عندما تتآمر الشركات والسلطات عليهم... من يحمي حماة البيئة؟

عندما تتآمر الشركات والسلطات عليهم... من يحمي حماة البيئة؟
TT

عندما تتآمر الشركات والسلطات عليهم... من يحمي حماة البيئة؟

عندما تتآمر الشركات والسلطات عليهم... من يحمي حماة البيئة؟

تحوّلت حماية البيئة إلى ساحة معركة جديدة لحقوق الإنسان. فمع تزايد الطلب على الأراضي والموارد، تندفع الشركات إلى مناطق جديدة توسّع فيها أنشطتها في إطار صفقات تبرمها مع مسؤولين حكوميين يبحثون عن مصالحهم الشخصية في كثير من الحالات.
وفي الأماكن التي تتلاشى فيها سلطة القانون، وتصبح الموارد الطبيعية مصدراً للسلطة والثروة، تزداد الأمور سوءاً يوماً بعد يوم. هذا ما تؤكده الأخبار المتواترة من مختلف أنحاء العالم، وآخرها تقرير «أعداء الدولة؟» الذي صدر عن منظمة «غلوبال ويتنس» حول العنف والتهديد الذي يلقاه الناشطون في الميدان البيئي، وكذلك الدراسة الاستقصائية التي تواصل منظمة «فوربيدن ستوريز» نشرها في بعض وسائل الإعلام العالمية عن الانتهاكات التي تطال الصحافيين البيئيين.

الإعلام الحربي والإعلام البيئي

خلال السنوات العشر الأخيرة، أدّت التحقيقات الصحافية حول الضرر الذي تتعرض له البيئة إلى مقتل 13 صحافياً، فيما عانى كثيرون غيرهم من العنف والمضايقات والتهديد والترهيب والدعاوى القضائية الكيدية. وتحقق لجنة حماية الصحافيين، التي يقع مقرها في نيويورك، في 16 حالة وفاة أخرى لصحافيين حول العالم، ما قد يرفع عدد جرائم القتل إلى 29 جريمة، ويجعل الصحافة البيئية أخطر مجال للعمل الصحافي بعد الإعلام الحربي.
يمكن أن يضع الاصطدام مع أصحاب السلطة، الذين لا تردعهم القوانين، الصحافي، في مواجهة العنف والمضايقة والتهديد. وهذا ما اختبره صحافيون روس نتيجة عملهم في كشف حالات الفساد المرتبطة بشقّ طريق سريعة تربط بين مدينتي موسكو وسان بطرسبرغ، وتخترق غابة خيمكي التي تعد جنة للطيور وتضم مناطق مستنقعات محمية. كما عانى صحافيون برازيليون من إساءات مشابهة بسبب فضحهم للتوسع السريع في مزارع فول الصويا في منطقة الأمازون. وفي تنزانيا، أدّت التحقيقات الصحافية حول ادعاءات بالقتل والاغتصاب وتلويت البيئة في منجم للذهب إلى طرد صحافيين من أماكن عملهم وسحب رخصة صحيفتين محليتين.
ووصلت الانتهاكات بحق الصحافيين البيئيين إلى حد القتل، لا سيما في جنوب الهند، حيث يتم استخراج الرمال الشاطئية النقية التي تستخدم في صناعة تدرّ مليارات الدولارات، وتشمل طيفاً واسعاً من المنتجات، بدءاً بمستحضرات التجميل وانتهاءً بالإلكترونيات. وتعدّ الهند من أخطر الأماكن لعمل الصحافيين البيئيين، حيث قضى ثلاثة منهم خلال السنوات الست الماضية على خلفية التحقيق في أعمال التنقيب غير القانونية والفساد المتصل بالخدمات الأساسية.
إلى جانب الهند، شهدت الفلبين مقتل ثلاثة صحافيين نتيجة تحقيقاتهم حول قطع الأشجار وإزالة الغابات ومشروعات شبكات الطاقة الكهربائية والتنقيب عن الثروات الباطنية. وتضم قائمة وفيات الإعلام البيئي، خلال السنوات العشر الماضية، صحافيين من بنما وكولومبيا وروسيا وكمبوديا وميانمار وتايلاند وإندونيسيا.
وتعد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلى جانب الصين، الأسوأ في العالم للعمل الصحافي، وكثيراً ما تفشل محاولات التحقيق الصحافي في قضايا الفساد البيئي تحت تهديد الاتهام بنشر الأخبار الكاذبة أو النيل من هيبة الدولة.

شهداء البيئة
الثابت أن الشركات الغربية المدرجة في البورصات من أكبر مرتكبي المخالفات البيئية، لا سيما في مناطق عملها التي تكون بعيدة عن مقراتها الرسمية. وكمشترٍ للمواد الأولية، بما فيها المعادن والأخشاب ومنتجات الصناعات الاستخراجية، غالباً ما تؤدي سلاسل التوريد الطويلة الخاصة بهذه الشركات إلى تدهور الوضع البيئي للنظم الطبيعية، بما فيها مصادر المياه العذبة والموائل الأصلية والغابات العذراء.
وتفضل الشركات الغربية ممارسة نشاطاتها في أماكن تتسامح مع الارتكابات البيئية غير السليمة، وتغيب فيها الشفافية، وتكون فيها السلطة للنفوذ والمال، وهذا بطبيعة الحال لا يتوفر في مواطنها. وقد وافقت بعض الشركات تحت الضغط على تطبيق مراقبة مستقلة لظروف العمل في مصانعها الخارجية، ولكن لا توجد رقابة مماثلة على التدمير البيئي الذي يترافق غالباً مع أعمال التعدين وإزالة الغابات وأنشطة الصيد الجائرة؛ حيث تصبح الصحافة البيئية ومساهمات المتطوعين واحتجاجات المواطنين المصدر الوحيد لكشف التجاوزات.
في غياب المساءلة الجدية، تُركت المجتمعات المحلية في أكثر من مكان وحيدة في مواجهة الشركات المدعومة بسلطة حكومية واسعة وعشرات المرتزقة المأجورين. ومع تنامي المشكلات البيئية وازدياد حالات الإفلات من العقاب، يشهد العالم مقتل ثلاثة ناشطين بيئيين أسبوعياً، إلى جانب كثيرين غيرهم تعرضوا للتهديد أو الاعتقال لجرأتهم في معارضة الحكومات أو الشركات التي تسعى إلى استغلال أراضيهم.
وفي مفارقة غريبة، يجري إطلاق سراح القتلة فيما يوصف المدافعون عن البيئة بالمجرمين. واللافت أن التهديدات التي تطال حماة البيئة غالباً ما تمثل أمراً عابراً لا يعرف طريقه إلى وسائل الإعلام، مما يجعل هذه التهديدات وسيلة فعالة في إسكات المعارضين.
منظمة «غلوبال ويتنس»، التي سجّلت بعض الانتهاكات بحق نشطاء البيئة في تقريرها الأخير «أعداء الدولة؟»، تعتقد أن العدد الحقيقي لعمليات القتل هو على الأرجح أعلى بكثير من معطياتها التي تشير إلى مقتل 164 شخصاً في سنة 2018، وذلك لأن الكثير من الحالات لا يتم توثيقها أو حتى التحقيق فيها.
ووفقاً للمنظمة، شهدت الفلبين أكبر عدد من جرائم القتل البيئي عالمياً، حيث قتل 30 مدافعاً عن البيئة في سنة 2018 وحدها. وكان قطاع التعدين هو الأكثر تسبباً بجرائم القتل، حيث أدى إلى 43 حالة وفاة، على الرغم من ارتفاع عدد الوفيات المرتبطة بالنزاعات على مصادر المياه، واستمرار الاعتداءات التي تحركها الأنشطة الزراعية وقطع الأشجار والطاقة الكهرومائية.
وتشير المنظمة إلى استخدام الدول التهديد بالتجريم والقضايا المدنية الكيدية من أجل خنق النشاط البيئي، واستلاب حقوق الأراضي في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك في البلدان المتقدمة مثل الولايات المتحدة وبريطانيا. كانت نصف جرائم القتل في 2018 حصلت في أميركا اللاتينية، التي ظلت باستمرار المنطقة الأكثر عنفاً تجاه المدافعين عن البيئة، منذ بدأت «غلوبال ويتنس» في نشر بياناتها عام 2012. وكان الرئيس البرازيلي بولسونارو هاجم أخيراً وكالة الفضاء في بلده لنشرها صوراً تفضح ازدياد وتيرة قطع غابات الأمازون على نحو غير مسبوق، واتهمها بالعمل ضد المصلحة العليا للدولة، ما دفع رئيس الوكالة إلى الاستقالة.
وفي منطقة الشرق الأوسط، كانت هناك 6 حالات قتل في إيران، من بينها وفاة الأكاديمي المشهور كافوس سيد إمامي في السجن في ظروف مريبة، وهو أحد السجناء البيئيين التسعة الذين جرى اعتقالهم بتهمة استخدام عملهم في حماية الفهود كغطاء للتجسس.
ولا تورد «غلوبال ويتنس»، في تقريرها، أي انتهاكات تخص المدافعين عن البيئة في البلدان العربية، ولعل ذلك ناتج نسبياً عن تراجع الاهتمام بقضايا البيئة في العالم العربي، تحت وطأة النزاعات المسلحة التي تطغى على أغلب الأحداث في هذه المنطقة. وينظر البعض إلى عمل الناشطين البيئيين العرب بعين الريبة، ويُتّهمون في كثير من الأحيان بتلقي التمويل من السفارات الأجنبية، وهذا اتهام خطير لا يعني فقط التربح من العمل التطوعي.
وغالباً ما تواجه المنظمات البيئية غير الحكومية في العالم العربي ضغوطاً لتقييد أنشطتها، وجعلها تحت المراقبة، بعد أن أدركت السلطات الرسمية أن العمل البيئي يملك القدرة على الحشد وتوجيه الرأي العام بشكل يتجاوز بكثير قدرة الأحزاب والمنظمات السياسية التي جرى تهميشها طيلة عقود.


مقالات ذات صلة

شمال افريقيا تونسي من منطقة أريانة ينظف آثار السيول (أ.ف.ب)

تونس: حملات بيئية لتنظيف المناطق المتضررة من الفيضانات

بدأت وكالة تونسية متخصصة، اليوم السبت، حملة بيئية واسعة لتنظيف سواحل وشواطئ الولايات المتضررة من الفيضانات.

«الشرق الأوسط» (تونس)
يوميات الشرق نموذج صيني جديد يراقب تلوث الهواء والجسيمات الدقيقة (غيتي)

باحثون صينيون يبتكرون نموذجاً ثورياً لمحاكاة تلوث الهواء

نموذج «EPICC» يحسِّن محاكاة الجسيمات الدقيقة والأوزون لدعم إدارة تحديات التلوث في الصين والدول النامية.

«الشرق الأوسط» (بكين)
شمال افريقيا أهالي قابس ناشدوا الرئيس قيس سعيد تفكيك مجمع للصناعات الكيميائية بسبب التلوث (أ.ف.ب)

آلاف التونسيين يتظاهرون ضد التلوث البيئي في قابس

خرج الآلاف من أهالي مدينة قابس، جنوبي تونس، الأربعاء، في مسيرة جديدة تطالب بتفكيك مجمع للصناعات الكيميائية، بسبب التلوث البيئي.

«الشرق الأوسط» (تونس)
صحتك الأشخاص الذين مارسوا ما لا يقل عن ساعتين ونصف من التمارين الرياضية أسبوعياً انخفض لديهم خطر الوفاة (رويترز)

المشكلة الشائعة التي تُقلّل من فوائد التمارين الرياضية

معروف أن ممارسة الرياضة بانتظام تُحسّن الصحة النفسية، وتُقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب، وتُحسّن محيط الخصر.

«الشرق الأوسط» (لندن)

باحثون: الأحياء التي تضم سيارات كهربائية أكثر تحظى بهواء أنقى

محطات شحن كهربائية لسيارات تسلا في مركز تسوق في بوكوم غرب ألمانيا (أ.ف.ب)
محطات شحن كهربائية لسيارات تسلا في مركز تسوق في بوكوم غرب ألمانيا (أ.ف.ب)
TT

باحثون: الأحياء التي تضم سيارات كهربائية أكثر تحظى بهواء أنقى

محطات شحن كهربائية لسيارات تسلا في مركز تسوق في بوكوم غرب ألمانيا (أ.ف.ب)
محطات شحن كهربائية لسيارات تسلا في مركز تسوق في بوكوم غرب ألمانيا (أ.ف.ب)

وجد باحثون درسوا بيانات من الأقمار الاصطناعية في ولاية كاليفورنيا الأميركية أن الأحياء التي يزداد بها عدد السيارات الكهربائية شهدت تراجعا في ​تلوث الهواء الناتج عن حرق الوقود الأحفوري.

وعلى العكس من ذلك، أكدت بيانات الأقمار الاصطناعية أيضا أن الأحياء التي زاد بها عدد السيارات التي تعمل بالوقود شهدت ارتفاعا في التلوث. وقالت رئيسة الدراسة ساندرا إيكل من كلية كيك للطب في جامعة جنوب كاليفورنيا في بيان «إننا حتى لم نصل بعد إلى مرحلة الاستخدام الكامل للسيارات الكهربائية، لكن ‌بحثنا يظهر أن ‌تحول كاليفورنيا نحو السيارات الكهربائية يحدث بالفعل ‌اختلافات ⁠يمكن ​قياسها ‌في الهواء الذي نتنفسه».

وذكر الباحثون في مجلة «ذا لانست بلانيتاري هيلث» أنه مقابل كل 200 سيارة عديمة الانبعاثات أضيفت إلى أحياء كاليفورنيا بين عامي 2019 و2023، انخفضت مستويات ثاني أكسيد النيتروجين بنسبة 1.1 بالمئة. ويمكن أن يؤدي هذا الغاز الملوِث، الذي ينبعث من حرق الوقود الأحفوري، إلى نوبات ربو والتهاب ⁠بالشعب الهوائية وزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتات الدماغية.

ولإجراء التحليل، قسم الباحثون ‌كاليفورنيا إلى 1692 حيا وحصلوا على البيانات ‍المتاحة للجمهور من إدارة ‍المركبات في الولاية بشأن عدد السيارات المخصصة للاستخدامات الخفيفة ‍وعديمة الانبعاثات المسجلة في كل حي. وتشمل هذه المركبات السيارات الكهربائية التي تعمل بالبطارية، والسيارات الهجينة القابلة للشحن، والسيارات التي تعمل بخلايا وقود الهيدروجين.

ثم حصلوا بعد ذلك على بيانات من جهاز استشعار عالي ​الدقة بقمر اصطناعي يراقب مستويات ثاني أكسيد النيتروجين من خلال قياس كيف يمتص الغاز أشعة الشمس ويعكسها. وقال ⁠الباحثون إنهم يعتزمون مقارنة البيانات المتعلقة باستخدام السيارات عديمة الانبعاثات بعدد زيارات غرف الطوارئ ودخول المستشفيات للعلاج بسبب الربو في جميع أنحاء كاليفورنيا.

وتفضل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيارات التي تعمل بالوقود وألغت الإعفاءات الضريبية التي كانت تهدف إلى تشجيع استخدام السيارات الكهربائية. وأشار التقرير إلى أنه من المتوقع أن يؤدي الانتقال الكامل إلى السيارات الكهربائية إلى تقليل تركيزات ثاني أكسيد النيتروجين في الهواء الطلق بنسبة 61 بالمئة في الولايات المتحدة وبنسبة تصل إلى 80 بالمئة في الصين.

وقالت إيكل إن النتائج الجديدة «‌تظهر أن الهواء النقي ليس مجرد نظرية، بل إنه يحدث بالفعل في مجتمعات محلية في أنحاء كاليفورنيا».


السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
TT

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)

تستضيف السعودية خلال الربع الأخير من العام الحالي أعمال «القمة العالمية الأولى للشعب المرجانية»؛ تأكيداً لريادتها الدولية في مجال حماية النظم البيئية البحرية، وإبراز مكانتها المتقدمة في قيادة الجهود الدولية لمواجهة التحديات البيئية حول العالم.

وأعلنت عن استضافة القمة الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان السفيرة السعودية لدى الولايات المتحدة، خلال فعاليات «البيت السعودي» المنعقدة على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.

من جانبه، أكّد المهندس عبد الرحمن الفضلي وزير البيئة والمياه والزراعة السعودي، أن هذه الاستضافة تُجسّد جهود بلاده محلياً ودولياً في حماية وحفظ النظم البيئية البحرية، عبر تبنّي أفضل البرامج والتقنيات المبتكرة، والممارسات العالمية؛ للإسهام في تحقيق مستهدفات التنمية المُستدامة، من خلال إعادة تأهيل الشُعب المرجانية، واستعادة التوازن البيئي، وتحسين جودة الحياة.

بدوره، أوضح الدكتور خالد الأصفهاني، الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة المحافظة على الشعب المرجانية والسلاحف في البحر الأحمر»، أن أعمال القمة ستركز على 3 محاور رئيسية، هي السياسات، والبحث العلمي، والتمويل، منوهاً بأنها تسعى لطرح إطار عملي وموجّه للسياسات والتشريعات، يُمكّن من تحقيق الاستدامة المالية للشعب المرجانية والأنظمة البحرية المرتبطة بها، مع رسم مسار واضح للانتقال من الحوار إلى التنفيذ.

وأضاف الأصفهاني أن القمة تهدف أيضاً إلى إبراز الشعب المرجانية كأصول اقتصادية ضمن استراتيجيات الاقتصاد الأزرق، واستحداث آليات تمويل مستدامة وقابلة للتوسع، كذلك إشراك القادة وصنّاع ومتخذي القرار؛ لتطوير نماذج استثمارية قابلة للتنفيذ عبر السياسات والتشريعات، وإنشاء مسار تعبئة دولي منظم يقود إلى مخرجات ملموسة وقابلة للقياس.

وتتولى السعودية تنظيم هذه القمة العالمية، من خلال المؤسسة، وذلك بصفتها رئيساً للمبادرة الدولية للشعاب المرجانية (ICRI)، التي تضم في عضويتها 45 دولة، ما يعكس الثقة الدولية في دور المملكة القيادي في حماية الشعب المرجانية حول العالم.


2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
TT

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي ومعهد «بيركلي إيرث» الأميركي، الأربعاء، أن 2025 كان ثالث أحرّ الأعوام المسجلة على مستوى العالم، متوقعاً أن يبقى 2026 عند مستويات مرتفعة تاريخياً.

وأشار مرصد «كوبرنيكوس» في تقريره السنوي إلى أن درجات الحرارة العالمية لا تزال منذ ثلاث سنوات عند مستويات لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري، إذ تجاوز معدل درجات الحرارة خلال هذه الفترة مستويات ما قبل الثورة الصناعية (1850-1900) بمقدار 1,5 درجة مئوية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي سياق منفصل، قال علماء من معهد «بيركلي إيرث» في الولايات المتحدة إن «الارتفاع الحاد المسجل بين عامي 2023 و2025 كان استثنائياً، ويشير إلى تسارع وتيرة الاحترار المناخي».

وأقرّ العديد من علماء المناخ والقادة السياسيين، بالإضافة إلى الأمم المتحدة، علناً منذ العام الماضي بأن الاحترار سيتواصل بمعدل 1,5 درجة مئوية، وهو الحد الذي طمحت اتفاقية باريس الموقعة عام 2015 إلى عدم تجاوزه.

ومع بلوغ هذه العتبة منذ ثلاث سنوات، يرجّح برنامج «كوبرنيكوس» أن يتم الإعلان رسمياً عن تجاوز الحد المستدام بحلول نهاية هذا العقد، أي قبل أكثر من عقد من الموعد المتوقع أساساً.

ويثير هذا التسارع قلقاً متزايداً نظراً لأن الولايات المتحدة، ثاني أكبر مصدر لانبعاثات غازات الدفيئة، تتخلى عن التعاون المناخي العالمي في عهد رئيسها دونالد ترمب.

صورة أرشيفية من طوكيو عاصمة اليابان لأشخاص يحملون الشماسي للوقاية من حرارة الشمس (أ.ف.ب)

منحى مشابه في 2026

في الوقت نفسه، تفقد الجهود المبذولة للجم انبعاثات غازات الدفيئة زخمها في الدول الغنية. ففي فرنسا وألمانيا، تراجعت جهود خفض الانبعاثات مجدداً في عام 2025، وفي الولايات المتحدة، تسبب التوسع الكبير في محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم في زيادة البصمة الكربونية للبلاد مرة أخرى، ما بدّد سنوات من التقدم.

وقال رئيس وحدة «كوبرنيكوس»، ماورو فاكيني، في مؤتمر صحافي: «الحاجة إلى العمل المناخي باتت ملحّة أكثر من أي وقت مضى».

ولا توجد أي مؤشرات على أن عام 2026 سيخالف الاتجاه المسجل في السنوات الأخيرة.

وتوقعت نائبة مدير قسم تغير المناخ في «كوبرنيكوس»، سامانثا بورغيس، أن يكون عام 2026 من بين أحرّ خمسة أعوام مسجلة على الإطلاق، وقد يكون مماثلاً لعام 2025.

ويتوقع علماء المناخ في «بيركلي إيرث» أيضاً أن يكون 2026 «على الأرجح مشابهاً لعام 2025، مع ترجيح أن يكون رابع أحرّ عام منذ عام 1850».

وفي حال حدوث ظاهرة «إل نينيو» وما يصاحبها من ارتفاع في درجات الحرارة، «قد يجعل ذلك 2026 عاماً قياسياً»، وفق ما أوضح مدير قسم تغير المناخ في المرصد، كارلو بونتيمبو، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

لكن «سواء كان ذلك في عام 2026 أو 2027 أو 2028، فالأمر لا يهم حقاً. المسار واضح جداً»، حسب بونتيمو.

سكان يراقبون حريقاً كبيراً يقترب من كونغوستا بإسبانيا (رويترز - أرشيفية)

معدلات قياسية في آسيا وأنتركتيكا

عام 2025، فاق معدل درجات حرارة سطح الأرض والمحيطات بـ1,47 درجة مئوية مستويات ما قبل الثورة الصناعية، بعد أن سجل معدل حرارة قياسياً تخطى تلك المستويات بـ1,60 درجة مئوية عام 2024.

ويخفي هذا المتوسط العالمي درجات حرارة قياسية في مناطق معينة، لا سيما في آسيا الوسطى والقارة القطبية الجنوبية ومنطقة الساحل، وفق تحليلات أجرتها «وكالة الصحافة الفرنسية» باستخدام بيانات يومية من الخدمة الأوروبية.

وبذلك، شهد 770 مليون شخص موجات حر قياسية في بلدانهم، حسب حسابات معهد «بيركلي إيرث».

والأربعاء، أفادت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة، بأنّ اثنتين من مجموعات البيانات الثماني التي حلّلتها أظهرتا أنّ عام 2025 كان ثاني أكثر السنوات حراً، ولكن المجموعات الأخرى صنّفته في المرتبة الثالثة.

وقدّرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية متوسط الاحترار للفترة 2023-2025 عند 1,48 درجة مئوية، مع هامش خطأ يبلغ زائد أو ناقص 0,13 درجة.

وقالت الأمينة العامة للمنظمة، سيليست سولو، في بيان، إنّه على الرغم من ظاهرة التبريد المناخي «لا نينيا»، فإنّ عام 2025 «يبقى أكثر الأعوام حراً على الإطلاق على مستوى العالم بسبب تراكم الغازات الدفيئة في غلافنا الجوي».

في الوقت نفسه، لم تُسجل أي درجات حرارة منخفضة قياسية في عام 2025، وفق المعهد الأميركي.

شهد عام 2025 العديد من الظواهر الجوية المتطرفة، من موجات حرّ وأعاصير وعواصف عاتية في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية، إلى حرائق غابات مدمرة في إسبانيا وكندا وكاليفورنيا، تفاقمت حدتها أو تواترها بفعل الاحترار العالمي.

وتلعب التقلبات الطبيعية دوراً في الاحترار؛ فعلى سبيل المثال، كانت ظاهرة التبريد المعروفة باسم «لا نينيا» ضعيفة نسبياً في العام الماضي.

لكن كبير العلماء في مركز «بيركلي إيرث»، روبرت رود، يُبدي قلقه إزاء عوامل أخرى غير متوقعة تُفاقم الاحترار، حتى وإن كان ذلك بمقدار أجزاء من عشرة أو من مائة من الدرجة على المستوى العالمي.

وعلى وجه الخصوص، كان للقواعد الدولية التي خفضت محتوى الكبريت في زيت وقود السفن منذ عام 2020 أثر غير مقصود، تمثل في المساهمة في الاحترار من خلال خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت. ففي السابق، كانت هذه الجسيمات العالقة تتسبب في نشوء سحب صافية تعكس ضوء الشمس، ما يُساهم في تبريد الأرض.