أنقرة «تتفاهم» مع واشنطن شرق الفرات و«تختبر» موسكو في إدلب

«الشرق الأوسط» تنشر تفاصيل الترتيبات الأميركية ـ التركية حول «المنطقة الآمنة» شمال سوريا

دخان يتصاعد قرب رتل عسكري تركي بعد تعرضه للقصف في معرة النعمان في إدلب أمس  (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد قرب رتل عسكري تركي بعد تعرضه للقصف في معرة النعمان في إدلب أمس (أ.ف.ب)
TT

أنقرة «تتفاهم» مع واشنطن شرق الفرات و«تختبر» موسكو في إدلب

دخان يتصاعد قرب رتل عسكري تركي بعد تعرضه للقصف في معرة النعمان في إدلب أمس  (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد قرب رتل عسكري تركي بعد تعرضه للقصف في معرة النعمان في إدلب أمس (أ.ف.ب)

ظهرت شقوق في الاتفاق التركي - الروسي حول منطقة «خفض التصعيد» في شمال شرقي سوريا مع تقدم التفاهمات العسكرية التركية - الأميركية لإقامة «منطقة آمنة» شمال شرقي سوريا. وحصل ما كان يعتقد بوجود ترابط عضوي بين المنطقتين اللتين يخترقهما طريق «إم 4»، بحيث تعزز تحول الأراضي السورية مسرحاً لمقايضات استراتيجية بين واشنطن وموسكو وأنقرة تخص الشرق الأوسط و«حلف شمال الأطلسي» (ناتو).
وأكدت مصادر دبلوماسية غربية لـ«الشرق الأوسط» حصول «تفاهمات» بين الجانبين الأميركي والتركي إزاء شرق الفرات كانت بمثابة «ترتيبات عسكرية» لا تصل إلى حد الاتفاق على «منطقة آمنة» واضحة المعالم، لكن هذه «الآلية» مفتوحة لتصل إلى حدود الاتفاق الكامل مع توسع نطاقها بعد زوال الكثير من نقاط الغموض في الترتيبات والعلاقات الثنائية بين واشنطن وأنقرة.
الفجوة كانت واسعة بين الموقفين إزاء شمال شرقي سوريا من الاتصال الهاتفي بين الرئيسين دونالد ترمب ورجب طيب إردوغان: أنقرة أرادت «منطقة آمنة» تمتد نحو 460 كلم من جرابلس على نهر الفرات إلى فش خابور على نهر دجلة وبعمق وسطي قدره 32 كلم، بحيث تكون خالية من «وحدات حماية الشعب» الكردية وسلاحها الثقيل وتكون بحماية عسكرية تركية مع تشكيل مجالس محلية ما يسمح بعودة لاجئين سوريين. واشنطن، أبدت الاستعداد لإقامة منطقة بعمق 5 - 14 كلم تكون محصورة الانتشار بحيث لا تصل أكثر من مائة كلم، مع إبعاد «الوحدات» والسلاح الثقيل والبحث في موضوع المجالس المحلية، إضافة إلى أن تكون حماية المنطقة أميركية.

6 ترتيبات
وبحسب المصادر الدبلوماسية المطلعة على مضمون التفاهمات والخرائط، فإن محادثات الأسبوع الماضي التي استمرت ثلاثة أيام كانت على وشك الانهيار قبل تدخل وزيري الدفاع خلوصي أكار ومارك اسبر لإنقاذها والتوصل إلى تفاهمات تبدأ بتشكيل «مركز عمليات مشترك» جنوب تركيا.
وأوضحت المصادر، أن التفاهمات نصت على التالي: 1) إقامة ترتيبات عسكرية (تسمية أميركية جديدة للمنطقة الأمنة) بطول 70 - 80 كلم بين مدينتي رأس العين وتل أبيض في محاذاة الحدود السورية - التركية وبعمق بين 5 و14 كلم. 2) تسيير دوريات أميركية - عسكرية، وكي يتم ذلك لا بد من تشكيل مركز عمليات مشترك جنوب تركيا. 3) الترتيبات عسكرية بحتة لا تتضمن أي إطار له علاقة بالحكم المحلي ولا علاقة لها بالتحالف الدولي ضد «داعش». 4) سحب السلاح الثقيل و«وحدات حماية الشعب» الكردية من هذه المنطقة. 5) إبعاد السلاح الثقيل مسافة 20 كلم من حدود تركيا في هذه المنطقة. 6) تسيير طائرات استطلاع من دون طيار. للتحقق وتبادل المعلومات.
لم تحقق تركيا كل ما أرادته؛ لأنها طالبت بأن يكون عمق الترتيبات إلى «إم 4» شرق الفرات. ولا تزال هناك أمور «غير معروفة وغير متفق عليها» سيجري التفاوض في شأنها بعد إنجاز المرحلة الأولى. لكن الجانب الأميركي وضع «خطاً أحمر واضحاً، وهو حماية (قوات سوريا الديمقراطية)»، إضافة إلى تعهد واشنطن بالحصول على موافقتها على أي خطوة إضافية وإن كانت هذه التفاهمات شكلت «خيبة» لقائد «قوات سوريا الديمقراطية» مظلوم عبدي الذي كان يريد منطقة بعمق 5 كلم فقط وربط ذلك بخروج تركيا من عفرين في شمال حلب. وأوضحت المصادر أن إردوغان «رفض ربط الملفين: شرق الفرات وعفرين».
ويعتقد المسؤولون الأميركيون أنه بهذه «التفاهمات» حققوا هدفهم العاجل المتمثل بتأجيل خطة إردوغان بدء عملية عسكرية مع فصائل سوريا في شرق الفرات بسبب قلق واشنطن من انعكاس ذلك على مصير «قوات سوريا الديمقراطية» والحرب ضد خلايا «داعش» والوضع الإنساني وبرامج الاستقرار شرق الفرات. عليه، فإن البرنامج الأميركي «يو إس ستارت» سيستمر لدعم الاستقرار وسط خطط لتوفير موازنة تزيد على 300 مليون دولار أميركي سنوياً. ولم يمانع الجانب الأميركي عودة طوعية للاجئين سوريين إلى مناطق في المنطقة الخاضعة للترتيبات العسكرية، لكن كان واضحاً رفض واشنطن الدخول في مفاوضات مع أنقرة حول موضوع الحكم المحلي والمجالس المدنية شرق الفرات، ذلك أن الجانب الأميركي يعتقد أن أوضاع المجلس المحلية تحسنت في مناطق شرق الفرات وصولاً إلى دير الزور وباتت «أكثر تمثيلاً للسكان».
ولوحظ أن التفاهمات بين وزيري الدفاع الأميركي والتركي، قوبلت بتحفظات من وزير الخارجية التركي مولود تشاوش أوغلو الذي قال: «يجب أن يكون الأميركيون أولاً صادقين، ويجب أن يفهموا أن تركيا لن تتحمل أي أساليب تأخير». وقالت المصادر، إن تشاويش أوغلو قلق من تكرار واشنطن لسيناريو خطة منبج والبطء في تنفيذها لـ«شراء الوقت وتمييع البرنامج الزمني».
جاء ذلك مع اتخاذ خطوات ملموسة، بينها إقامة المركز المشترك بعد وصول وفد عسكري أميركي بقيادة الجنرال ستيفن تويتي نائب القيادة الأميركية الأوروبية إلى محافظة سانيلورفا جنوب شرقي البلاد، وتسيير طائرات استطلاع تركية كان بمثابة خطوات ملموسة. وقال خبير تركي: «هناك فرق بالمقاربتين: تركيا تريد حماية نفسها من الوحدات الكردية. أميركا تريد حماية الوحدات من تركيا. لذلك هناك صعوبة في تنفيذ التفاهمات».

شمال غرب
تبلغت موسكو أن المحادثات الأميركية - التركية لم تتضمن إقامة منطقة حظر جوي شمال شرقي سوريا، لكن الجانب الروسي حاول الإفادة من تلك التفاهمات عبر دعم فتح أقنية بين «وحدات حماية الشعب» الكردية ودمشق وتعزيز المخاوف الكردية من الأميركيين. كما سعى الجيش الروسي إلى دعم قوات الحكومة السورية في عملياتها العسكرية لقضم منطقة «خفض التصعيد» شمال غربي سوريا ما هدد اتفاق سوتشي بين الرئيسين فلاديمير بوتين وإردوغان.
كانت أنقرة وواشنطن تبلغتا من موسكو نيتها دعم «عملية محدودة» تتضمن «حماية» مناطق شمال حماة بينها محردة وقاعدة حميميم في ريف اللاذقية، إضافة إلى قضم «المنطقة العازلة» بعد رفض «هيئة تحرير الشام» الانسحاب الكامل من شريط «المنطقة العازلة» بعمق 20 كلم وإخلاء السلاح الثقيل، ثم العمل بتفاهمات مع أنقرة لفتح طريقي «إم 4» و«إم 5».
لكن التفاهمات الأميركية - التركية شمال شرقي سوريا قابلتها موسكو بتجاهل وقف النار وتشجيع دمشق على تحدي اتفاق بوتين - إردوغان وتقديم غطاء جوي وسلاح نوي لقوات الحكومة السورية؛ الأمر الذي أدى إلى توتر روسي - تركي في الغرف المغلقة وقبل القمة الروسية - التركية - الإيرانية في 11 الشهر المقبل. وقال خبير تركي، إن أنقرة «رسمت خطوطاً لموسكو وقالت إنها لن تسمح للنظام بعبورها، وأن خطوط اتفاق سوتشي هي آخر ما يمكن لإردوغان قبوله». وتمت ترجمة عملية ذلك عبر دعم عسكري للفصائل وتقديم ذخيرة وسلاح ومعلومات أمنية.
وكان يوم أمس تعبيراً ملموساً عن الوضع الجديد بين موسكو وأنقرة؛ إذ أرسل الجيش التركي رتلاً عسكرياً ضم قرابة 50 آلية من مصفّحات وناقلات جند وعربات لوجيستية، بالإضافة إلى خمس دبابات على الأقل. لكنه تعرض لقصف سوري أثناء وصوله إلى مدينة معرة النعمان الواقعة على بعد 15 كلم شمال خان شيخون في ريف إدلب الجنوبي.
وأفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» عن استهداف طائرة شاحنة صغيرة تابعة للفصائل المعارضة كانت تستطلع الطريق أمام الرتل التركي عند الأطراف الشمالية لمعرة النعمان؛ ما تسبب بمقتل مقاتل من فصيل «فيلق الشام» السوري المدعوم من تركيا. ولدى وصوله إلى وسط معرة النعمان، نفّذت طائرات سورية وأخرى روسية ضربات على أطراف المدينة، «في محاولة لمنع الرتل من التقدّم».
ونقلت وكالة الأنباء الرسمية السورية (سانا) عن مصدر رسمي في وزارة الخارجية تنديده بدخول «آليات تركية محمّلة بالذخائر في طريقها إلى خان شيخون لنجدة الإرهابيين المهزومين من (جبهة النصرة)»، معتبراً هذا «السلوك العدواني (التركي) لن يؤثر بأي شكل على عزيمة وإصرار» الجيش على «مطاردة فلول الإرهابيين في خان شيخون».
من جهتها، قالت وزارة الدفاع التركية: «على الرغم من التحذيرات المتكررة التي وجهناها إلى سلطات روسيا الاتحادية، تستمر العمليات العسكرية التي تقوم بها قوات النظام في منطقة إدلب في انتهاك للمذكرات والاتفاقات القائمة مع روسيا». لكن موسكو اتهمت انقرة بخرق اتفاق سوتشي، مؤكدة انها لن تسمح ب
عليه، بدا واضحاً من التطورات الميدانية وجود «خلاف» بين عرابي اتفاق سوتشي مع اقتراب عرابي «المنطقة الأمنة» من التفاهم. وقال مصدر دبلوماسي، إن أنقرة تريد إرسال إشارة إلى الفصائل أنه «ليس هناك تفاهم روسي - تركي لتسليم إدلب للنظام كما حصل في جنوب سوريا وغوطة دمشق» وأن الجيش التركي ليس بصدد سحب نقاطه، بل عززه بالدبابات لتأكيد «عدم استعداد أنقرة لأن يتم تهديد أمن عسكرييها أو يصبح مصيرهم تحت رحمة النظام وروسيا».



وكيل محافظة شبوة لـ«الشرق الأوسط»: الحوثيون زودوا تنظيمات إرهابية بتقنية المسيّرات

وكيل محافظة شبوة لـ«الشرق الأوسط»: الحوثيون زودوا تنظيمات إرهابية بتقنية المسيّرات
TT

وكيل محافظة شبوة لـ«الشرق الأوسط»: الحوثيون زودوا تنظيمات إرهابية بتقنية المسيّرات

وكيل محافظة شبوة لـ«الشرق الأوسط»: الحوثيون زودوا تنظيمات إرهابية بتقنية المسيّرات

حذّر فهد الخليفي، وكيل أول محافظة شبوة، من أن جماعة الحوثي زوّدت بعض التنظيمات الإرهابية بتقنيات الطائرات المسيّرة، في إطار ما وصفه بالتخادم الجاري بين الجانبين.

وتأتي تصريحات الخليفي عقب هجوم صاروخي حوثي استهدف، الاثنين، مركز الشهيد أحمد السليماني التدريبي، الواقع على أطراف مدينة عتق، عاصمة محافظة شبوة (جنوب شرقي اليمن). وأفادت السلطة المحلية بأن المركز تعرّض للقصف بثلاثة صواريخ باليستية أثناء تلقي مجندين مستجدين في الأمن الداخلي برامج التدريب والتأهيل الأمني ما أودى بـحياة أكثر من 70 قتيلاً، وأكثر من 200 جريح.

وقال الخليفي، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، إن الهجمات التي تنفذها جماعة الحوثي لن تكسر صمود أبناء المحافظة، بل ستزيدهم عزيمة على مواجهتها.

وأضاف أن لدى السلطة المحلية معلومات تؤكد وجود تعاون بين الحوثيين وتنظيمات إرهابية، من بينها «القاعدة» و«داعش»، مشيراً إلى أن الجماعة مكّنت بعض تلك التنظيمات من الحصول على تقنية الطائرات المسيّرة.

وأوضح أن هذا التعاون يتجلى، حسب قوله، في استهداف القوى الأمنية وقوات دفاع شبوة، إلى جانب قوات درع الوطن التي تمر عبر المحافظة باتجاه محافظات أخرى.

وأعلنت السلطة المحلية اعتماد القتلى «شهداء واجب»، وتثبيت رواتبهم بصورة دائمة لأسرهم، وضمان حقوق المصابين ومستحقاتهم وصرفها دون تأخير، مؤكدة تسخير الإمكانات اللازمة لتقديم الرعاية الطبية للجرحى. وقال الخليفي إن الضحايا والمصابين من الأفراد المستجدين التابعين للشرطة والأجهزة الأمنية في المحافظة.

وأشار الخليفي إلى أن محافظ شبوة عوض بن الوزير كشف عن امتلاك السلطة المحلية أدلة على التعاون بين الحوثيين وتنظيمات إرهابية أخرى، مضيفاً أن هذا التنسيق تصاعد في الآونة الأخيرة، وأن الأجهزة الأمنية ترصده.

وتابع أن الحوثيين والتنظيمات الإرهابية ينفذون، وفق تعبيره، استهدافات مباشرة، ويزرعون العبوات الناسفة والمفخخة في الطرق والمواقع التي تسلكها القوات الأمنية وقوات دفاع شبوة. وأضاف أن هذا التعاون امتد إلى استخدام الطائرات المسيّرة، بعدما مكّن الحوثيون بعض التنظيمات من هذه التقنية.

وأكد الخليفي أن «هذه الأعمال الإرهابية لن تكسر صمود أبناء شبوة في مواجهة الحوثيين»، داعياً التحالف العربي إلى دعم الجبهات بأسلحة نوعية لمواجهة قدرات الحوثيين، ولا سيما في مجال الطائرات المسيّرة، وتوفير دفاعات أرضية للتصدي للصواريخ الباليستية.

وحمّلت السلطة المحلية في شبوة الجماعة الحوثية المدعومة من إيران المسؤولية الكاملة عن الهجوم والخسائر البشرية الناجمة عنه، عادّةً أن استهداف المجندين أثناء تلقيهم التدريب تصعيد عسكري بالغ الخطورة، وداعية إلى اتخاذ تدابير عاجلة لحماية المنشآت العسكرية والأمنية ومنتسبيها.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي _سبأ_

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي قد اطّلع على مستجدات الهجوم، خلال اتصال بمحافظ شبوة عوض بن الوزير، ووجّه الجهات المختصة بتوفير الرعاية الطبية اللازمة للجرحى، والعناية بأسر القتلى، واستكمال إجراءات تسوية أوضاعهم وصرف مرتباتهم، واتخاذ ما يلزم للرد الحازم على مصادر الهجوم.

وقال العليمي إن استهداف المجندين يعكس، حسب تعبيره، لجوء الحوثيين إلى الهجمات كلما واجهوا ضغوطاً أو تعثرت مخططاتهم المدعومة من النظام الإيراني. وأكد أن الاعتداءات لن تثني الدولة عن مواصلة مسؤولياتها في حماية المواطنين واستعادة مؤسساتها الوطنية، مشدداً على أن دماء الضحايا لن تذهب هدراً، وأن رعاية أسرهم والانتصار لتضحياتهم مسؤولية وطنية.


«فجر اليمن» تكثف ضرباتها ضد الحوثيين براً وجواً

«ألوية العمالقة» الجنوبية صدت هجمات على جبال كهبوب المطلة على باب المندب (إعلام عسكري)
«ألوية العمالقة» الجنوبية صدت هجمات على جبال كهبوب المطلة على باب المندب (إعلام عسكري)
TT

«فجر اليمن» تكثف ضرباتها ضد الحوثيين براً وجواً

«ألوية العمالقة» الجنوبية صدت هجمات على جبال كهبوب المطلة على باب المندب (إعلام عسكري)
«ألوية العمالقة» الجنوبية صدت هجمات على جبال كهبوب المطلة على باب المندب (إعلام عسكري)

تجددت المواجهات العنيفة، الثلاثاء، في جبهات مدينة تعز اليمنية، مع شن الجماعة الحوثية هجمات على جبهة الشقب، بالتزامن مع قصف مكثف استهدف قرى محيطة في جبل صبر، في حين تواصل القوات الحكومية والمقاومة الشعبية التصدي للهجمات ومنع الجماعة من تحقيق أي تقدم، بالتوازي مع استمرار العمليات العسكرية ضمن عملية «فجر اليمن» التي دخلت يومها الـ16.

وتأتي التطورات الجديدة غداة تصاعد الضربات الجوية وهجمات الطائرات المسيّرة على مواقع الحوثيين في تعز ومأرب والجوف، وإعلان «قوات العمالقة صد هجوم واسع للجماعة في جبال كهبوب غرب لحج، في وقت صعّدت فيه القيادة اليمنية تحركها السياسي للمطالبة بتصنيف الحوثيين منظمة إرهابية، وتشديد القيود الدولية على مصادر تسليحهم وتمويلهم.

وقالت مصادر ميدانية يمنية إن قوات الجيش والمقاومة المحلية تصدت للهجمات الحوثية على جبهة الشقب جنوب تعز، ومنعت المهاجمين من إحراز أي تقدم، بينما استمر القصف على القرى المحيطة بجبل صبر، في امتداد للمواجهات التي شهدتها المنطقة خلال الساعات الماضية.

قيادات بالسلطة المحلية في تعز تتفقد الجبهات الغربية للمدينة (إعلام حكومي)

وفي مديرية المسراخ جنوب تعز، واصلت القوات الحكومية، بإسناد من المقاومة الشعبية، هجومها على مواقع الحوثيين، وسط معارك عنيفة في قرية صنمات. وكانت القوات الحكومية قد أعلنت، الاثنين، تحقيق تقدم في منطقتي الصنمات والصراري بجبل صبر، عقب مواجهات مع مجموعات حوثية حاولت التسلل باتجاه قرى المنطقة والوصول إلى قمة جبل العروس وقطع الطرق عبر قرى صبر.

وتحدثت مصادر ميدانية عن تراجع وتيرة الهجمات الحوثية على محيط المدينة خلال الساعات الـ24 الماضية، وسط تقديرات بأن الجماعة تحاول إعادة ترتيب قواتها استعداداً لشن هجمات أعنف.

استنزاف متعدد الجبهات

خلال الساعات الـ24 الماضية، كان المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية، ماجد النزيلي، أعلن تنفيذ 1164 عملية استهداف، قال إنها أسفرت عن تحييد 558 عنصراً حوثياً، بينهم قيادات ميدانية، وتدمير وإعطاب 135 آلية ووسيلة عسكرية. وأضاف أن القوات انتزعت مواقع جديدة في تعز بإسناد جوي ومدفعي، بينما واصلت جبهات شبوة الضغط على مواقع الجماعة وإعاقة تحركاتها وتعزيزاتها.

وفي مأرب والجوف، أعلنت القوات الحكومية استهداف مدرعات وآليات وتحصينات حوثية بالطيران المسيّر، بالتزامن مع هجوم صاروخي جديد على مدينة مأرب. ونشر المركز الإعلامي للقوات المسلحة مشاهد لاستهداف آليات حوثية في جبهات الجوف، وصوراً لضرب تحصينات ومواقع في مأرب، فيما أعلنت وحدة الطيران المسيّر التابعة للفرقة الثانية في قوات «درع الوطن» استهداف تجمع لمقاتلي الجماعة في منطقة اللبنات بالجوف، وأعلن الجيش تنفيذ ضربات مماثلة في محور بيحان.

وفي جبهة كهبوب غرب محافظة لحج، أعلنت «قوات العمالقة» صد هجوم حوثي واسع نفذته مجموعات متتالية، وقالت إن المواجهات استمرت ساعات بمختلف أنواع الأسلحة، وبمساندة جوية من «تحالف دعم الشرعية»، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف المهاجمين.

وتكتسب هذه الجبهة أهمية بسبب موقعها الفاصل بين لحج وتعز وقربها من الممرات المؤدية إلى باب المندب. وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الجماعة تحاول تحقيق اختراق في كهبوب لفتح مسار التفافي باتجاه المضيق، بما قد يساعدها على تخفيف الضغط عن الجيوب المتبقية لها في المنطقة. وفي المقابل، تتواصل العمليات لتأمين المواقع المحيطة بباب المندب، وسط صعوبات تفرضها كثافة الألغام.

العليمي يطلب تحركاً دولياً

سياسياً، أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، استمرار عملية «فجر اليمن» حتى تحقيق أهدافها، موضحاً أنها «لا تقتصر على العمل العسكري، وإنما تشمل حماية السكان واستعادة الخدمات وتهيئة ظروف التعافي وإعادة الإعمار وضمان انتظام عمل مؤسسات الدولة».

وجاء ذلك خلال استقباله القائمَ بأعمال السفارة الأميركية لدى اليمن، نيل هوب، حيث بحث الجانبان العلاقات الثنائية والتطورات العسكرية والأمنية، في ظل استمرار الهجمات الحوثية داخل اليمن وعبر الحدود مع السعودية.

وتناول اللقاء الانتهاكات التي تتهم الحكومةُ الجماعةَ بارتكابها، بما فيها القتل والاعتقال والتهجير والتجنيد القسري، إلى جانب الحصار المفروض على مدينة تعز، الذي قال العليمي إنه يحرم السكان من المياه والمشتقات النفطية والاحتياجات الأساسية.

وشدد العليمي على ضرورة دعم الجهود الرامية إلى إيصال المياه والغذاء والدواء، وتسهيل حركة المدنيين وفتح الطرق الحيوية أمام الإمدادات الإنسانية.

وجدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي شكره السعودية على دعمها السياسي والاقتصادي والإنساني للحكومة والشعب اليمني، بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية على جبهات عدة.

وفي تحرك موازٍ، طلب العليمي رسمياً من الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، دعم تحرك دولي عبر مجلس الأمن لتصنيف الجماعة الحوثية منظمة إرهابية، وضمان تنفيذ حظر توريد الأسلحة إليها وتجفيف مصادر تمويلها وتسليحها ومحاسبة داعميها والمسؤولين عن انتهاكاتها.

طريق رئيسية فجرها الحوثيون لعزل تعز عن المناطق اليمنية المحررة (إعلام محلي)

وخلال اتصال هاتفي مع غوتيريش، أطلع العليمي الأمينَ العام على الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة التي تستهدف مؤسسات الدولة والمنشآت المدنية، وتوسيع الاعتداءات على المدن والقرى، بالتزامن مع حصار تعز وقصف أحيائها السكنية. كما أشار إلى استمرار احتجاز أكثر من 70 من موظفي الأمم المتحدة، إلى جانب اختطاف آلاف المواطنين، وفق ما أورده الجانب اليمني.

وقال العليمي إن الحكومة «تعاملت بمسؤولية مع المبادرات والاتفاقات الرامية إلى إنهاء الحرب، بينما استغلت الجماعة الهدن والمساعي السياسية لإعادة ترتيب صفوفها ومواصلة التصعيد».

ودعا المجتمعَ الدولي إلى «الانتقال من الإدانة إلى التنفيذ الكامل لقرارات الشرعية الدولية، وإنهاء التهديد الحوثي، ورفع الحصار عن المدن، وفتح الطرق والممرات الآمنة أمام المدنيين والإمدادات الغذائية والطبية».

ونقل الإعلام الرسمي اليمني أن غوتيريش أدان الهجمات الحوثية داخل اليمن وعبر الحدود، ورفض استمرار احتجاز موظفي الأمم المتحدة والعاملين العموميين والانتهاكات للقانون الدولي، مؤكداً التزام المنظمة الدولية تقديم دعم أقوى للحكومة اليمنية والسعودية في مواجهة التهديدات.


حصار الحوثيين يخفض إنتاج المياه في تعز إلى النصف

تعذر وصول الإمدادات الإنسانية إلى داخل مدينة تعز بسبب الحصار الحوثي (الأمم المتحدة)
تعذر وصول الإمدادات الإنسانية إلى داخل مدينة تعز بسبب الحصار الحوثي (الأمم المتحدة)
TT

حصار الحوثيين يخفض إنتاج المياه في تعز إلى النصف

تعذر وصول الإمدادات الإنسانية إلى داخل مدينة تعز بسبب الحصار الحوثي (الأمم المتحدة)
تعذر وصول الإمدادات الإنسانية إلى داخل مدينة تعز بسبب الحصار الحوثي (الأمم المتحدة)

تتفاقم الأزمة الإنسانية في مدينة تعز اليمنية مع استمرار الحوثيين في إغلاق الطرق، وتعثر وصول الإمدادات، إذ انخفض إنتاج المياه إلى النصف، وارتفعت أسعار المواد الغذائية بنحو 50 في المائة، وسط شح الوقود، وغاز الطهي، واقتراب مخزونات المستشفيات من الأدوية والأكسجين والوقود من النفاد، وفق بيانات أممية حديثة ترصد تداعيات التصعيد الحوثي على المحافظة.

وتكشف هذه المؤشرات اتساع تأثير الحصار المفروض على تعز، والذي لم يعد يقتصر على عرقلة حركة السكان، والتجارة، بل بات يضغط على الخدمات الأساسية، والإغاثة، في وقت تواجه فيه المحافظة موجة نزوح واسعة، وارتفاعاً في الاحتياجات الإنسانية، بينما تتعذر على المنظمات إيصال الإمدادات الموجودة في عدن والتربة إلى المدينة.

ومنذ مطلع أكتوبر (تشرين الأول)، أعاقت الطرق المغلقة وصول المساعدات الإنسانية، والتجارية، فيما نفدت السلال الغذائية لدى المنظمات الشريكة داخل المدينة، وفق التقارير الأممية. كما تعذر على المنظمات الإنسانية، منذ 8 أكتوبر، التنقل بين مدينة تعز والمديريات الجنوبية، بسبب المخاطر الأمنية، وإغلاق الطرق، وانقطاعات الاتصالات.

وبحسب بيانات الأمم المتحدة، بلغ عدد النازحين جراء التصعيد الحوثي خلال الفترة من الأول من أغسطس (آب) إلى منتصف أكتوبر الحالي 231 ألفاً و991 شخصاً، يمثلون 38 ألفاً و664 أسرة. وسُجلت 99 في المائة من حالات النزوح اعتباراً من 31 أغسطس، بالتزامن مع تصاعد الأعمال القتالية.

ربع المحتاجين فقط في تعز حصلوا على خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة (إعلام محلي)

واستحوذت تعز على نحو ثلاثة أرباع حركة النزوح المسجلة، كما تستضيف حالياً 52 في المائة من إجمالي النازحين، تليها لحج بنسبة 23 في المائة، ثم عدن بنسبة 13 في المائة، وأبين بنسبة 5 في المائة.

ولم تتوقف حركة النزوح مع استمرار المواجهات، إذ أدت الاشتباكات في منطقة التربة إلى نزوح نحو 4500 أسرة خلال ثلاثة أيام، فيما سجل نظام تتبع النزوح نزوح 44 ألفاً و202 شخص إضافي، أي 7367 أسرة، بين 4 و14 أكتوبر.

وحذرت البيانات من أن توسع القتال بالقرب من مواقع النزوح القائمة يدفع أسراً سبق أن فرّت من مناطقها إلى النزوح مجدداً. ومع إغلاق الطرق الرئيسة، بات وصول الأسر إلى محافظتي لحج وعدن أكثر صعوبة، وسط مخاوف من اتجاه مزيد من النازحين نحو مدينة تعز إذا استمرت المواجهات.

الأطفال في صدارة الضحايا

تتزامن الأزمة المعيشية والنزوح مع ارتفاع الخسائر المدنية. ووفق بيانات مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، جرى التحقق من 94 حادثة أسفرت عن 233 ضحية مدنية، بينهم 55 قتيلاً، و178 جريحاً. وشكل الأطفال أكثر من ثلث الضحايا، بواقع 27 طفلاً قتيلاً، و57 جريحاً.

وعلى صعيد الاستجابة الإنسانية، تلقى 152 ألفاً و222 نازحاً، يمثلون 21 ألفاً و746 أسرة، مساعدات أولية عبر آلية الاستجابة السريعة، فيما حصلت 13 ألفاً و243 أسرة على مساعدات نقدية طارئة، و12 ألفاً و594 أسرة على مساعدات غذائية، و9391 أسرة على خدمات المياه، والصرف الصحي، والنظافة. كما تلقى أكثر من 38 ألفاً و500 نازح خدمات صحية.

الأطفال يمثلون أكثر من ثلث الضحايا المدنيين الذين سقطوا بسبب الهجمات الحوثية (إعلام محلي)

لكن حجم الاستجابة لا يزال دون الاحتياجات؛ إذ لم تتلقَّ أربع أسر من كل عشر أسر جرى التحقق من أوضاعها أي مساعدات غذائية طارئة، بينما لم تحصل معظم الأسر التي تلقت المساعدات إلا على الدفعة الأولى من أصل ثلاث دفعات مقررة. ولم تصل مساعدات المأوى إلا إلى أقل من أسرة واحدة من كل عشر أسر محتاجة، فيما لم يحصل سوى نحو ربع المحتاجين على خدمات المياه، والإصحاح البيئي.

وتزداد المخاطر مع وجود 84 في المائة من الأسر النازحة التي جرى التحقق من بياناتها في مديريات مصنفة ضمن المرحلة الرابعة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة الطوارئ. كما حذرت الأمم المتحدة من مخاطر تفشي الكوليرا في مواقع النزوح المكتظة، التي تعاني أصلاً ضعف خدمات المياه، والإصحاح البيئي.

تحرك محلي للتوثيق

في مواجهة هذه التداعيات، شدد محافظ تعز نبيل شمسان على ضرورة إعداد توثيق شامل ودقيق للآثار الإنسانية والخدمية والاقتصادية الناجمة عن الحرب والحصار المفروضين على المحافظة من قبل الحوثيين المدعومين من إيران.

وقال شمسان، خلال اجتماع لجنة شؤون الحصار بالمحافظة، إن القيود المفروضة على تعز تجاوزت إغلاق الطرق الرئيسة إلى ما وصفه بالعقاب الجماعي الممنهج، والذي طال تنقل المواطنين، والخدمات الصحية، والتعليمية، وحركة التجارة، والإغاثة، وإمدادات المياه، والغذاء، فضلاً عن ارتفاع تكاليف المعيشة.

ثلاثة أرباع النازحين جراء التصعيد الحوثي الأخير فروا من محافظة تعز (الأمم المتحدة)

ووجّه اللجنة بتوسيع عمليات الرصد لتشمل آثار الحصار، والتصعيد، والهجمات التي استهدفت المدنيين والمنشآت الحيوية في المخا، ومديريات الساحل الغربي، وإعداد تقارير تستند إلى بيانات دقيقة، وموثقة، بالتنسيق مع الجهات الرسمية، والمنظمات، والمراكز الحقوقية المحلية، والدولية.

وأكد المحافظ أن التوثيق المهني من شأنه إبراز حجم الانتهاكات، وإيصال القضية إلى الرأي العام المحلي، والدولي، ودعم جهود المساءلة. وتعتزم اللجنة إعداد تقارير يومية لقيادة السلطة المحلية، إلى جانب تقارير دورية ترصد الأبعاد الإنسانية والاقتصادية والخدمية للحصار.