«مشروع سلمى»... في كل قطعة شوكولاته مذاق مُرهف

فكرة بدأت في مصنع صغير وتبلورت في عُمان وفلسطين

سلمى الحجري تجلب العسل من المزارع
سلمى الحجري تجلب العسل من المزارع
TT

«مشروع سلمى»... في كل قطعة شوكولاته مذاق مُرهف

سلمى الحجري تجلب العسل من المزارع
سلمى الحجري تجلب العسل من المزارع

قطعٌ فاتنة بها عبقٌ لم نألفه يُضفِيه اللبان العماني المأخوذ من أشجار بلاده التي عرُف بها عبر التاريخ. ولا يمكن مقاومة «لوح شوكولاته» تكون الطبيعة حاضرة فيه إلى هذه الدرجة، حيث الزعتر يُجلب من الجبال، هناك أيضاً ماء ورد، وشاي أخضر وليمون، وزنجبيل وعسل، وحليب طازج، كلها مكونات محلية أصيلة تُضاعف من التأثير العاطفي لكل قطعة؛ بعد أن تُحضر من الحقول لتُذوب في الفم حباً مُرَهفاً.
Salma's Chocolates شركة عمانية كان لها السبق في صناعة الشوكولاته، فمنذ عشر سنوات نجحت سلمى الحجري مع شريكتها عائشة، في انتهاج خطٍ جريء يعتمد على نكهات غريبة وتقليدية تحمل رائحة سلطنة عمان وحضارتها.
قد لا يُحسن المرء تمييز الشوكولاته المصنعة يدوياً عن سواها، لكن الذواقة والخبراء حتماً يجيدون الفرق ومن أول قضمة، كما تقول المؤسّسة الشريكة لشركة «سلمى» للشوكولاته، مؤكدة أن من أبرز الفروق التي يمكن ملاحظتها النكهة المستخدمة، ونسبة السكر إذ تتميز الشوكولاته اليدوية بنسبة معتدلة في السكر، في حين تظهر نكهة الحليب بوضوح في نظيرتها المُصنعة عن طريق الآلات بُغية خفض التكلفة.
يمر إنتاج الشوكولاته بمراحل معقدة، تشرح سلمى لـ«الشرق الأوسط» بالقول: «أولى المراحل تجميع حبوب الكاكاو من الدول المنتِجة، مثل أفريقيا وأميركا الوسطى، وبطبيعة الحال تختلف الجودة والطعم من بلد إلى آخر، وبعد التجميع والتصفية تتولى مصانع ضخمة في أوروبا عملية طحن وعجن الحبوب وخلطها بالسكر والحليب بنسب متفاوتة لتصل إلى صنّاع الشوكولاته على هيئة حبوب أو قوالب كبيرة». مشيرة إلى أن تصنيع الكاكاو لا يندرج في مهام شركتهم؛ لأن تحويل الكاكاو إلى عجينة شوكولاته في حاجة إلى عمليات طويلة ومكلفة.
الابتسامة لذّة هذا العمل؛ لذا تتهلل أسارير «عاشقة الشوكولاته» مع فريقها، محاولة أن تكون سعيدة حتى تنتقل عدوى البهجة إلى الزبون فيضحك وجهه هو أيضاً عند تذوقها. وتقول في ذلك: «يهمني أن يحوز المنتج إعجابي قبل إعجاب أي أحد آخر».
الشوكولاته «الحقيقية» في أغلبها تصافحها يد حانية؛ قالتها بعفوية فيها من جمالية الشِعر؛ متابعة: «الصناعة اليدوية لها مذاق خاص. فيها نعرف بالضبط ماذا وضعنا في القطعة، ولا تتشابه قطعتان قط؛ بينما تفتقر تلك المُصنعّة عبر الماكينات إلى روح الشغف».
وتتصدر الحلويات العمانية قائمة منتجات «سلمى»، ولا سيما التي توشك على الاندثار ولم يعد الشباب يعرفونها مثل الحلوى العمانية الشهيرة وحلوى جوز الهند والماهو «حلوى الحليب».
- لا تتشابه قطعتان
في الأعوام الأخيرة أوجدت سلمى الحجري مكانة لافتة لمشروعها، نائلة «جائزة محمد بن راشد آل مكتوم» لأفضل مشروع شبابي ناشئ في الوطن العربي لعام 2014.
مصنعها الصغير يشتري الحبوب والقوالب ثم يُعرّض الشوكولاته إلى مختلف درجات الحرارة، بدءاً بالتذويب، مروراً بالتبريد، وانتهاءً بالتشكيل، بعدها تضاف النكهات المتنوعة وتُشكّل إما بالقوالب أو التغميس، وفور أن تجمد القطع يعمل الفريق على تغليفها يدوياً، ومن ثم تعبئتها.
وبحسب تجربتها، فإن إنتاج مذاقٍ خاص يتطلب رغبة في التميز بالدرجة الأولى، وتفكيراً إبداعياً يوجد آلية للصناعة لا تتوفر في السوق.
دورة في إيطاليا كانت أول خطوة لسلمى في مشوارها الذي تعلمت فيه تقنيات العمل، وفي كل مرة تسافر فيها مع شريكتها عائشة تتعلمان معاً طرقاً جديدة لتحضير الشوكولاته وفق معايير تتناسب مع الثقافة العربية، مضيفة: «في كل مرة نأتي بفكرة نخضعها للتجربة مرات عدة إلى أن تنجح مثل الكراميل بدبس التمر».
بعد عمل لمدة عامين من منزلها أخذ مشروع «سلمى» يحقق نجاحاً على المستوى المحلي ناهيك عن أن الشوكولاته لاقت إعجاب السياح الأجانب ممن يزورون السلطنة، وكل من تذوقها خارج البلاد أشاد بطعمها، والكلام للشابة العمانية.
سألتها عن دور الماكينات الحديثة في الصناعة اليدوية، فقالت إن مهمتها تقتصر على المساعدة في التذويب والتحكم بدرجة حرارة الشوكولاته فقط، في حين ترتكز العملية الأساسية على أيادي فريق يتكون من ثمانية أشخاص «بمن فيهم عائشة وسلمى» يتمتعون بروح الابتكار، ويعتمدون أسلوب البساطة في تسويق منتجهم.
تقول إن الشوكولاته اليدوية في الوطن العربي ذات صيت جيد، إلا أن ثمة صعوبات تقف عائقاً أمام استمرار هذا النوع من المشاريع، تفصح عنها: «نواجه صعوبة في إيجاد ممولين للشوكولاته وموادها الخام، وفي المقابل طريق التصدير يُعد شائكاً؛ ذلك أن الكثير من الدول تفتقد إلى شركات متخصصة في تصدير الشوكولاته بكميات صغيرة، ناهيك عن نقص واضح في الخبرة بهذا المجال».
«العمانية» سلمى لطالما رفعت شعار «صامدون» وها هي اليوم تصرّح بأنها وفريقها بصدد دراسة قرار إغلاق مصنعهم، تحدثني عن ذلك بكل شفافية: «يعز علينا القول إن فكرة الإغلاق تراودنا، لقد كافحنا طويلاً كغيرنا على مدار السنوات الثلاثة الماضية للمحافظة على الشركة، إلا أن الأزمة الاقتصادية التهمت صغار المصنعين يدوياً، لقد وصلنا إلى مرحلة نعجز فيها عن شراء المواد الخام».
وتضع على الطاولة حقيقة مفادها أن معدلات الطلب في السوق لم تعد مثل السابق نتيجة ارتفاع سعر المواد الأساسية وانخفاض سعر البترول في منطقة الخليج؛ مما أثر سلباً على اقتصاد البلاد، كما أن هذه الصناعة مع الأسف تتعرض لـ«نسخ الأفكار» من البعض واستخدام مواد خام رديئة، تقولها بنبرة أسف.
وتنصح الراغبين في دخول هذا الغمار بعبارة أخيرة: «مواجهة التحديات تتطلب منكم استعداداً عالياً، ومن دون عزيمة وقوة لن يفلح الأمر».
- الفلسطيني لا يُدللّ نفسه
معالم سياحية ودينية تذكّرنا بالتاريخ التليد في محافظة بيت لحم تشد الانتباه ما أن تُلمح على غلاف شوكولاته، حيث تتنوع النكهات المحلية ما بين الفلفل الحار أو القرفة أو النسكافيه أو القهوة، وقد تغطسّ الفواكه المجففة بها، ومنها ما يُحشى بأصناف من المكسرات تنتقي «صاحبتها» أجود الأنواع منها فتخلط مثلاً الجوز مع العسل، ويسمى هذا الصنف «بيكان».
«يرى البعض أن الشوكولاته ترفاً عند مواطن فلسطيني مطحون.. ما رأيك؟». ماجدة سلسع، صاحبة متجر «سويتي» الذي يشتمل في أحد أركانه على مصنع صغير، يأتي جوابها صريحاً: «قانون الحياة هنا ينص على أن الفلسطيني يشتري الشوكولاته في المناسبات لا لمجرد أن يدللّ نفسه بسبب الظروف الاقتصادية القاهرة».
وتؤكد أن الزبون هو سيد الموقف في تحديد نوع المنتج، وبناءً على تجربتها لا يمكن المجازفة بإنتاج كميات كبيرة من صنف معين لا تطلبه السوق وقد يكون عالي التكلفة.
- Sweetie Chocolate
صار اليوم بمدينة بيت لحم كـ«يَراعة مضيئة» في واقع قاسٍ، أطلقته ماجدة عام 2008 بعد تقاعدها؛ إذ لم يكن في تلك الفترة رواج للصناعة الوطنية، بل كان الاعتماد كله على الشوكولاته المستوردة، وفقاً لها.
ولا تمل السيدة التلحمية من التدقيق في اختيار أجود المدخلات إلى هذه الصناعة؛ إذ تنتقي أفضل أنواع «التمر المجول» كما تولي عناية فائقة للمواد الخام التي تدخل في تصنيع حشوات الشوكولاته.
تتحدث ماجدة لـ«الشرق الأوسط» عن رحلتها مع «سعادة» على هيئة قطعة داكنة؛ بالقول: «أردتُ أن يكون مشروعي جديداً وبعيداً عن (التقليدية) التي تعجّ بها السوق المحلية، كان اختيار الشوكولاته صعباً بالنسبة لي لعدم توفر مرجعية سابقة في ذلك الحين يمكن الاستقاء من خبراتها، وبطبيعة الحال تغير الأمر الآن بعد أن فرضت الكثير من المصانع احترامها في مناطق فلسطينية عدة، وباتت قادرة على منافسة الصناعات الأجنبية».
درست المرأة ملياً الفكرة من كل جوانبها، وتوقعت أن يخرج منها إنجاز مميز، ولا سيما أنها ترتبط بمناسبات مفرحة «زواج وتخرج ومواليد وأعياد... إلخ»، وهكذا انطلق من بيت صغير مشروع عائلي يشاركها فيه بالجهد والشغف زوجها وأبناؤها، تخبرني عن بداياتها بروح مفعمة بالحب: «في السنوات الأولى عملت بطريقة يدوية بحتة وبأدواتٍ في غاية البساطة، لقد لاحظت أن تميز العمل اليدوي يكمن في طحن مكونات الشوكولاته على درجة حرارة أقل من درجة حرارة الماكينات المتطورة ولمدة أطول وبكميات أقل، دعيني أختصر الأمر هكذا: التصنيع اليدوي يعني أن نهتم بكل قطعة شوكولا على حدة، والنكهة الطيبة تأتي من المدة الطويلة للطحن».
- السوق... لغة واقعية
«عملية تصنيع الشوكولاته تحتكم إلى عوامل بيئية ودرجات حرارة محددة مع مراعاة أقصى درجات النظافة؛ المسألة ليست سهلة»، ومضة أخرى تضعها على طريق كل من يود اللحاق بعمل من هذا القبيل، مؤكدة أن المكان يجب أن يكون مهيأ للشوكولاته وليس لأغراض أخرى.
تعرفت على المبادئ العامة لصناعة الشوكولاته في زيارة إلى فرنسا، وفي الأردن سنحت لها الفرصة لزيارة مصانع لتطلع عن كثب على بعض التفاصيل، لقد أدركت تماماً أن المشوار لا يخلو من مخاطرة وجرأة وتحدٍ ومواظبة واهتمام، حسب تعبيرها.
بشكلٍ عام؛ تحدث هذه العملية بجلب كل المكونات «زبدة الشوكولاته والكاكاو والسكر، وهناك شوكولاته بحليب وأخرى من دون». تضرب هنا على الوتر الحساس بالقول: «سر المهنة يتجلى في طريقة خلط المكونات وفق درجات حرارة محددة، منها ما توضع في البداية وأخرى تضاف في النهاية، علماً بأني أجرّب نكهات متنوعة لأختبر مدى ملاءمتها بحيث أطحن كميات قليلة ليتسنى لي التحكم بالنكهة».
وبعد هذا التعب، من الطبيعي أن تحتفظ لنفسها بطريقتها الخاصة في التصنيع التي بها تُخرج قطعة من روحها، مستعرضة مزايا وعيوب الصناعة اليدوية؛ بالقول: «بلا شك جودتها أعلى، لكن جدواها الاقتصادية قليلة، وفي المقابل التكلفة مرتفعة، والإنتاج يستغرق وقتاً طويلاً، ولا أخفي أن قلة من الزبائن من يبدون استعداداً لدفع مبالغ عالية لشرائها، وبالنظر إلى الواقع علينا مراعاة ظروف السوق والمستهلك، ناهيك عن أننا نعاني من عوائق الاستيراد، فالمعابر ليست بأيدينا والأسعار ليست طوع أمرنا»... إذن، ماجدة تتحدث بلغة السوق؛ فاستدامة المشروع من أولوياتها وهي مَعنية بكسب الزبائن؛ مما جعلها تلجأ لاحقاً إلى الاستعانة بالماكينات التي تقف في المنتصف بين اليدوي والآلي لتساعدها على إنتاج كميات أكبر مما لو اكتفت بالطريقة البدائية، نقطة مهمة تثيرها أثناء مواصلة الحديث.
وتتمتع بيت لحم بخصوصية دينية، حيث تقع فيها كنيسة المهد؛ مما ألهم ماجدة سلسع بفكرة طباعة صور المعالم التاريخية والأثرية على غلاف شوكولاتتها، فلا يتردد السياح في شرائها على اعتبار أنها تذكار من الصناعة التلحمية، كما أن فلسطيني الداخل المحتل يأخذونها هدايا لأحبتهم.
فخورة بأنها أصبحت نموذجاً ناجحاً للصناعة الوطنية رغم المنافسة المحتدمة مع الشوكولاته المستوردة والمحلية على حدٍ سواء، وتذكر أنها تبذل ما في وسعها لتلبية رغبات الزبائن مهما كانت الكميات بسيطة، وتتفنن في التفاصيل على صعيد الشكل ودرجة الحلاوة وطريقة التغليف والإكسسوارات والتصاميم المطلوبة، طامحة أن يصل انتشار «سويتي» إلى بقية أنحاء فلسطين، فهي تفضل أن تتدرّج في خُطاها لعلها تنجح يوماً في التصدير إلى العالم العربي.
«مشروع العُمر» هكذا تنظر الأسرة المكافحة إلى عملها؛ في حين تضحك ريادية الأعمال وهي تتذوق قطعة محشوة بالكاجو؛ لتقول كلمتها الأخيرة بنبرة واثقة: «نجاحنا واستمرارنا خيارٌ وحيد لا نملك غيره. كل فرد في عائلتي يتقن دوره، حتى أنني أفوّض الصلاحيات لهم وقلبي مطمئن».


مقالات ذات صلة

على مائدة الأميرة ديانا... بوليميا وحمية قاسية وحكاية الفلفل المحشو

يوميات الشرق كانت لحياة الأميرة ديانا الخاصة انعكاسات سلبية على نظامها الغذائي قبل أن تعالج الأمر بالرياضة والأكل الصحي (أ.ب)

على مائدة الأميرة ديانا... بوليميا وحمية قاسية وحكاية الفلفل المحشو

بعد تعافيها من البوليميا، اعتمدت الأميرة ديانا حمية صحية تخللتها أطباق هي الأحب إلى قلبها: بيض «سوزيت»، لحم الضأن بالنعناع، الباذنجان والفلفل المحشو، وغيرها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق من التسوّق مروراً بالطهو وصولاً إلى التذوّق يغطّي البرنامج مراحل إعداد الطبق (شركة الإنتاج)

«طعم السعودية»... مطبخ وسياحة وثقافة في برنامج واحد

من الكبيبة، والرقش، والصياديّة، مروراً بالمليحية والمرقوق، وليس انتهاءً بالجريش والكليجة... برنامج يعرّف العالم على مطبخ السعودية وأبرز مناطقها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الكشري عبارة عن طبق شعبي واسع الانتشار في مصر من المعكرونة والأرز والعدس والبصل المقلي (بيكسلز)

البشت الخليجي والكشري المصري ضمن 68 ترشيحاً لقائمة اليونيسكو للتراث الثقافي

سينافس البشت الخليجي وطبق الكشري المصري والشعر الموسيقي اليمني ضمن 68 ترشيحاً تنتظر موافقة منظمة اليونيسكو لإضافتها لقائمة التراث الثقافي غير المادي.

«الشرق الأوسط» (باريس - نيودلهي)
يوميات الشرق حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل بمناسبة الأعياد (نتفليكس)

ميغان تعود إلى المطبخ ببيجاما العيد والأمير هاري يفضّل طهو أمّها

حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل للطهو على «نتفليكس» بمناسبة أعياد آخر السنة، وضيف الشرف الأمير هاري.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق حمية الملك تشارلز صحية مع بعض الاستثناءات (أ.ف.ب) p-circle 01:25

على مائدة الملك تشارلز... أطعمةٌ عضويّة وبيض الدجاجات التي يعتني بها شخصياً

يدخل الملك تشارلز غداً عامه الـ77 وهو ما زال يحافظ على قوامٍ رشيق بفَضل نظامٍ رياضيّ وحمية صحية قائمة على المأكولات العضوية الطبيعية.

كريستين حبيب (بيروت)

سارة كنج: زعتر جدتي كان رفيقي في غربتي

سارة كنج تحضّر أطيب منقوشة في ستراسبورغ (إنستغرام)
سارة كنج تحضّر أطيب منقوشة في ستراسبورغ (إنستغرام)
TT

سارة كنج: زعتر جدتي كان رفيقي في غربتي

سارة كنج تحضّر أطيب منقوشة في ستراسبورغ (إنستغرام)
سارة كنج تحضّر أطيب منقوشة في ستراسبورغ (إنستغرام)

تسجّل اللبنانية سارة كنج في مدينة ستراسبورغ الفرنسية إنجازاً. فهي استطاعت أن تصنع أطيب منقوشة زعتر فيها. وبالتالي تحوّلت إلى عنوان يقصده أهالي هذه المدينة كي يتذوقوا طعم الزعتر اللبناني الأصيل.

تقول لـ«الشرق الأوسط» إنها عاشت معظم أيام حياتها خارج لبنان. فهي من مواليد فرنسا، تربّت في أفريقيا وعاشت في السعودية. وتتابع: «في كل جولاتي وأسفاري كان هناك رفيق دائم لي. أحمله في حقيبة السفر ولا يفارقني لأنه يمثّل لي رائحة بلدي لبنان. وهو كناية عن كيس زعتر تحضّره لي جدّتي من بلدتي في الجنوب. فكان يواسيني في غربتي وأشعر بالفرح عندما أتذوّقه أو أشتم رائحته. ولا مرة اضطررت إلى شراء هذا المكوّن أينما كنت».

هذه هي باختصار قصة سارة كنج مع الزعتر، ولكن للحكاية تتمة: «كنت أتفاجأ من الناس عرب أو أجانب الذين يجهلون هذا المكون. وفي فترة الجائحة انقطعت من الزعتر ورحت أبحث عنه، طلبته من «أمازون» ومن محلات في لندن. بحثت عنه في فرنسا وفي دول أخرى. ولكنني لم أوفق بما يشبه طعم زعتر بلادي».

تشتري الزعتر والسماق والكشك من لبنان (إنستغرام)

مرّت الأيام وقررت سارة بعدها أن تصنع الزعتر بأناملها في منزلها في ستراسبورغ، وأن تحوّله إلى مشروع من خلال صناعة المنقوشة وبيعها. وتضيف: «كان عليّ الحصول على إذن مسبق من بلدية ستراسبورغ. مررت على أحد المخابز، وصنعت نموذجاً عن المنقوشة التي أنوي بيعها، وتركتها على طاولة عليها 8 قضاة يشكلون أعضاء اللجنة المنوطة إعطائي الإذن. في الليلة نفسها تلقيت اتصالاً منها تُعْلِمُني بأنه تمت الموافقة على المشروع».

من هنا انطلقت سارة في مشوار طويل وصعب. كان عليها الترويج لمنتجها والبحث عن المكان الأنسب لبيعه. اتصلت بأفضل الطهاة وطلبت منهم أن يتذوقوا المنقوشة التي تصنعها. وانتظرت لأن يزودوها برأيهم بها. ذاع صيت زعتر سارة في أرجاء المدينة. وأدرج على لائحة طعام «فيللا رينالا» أهم مكان لتنظيم المناسبات والحفلات.

اليوم زعتر سارة كنج يباع في محل «لوفانتيم» (levanthym) المعترف به رسمياً من قبل موقع «غولت وميلو» (Gault et Milllau) الفرنسي. وهو دليل لأفضل طعام ومطاعم. أما لقبها «سيدة المنقوشة» فقد اكتسبته مع الوقت، سيما وأن أحداً لا يمكنه منافستها بطعمها وجودتها.

حققت إنجازها في صنع المنقوشة بعد تجاوزها مراحل صعبة (إنستغرام)

تستقدم سارة الزعتر ومكوّن السماق من بلدات لبنانية. وهناك مجموعة من النساء في قرى وبلدات لبنانية تساعدنها في ذلك. «إنهن يتوزّعن على بلدات جزين والعيشية وكفر رمان في جنوب لبنان. أوليهن الثقة الكاملة لانتقاء أفضل زعتر وسماق في لبنان. وقد توسعت منتجاتي اليوم لتشمل المونة اللبنانية. نبيع أيضاً الكشك وماء الورد وماء الزهر ودبس الرمان ودبس الخرنوب وغيره. تتم صناعة خلطة الزعتر في فرنسا، وكذلك تعبئته في قوارير زجاجية من قبل مجموعة من ذوي الاحتياجات الخاصة. فيهتمون بتوضيب الزعتر ومنتجات أخرى، وهو ما أسهم في تسريع عملية الموافقة على مشروعي من قبل بلدية ستراسبورغ».

تفتخر سارة كنج، وهي مهندسة معمارية بإنجازها هذا. فهي استطاعت أن تجذب أنظار أهالي ستراسبورغ إلى مشروعها والوثوق به. وهو أمر غير سهل لأنهم لا يثقون إلا بإنتاجاتهم المحلية. «انهم متعلقون بمدينتهم إلى أقصى حدود. ولا يشترون سوى ما تنتجه أرضهم وتصنعه دكاكينهم المعروفة. اليوم صاروا يروجون للزعتر ويقدمونه هدايا يتبادلونها فيما بينهم، إضافة إلى منتجات المونة اللبنانية الأخرى. وتعد هذه المنتجات حرفية بامتياز، والأكثر جاذبية للزبائن من فرنسيين وغيرهم».

وبمناسبة أعياد نهاية السنة، يقام في المدينة «سوق الميلاد» لمدة شهر كامل. وقد اختارته سارة لتبيع المنقوشة اللبنانية الأصيلة خلاله. وتعلّق لـ«الشرق الأوسط»: «أعتقد أن المنقوشة هي المنتج الأكثر مبيعاً في هذه السوق. فالناس تتهافت على الحصول عليها بالزعتر أو بالجبن العكاوي والكشك الذي استقدمه من عرسال البقاعية. وقد اخترت مخبزاً خاصاً تديره عائلة من ستراسبورغ كي أشتري العجين منه».

ولمكون السمسم قصّته مع سارة. «عادة ما يتم الغش في مكون الزعتر، حتى الذين يدعون بيع اللبناني منه في دول عربية وأجنبية. ومعظم أنواع الزعتر وأهم أصنافها هي مضروبة ومغشوشة. وهذا الأمر اكتشفته بنفسي. وقد اضطررت إلى تلف كميات هائلة من زعتر استقدمته من الأردن قيل لي إنه الأشهر فيها. فالسلطات في ستراسبورغ تدقق بشكل كبير بأي مكون أو منتج يدخلها. ومنعتني من بيع هذا الزعتر يومها واستخدامه في صنع المنقوشة لأنه غير صحي وفيه مواد مصنّعة. الأمر نفسه واجهته بمكوّن السمسم. واليوم أشتريه محلياً من مؤسسة معترف بها رسمياً من قبل مراقبي الطعام في ستراسبورغ. فهذا المكون وفي حال كان لا يفي بالشروط الصحية المطلوبة في استطاعته أن يكون بمثابة السمّ».

تصل أحياناً كمية المناقيش التي تبيعها في «سوق الميلاد» إلى 500 قطعة يومياً. «لا يستطيع رواد السوق أن يشتموا رائحة المنقوشة بالزعتر من دون أن يتذوقوها. اليوم زبائني يقصدونني بعد خمس سنوات من العمل في هذه السوق. غالبيتهم فرنسيون وأيضاً عرب وأجانب. والمنقوشة التي أبيعها تتألف من مكونات صحية وسليمة مائة في المائة».

وعن مشاريعها المستقبلية تختم «سيدة المنقوشة» في ستراسبورغ لـ«الشرق الأوسط»: «أخطط لتوسيع نطاق بيع المنقوشة في مدن فرنسية أو غيرها. لا أدري بعد كيف ومتى. ولكن الفكرة تراودني وسأعمل على تحقيقها».


الطماطم الكرزية... كيف تستخدم في الطهي؟

البيض بالشيري توميتو
البيض بالشيري توميتو
TT

الطماطم الكرزية... كيف تستخدم في الطهي؟

البيض بالشيري توميتو
البيض بالشيري توميتو

تتميز الطماطم الكرزية بقشرة رقيقة، ونكهة غنية بالعصارة وحلوة المذاق، سواء تناولتها طازجة أو مطبوخة، هي مكون مرن يرحب بإضافته لعدد كبير من الأطباق.

فهذه الطماطم الصغيرة التي يشتق اسمها من حجم وشكل حبات الكرز تتناسب جيداً مع الأكلات التي يدخل في مكوناتها أنواع الجبن والريحان والأوريغانو والثوم وإكليل الجبل على وجه الخصوص، بالإضافة إلى الخضراوات مثل الفاصوليا والذرة والكوسة، فضلاً عن اللحوم والأسماك.

شيف سيد إمام (الشرق الأوسط)

الشيف سيد إمام يوضح المزيد عن الطماطم الكرزية أو Cherry Tomatoes، قائلاً: «تُقدم الطماطم الكرزية في السلطات، أو الصلصات، ومع وجبات الإفطار والغداء؛ فيمكن إضافتها إلى طبق من الخضراوات المشوية كوجبة خفيفة، أو مع الدجاج والأسماك، وتشكل إضافة رائعة لأطباق المعكرونة».

وتابع: «ويمكن مزجها أيضاً بالمشروبات، وتستطيع اعتمادها كمكون أساسي في المقبلات والأطباق الرئيسية، كما أنها رائعة للتجويف والحشو». ولتحضير هذا النوع من الطماطم ينصح إمام بغسلها جيداً، وتصفيتها أو تجفيفها برفق، ويُمكن استخدامها كاملة في الوصفات، أو مقطعة إلى نصفين، أو مفرومة، وقد تؤكل نيئة للحفاظ على قوامها وعصيرها.

بروشيتا الطماطم الكرزية

مقبلات

ولعمل مقبلات من الطماطم المحشوة بجبن كريمي وجبن البارميزان والأعشاب، تابع الشيف: «تتمتع هذه الطماطم بمذاق رائع، خاصة حين تكون باردة، حضرها مسبقاً واحفظها في الثلاجة حتى موعد التقديم، والخطوة الأولى هي اختيار طماطم كرزية ناضجة، حتى تسهل عليك إزالة البذور والأجزاء الصلبة»، وأضاف: «يتم غسلها جيداً وتجفيفها، ثم يقطع الجزء العلوي، وتقطع الأجزاء الصلبة باستخدام سكين، ثم يتم إزالة اللب والبذور، وأثناء ذلك استخدم أصغر ملعقة متوفرة».

ويتبع ذلك قلب الطماطم، بحيث يكون جانبها المفتوح لأسفل، ووضعها على منشفة مطبخ ورقية؛ حتى يخرج أي سائل زائد، وأثناء ذلك اخلط الحشوة، المكونة من جبن كريمي، ومسحوق البارميزان، وشبت طازج وبقدونس، وثوم بودر، وفلفل أسود، وبابريكا، أو زعتر مجفف، اخلط المكونات جيداً.

اسباغيتي سوداء بالأخطبوط وطماطم شيرى في طبق من شيف ميدو (الشرق الأوسط)

ثم انقل الحشوة إلى كيس بلاستيكي، واصنع فتحة صغيرة، باستخدام مقص، ثم قم بحشو الطماطم الكرزية بها، رش البابريكا، ويمكنك تزيينها بقطع صغيرة من الشبت الطازج، أو الأعشاب المفضلة لديك.

ومن الأطباق المصنوعة منها أيضاً هي «البروسكيتا»، وهي مقبلات إيطالية تقليدية عبارة عن شرائح خبز محمصة، غالباً ما تكون من خبز الباغيت، تدهن بالثوم، والزيت والملح، ومن الممكن تحضيرها مع البصل والباذنجان أيضاً.

ولتحضير «بروسكيتا الط اطم الكرزية» تحتاج إلى بضع شرائح باغيت، وطماطم، وشرائح خبز عادي، وريحان، وعليك أن تقوم بتقطيع الطماطم والريحان، ضعهما في وعاء. وفي وعاء صغير آخر اخلط زيت الزيتون والثوم المفروم، صب المزيج فوق الطماطم والريحان.

تقدم مع الغذاء

وقلب حتى يُغطى المزيج بالكامل، تبله بالملح والفلفل، لا تتردد في إضافة المزيد من زيت الزيتون، أو الثوم حسب رغبتك.

وبحسب الشيف ضع شرائح الباغيت على صينية خبز، ادهن كل شريحة بقليل من زيت الزيتون، حمصها تحت الشواية لمدة دقيقتين إلى ثلاث دقائق، حتى يصبح لونها بنياً فاتحاً ومقرمشاً، واحرص على عدم حرقها، أخرج شرائح الخبز المحمص من الفرن. ثم ضع فوق كل شريحة ملعقة كبيرة من البروشتيتا، إذا رغبت، يمكنك رش كل شريحة بقليل من زيت الزيتون الإضافي، أو خل البلسميك قبل التقديم.

قائمة متنوعة من السلطات

الإفطار

وللإفطار يقترح إمام البيض المخبوز فوق الطماطم المقطعة إلى نصفين، مع جبن بارميزان والريحان، وفريتاتا الطماطم الكرزية، والبيض المقلي أو المسلوق مع الطماطم الكرزية والفاصوليا البيضاء، والأومليت مع الطماطم الكرزية. ومن الممكن أيضاً سحق الطماطم الكرزية بين الخبز والبيستو وجبن الموزاريلا؛ للحصول على شطيرة خفيفة، أو أضفها إلى الخبز المسطح لوجبة شهية، كما تعد الطماطم الكرزية صوصاً لذيذاً لتغطية البسكويت المالح.

سلطة كاب سريعة للعمل أو الجامعة

الغداء والعشاء

وللغداء يقترح الشيف المعكرونة بجبن الفيتا الحامضة مع الطماطم المشوية، والزعتر بنكهته الخفيفة، والذي يضفي مذاقاً منعشاً رائعاً على الطبق، ويمكنك استخدام الأوريغانو بدلاً منه إذا رغبت.

مع إضافة قطع صغيرة من صدور الدجاج المطهية مسبقاً مع الكراث أو كمية مساوية تقريباً من البصل الأحمر المفروم ناعماً.وتأتي شرائح سمك السلمون المغطاة بالكمون والبابريكا، على رأس الأطباق التي يقترحها شيف سيد إمام لعشاق «السي فود»، يقول: «ادهن الشرائح بمعجون الهريسة الحار، وقم بشويها مع الطماطم الكرزية والكراث والثوم، ثم تُغطى بالشبت الطازج وجبنة الفيتا الكريمية.

ومن أطباق «السي فود» التي يقترحها أيضاً هي تاكو السمك المشوي مع الأفوكادو وصلصة الطماطم الكرزية. ويرى أن تاكو الدجاج، أو ساندويتش الموزاريلا المشوية والبيستو من أشهى الوجبات.

خبز الفوكاشيا الطازج بالروزماري والطماطم

السلطات

أما بالنسبة للسلطات، فيقول: «إضافة الطماطم الكرز الطازجة إلى السلطات يساعد أن يصبح بين يديك طبق أخضر مقرمش، تستطيع تناوله مع الخبز المحمص، ومن ذلك السلطة اليونانية مع جبن الفيتا والخيار وزيتون كالاماتا أو سلطة الطماطم الكرزية الكاملة مع البصل المفروم والبقدونس والكزبرة». وتبرز كذلك في قائمة سلطات الطماطم الكرزية سلطة معكرونة الروبيان بنكهتها الغنية بالليمون والكزبرة الطازجة، وزيت الزيتون والتوابل. ويعزز مذاقها إضافة البصل الأحمر المغموس مسبقاً في عصير الليمون والملح قبل التقديم، والذي يضفي عليها نكهة مخلل خفيفة ويُبرز حلاوتها الطبيعية، الملح الذي يعمق النكهة العامة من خلال إبراز الطعم الطبيعي لكل مكون من دون إضافة أي مرارة وفق إمام.

يمكن حشوها كمقبلات

المشروبات

يمكنك أيضاً تحويل فائض الطماطم الكرزية إلى عصير طماطم صافي، يُطلق عليه أحياناً اسم «ماء الطماطم»، وهو عصير لذيذ، ذو قوام ناعم مثالي للخلط مع المكونات الأخرى مثل الليمون والنعناع، ولإضافة لمسة منعشة وصحية، امزج عصير الطماطم الكرزية مع التفاح والخيار.

تضاف إلى البيتزا لمذاق خاص خاص و شكل مميز

نصائح ميدو

يقدم شيف ميدو على مدونته على «إنستغرام» طرقاً للطماطم، ومنها معكرونة سباغيتي «السوداء» بنكهة الحبار، إضافة إلى «كونفي الثوم» القابل للدهن بزيت الزيتون في الفرن. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن (كونفي الثوم) هو سلق فصوص الثوم ببطء في الزيت أو الدهن على درجات حرارة منخفضة، وبإضافة الطماطم الكرزية تستمتع بمذاق رائع لا يقاوم». كما يقدم ميدو وصفة لعمل بروسكيتا بالجبن الكريمي الطازج.


شاي مستوحى من أعمال ديفيد بوي في قاعة أوسكار وايلد الذهبية

شاي مستوحى من أعمال ديفيد بوي في قاعة أوسكار وايلد الذهبية
TT

شاي مستوحى من أعمال ديفيد بوي في قاعة أوسكار وايلد الذهبية

شاي مستوحى من أعمال ديفيد بوي في قاعة أوسكار وايلد الذهبية

لتقليد الشاي الإنجليزي رونقه وسحره، فهو طقس أنيق يجمع بين الهدوء والرقي، حيث تتحول الاستراحة البسيطة إلى لحظة تأمل وذوق رفيع. إنه لقاء بين الضيافة والتقاليد، يمشي خلاله الزمن ببطء مع فنجان شاي دافئ. هذا هو باختصار مشهد هذا التقليد الإنجليزي الذي لا يزال قائماً حتى يومنا في الفنادق الراقية التي تحافظ عليه وتتنافس على تقديمه بقوالب عصرية ولمسات جديدة تمزج ما بين عراقة التاريخ وتفاصيل الحاضر.

وآخر الفنادق التي كشفت عن شاي بعد الظهر الفريد من نوعه، فندق كافيه رويال الذي أطلق تجربة مستوحاة من حياة وأعمال وتأثير الفنان البريطاني ديفيد بوي الدائم في تجسيدٍ للعلاقة العميقة التي تربط الفندق بأحد أهم الرموز الثقافية في بريطانيا.

وتتضمن تشكيلة مختارة من الساندويتشات المالحة، وإبداعات الباتيسري، وسكونز مميزة تحمل علامة بوي، تكريماً لإبداعه وفنه الرائد.

واختار الفندق أن يمزج الفن مع الثقافة فقدم هذه التجربة في قاعة أوسكار وايلد التي سميت باسم الأديب والشاعر الآيرلندي تكريماً لتاريخه الحافل المرتبط بهذه القاعة، حيث ألقى فيها بعضاً من أشهر خطاباته العامة في تسعينيات القرن التاسع عشر، والتي دافع فيها عن الفن والجمال والحرية الفكرية.

حلويات منمقة ونكهات لذيذة (الشرق الاوسط)

كما كان وايلد يجتمع في هذا الفندق بالذات مع كتّاب وفنانين ومثقفين، مما جعل المكان مركزاً للحياة الأدبية اللندنية في عصره.

أما بالنسبة لديفيد بوي فيشكل الفندق أيضاً لحظة مفصلية في تاريخه، ففي الثالث من يوليو (تموز) من عام 1973، أعلن بوي اعتزال شخصيته الأسطورية الأخرى «زيغي ستاردست» خلال حفل وداع أسطوري بعنوان «العشاء الأخير»، عقب عرضه الختامي في «هامرسميث أوديون» وتوثّق صورٌ من الحدث بوي إلى جانب أيقونات ثقافية أخرى، من بينهم ميك جاغر، ولو ريد، ولولو، ورينغو ستار.

تأتي تجربة شاي بعد الظهر هذه كتعبيرٍ مَرِح عن النكهة والخيال والبريق، وقد صُمّمت تكريماً لذكرى بوي في الذكرى العاشرة لرحيله، مع الإشارة إلى المراحل والتحوّلات المتعددة التي ميّزت مسيرته. وتشمل مجموعة من ساندويشات الأصابع المستوحاة من محطات في مسيرته الفنية: مثل: ساندويتش خيار مع جبن كريمي، وساندويتش البيض بالمايونيز مع الأنشوجة. بالإضافة إلى ساندويتش «كورنيشن»، مؤلف من الدجاج واللوز والكزبرة وساندويتش لحم الباسترامي مع الخيار المخلل والخردل الحلو، واللافت هو تسمية كل ساندويتش باسم يمت بصلة لبوي مثل «سنوات برلين» ودارسة في التوابل.

حلويات مستوحاة من تصميم بدلات ديفيد بوي (الشرق الاوسط)

أما بالنسبة للحلويات، فهي أيضاً صممت لتتناسب مع ذائقة ديفيد بوي، والنكهات التي كان يحبها مثل: فيلفت غولدماين: كعكة رِد فِلفِت مع التوت وكريمة شانتيلي بالفانيليا، والبدلة الخضراء: كعكة بإسفنج الفستق والبرالين وغاناش مخفوق، في إشارة إلى البدلة الخضراء التي ارتداها بوي في حفل Tin Machine على الرصيف عام 1991. وحلوى جميلة أخرى باسم ليمون ستاتيك: وهي عبارة عن كيك مادلين مع موس الليمون مزينة بوميض البرق الشهير الخاص ببوي.

أما حلوى منتصف الليل البرتقالي فهي كعكة مع إكلير شوكولاته وكراميل الشوكولاته بالبرتقال، تمثّل بدلة كانساي ياماموتو التي ارتداها للترويج لجولة Aladdin Sane عام 1973.

ولا يمكن أن تكون تجربة الشاي التقليدية كاملة من دون تقديم كما الـ«سكونز» بالنوعين السادة وبالزبيب مع تشكيلة من المربات والكريمة. وبالنسبة للشاي فترافق الساندويتشات والحلوى قائمة متنوعة من أنواع الشاي الإنجليزي والياباني الفاخر، وإذا كنت تفضل عيش تجربة ديفيد بوي على أصولها فلا بد المشي على خطاه وتذوق الشاي الأخضر الياباني الذي كان المفضل بالنسبة له، وقد جرى تنسيق مجموعة مختارة بعناية لترافق تجربة شاي بعد الظهر، إلى جانب تشكيلة من شاي الأولونغ السائب، ودارجيلينغ.

تجربة الشاي بعد الظهر هذه تكرم بوي الذي كان ولا يزال من أهم الموسيقيين اللامعين، وكانت تربطه علاقة وذكريات بالفندق، وتمنح هذه التجربة فرصة عيش إرث الفنان العالمي عن قرب، تكريماً له في المكان نفسه الذي أسدل فيه الستار على أحد أكثر فصول حياته الفنية.

هذه التجربة مميزة لأنها تقام في واحدة من أهم القاعات في لندن، والمعروفة بالزخرفات الذهبية والديكوارت المهيبة، خاصة وأنها كانت شاهدا على روح الإبداع والتمرّد الفني لدى الأديب أوسكار وايلد، وبنفس الوقت تعكس أجواؤها التاريخية جوهر ديفيد بوي، الذي كسر القوالب وأعاد تعريف الفن والهوية، ليصبح المكان إطاراً مثالياً للاحتفاء بفنان غيّر ملامح الثقافة المعاصرة.