زيارة بولتون لـ«آخر الديكتاتوريات» في أوروبا محاولة للتضييق على موسكو وبكين

جون بولتون خلال لقائه رئيس بيلاروسيا في مينسك أول من أمس (أ.ب)
جون بولتون خلال لقائه رئيس بيلاروسيا في مينسك أول من أمس (أ.ب)
TT

زيارة بولتون لـ«آخر الديكتاتوريات» في أوروبا محاولة للتضييق على موسكو وبكين

جون بولتون خلال لقائه رئيس بيلاروسيا في مينسك أول من أمس (أ.ب)
جون بولتون خلال لقائه رئيس بيلاروسيا في مينسك أول من أمس (أ.ب)

فتحت زيارة مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون إلى مينسك، ومحادثاته مع الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو، الباب على مصراعيه حول تكهنات بخصوص توقيت وأهداف الانفتاح الأميركي على البلد الذي كانت تصفه الولايات المتحدة بأنه «آخر الديكتاتوريات» في أوروبا. وبرغم أن موسكو سعت إلى إظهار عدم الاهتمام بما وُصف بأنه «مسألة تخص العلاقات الثنائية»، وفقاً لتعليق خبير مقرب من الكرملين، فإن أوساطاً روسية رأت في التطور محاولة من جانب «الصقور» في الإدارة الأميركية لتضييق الخناق على موسكو عبر الانفتاح على أقرب حلفائها.
وأجرى بولتون جلسة محادثات مطولة مع لوكاشينكو تطرق خلالها الطرفان إلى ضرورة تعزيز آليات الحوار، ومناقشة الملفات العالقة. فيما برز سعي رئيس بيلاروسا إلى «استخدام الانفتاح الأميركي» إلى أوسع درجة ممكنة، وفقاً لتعليق وكالة أنباء «نوفوستي» الحكومية الروسية، بهدف تخفيف العزلة المفروضة على بلاده، وإطلاق مرحلة جديدة في العلاقات الثنائية، وهو ما عبرت عنه بوضوح تأكيدات لوكاشينكو على سعي مينسك «البدء في العلاقات من الصفر».
ووفقاً لمعطيات وسائل إعلام روسية، فإن بولتون الذي وصف بأنه «المفاوض الأبرز في البيت الأبيض»، التقط دعوة بيلاروسيا سريعاً، وأكد في مينسك أنه لا مانع لديه من إطلاق عمل مشترك لتطبيع العلاقات، وقال إنه «يؤيد انفتاحاً يبدأ من الصفر مع الوعد بمحادثات صريحة حول الديمقراطية وحقوق الإنسان في الجمهورية».
وكانت التكهنات والضجة حول الزيارة قد تزايدت بمجرد أن تم الإعلان عن أجندتها خلال وجود بولتون في العاصمة الأوكرانية كييف، أول من أمس، وهي المحطة الأولى في زيارته للجمهوريتين السوفياتيتين السابقتين، التي لم تشمل المرور على العاصمة الروسية، التي تربطها بالبلدين علاقات متشابكة ومتباينة.
في كييف تحدث بولتون عن «آفاق جديدة للعلاقات الأوكرانية - الأميركية تحت قيادة الرئيس فلاديمير زيلينسكي»، في وقت كانت استعدادات غير مسبوقة تجري للقاء الضيف المميز، حيث تم فرش السجاد الأحمر له في المطار، وكأنه رئيس دولة، وكانت الاستعدادات تظهر أن مينسك تدرك أن زيارة بولتون ستكون «تاريخية».
وكانت آخر زيارة قام بها مسؤولون أميركيون إلى مينسك قبل نحو عشر سنوات، وخلال عهد الرئيس باراك أوباما خففت واشنطن من لهجتها تجاه مينسك، خلافاً لسلفه جورج دبليو بوش الابن، الذي وصف لوكاشينكو بأنه «آخر ديكتاتور في أوروبا»، وكان انتقاد أوباما للسلطات البيلاروسية أكثر اعتدالاً، وهو أمر تعامل لوكاشينكو معه بانفتاح واسع.
ووفقاً لمعلقين روس، فقد استخدم «الرجل العجوز»، وفقاً للتسمية المحلية التي تطلق على لوكاشينكو، ورقة مهمة لحمل المجتمع الدولي على التعامل معه، رغم التحفظات الغربية على سياسة «القبضة الفولاذية» التي يستخدمها لإدارة شؤون البلاد، إذ لوح لوكاشينكو بوجود نفايات نووية سوفياتية في بيلاروسيا، ثم أعلن موافقة مينسك على التخلص منها، تحت إشراف ورعاية المجتمع الدولي.
ورغم أن واشنطن شككت وقتها بإمكانية وجود عناصر مشعة في الجمهورية، ورأت أنه «لا يمكن أن تبقى هذه المواد لفترة طويلة من دون أن تلاحظها الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، فإنها أعلنت في المقابل دعم إجراءات مينسك.
في عام 2008، توجه وفد من الكونغرس الأميركي إلى مينسك، واستقبله لوكاشينكو، الذي أعرب عن أمله في أن يعود سفير الولايات المتحدة. لكن تطورات الأحداث حالت دون تحقيق هذا الأمل. وقد أعاق تطور دفء العلاقات مع الأميركيين أن تلك المرحلة أعقبتها مباشرة مظاهرات مناهضة للحكومة في مينسك، اندلعت بعد إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية لعام 2010. وتسبب قمع السلطات البيلاروسية للاحتجاجات بقوة، في موجة جديدة من الانتقادات والعقوبات من واشنطن، ما أسفر عن تدهور جديد في العلاقة.
وكان تبادل الزيارات على المستوى الرئاسي نادراً في المرحلة التي أعقبت استقلال بيلاروسيا بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، إذ قام لوكاشينكو بزيارة رسمية واحدة إلى واشنطن عام 1995. سبقتها زيارة وحيدة كذلك للرئيس الأميركي جورج بوش إلى مينسك. أما عدا ذلك فقد كانت الزيارات على مستوى متدنٍّ لبعض البرلمانيين من البلدين، لذلك كله أثارت زيارة بولتون اهتماماً متزايداً داخل البلاد وخارجها.
ووفقاً لخبراء فإن الاهتمام بمينسك لا يرتبط بحقيقة أن لوكاشينكو لم يعد يُنظر إليه في الغرب على أنه «ديكتاتور»، باعتبار أن «الموقف تجاهه لا يزال حذراً». ولكن يشير مراقبون إلى أن الاهتمام بمينسك، من جانب واشنطن تزايد بعد المفاوضات حول الأزمة الأوكرانية في مينسك عام 2015، وبرز خلالها لوكاشينكو بصفته راعياً لعملية السلام بين روسيا وأوكرانيا، وأعقب ذلك رفع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بعض العقوبات التي كانت مفروضة على بيلاروسيا. كما لعبت التكهنات، التي تحدثت في وسائل الإعلام الغربية حول احتمال قيام روسيا بضم بيلاروسيا في إطار اتحاد فيدرالي لتعزيز فرص الرئيس فلاديمير بوتين في البقاء بالسلطة بعد عام 2024 رئيساً للدولة الاتحادية، دوراً في تزايد نفوذ لوكاشينكو من وجهة نظر الأوساط الغربية و«بدا بالفعل وكأنه مدافع عن السلامة الإقليمية لبلاده»، وفقاً لتعبير خبير روسي.
ورغم أن الرئيس الروسي بوتين صرح مراراً بعد ذلك أن «موسكو ليست لديها خطط ولا أسباب لإقامة اتحاد من هذا النوع بين البلدين»، لكن الغرب واصل البحث عن معانٍ خفية في التلميحات الغامضة للكرملين حول هذا الموضوع.
ووفقاً للمحللين، فإن لوكاشينكو لا يعارض الدعم الخارجي لبلاده، ويرغب في انفتاح سريع، وهو نفسه كان يعلن قبل كل زيارة لمسؤول مهم عن أمله في أن ينتهي جمود مسار العلاقات مع الغرب. وفي هذا السياق رأى محللون في وكالة «نوفوستي» الرسمية الروسية أن الزعيم البيلاروسي قام بمناورة بمهارة في العلاقات مع موسكو من أجل المساومة على امتيازات أوسع مع الغرب. وقد أعلن إبان الاستعداد لزيارة بولتون لمينسك، عن تطلعه لتوسيع دائرة مصادر النفط. وأبدى بالإضافة إلى العقود مع روسيا، اهتماماً بإمدادات النفط الأميركية.
وبرأي بعض الخبراء، فإنه لم يتضح تماماً ما إذا كانت هذه «خططاً جدية، أم خدعة أخرى للرجل العجوز، تهدف إلى تعزيز أوراقه في مفاوضات تقليص أسعار النفط الروسي». ومع ذلك، فإن الانفتاح، الذي أبدته مينسك لتطوير الحوار مع واشنطن بكل الطرق الممكنة، وفر أجواء إيجابية لتنظيم زيارة بولتون إلى بيلاروسيا.
ووفقا لدينيس ميليانتسوف، منسق برنامج السياسة الخارجية البيلاروسية لمبادرة مينسك للحوار، فإن «زيارة بولتون محاولة لوضع أجندة علاقات ثنائية بيلاروسيا - أميركية، لا ينبغي أن يقتصر البحث فيها عن محاولات للضغط على موسكو أو بكين».
وبرأي الخبير فإن التكهنات حول خطط روسيا لضم بيلاروسيا وفرت فرصة لواشنطن لمحاولة استقراء الموقف، عبر هذه الزيارة، لكن «لا يفكر أي طرف بجدية حيال تطور من هذا النوع». وقال إنه «بدلاً من ذلك، قد يصبح أمن الحدود الأوكرانية الموضوع الأكثر أهمية في العلاقات بين الولايات المتحدة وبيلاروسيا». وقد صرحت وزارة الدفاع البيلاروسية مراراً بأنها مهتمة بعمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام في أوكرانيا. كما أنه من الممكن أن تكون زيارة بولتون مؤشراً لتحضيرات لاجتماع لوكاشينكو مع (الرئيس الأميركي دونالد) ترمب.
ويؤيد هذا الرأي أرسيني سيفيتسكي، مدير المركز البيلاروسي لدراسات السياسة الخارجية والاستراتيجية، الذي يرى أن العلاقات البيلاروسية - الأميركية ما زالت تمر بمرحلة منخفضة من التطور، وأنه من غير المناسب بعدُ الحديث عن أي مساومة، على حساب روسيا أو الصين.
ووفقاً لسيفيتسكي، فإن «أجندة المفاوضات محدودة للغاية. فالجانب البيلاروسي مهتم في المقام الأول برفع العقوبات، واستعداد مينسك لشراء النفط الأميركي، واستئناف نشاط البعثات الدبلوماسية بين الطرفين يجب أن يسهم في ذلك»، مشيراً إلى أنه «ينبغي عدم توقع اختراقات قبل إجراء الانتخابات البرلمانية في بيلاروسيا، وبعدها الانتخابات الرئاسية. والحد الأقصى الذي يمكن توقعه في المستقبل القريب هو زيادة عدد العاملين الدبلوماسيين في مينسك وواشنطن».
في المقابل، يعتقد رافائيل ستاروف، الخبير في الشؤون الدولية، أن المخاوف التي عبر عنها بولتون قبل زيارة كييف ومينسك بشأن نفوذ الصين المتزايد هناك، لها أهمية خاصة، ويرى أن التأثير الصيني بالتحديد في بيلاروسيا «هو الذي يزعج الأميركيين أكثر من الروس».
وقال الخبير: «في الولايات المتحدة يفكرون في سيناريوهات لإبعاد نفوذ موسكو على مينسك. لكن الإنتاج البيلاروسي - الصيني الذي برز مؤخراً لقاذفات صواريخ متعددة الأغراض من طراز (بولونايز) يمثل مصدر قلق كبيراً للولايات المتحدة».
ولفت الخبير إلى أن بولتون، الذي يتولى الإشراف على الأمن الاستراتيجي والنووي في إدارة ترمب، سعى لفتح قناة حوار مباشرة حول هذا الملف.



الجيش الأميركي يعلن إصابة أو إغراق أكثر من 20 سفينة إيرانية

مدمّرة أميركية تبحر بجانب ناقلة خلال عملية تموين في بحر العرب - 18 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مدمّرة أميركية تبحر بجانب ناقلة خلال عملية تموين في بحر العرب - 18 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

الجيش الأميركي يعلن إصابة أو إغراق أكثر من 20 سفينة إيرانية

مدمّرة أميركية تبحر بجانب ناقلة خلال عملية تموين في بحر العرب - 18 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مدمّرة أميركية تبحر بجانب ناقلة خلال عملية تموين في بحر العرب - 18 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

ذكرت القيادة المركزية الأميركية، الأربعاء، أن القوات الأميركية أصابت أو أغرقت أكثر من 20 سفينة إيرانية منذ بدء الصراع مع طهران مطلع الأسبوع الحالي.

قال ​قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر، اليوم (الأربعاء)، ‌إن ‌الجيش ​دمر ‌16 ⁠سفينة ​إيرانية وغواصة واحدة، ⁠وقصف ما يقرب من ⁠2000 هدف ‌في ‌إيران.

وأضاف ​كوبر ‌في ‌مقطع فيديو نشر على «إكس»: «اليوم، ‌لا توجد سفينة إيرانية واحدة ⁠تبحر ⁠في الخليج العربي أو مضيق هرمز أو خليج ​عمان».

وأوضح: «يشارك في هذه العملية أكثر من 50 ألف جندي، وحاملتا طائرات، وقاذفات قنابل انطلقت من الولايات المتحدة، وهناك المزيد من القدرات في طريقها إلينا، ما يمثل أكبر حشد للقوة الأميركية في الشرق الأوسط منذ جيل كامل».

وتابع: «نحن الآن في أقل من 100 ساعة من العملية، وقد ضربنا بالفعل ما يقرب من ألفي هدف بأكثر من ألفي ذخيرة. قمنا بإضعاف الدفاعات الجوية الإيرانية بشكل خطير، ودمرنا المئات من منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة. نحن نركز على تدمير كل شيء يهددنا».


التشويش الإلكتروني: كيف يُعطِّل الصواريخ الذكية ويُغيّر مسارها؟

خلال تجربة إطلاق صاروخ من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا 26 مارس 2018 (رويترز)
خلال تجربة إطلاق صاروخ من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا 26 مارس 2018 (رويترز)
TT

التشويش الإلكتروني: كيف يُعطِّل الصواريخ الذكية ويُغيّر مسارها؟

خلال تجربة إطلاق صاروخ من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا 26 مارس 2018 (رويترز)
خلال تجربة إطلاق صاروخ من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا 26 مارس 2018 (رويترز)

أصبحت الحرب الإلكترونية من أهم أدوات الصراع العسكري في العصر الحديث، إذ تعتمد على التحكم في البيئة الكهرومغناطيسية بهدف تعطيل أنظمة العدو أو تضليلها. ومن أبرز تطبيقاتها التشويش على الصواريخ والذخائر الذكية التي تعتمد في توجيهها على إشارات إلكترونية مختلفة مثل إشارات الأقمار الاصطناعية أو الحساسات الرادارية والحرارية. ويكمن هدف هذا النوع من العمليات في إرباك أنظمة التوجيه ومنعها من تحديد الهدف بدقة.

كيف تعمل الصواريخ الذكية؟

تعتمد معظم الصواريخ الذكية الحديثة على مجموعة من أنظمة الملاحة والتوجيه. فبعضها يستخدم إشارات الأقمار الاصطناعية مثل نظام GPS لتحديد الموقع بدقة عالية، إلى جانب نظام الملاحة القصورية INS الذي يعتمد على قياس الحركة والاتجاه داخلياً. كما قد تستخدم الصواريخ حساسات رادارية أو كاميرات حرارية وبصرية لتعقب الهدف، إضافة إلى روابط اتصال لاسلكية تسمح بتحديث مسارها في أثناء الطيران. يهدف الجمع بين هذه الأنظمة إلى زيادة الدقة وضمان استمرار التوجيه حتى في حال تعطل أحد الأنظمة.

التشويش والتضليل: طريقتان للهجوم الإلكتروني

يمكن للهجوم الإلكتروني أن يؤثر في هذه الأنظمة بطريقتين رئيسيتين. الأولى هي التشويش، حيث تُبث إشارات قوية على التردد نفسه لإرباك أجهزة الاستقبال ومنعها من التقاط الإشارة الأصلية. أما الطريقة الثانية فهي التضليل أو التزوير الإلكتروني، حيث تُرسل إشارات مزيفة تشبه الإشارات الحقيقية، ما يجعل الصاروخ يعتقد أنه يتلقى بيانات صحيحة بينما يتم توجيهه فعلياً إلى مسار خاطئ.

خلال إطلاق صواريخ موجهة خلال تدريب عسكري عام 2013 قبالة مدينة تشينغداو الساحلية في الصين (رويترز)

كيف يتغير مسار الصاروخ؟

في حالة الملاحة عبر الأقمار الاصطناعية، قد يبدأ الهجوم بإغراق جهاز الاستقبال بالضجيج الإلكتروني حتى يفقد الاتصال بالإشارة الأصلية، ثم يتم إرسال إشارات مزورة أقوى قليلاً من الإشارة الحقيقية. وإذا نجح هذا الأسلوب، يبدأ النظام الملاحي في حساب موقع خاطئ تدريجياً، ما يؤدي إلى انحراف الصاروخ عن هدفه.

أما الصواريخ التي تعتمد على الرادار أو الحساسات الحرارية، فيمكن خداعها بوسائل مختلفة مثل الضجيج الإلكتروني أو الأهداف الوهمية أو الشعلات الحرارية. وفي هذه الحالات قد يفقد الصاروخ اتجاهه نحو الهدف أو يتجه نحو هدف مزيف.

النتائج العملية للتشويش

عندما ينجح التشويش، غالباً لا ينحرف الصاروخ بشكل مفاجئ، بل تظهر النتيجة على شكل زيادة تدريجية في الخطأ عند إصابة الهدف. فالصاروخ قد يواصل الطيران اعتماداً على نظام الملاحة القصورية، لكنه يفقد التحديثات الدقيقة القادمة من الأقمار الاصطناعية. أما في حالة التضليل الإلكتروني، فقد تكون النتائج أخطر لأن النظام يعتقد أن البيانات التي يتلقاها صحيحة، فيعدل مساره بناءً على معلومات خاطئة.

محاولات الحد من تأثير التشويش

لمواجهة هذه التهديدات، تعمل الجيوش على تطوير وسائل حماية إلكترونية متقدمة، مثل تحسين معالجة الإشارات، وإدارة الترددات لتقليل تأثير التشويش. كما تُستخدم أنظمة لكشف الإشارات المزورة في مستقبلات الملاحة، إلى جانب الاعتماد على أكثر من نظام توجيه في الوقت نفسه.

ورغم هذه الإجراءات، يبقى التشويش الإلكتروني سلاحاً فعالاً في الحروب الحديثة، لأنه يسمح بإضعاف دقة الأسلحة الذكية دون الحاجة إلى تدميرها مباشرة.

اقرأ أيضاً


«حرب السرديات»... ساحة التضليل المواكبة لأحداث الشرق الأوسط

رجل يسير بجوار مبانٍ مدمرة عقب غارات جوية في وسط طهران (أ.ف.ب)
رجل يسير بجوار مبانٍ مدمرة عقب غارات جوية في وسط طهران (أ.ف.ب)
TT

«حرب السرديات»... ساحة التضليل المواكبة لأحداث الشرق الأوسط

رجل يسير بجوار مبانٍ مدمرة عقب غارات جوية في وسط طهران (أ.ف.ب)
رجل يسير بجوار مبانٍ مدمرة عقب غارات جوية في وسط طهران (أ.ف.ب)

منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، اجتاحت الفضاء الرقمي موجة واسعة من المواد المضللة، تراوحت بين صور أُعيد تدويرها، ومقاطع من ألعاب فيديو قُدّمت على أنها ضربات صاروخية، ومشاهد قتالية مولَّدة بالذكاء الاصطناعي، فيما وصفها محللون بأنها «حرب سرديات».

وبعدما أشعلت الضربات الأميركية والإسرائيلية نهاية الأسبوع نزاعاً إقليمياً، اندلعت حرب معلومات موازية، إذ أغرق أنصار الطرفين وسائل التواصل الاجتماعي بمعلومات مضللة غالباً ما تنتشر بوتيرة أسرع من الوقائع على الأرض.

ودحض مدققو الأخبار في «وكالة الصحافة الفرنسية» سلسلة ادعاءات نشرتها حسابات مؤيدة لإيران أعادت نشر مقاطع قديمة للمبالغة في حجم الأضرار الناجمة عن ضربات طهران الصاروخية على إسرائيل ودول خليجية.

وقال مصطفى عياد من «معهد الحوار الاستراتيجي» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «ثمة بالتأكيد حرب سرديات تدور على الإنترنت».

وأضاف: «سواء كان الهدف تبرير الضربات عبر الخليج أو الترويج للقوة العسكرية الإيرانية في مواجهة الضربات الإسرائيلية والأميركية، يبدو أن الغاية هي إنهاك العدو».

وفي الضفة المقابلة، دفعت وسائل إعلام معارضة إيرانية بسرديات مضللة على منصتي «إكس» و«تلغرام» تُحمّل الحكومة الإيرانية مسؤولية ضربة صاروخية استهدفت مدرسة للبنات في إيران، بحسب باحثين.

كما حذّر المعهد من ظهور حسابات مزيفة تنتحل صفة قيادات إيرانية رفيعة.

وفي الأثناء، حصدت مقاطع من ألعاب فيديو أُعيد توظيفها على أنها ضربات صاروخية إيرانية، وصور مولَّدة بالذكاء الاصطناعي تُظهر إغراق سفن حربية أميركية، بينها حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»، ملايين المشاهدات عبر منصات عدة.

وسُجلت أساليب تضليل مماثلة في نزاعات عالمية أخرى، بينها الحرب في أوكرانيا والحرب في غزة.

وقال عياد: «إنها حقاً سرعة وحجم هذه المواد التي تبعث على الدهشة، وتغذي قدراً كبيراً من الالتباس عبر الإنترنت بشأن الأهداف التي تم قصفها أو أعداد الضحايا على سبيل المثال».

ووفقاً لمرصد «نيوزغارد» لمراقبة الأخبار المضللة، حصدت هذه المشاهد الملفّقة التي تُظهر إيران بصورة أكثر تهديداً مما تشير إليه المعطيات الميدانية، أكثر من 21.9 مليون مشاهدة على منصة «إكس» وحدها.

«ضباب الحرب»

وأعلنت منصة «إكس» الثلاثاء أنها ستعلّق مشاركة صانعي المحتوى في برنامج تقاسم العائدات لمدة 90 يوماً إذا نشروا مقاطع عن نزاعات مسلحة مولَّدة بالذكاء الاصطناعي من دون الإفصاح عن كونها مصطنعة.

ويستهدف تعديل السياسة ما وصفته الشركة بتهديد لمصداقية المعلومات في خضم الحرب الجارية ضد إيران.

وقال رئيس قسم المنتجات في «إكس» نيكيتا بير إنه «خلال أوقات الحرب، من الضروري أن يتمكن الناس من الوصول إلى معلومات موثوقة من الميدان»، مضيفاً أن تقنيات الذكاء الاصطناعي الحالية تجعل «من السهل جداً إنشاء محتوى قد يضلل الناس».

ويمثل إلزام الإفصاح عن المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي تحولاً ملحوظاً لمنصة واجه نهجها في إدارة المحتوى انتقادات واسعة منذ استحواذ إيلون ماسك عليها مقابل 44 مليار دولار في أكتوبر (تشرين الأول) 2022.

وقال آري أبيلسون، الشريك المؤسس لشركة «أوبن أوريجينز» المتخصصة في التحقق من صحة المحتوى الإعلامي ومكافحة التزييف العميق «إن ضباب الحرب يتحول سريعاً إلى فوضى عارمة، إذ يخلق المحتوى الاصطناعي بالذكاء الاصطناعي ضجيجاً لا متناهياً في بيئات المعلومات».

وأضاف أنه «مع تصاعد حدة صراع عالمي آخر ذي تأثير بالغ في إيران، من المهم أن نفهم جميعاً كيف يعمل نظامنا الإعلامي».

وفيما قد يزيد من حدة الفوضى الرقمية، أظهرت دراسة «نيوزغارد» أن أداة البحث العكسي عن الصور التابعة لشركة «غوغل» قدّمت ملخصات غير دقيقة مولَّدة بالذكاء الاصطناعي لصور مفبركة ومضللة مرتبطة بالنزاع في الشرق الأوسط.

وقالت الهيئة إن ذلك يكشف عن «ثغرة كبيرة في نظام يُستخدم على نطاق واسع للتحقق من صحة الصور». ولم يصدر تعليق فوري من «غوغل».