لماذا اندلعت احتجاجات هونغ كونغ؟... وما نتيجتها التوقعة؟

محتجون يضعون الأقنعة الواقية من الغاز في مطار هونغ كونغ (وكالة الصحافة الفرنسية أ.ف.ب)
محتجون يضعون الأقنعة الواقية من الغاز في مطار هونغ كونغ (وكالة الصحافة الفرنسية أ.ف.ب)
TT

لماذا اندلعت احتجاجات هونغ كونغ؟... وما نتيجتها التوقعة؟

محتجون يضعون الأقنعة الواقية من الغاز في مطار هونغ كونغ (وكالة الصحافة الفرنسية أ.ف.ب)
محتجون يضعون الأقنعة الواقية من الغاز في مطار هونغ كونغ (وكالة الصحافة الفرنسية أ.ف.ب)

تواجه هونغ كونغ أزمة سياسية هي الأخطر منذ عقود، إثر الاحتجاجات التي اندلعت في 9 يونيو (حزيران)، للتنديد بمشروع قانون حكومي يهدف إلى السماح بتسليم مطلوبين إلى بكين والتي اتسعت للتنديد بالحكومة المحلية الموالية لبكين، والمطالبة بإصلاحات. وتسبب الاعتراض على مشروع القانون في خروج أكبر مظاهرات سياسية منذ سلمت بريطانيا السلطة في هونغ كونغ إلى الصين عام 1997.
الصين تصف احتجاجات هونغ كونغ بـ«شبه الإرهابية»... وعودة العمل بالمطار
ونزل عشرات آلاف المتظاهرين وغالبيتهم من الشباب المعارضين لحكومة هونغ كونغ إلى الشارع مطالبين رئيسة الحكومة بالتنحي، ورافضين مشروع القانون. وصعّد المتظاهرون تحركاتهم مقتحمين مقر البرلمان في الأول من يوليو (تموز) بعد أن كسروا الأبواب الزجاجية الخاصة به واعتصموا في المطار الدولي منددين بـ«وحشية الشرطة» ضد المتظاهرين.
ورغم أن الحكومة المحلية علقت العمل بمشروع القانون لاحتواء غضب الشارع، فإن المحتجين طالبوا بإلغائه تماماً. واندلعت المواجهات قبيل انقضاء مهلة حددها المتظاهرون للحكومة لسحب مشروع القانون.
ولم تستجب رئيسة الحكومة كاري لام لأي من مطالب المحتجين، التي شملت مطالبتها بالتنحي عن منصبها، وتشكيل لجنة مستقلة للتحقيق في «وحشية» الشرطة، ويقول المحتجون إنهم سيستمرون حتى تستجاب جميع مطالبهم.
وأدت عشرة أسابيع من الصدامات العنيفة المتزايدة بين الشرطة والمتظاهرين المؤيدين للديمقراطية، إلى التأثير سلباً على الشركات التي تتخذ من المركز المالي الآسيوي العالمي مقراً لها وذلك في أسوأ أزمة لهذا المركز منذ عاد من الحكم البريطاني إلى الصين في عام 1997.
هونغ كونغ... في سطور
ما زالت هونغ كونغ تتمتع باستقلاليَة عالية ونظام سياسي مختلف عن ذاك في البر الصيني، وذلك وفق مبدأ «بلد واحد، نظامان مختلفان» الذي يُكرِس للمدينة حكمها الذاتي. فللمدينة استقلالية قضائية تتبع هيكلها للقانون العام. كما أنَ لديها قانوناً أساسياً مستقلاً، وينصُ دستورها الذي وُضِعَ عقب نقل ملكيتها من بريطانيا إلى الصين على أنَها ستحوز «درجة من الاستقلالية» في كلِ جوانب الدولة. لها عملتها ونظامها السياسي وهويتها الثقافية.
وكثير من سكان هونغ كونغ لا يرون أنفسهم صينيين، بل هم من أهالي هونغ كونغ.
طُبِق نقل ملكية هونغ كونغ من المملكة المتحدة إلى جمهورية الصين الشعبية في الأول من يوليو عام 1997. لينتهي بذلك رسمياً الاستعمار البريطاني عليها الذي دام لـ150 عاماً. وأصبحت هونغ كونغ أول منطقة إدارية خاصة لجمهورية الصين الشعبية، وفق شبكة «سي إن إن».
وفي حين أن هونغ كونغ عادت إلى الحكم الصيني عام 1997، إلا أنها تتمتع بنظام قانوني منفصل حتى عام 2047 بموجب ترتيب «دولة واحدة ونظامان».
واليوم، ما زال النظام القانوني في هونغ كونغ يعكس النموذج البريطاني، ويمنح الشفافية والإجراءات القانونية الواجب تنفيذها.
قانون هونغ كونغ الأساسي يضمن الحريات غير المتاحة في البر الرئيسي للصين مثل الحق في الاحتجاج والحق في حرية الصحافة وحرية التعبير.
وأحد المبادئ الأساسية في القانون الأساسي هو أن هونغ كونغ لها الحق في تطوير ديمقراطيتها الخاصة. وقد تعهد المسؤولون الصينيون السابقون بعدم تدخل الحكومة المركزية في بكين في ذلك.
لكن في السنوات الأخيرة، أعادت بكين مراراً وتكراراً إعادة تفسير القانون الأساسي، معلنة أنها تتمتع «بولاية قضائية كاملة» على هونغ كونغ.
واشترطت معاهدة تسليم الملكية أن تبقى هونغ منطقة إداريَة خاصة، بحيث تحظى بدرجة عالية من الحكم الذاتي لمدة 50 عاماً على الأقل بعد نقل الملكية. وسيكون قانون هونغ كونغ الأساسي - المشتقُ من القانون الإنجليزي - دستور المنطقة بعد نقل ملكيتها.
ويقول العديد من سكان هونغ كونغ إن الصين بدأت بالفعل في التعدي على هذه الحقوق.
بماذا يطالب المتظاهرون في هونغ كونغ؟
شهد صيف مدينة هونغ كونغ منذ يونيو مسيرات سلمية ضخمة، إضرابات في مختلف المؤسسات المهنية، واعتصامات انتهت بمواجهات عنيفة مع الشرطة. ووضعت لافتة كبيرة على مقر البرلمان بعد اقتحامه، كتب عليها: «لا يوجد مثيرو شغب، ليس هناك سوى طغيان»، وفق «شبكة سي إن إن».
واعترض محتجون مؤيدون للديمقراطية أمس (الثلاثاء)، طريق المسافرين المغادرين في عدد من الممرات في مطار هونغ كونغ، واعتقلوا شخصين مطلقين سراحهما لاحقاً، غداة اعتصام أجبر السلطات على إلغاء كل رحلات الوصول والمغادرة.
ووضع كثيرون منهم أداة جديدة عبارة عن ضمادة على العين أو ربطة رأس، تكريماً لامرأة أصيب وجهها بشكل بالغ الأحد خلال مظاهرة.
وامتلأت باحات الوصول في المطار بالمتظاهرين الذين رحبوا بالمسافرين القادمين بشعار «ناضلوا مع هونغ كونغ، ناضلوا من أجل الحرية».
لماذا الاعتصام في المطار الدولي؟
اختار المحتجون المطار الدولي باعتبار أنه المكان الأكثر أماناً على الإطلاق من الشارع، لكن سرعان ما تحوّل هذا المكان إلى ساحة مواجهات مع الشرطة التي حضرت بشكل كبير إلى المطار في اليوم الخامس من الاعتصام فيه أمس (الثلاثاء).
وتطلّع المحتجون في اختيارهم مطار هونغ كونغ أحد أكثر المطارات ازدحاماً في آسيا، إلى نقل رسالتهم مباشرة إلى المجتمع الدولي. وقد وزّع المحتجون منشورات باللغات الصينية والإنجليزية والفرنسية والكورية واليابانية وغيرها على الزوار الوافدين، توضح أسباب الاضطرابات - كما يراها المحتجون - ومطالب المعارضة. ووزعوا على السياح منشورات تتضمّن معلومات عن «مناطق سياحية جديدة»، ونصحت السياح بما يجب عليهم فعله إذا تم القبض عليهم في الاحتجاجات أثناء زيارتهم لتلك المناطق. ورحبوا بالمسافرين القادمين بشعار «ناضلوا مع هونغ كونغ، ناضلوا من أجل الحرية».
وأعيد فتح مطار هونغ كونغ، اليوم، وسط تحذيرات من أن حركة الطيران ستظل متأثرة بعد أن قالت الصين إن الاحتجاجات التي اجتاحت المدينة خلال الشهرين الماضيين بدأت تبدي مؤشرات على «الإرهاب».
ماذا يعني هذا بالنسبة لاقتصاد هونغ كونغ؟
ألغت سلطات هونغ كونغ، الاثنين، نحو 200 رحلة طيران بعد احتجاجات كبيرة عمّت أنحاء مطار المدينة الدولي، وفق شركة النقل الرئيسية في هونغ كونغ «كاثاي باسيفيك».
ولكن، التجمعات الكبيرة هذه لم تسبب ازدحاماً وعرقلة في عمليات المطار فقط، بل لعبت دوراً كبيراً في التأثير سلباً على الشركات التي تتخذ من المركز المالي العالمي مقراً لها.
وانعكست الاحتجاجات التي هزّت شوارع هونغ كونغ منذ عدة أشهر، طيلة فترة الصيف، بشكل ملحوظ حتى الآن على اقتصاد المدينة.
وكانت قد أعلنت غرفة التجارة الأميركية في هونغ كونغ الشهر الماضي أن الشركات قد أبلغت عن «عواقب وخيمة بسبب الاضطرابات»، من بينها إيرادات مفقودة، وتعطيل سلاسل توريد، واستثمارات متوقفة.
كما واجهت الشركات في هونغ كونغ، على الصعيدين الدولي والمحلي، ضغوطاً واتهامات بالعمل أو التعاطف مع المحتجين. وطلبت سلطات الطيران الصينية كاثاي باسيفيك، بمنع الموظفين الذين يشاركون في الاحتجاجات من السفر إلى الصين.
وفي العام الماضي، سافر أكثر من 74 مليون مسافر عبر مطار هونغ كونغ الذي يتعامل مع 1100 رحلة ركاب وشحن يومياً، ويخدم نحو 200 وجهة حول العالم.
ووفقاً لما قاله وزير النقل في هونغ كونغ فرانك تشان في مايو (أيار) ، فإن المطار يساهم بنسبة 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لهونغ كونغ، بشكل مباشر وغير مباشر.
ويقول المدير العام ورئيس تحرير موقع AirlineRatings.com جيفري توماس، المختص في شركات الطيران، إن ما حدث هو «كارثة بالنسبة لهونغ كونغ، ستكلف عشرات الملايين من الدولارات».
ماذا تقول الحكومة؟
وفي بيان صدر اليوم (الأربعاء)، شجبت شرطة هونغ كونغ «الأعمال المتطرفة والعنيفة التي قام بها المتظاهرون» في المطار، ووصف متحدث باسم الحكومة ما حدث في المطار بأنه تجاوز «الحد الأدنى للمجتمع المتحضر».
وركّزت التغطية الإعلامية في الصين على الاشتباكات والفوضى بين الشرطة والمتظاهرين الذين تم وصفهم من قبل وسائل إعلام صينية بـ«الغوغائيين والعنيفين والمجرمين».
وكان الناطق باسم مكتب شؤون هونغ كونغ وماكاو في مجلس الدولة الصيني، قال إن المحتجين «المتطرفين» الذين دأبوا على مهاجمة رجال الشرطة في الأيام الماضية قد ارتكبوا جرائم خطيرة وبدأوا بإظهار «سلوك إرهابي». وأضاف: «هذا انتهاك صارخ لحكم القانون والنظام الاجتماعي في هونغ كونغ، وهو ما يهدد حياة وسلامة مواطني هونغ كونغ».
وفي مقابلة مع شبكة «سي إن إن»، قال السفير الأميركي السابق لدى الصين ماكس باكوس: «إذا اعتقدت بكين أن بإمكانها إسكات المحتجين فإن ذلك لن ينجح، وأعتقد أنها تعرف ذلك وتحاول إيجاد مخرج».
ما رأي البلدان الأخرى؟
قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمس (الثلاثاء) إن «الاستخبارات الأميركية حذرت من أن الصين ترسل قواتاً إلى حدود هونغ كونغ»، وسط تصاعد الاحتجاجات المناهضة للحكومة في المدينة الصينية التي تتمتع بحكم ذاتي.
وكتب على «تويتر»: «يجب أن يبقى الجميع هادئين وسالمين».
وفي الوقت نفسه، أعرب النواب البريطانيون عن قلقهم إزاء الوضع «المزعج». وقال رئيس لجنة الشؤون الخارجية النائب طوم توغندهات إن «على المملكة المتحدة أن تنظر في مد حقوق المواطنة الكاملة لتشمل هونغ كونغ الصينية. وكان يجب أن يتم ذلك عام 1997 وهو خطأ يحتاج إلى تصحيح».
وكتب وزير الخارجية البريطاني، دومينيك راب، في حسابه على «تويتر»، أمس (الثلاثاء): «تقلقنا رؤية ما يحدث في هونغ كونغ والصور المريبة للاشتباكات بين الشرطة والمحتجين في المطار».



شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟