاف رمضان، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن «المقبرة ليست مجرد مجموعة من الأحجار أو حوائط يمكن هدمها وينتهي الأمر، بل إنها تخص رمزاً من رموز تاريخ مصر الحديث، كان له دور مهم في تخطيط القاهرة ورسم شوارعها، فضلاً عن موسوعته المهمة (الخطط التوفيقية)، التي تُعد أعجوبة من عجائب التأليف».

المقبرة من الخارج بجوار مسجد السيدة نفيسة (تصوير الباحث إبراهيم طايع)

وقال حفيد «أبو التعليم المصري» إن قرار إزالة مدفن جده صدر قبل نحو 4 سنوات، لكن السلطات عدلت عنه بعد إجراء اتصالات عديدة مع المسؤولين، مضيفاً: «شعرنا بالاطمئنان بعد أن جرى رصف الشارع أمام المدفن، لكننا فوجئنا أخيراً بصدور قرار جديد بالإزالة، بعدما وضع موظفو محافظة القاهرة رقماً جديداً على جدرانه، يشير إلى قرار الهدم، وهو ما لا نوافق عليه».

وأوضح رمضان أن مطالب العائلة تتمثل في الحفاظ على مدفن الجد؛ لما يمثله من قيمة تاريخية، مشيراً إلى أن الإبقاء عليه يُعد تكريماً له، وتقديراً لما قدمه من أعمال مهمة. وأضاف: «نحن لا نريد مدفناً جديداً تعويضاً عنه، بل نريد الحفاظ على رفات جدي في المكان الذي اختاره بنفسه؛ فهو من بنى المدفن واختار تصميمه، وكان مهندساً كبيراً، كما أنه صاحب إسهامات مهمة، منها اختيار التصميمات التي ظهرت عليها محطات السكك الحديدية، وتجديد القناطر الخيرية».

وتابع: «كان لجدي دور مهم، ونتمنى أن يُترك إلى جوار السيدة نفيسة، حيث اختار مثواه الأخير، كما أنه خصص قبل وفاته 31 فداناً وقفاً خيرياً للإنفاق على المدفن ورعايته».

تركيبة قبر علي باشا مبارك (تصوير الباحث إبراهيم طايع)

ويضم المدفن، إلى جانب رفات علي باشا مبارك، رفات عدد من أفراد العائلة، من أبنائه وبناته وأحفاده.

من جانبه، قال إبراهيم طايع، الباحث المتخصص في التاريخ والآثار، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إنه زار مقبرة علي باشا مبارك واطلع على علامة الإزالة التي وُضعت عليها أخيراً، مشيراً إلى أن «عمر المقبرة يزيد على 130 عاماً، وتضم مدفن علي باشا مبارك، وإلى جواره لوحة حديثة تحمل اسم نجله، وتركيبة لسليمان بك نجاتي، زوج ابنة الباشا، فضلاً عن عدد من التركيبات الأخرى الخاصة بأبنائه وأحفاده، وتطل جميعها على مسجد السيدة نفيسة، وتقع إلى جوارها قبة الخلفاء العباسيين ومقام (موفى الدين)».

تركيبة قبر علي باشا مبارك (تصوير الباحث إبراهيم طايع)

يُذكر أن علي باشا مبارك كان أحد أبرز أعضاء مجلس النظّار الأول في عهد نوبار باشا، وتولى نظارات الأوقاف والمعارف العمومية والأشغال. كما شارك في تشكيل مجلس النظّار الثاني عام 1879، الذي ترأسه الأمير محمد توفيق، وتولى فيه نظارتَي الأوقاف والمعارف. وفي سبتمبر (أيلول) من العام نفسه، تولى مسؤولية الأشغال العمومية في وزارتَي رياض باشا وشريف باشا. وعندما اندلعت الثورة العرابية، ساند الخديو، وكان آخر مناصبه توليه نظارة المعارف عام 1888.

وشهدت مصر خلال الأعوام الماضية موجات من الجدل مع كل عملية هدم لمقبرة أحد المشاهير؛ إذ لجأت السلطات المصرية إلى إزالة عدد كبير من المقابر في منطقتَي الإمام الشافعي والسيدة عائشة، لشق طرق جديدة ضمن مشروع تطوير القاهرة التاريخية في محيط قلعة صلاح الدين الأثرية.


قبل عرض «ديون: الجزء الثالث»... أبطال الملحمة يكشفون أسرار الرحلة

نجوم فيلم «كثيب: الجزء الثالث» (Dune: Part Three) (تشارلي غيتس/نيويورك تايمز)
نجوم فيلم «كثيب: الجزء الثالث» (Dune: Part Three) (تشارلي غيتس/نيويورك تايمز)
TT

قبل عرض «ديون: الجزء الثالث»... أبطال الملحمة يكشفون أسرار الرحلة

نجوم فيلم «كثيب: الجزء الثالث» (Dune: Part Three) (تشارلي غيتس/نيويورك تايمز)
نجوم فيلم «كثيب: الجزء الثالث» (Dune: Part Three) (تشارلي غيتس/نيويورك تايمز)

لندن: إليانور ستانفورد *

في عام 2018، حين أُعلن اختيار تيموثي شالاميه لبطولة سلسلة أفلام «كثيب» (Dune) للمخرج دوني فيلنوف، اعترف الممثل بأن خوض غمار اقتباس سينمائي ضخم لواحدة من أكثر قصص الخيال العلمي تعقيداً كان يبدو، إلى حد ما، بمثابة «قفزة جريئة».

تيموثي شالاميه في الجزء الثاني من «كثيب» (imdb)

ففي نهاية المطاف، لم تحقق المحاولة السابقة التي قدمها المخرج ديفيد لينش عام 1984 نجاحاً يُذكر في شُباك التذاكر، كما أن رؤية فيلنوف المكونة من ثلاثة أجزاء كانت تتطلب ميزانية تصل إلى مئات الملايين من الدولارات، في وقت كانت فيه بعض أفلام الأبطال الخارقين تعاني لتحقيق الأرباح. غير أن تلك المغامرة أثمرت نجاحاً كبيراً؛ إذ تجاوزت إيرادات فيلميْ «كثيب: الجزء الأول» و«كثيب: الجزء الثاني» حاجز المليار دولار عالمياً، في إنجاز لافت، خصوصاً أن الجزء الأول طُرح عقب جائحة «كوفيد-19»، في حين تأخر عرض الجزء الثاني بسبب إضراب الكتّاب.

ومن المقرر أن يصل «الجزء الثالث» - المستند إلى الروايات اللاحقة في سلسلة «كثيب» للكاتب فرنك هربرت - إلى دُور العرض في 18 ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

وتدور أحداث الجزء الثالث بعد قفزة زمنية تُقارب 20 عاماً؛ حيث يظهر «بول أتريدس» (الذي يؤدي دوره شالاميه) بوصفه إمبراطوراً يحكم كواكب عدة، لكنه يواجه تهديدات وجودية، كما باتت علاقته متوترة مع حبيبته السابقة «تشاني» (تؤدي دورها زندايا)، التي تواصل القتال بشراسة دفاعاً عن شعبها من قبائل «الفريمن». وينضم روبرت باتينسون إلى العمل في دور شرير جديد يسعى للإطاحة ببول. وقد وصف باتينسون هذه السلسلة بأنها «واحدة من السلاسل القليلة التي يمكنني القول بصدق إنني من أشد المعجبين بها».

وقد جرى تصوير «الجزء الثالث» في المجر وصحاري الإمارات العربية المتحدة، وشهد عودة نجوم العمل، بمن فيهم فلورنس بيو، وأنيا تايلور جوي، وجيسون موموا، إلى جانب أعضاء فريق الإنتاج، بمن فيهم مصممة الأزياء لوري هاريس.

نجوم فيلم «كثيب: الجزء الثالث» (Dune: Part Three): روبرت باتينسون وأنيا تايلور-جوي وجيسون موموا وفلورنس بيو وتيموثي شالاميه وزندايا (تشارلي غيتس/نيويورك تايمز)

وفي شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، اجتمع كل من شالاميه، وزندايا، وموموا، وتايلور-جوي في استوديو بلندن لمناقشة تجربتهم في العمل معاً، والعمل تحت إدارة المخرج فيلنوف، ولتوضيح سبب عدم وجود داعٍ لقلق مُحبي الروايات الأصلية بشأن الاختلافات التي قد تظهر في «الجزء الثالث»، مقارنة بالمصدر الأدبي. (أما باتينسون وبيو فقد شاركا في الحوار عبر مكالمة فيديو بعد ذلك ببضعة أسابيع).

وفيما يلي مقتطفات مُحرَّرة من تلك الحوارات:

- زندايا وتيموثي، كنتما في الثانية والعشرين أو الثالثة والعشرين من عمركما حين صوّرتما «الجزء الأول»، هل تشعران بأنكما نضجتما وكبرتما مع هذه الأفلام؟

تيموثي شالاميه: بالتأكيد، وكنت أتحدث في هذا الأمر مع «زي» (زندايا)؛ عادةً ما ينمو المرء برفقة أشخاص آخرين خلال مرحلة الطفولة أو المراهقة، لكن تجربتي مع «زي» كانت مميزة؛ فقد بدأنا العمل معاً في مرحلة انتقالية، في نهاية فترة الشباب وبداية مرحلة البلوغ.

زندايا: عندما أنظر إلى نسختنا في ذلك الوقت، يبدو الأمر كأنني أنظر إلى طفلين، وهو أمر جميل في حد ذاته. كنا جميعاً نشعر بالقلق، وكنا - في ذلك الوقت على الأقل - مفعمين بالحماس والنشاط، ولدينا رغبة صادقة في تقديم عمل جيد. أعتقد أنه لم تكن هناك بيئة أفضل من هذه للتعلم والنمو؛ فدينيس، بفضل طيبته وكرمه، قائدٌ عظيم.

-طيبة دينيس هي أمرٌ كثيراً ما يتحدث عنه الأشخاص الذين عملوا معه.

أنيا تايلور-جوي: يصعب المبالغة في وصف أثر العمل مع شخص يقود الآخرين بالمحبة والاحترام. ؛ فهو يدير هذا الطاقم الضخم من البشر لإنجاز هذا العمل، ولا أحد منهم يفعل ذلك بدافع الخوف منه.

شالاميه: هناك رغبة فطرية صادقة لدى الجميع في محاولة إرضائه، ببساطة.

- يُذكّرني هذا بجلسات التصوير الصحراوية التي تشتهر بكونها بالغة الصعوبة، وهي تلك التي تتطلبها أفلام «كثيب» (Dune). كيف كانت تجربتكم فيها، هذه المرة؟

زندايا: أصعب شيء هو محاولة الحفاظ على الهدوء والتركيز وسط الحرارة الشديدة. كانت هناك مشاهد تكون فيها أشعة الشمس ساطعة للغاية، كنت أتصبب عرقاً تحت أشعة الشمس الحارقة، ومع ذلك أحاول الحفاظ على تركيزي وإبقاء عينيّ مفتوحتين.

كان علينا الاستعداد وتجهيز كل شيء قبل شروق الشمس، بينما لا يزال الجو بارداً، هذا بالإضافة إلى الوقت الذي استغرقه وضع الأطراف الاصطناعية والمكياج الخاص بالشخصيات. لم يكن أحد يصل إلى موقع التصوير أبكر من روب (روبرت باتينسون).

زندايا (في المقدمة) وإلى جانبها روبرت باتينسون (يساراً) وأنيا تايلور-جوي (تشارلي غيتس/نيويورك تايمز)

روبرت باتينسون: الصحراء شيء آخر تماماً. كان هناك مشهد أكون فيه داخل مركبة فضائية، مثبتة على منصة متحركة (gimbal) عند حافة كثيب رملي، وكان لدينا نموذج لدودة رملية يبلغ طوله 350 قدماً. حجم هذه الأشياء لا يُصدق؛ تشعر كأنك في مدينة ملاهٍ خاصة بفيلم «Dune»، حيث تدور المنصة بك وتتحرك في كل اتجاه؛ لا يبدو الأمر عملاً على الإطلاق، ولا توجد أي سلبيات. ربما باستثناء فقدان كل سوائل جسمك على شكل قطرات عرق تتجمع وتنتفخ فوق رأسك! لكن حتى ذلك لم ألحظه حقاً. العمل مع دينيس (المخرج) سلس للغاية، ولا تشعر بأي ضغط على الإطلاق.

- أنيا، لقد تواجدتِ لفترة وجيزة في موقع التصوير للقيام بظهور شرفي (cameo) في الفيلم الثاني.

أنيا تايلور-جوي: حسناً، يمكن القول إن وجودي كان خاطفاً للغاية! [تضحك] كنت ضِمن فريق صغير ذهب إلى ناميبيا، لكنها كانت واحدة من أمتع تجارب التصوير التي خضتها على الإطلاق.

- جيسون، شخصيتك «دنكان أيداهو» قُتلت في الفيلم الأول. وفي «الجزء الثالث»، تؤدي دور شخصية تشبه «دنكان» تماماً، وقد خُلقت من مادته الجينية، لكنها لا تحمل أياً من ذكرياته أو سمات شخصيته.

جيسون موموا: ربما كانت هذه أغرب شخصية تعيَّن عليّ تقمصها؛ فقد عُيّنت لأداء دور «دنكان» لسبب محدد، ثم كان عليّ أن أجد طريقة لأؤدي دور شخص لا يعرف من هو ذلك الرجل [دنكان]. كما أنني لم أحظَ بوجود «دينيس» [المخرج] بجانبي، كما حدث في الفيلم الأول؛ إذ كان التصوير قد بدأ، بالفعل، حين انضممت إليهم، ولم أرغب في الاتصال به لطرح كثير من الأسئلة. كان الأمر في غاية الصعوبة. أنا لست ممثلاً - أو حتى إنساناً - يتسم بالهدوء أو الرقة في الأداء، لذا ربما كان هذا أكثر أدوارِي تحفظاً وهدوءاً. لم أشاهد الفيلم بعدُ، ولا أعرف أي اللقطات التي اختارها المخرج.

- كيف كان شعوركم تجاه خاتمة قصص هذه الشخصيات؟ وإلى أي مدى يختلف الأمر عن الرواية الأصلية؟

زندايا: يحتوي هذا الفيلم على كثير من العناصر المخلصة تماماً للعمل الأصلي، وفي الوقت نفسه، هناك بعض الاختلافات والخروج عن النص الأصلي.

باتينسون: لا بد أن يكون المرء مجنوناً بعض الشيء إذا أراد إيجاد عيوب في هذا العمل. كان السيناريو رائعاً حقاً، لكنه كان معقداً للغاية. وعند مشاهدة الفيلم، تبيَّن لي أنه مختلف تماماً عما توقعته؛ فهو يبدو أشبه بحكاية سياسية وأخلاقية كبرى، بينما يزخر الفيلم في جوهره بمشاعر إنسانية عميقة. يتناول العمل في جزء كبير منه موضوع التربية، وقد وجدته مؤثراً للغاية.

* خدمة نيويورك تايمز


عمال «الدليفري» في مصر على طريق «التنظيم»

عامل دليفري خلال مروره بأحد شوارع القاهرة (الشرق الأوسط)
عامل دليفري خلال مروره بأحد شوارع القاهرة (الشرق الأوسط)
TT

عمال «الدليفري» في مصر على طريق «التنظيم»

عامل دليفري خلال مروره بأحد شوارع القاهرة (الشرق الأوسط)
عامل دليفري خلال مروره بأحد شوارع القاهرة (الشرق الأوسط)

تتجه مصر إلى تنظيم أوضاع العاملين في خدمات التوصيل «الدليفري»، في خطوة تستهدف توفير مظلة من الحماية الاجتماعية لفئة تزداد أهميتها مع توسع التجارة الإلكترونية، وخدمات الشراء عبر الإنترنت، بينما تظل الأوضاع المهنية والقانونية لهم محل نقاش بشأن طبيعة العلاقة مع شركات التوصيل، وضمانات التأمين والأجور وساعات العمل.

ووقّعت الحكومة المصرية بحضور رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، الخميس، بروتوكول تعاون مع شركة «طلبات مصر» وعدد من شركات التوصيل المتعاقدة معها، يستهدف تسجيل العاملين ضمن منظومة العمالة غير المنتظمة بوزارة العمل، وإتاحة الاستفادة من عدد من صور الرعاية الاجتماعية والصحية، من بينها تعويضات الوفاة والعجز الناتج عن حوادث العمل، والمساعدات المرتبطة بالعمليات الجراحية، والمنح المقررة في بعض المناسبات الاجتماعية.

وتأتي الخطوة في ظل اتساع نشاط التسوق الإلكتروني في مصر؛ إذ أظهرت مؤشرات أعلنها الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات خلال عام 2026 وصول عدد المتسوقين إلكترونياً إلى نحو 29.8 مليون متسوق، وتسجيل 10.5 مليون زيارة يومياً لمواقع وتطبيقات التسوق، بزيادة بلغت 10 في المائة مقارنة باليوم المناظر من العام السابق، وهو ما يعكس اتساع النشاط الذي ترتبط به خدمات نقل الطلبات وتوصيلها إلى المستهلكين.

وكانت أوضاع عمال «الدليفري» قد أثارت أكثر من طلب إحاطة وسؤال برلماني داخل مجلس النواب المصري خلال الأشهر الماضية، تناولت غياب الحماية القانونية والتأمينية لدى بعض العاملين، وما يتعرضون له من مخاطر مهنية، فضلاً عن المطالبة بتنظيم العلاقة بين شركات التوصيل والعاملين لديها، وتوفير التأمين الصحي والاجتماعي، ووضع ضوابط لساعات العمل والأجور.

وناقشت لجنة القوى العاملة في يونيو (حزيران) الماضي عدداً من هذه الطلبات، وأوصت بحصر العاملين والشركات والمنصات الإلكترونية العاملة في القطاع، ودراسة آليات تقنين أوضاعها.

توقيع بروتوكول تعاون لتوفيق أوضاع عمال توصيل الطلبات في مصر (صفحة رئاسة مجلس الوزراء)

إلى ذلك، قال محمد سعفان، رئيس لجنة القوى العاملة بمجلس النواب ووزير القوى العاملة السابق، لـ«الشرق الأوسط»، إن «تنظيم أوضاع عمال التوصيل يمثل ملفاً جديداً نسبياً ويحتاج إلى مزيد من الوقت والدراسة لوضع آليات تضمن حقوق العاملين فيه»، مشيراً إلى أن «التعاون بين البرلمان والحكومة يستهدف الوصول إلى صيغة متكاملة للتعامل مع هذه الفئة»، وأن العمل على تنظيم أوضاعها «لم ينتهِ بعد».

وأضاف سعفان: «قد نتمكن، بعد إجراء دراسة متكاملة لأوضاع عمال الدليفري، من الوصول إلى صيغة تنظيمية أفضل من مجرد إدراجهم ضمن العمالة غير المنتظمة، وربما نصل إلى نوع من التقنين يخرجهم من هذا الإطار»، موضحاً أن «العمالة غير المنتظمة نفسها تعاني من مشكلات متعددة، سواء فيما يتعلق بأوضاعها أو بتعامل الجهات المختلفة معها، وهو ما يستدعي البحث عن آليات أكثر ملاءمة لطبيعة عمل عمال التوصيل». وكشف مسح للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، نُشرت نتائجه في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أن 16.8 في المائة من الأسر المصرية تستخدم التجارة الإلكترونية لشراء احتياجاتها.

تنامي النشاط

ومع تنامي نشاط التوصيل، تبرز إشكالية تنظيم ساعات العمل وضمان دخل مناسب للعاملين، في ظل ارتباط أجور بعضهم بعدد الطلبات التي ينجزونها، وما يحصلون عليه من إكراميات أو مقابل إضافي للتوصيل، وهو ما قد يدفعهم إلى العمل لساعات طويلة لزيادة دخلهم.

وفي هذا الصدد، أشار سعفان إلى ضرورة «دراسة طبيعة المقابل المالي الذي يحصل عليه العامل من الشركة، ومدى اعتماده على الإكراميات وعدد التوصيلات»، مقترحاً وضع آلية لتقييم عدد الطلبات التي يمكن إنجازها خلال ساعات عمل معينة، وربط المقابل الذي تدفعه الشركات بما يضمن وصول إجمالي دخل العامل إلى الحد الأدنى للأجور. وأوضح أن تطبيق هذه الآلية يتطلب دراسات دقيقة لطبيعة العمل ومعدلات إنجاز الطلبات، حتى لا تتحول الضوابط المقترحة إلى قيود يصعب تطبيقها عملياً.

ومن جانبه، قال أحمد هشام، أحد العاملين في شركة خدمات التوصيل «الدليفري»، لـ«الشرق الأوسط»، إن «طبيعة العمل في هذا القطاع تختلف من شخص إلى آخر، فبينما يلجأ إليه البعض بوصفه عملاً إضافياً لتحسين دخله، يعتمد عليه آخرون بوصفه مصدراً رئيسياً للرزق، وهو ما يجعل تنظيم أوضاع العاملين وتحديد حقوقهم ومسؤولياتهم أمراً ضرورياً».

وأوضح أن «العاملين يواجهون مشكلات يومية لا تقتصر على مخاطر الطريق أو ضغوط العمل، بل تمتد إلى التعامل مع بعض العملاء، سواء من خلال أساليب التعامل غير اللائقة أو رفض تسلّم الطلبات، فضلاً عن تحميل عامل التوصيل أحياناً مسؤولية أخطاء تقع من المطاعم نفسها في تجهيز الطلبات».

وأعرب عن أمله في «وضع قواعد واضحة تنظم العلاقة بين العامل وشركة التوصيل والمطعم والعميل، بما يضمن عدم تحميل العامل تبعات أخطاء لا يتحمل مسؤوليتها، ويوفر له قدراً أكبر من الحماية والاستقرار المهني».

نشاط التوصيل يشهد نمواً متصاعداً في مصر (الشرق الأوسط)

وفي هذا السياق، يشدد سعفان على أن «أي تنظيم مرتقب ينبغي أن يراعي مصالح طرفي العلاقة، العمال والشركات»، موضحاً أن «المطالبة بحقوق العاملين لا ينبغي أن تأتي على حساب قدرة الشركات على الاستمرار، لأن الإضرار بالشركات لن يخدم العاملين أنفسهم».

وفيما يتعلق بحجم العمالة في هذا القطاع، لفت رئيس لجنة القوى العاملة بمجلس النواب إلى عدم توافر قاعدة بيانات ثابتة يمكن الاستناد إليها لتحديد أعداد العاملين في خدمات التوصيل، عادّاً أن غياب البيانات «يمثل إحدى المشكلات الرئيسية التي تعوق وضع حلول واقعية لكثير من الملفات في مصر».

وأوضح أن «التعامل مع أي قطاع دون معرفة دقيقة بأعداد العاملين فيه يجعل الحلول المطروحة (حلولاً افتراضية)، بينما يتيح وجود قاعدة بيانات تحديد احتياجات العاملين ووضع آليات مناسبة لحمايتهم».