شبح «الدفتيريا» يهدد 237 مديرية يمنية تحت سيطرة الانقلابيين

الميليشيات تمنع الفرق من تحصين الأطفال... واتهامات لها بتعمد نشر الأوبئة لتوظيف المأساة سياسياً

طفل يمني يتلقى العلاج من {الدفتيريا} في أحد مشافي صنعاء (غيتي)
طفل يمني يتلقى العلاج من {الدفتيريا} في أحد مشافي صنعاء (غيتي)
TT

شبح «الدفتيريا» يهدد 237 مديرية يمنية تحت سيطرة الانقلابيين

طفل يمني يتلقى العلاج من {الدفتيريا} في أحد مشافي صنعاء (غيتي)
طفل يمني يتلقى العلاج من {الدفتيريا} في أحد مشافي صنعاء (غيتي)

اضطر المواطن اليمني عثمان مقبل لنقل طفله إلى أقرب نقطة صحية في قريته، وحال وصوله وإخضاعه للكشف الطبي، قال له الطبيب: «ابنك يعاني من التهاب بسيط في اللوزتين والأذن الوسطى».
يقول والد الطفل، الذي يقطن إحدى قرى مديرية السدة بمحافظة إب (جنوب صنعاء): «بعد تشخيص الطبيب وإعطائه جرعة علاجية طمأنني بأنه سيكون بعد ساعات بصحة جيدة فأعدته إلى المنزل مع أنه في الواقع ما زالت صحته في حالة متدهورة».
ويضيف: «أربعة أيام مرت على ابني وحالته الصحية تزداد سوءاً، ولست قادراً على فعل شيء نتيجة حالتي المادية الصعبة التي لم تمكّنني من إسعافه للمدينة».
وعقب صراع الطفل عبد الله عثمان (9 سنوات) خمسة أيام مع المرض، لجأ والده لبيع إحدى المواشي ونقله على الفور لإحدى مستشفيات المدينة بعد التدهور الكبير لحالته الصحية، حيث تبين إصابته بوباء الدفتيريا، وما هي إلا ساعات حتى فارق الحياة.
توفي إلى جانب الطفل عبد الله عثمان، أكثر من 200 طفل يمني في مناطق سيطرة الانقلابيين في غضون ثلاثة أعوام نتيجة إصابتهم بالدفتيريا، وفق آخر إحصائية صادرة عن مركز الإعلام والتثقيف الصحي التابع لسلطة الميليشيات بصنعاء.
وكشفت الإحصائية عن إصابة 3906 أشخاص بالدفتيريا خلال الفترة نفسها في مناطق سيطرة الميليشيات، توفي منهم 218 حالة.
وقالت إن نسبة الوفيات بالمرض لدى الأطفال بلغت 89% من إجمالي الوفيات، منها ما نسبته 70% من الأطفال المتوفين نتيجة المرض لم يتم إعطاؤهم التطعيمات اللازمة.
وأشارت الإحصائية إلى أن 61% من الأطفال المصابين بالدفتيريا تراوحت أعمارهم ما بين سنة و14عاماً. وقالت إن مناطق سيطرة الميليشيات تعاني من انتشار مخيف لعدد من الأوبئة والجوائح كالكوليرا والدفتيريا وغيرها.
وأضافت أن سلطات الميليشيات في تلك المناطق لم تتمكن من كبح جماح انتشارها. وتطرقت إلى أن محافظتي إب والحديدة تتصدران أولى المحافظات المصابة بوباء الدفتيريا.
وبالعودة إلى قضية الطفل عبد الله، فقد حمّل والده عثمان، كلاً من وزارة الصحة ومكتبها في إب الخاضعين لقبضة الميليشيات، المسؤولية الكاملة عن فقدان ابنه. وأرجع عثمان ذلك إلى القصور وضعف التشخيص والإهمال المتعمد الذي خلّفه سوء إدارة الميليشيات منذ انقلابها على السلطة قبل أربعة أعوام.
في السياق ذاته أكد مصدر طبي بأحد مستشفيات إب، لـ«لشرق الأوسط» أن ضعف التشخيص والتدقيق الطبي قد يكون سبباً رئيسياً في فقدان المريض حياته، كما حصل في حالة الطفل عبد الله عثمان.
وقال: «لو تم تشخيص حالة الطفل منذ بداية ظهور أعراض المرض كالحمى والتهيج بالعينين وصعوبة البلع وغيرها، وإعطاؤه بعض الأدوية اللازمة وإخضاعه للعناية 20 يوماً على أقل تقدير، لما فقد حياته بهذه السرعة».
ولفت المصدر الطبي إلى تعمد الميليشيات الحوثية نشر الأوبئة والأمراض الخطيرة والمعدية في أوساط اليمنيين بمناطق سيطرتها بهدف استغلالها إعلامياً وسياسياً.
وتحدث عن غياب شبه كامل لحملات وبرامج الوعي والتثقيف الصحي في أوساط المواطنين بالمحافظة ومديرياتها وقراها الخاضعة جميعها لسلطة الميليشيات.
وقال: «لو كان والد عبد الله يعرف ما هي أعراض الدفتيريا أو الكوليرا أو غيرها وكيف يتعامل معهما وما هي الإجراءات الأولية التي يقوم بها لما فقد ابنه بهذه البساطة». ووفقاً للمصدر الطبي، الذي فضل عدم الكشف عن هويته حفاظاً على سلامته، لم تعد وزارة الصحة وفروعها ومكاتبها تقوم بالدور الوطني والإنساني المنوط بها.
وتطرق المصدر في حديثه إلى القصور والعبث واللامبالاة التي تمارسها الميليشيات في الجانب الصحي. وقال: «بدلاً من أن تقوم وزارة الصحة ومكاتبها وفروعها الخاضعة للحوثيين بحملات توعوية تستهدف المجتمع وتوعيه بمخاطر الأمراض والأوبئة الفتاكة، تم حرفها عن مسارها الصحيح التي أنشئت من أجله، وتحولت للأسف الشديد إلى أداة تنفّذ من خلالها الجماعة كل برامجها وأهدافها وثقافتها الخمينية الدخيلة».
وسعت الميليشيات، المدعومة من إيران، طيلة الفترات السابقة إلى استهداف القطاع الصحي في اليمن من خلال تنظيم لقاءات وأمسيات ودورات طائفية لعدد من الكوادر في العاصمة صنعاء وبقية مناطق سيطرتها بهدف إقناعهم باعتناق أفكارها الطائفية المشبعة بالكراهية والعنف من جهة، والتحشيد لميادينها القتالية من جهة أخرى.
ونظمت «الصحة» (الخاضعة لسيطرة الانقلابيين بصنعاء) على مدى أكثر من عشرين يوماً في رمضان الماضي أكثر من 16 أمسية طائفية، منها 14 أمسية استهدفت فيها ولأول مرة نحو 14 مدير مكتب صحة و90 مدير مستشفى (ريفي ومحوري ومركزي) و9 رؤساء هيئات، و30 طبيباً، و55 ممرضاً، و80 إدارياً وفنياً، و220 مدير مديرية، ونحو 300 من مديري الإدارات في مكاتب الصحة وعدد كبير من الموظفين الصحيين العاديين.
وكشف حينها مصدر مسؤول بمركز الإعلام والتثقيف الصحي لـ«الشرق الأوسط»، أن مديري مكاتب الصحة وطاقمها الإداري في كل من: (أمانة العاصمة - محافظة صنعاء - المحويت - عمران - صعدة - حجة - الحديدة - ريمة - ذمار – إب، وبعض قطاعات الصحة بالجوف والبيضاء والضالع وتعز) خضعوا لدورات تدريبية ثقافية وطائفية تحت مسمى أمسيات، وبإشراف ورعاية وحضور القيادي الحوثي طه المتوكل المعين من قبل الميليشيات كوزير للصحة بصنعاء في حكومتها الانقلابية.
وحسب المسؤول، تخلل تلك الأمسيات والدورات، إلقاء دروس ومحاضرات وخطابات تحريضية وانتقامية وسلالية لزعيم الميليشيات عبد الملك الحوثي، وقراءات لملازم الصريع حسين الحوثي، وكلها تدعو إلى العنف والتحريض وتشدد على أهمية الصرخة الحوثية، وتحث المشاركين على الانخراط بالنفس والمال فيما سموه الجهاد في ميادين القتال التابعة للجماعة.
واستمراراً لمسلسل العبث التي تنتهجه الميليشيات فيما يتعلق بالقطاع الصحي وحياة وصحة اليمنيين بمناطق قبضتها، فقد كشفت مصادر طبية خاصة بصنعاء، لـ«الشرق الأوسط» عن قيام الميليشيات مؤخراً بأعمال مضادة وممنهجة رفضاً لحملات التحصين التي تقيمها المنظمات الدولية في مناطق سيطرتها.
وأكدت المصادر أن الجماعة أوقفت حملة للتحصين ضد الدفتيريا الأسبوع الماضي بالعاصمة صنعاء في يومها الرابع، وقالت إن الميليشيات حثت، وعبر طرق متعددة، المواطنين بصنعاء على عدم تحصين أطفالهم لوجود آثار زعمت الميليشيات أنها سلبية وخطيرة وستنعكس على صحة الأطفال إذا تم تلقيحهم، وأضافت أن الميليشيات قامت من جهة أخرى عبر عناصر تنتمي إليها بمضايقة الفرق المشاركة في الحملة، فيما أغلقت عدداً من مراكز التحصين في أحياء متفرقة من العاصمة.
ولفتت المصادر إلى إغلاق عدد من المدارس الحكومية أمام العاملين الصحيين وبإيعاز من الميليشيات، حيث رفضت تلك المدارس فتح أبوابها أمام الفرق المشاركة لاستقبال الأطفال فيها، ما دفع عدداً من العاملين الصحيين إلى تحصين الأطفال في الشوارع، حرصاً منهم على تحقيق أهداف الحملة.
وحسب المصادر ذاتها، اضطر القائمون على الحملة إلى النزول، السبت الماضي، إلى عدد من المنازل في أحياء متفرقة من العاصمة صنعاء ودعوة المواطنين والأسر لأخذ أطفالهم إلى أماكن تم تخصيصها، لتحصينهم ضد وباء الدفتيريا.
انطلقت حملة التحصين ضد الدفتيريا في أمانة العاصمة وصنعاء وعمران مطلع الأسبوع الماضي، بدعم من «اليونيسيف» ومنظمة الصحة العالمية والبنك الدولي. وتستهدف جميع الأطفال بالمحافظات المذكورة على مدى ستة أيام، يتلقى فيها الأطفال من عمر شهر ونصف حتى الخامسة باللقاح الخماسي، ومن عمر الخامسة حتى 15 عاماً باللقاح الثنائي (TD) ضد الكزاز والدفتيريا.
وأطلقت «الصحة العالمية» في 25 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، حملة تطعيم لما يقارب 300 ألف طفل دون سن 12 شهراً، محذرةً من أن الدفتيريا، قد يتحول إلى وباء هالك يفتك أساساً بالأطفال.
وتزامن ظهور وباء الدفتيريا في اليمن مع تصاعد تحذيرات أممية بأن اليمن على شفا أسوأ مجاعة في العالم منذ 100عام. كما انتشر أيضاً وباء الكوليرا وسط نقص حاد في المساعدات الطبية والأدوية، وإغلاق مرافق صحية كثيرة نتيجة الحرب التي خلّفها انقلاب الميليشيات على السلطة الشرعية. ورأت منظمات دولية مهتمة بالمجال الصحي أن الاستعدادات لمواجهة «الدفتيريا» بمناطق الحوثيين ضعيفة. وأرجعت أسباب ذلك إلى استمرار الحرب القائمة في دولة وصفتها بـ«أفقر دول العالم».
وحسب منظمة الصحة العالمية، فإن الدفتيريا عدوى تسببها بكتيريا الخناق الوتدية، وعادةً ما تبدأ علاماتها وأعراضها بعد يومين إلى خمسة أيام من التعرض للبكتيريا المسببة لها وتتراوح حدتها بين خفيفة ووخيمة، إذ تبدأ بالتهاب في الحلق وحمى، تتسبب في انسداد مجرى الهواء في مؤخرة الحلق ينتج عنه صعوبة في التنفس والبلع، إضافة إلى مضاعفات شديدة في مجرى الدم، تصل حد النزيف، نظراً إلى انخفاض عدد الصفائح الدموية.


مقالات ذات صلة

وكيل محافظة شبوة: الحوثيون زودوا تنظيمات إرهابية بتقنية المسيّرات

خاص وكيل محافظة شبوة لـ«الشرق الأوسط»: الحوثيون زودوا تنظيمات إرهابية بتقنية المسيّرات

وكيل محافظة شبوة: الحوثيون زودوا تنظيمات إرهابية بتقنية المسيّرات

حذّر فهد الخليفي وكيل محافظة شبوة من أن جماعة الحوثي زوّدت بعض التنظيمات الإرهابية بتقنيات الطائرات المسيّرة في إطار ما وصفه بالتخادم الجاري بين الجانبين

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص أكد شاو تشنغ أن الصين تتابع التطورات العسكرية الأخيرة في اليمن من كثب (تصوير: نايف العتيبي)

خاص بكين: مستعدون لفتح تحقيق في وصول مكونات عسكرية للحوثيين بالتعاون مع الحكومة اليمنية

رفض شاو تشنغ، القائم بأعمال السفارة الصينية لدى اليمن، التقارير التي تتحدث عن وصول معدات ومكونات مرتبطة ببرامج الصواريخ لدى جماعة الحوثيين

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج اللواء الركن تركي المالكي متحدثاً خلال المؤتمر الصحافي في الرياض الخميس (أ.ب) p-circle

المالكي: على الحوثيين قراءة بيان التحالف وما بين السطور جيداً

حذّر اللواء الركن تركي المالكي، المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية في اليمن، الميليشيا الحوثية من عواقب استهداف المدنيين والمنشآت المدنية في السعودية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي مدينة تعز المحاصرة من قبل الميليشيا الحوثية (إعلام حكومي)

الحكومة اليمنية تطالب بتحرك أممي عاجل لفك حصار تعز

دعت الحكومة اليمنية الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي إلى اتخاذ خطوات عاجلة وفعّالة لفك الحصار الخانق الذي تفرضه الميليشيا الحوثية على تعز، وينذر بكارثة إنسانية.

«الشرق الأوسط» (تعز)
المشرق العربي رئيس مجلس القيادة الدكتور رشاد العليمي متحدثاً للشعب اليمني بمناسبة ذكرى «ثورة 14 أكتوبر» الثلاثاء (سبأ)

العليمي: لا رجوع عن قرار إنهاء الانقلاب الحوثي

أكد رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي مُضي عملية «فجر اليمن» نحو هدفها النهائي المتمثل بإنهاء الانقلاب الحوثي، ولا رجعة عن ذلك مهما كانت التضحيات.

«الشرق الأوسط» (عدن)

استهداف حوثي لمطاري عدن والمكلا

جانب من انتشار القوات الحكومية اليمنية في جبهة جبل هان غرب محافظة تعز (أ.ف.ب)
جانب من انتشار القوات الحكومية اليمنية في جبهة جبل هان غرب محافظة تعز (أ.ف.ب)
TT

استهداف حوثي لمطاري عدن والمكلا

جانب من انتشار القوات الحكومية اليمنية في جبهة جبل هان غرب محافظة تعز (أ.ف.ب)
جانب من انتشار القوات الحكومية اليمنية في جبهة جبل هان غرب محافظة تعز (أ.ف.ب)

صعّدت الجماعة الحوثية هجماتها على المنشآت الحيوية في اليمن، مستهدفةً مطاري عدن الدولي والريان في المكلا بصواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، بالتزامن مع احتدام المعارك في تعز وغرب لحج، واستمرار عملية «فجر اليمن» في استنزاف قدراتها العسكرية والبشرية.

وأفادت معلومات رسمية بسقوط صاروخ باليستي في محيط مطار عدن، فيما تعرض مطار الريان بمحافظة حضرموت لهجوم صاروخي وجوي، لم يسفر عن خسائر بشرية، وفق السلطة المحلية. كما استهدفت الجماعة مصنعاً للإسفنج في منطقة بير باشا في مدينة تعز، في تصعيد طال مرافق مدنية وحيوية.

وقال المتحدث باسم الجيش اليمني إن الجماعة التي تتهم خصومها بفرض الحصار، تمارسه عملياً على السكان عبر استهداف المطارات والمنشآت والبنية التحتية ومنافذ السفر ومصادر الرزق، معتبراً أن هذه الهجمات تعكس نهجاً يتصاعد كلما تعرضت لضغوط ميدانية.


«ندوة جماهيرية» إريترية في القاهرة لمناقشة «أوضاع المنطقة»

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يستقبل الرئيس الإريتري أسياس أفورقي لدى وصوله إلى مطار بولي الدولي في أديس أبابا (رويترز)
رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يستقبل الرئيس الإريتري أسياس أفورقي لدى وصوله إلى مطار بولي الدولي في أديس أبابا (رويترز)
TT

«ندوة جماهيرية» إريترية في القاهرة لمناقشة «أوضاع المنطقة»

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يستقبل الرئيس الإريتري أسياس أفورقي لدى وصوله إلى مطار بولي الدولي في أديس أبابا (رويترز)
رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يستقبل الرئيس الإريتري أسياس أفورقي لدى وصوله إلى مطار بولي الدولي في أديس أبابا (رويترز)

تتواصل تحركات إريتريا الرافضة للمساس بسيادتها من جانب إثيوبيا، وأعلنت سفارتها في القاهرة عقد اجتماع وصفته بـ«العاجل» للجالية المقيمة في مصر، في ظل تصعيد مع أديس أبابا منذ مطلع الشهر الحالي، ومخاوف دولية من تجدد الحرب بينهما.

ويرى الباحث السوداني في الشأن الأفريقي، عبد المنعم أبو إدريس، أن «اجتماع السفارة الإريترية في القاهرة يعد «تحركاً داخل عاصمة حليفة لأسمرة، في ظل وجود جالية إريترية كبيرة، والواضح أن السفارة تريد شرح وجهة نظر الحكومة ومخاوفها من أن تشن إثيوبيا حرباً عليها بعد أن أصبحت قوات الحكومة الفيدرالية على مقربة من الحدود بين البلدين».

وليس هذا التحرك الوحيد الذي تتجه إليه أسمرة، في ظل تخوفات متصاعدة بشأن تداعيات التصعيد الإثيوبي، إذ أطلق ناشطون إريتريون في المهجر عريضة عبر منصة «أفاز»، دعوا فيها «المجتمع الدولي إلى حماية سيادة إريتريا وسلامة أراضيها، والتحرك لمنع تصعيد عسكري محتمل في القرن الأفريقي، على خلفية تصريحات مسؤولين إثيوبيين بشأن الوصول إلى البحر الأحمر»، حسب ما نقلته وسائل إعلام إريترية الأربعاء.

وطالبت العريضة، الموجهة إلى الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، بـ«اتخاذ موقف واضح إزاء أي تهديدات تمس السيادة الإريترية، واحترام الحدود الدولية، وتكثيف الجهود الدبلوماسية لتجنب اندلاع نزاع جديد».

كما التقت السفيرة الإريترية لدى الأمم المتحدة، صوفيا تسفاماريام، المندوب الأميركي الدائم لدى المنظمة، مايك والتز، والسفير جيفري بارتوس، ممثل الولايات المتحدة لشؤون الإدارة والإصلاح بالأمم المتحدة، لبحث تطورات القرن الأفريقي والعلاقات بين إريتريا وإثيوبيا.

وقالت تسفاماريام، في منشور على منصة «إكس»، الثلاثاء، إنه لا توجد «أزمة» بين البلدين، متهمةً إثيوبيا بمواصلة التهديدات ضد سيادة إريتريا وسلامة أراضيها في سياق مساعيها للوصول إلى البحر الأحمر، وداعيةً الأطراف الدولية إلى التحرك لمنع تجدد الصراع في المنطقة.

وأضافت أنها أطلعت المسؤولين الأميركيين على طرد إثيوبيا ممثلي إريتريا لدى الاتحاد الأفريقي ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا، وتدهور العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

دبابة عسكرية إريترية متضررة بالقرب من بلدة ويكرو في إثيوبيا (رويترز)

والتحركات الإريترية لم تقتصر على القاهرة والأمم المتحدة فقط، «ففي اليومين الماضيين زار وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، العاصمة الكينية نيروبي وتلت ذلك مشاركة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في أحد الأعياد الوطنية الكينية، وهاتان الزيارتان كانتا بغرض بحث وساطة حتى لا يصل الأمر إلى المواجهة المباشرة»، حسب تقديرات عبد المنعم أبو إدريس في حديث لـ«الشرق الأوسط».

تصعيد متبادل

ويأتي ذلك المسار الإريتري، وسط تصاعد التوتر بين أسمرة وأديس أبابا منذ مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

وأثارت المعارك التي اندلعت في 23 سبتمبر (أيلول) الماضي مخاوف من اندلاع حرب إقليمية، إذ اتهمت أديس أبابا أسمرة بدعم المتمردين ونشر آلاف الجنود داخل الأراضي الإثيوبية، قبل أن تقول إنها أجبرتها على التراجع بعد نحو أسبوعين، وهو ما نفته إريتريا.

ونالت إريتريا استقلالها عن إثيوبيا عام 1993، وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامَي 1998 و2000، وشهدت العلاقات بين البلدين تحسناً لفترة وجيزة بعد وصول آبي أحمد إلى السلطة في 2018، لكنها تدهورت مجدداً، وصولاً إلى قطع العلاقات كلياً مطلع هذا الشهر بسبب النزاع في تيغراي.

وفي 10 أكتوبر طالبت إريتريا، في رسالة إلى مجلس الأمن، بإدانة ما وصفته بأنه إعلان حرب عليها من جانب إثيوبيا، محذرة من أن ذلك سيؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة. وطالبت باتخاذ «إجراءات ردعية مناسبة» ضد أديس أبابا.

ومساء الاثنين، قال رئيس الوزراء آبي أحمد، منتقداً الأوضاع بأسمرة، إن «الشعب الإريتري فقد كل ما كان يمتلكه بالفترة التي كانت فيها إريتريا جزءاً من إثيوبيا، وتحولت مدنه اليوم إلى ما يشبه القرى البسيطة».

وشدد آبي أحمد على أن «الخيار الأجدى هو حسن الجوار والصداقة»، محذراً من أن «تجاهل الدعوات إلى الشراكة التنموية بدلاً من الانجرار إلى خدمة أجندات الأعداء ينطوي على مخاطر جسيمة وعواقب وخيمة»، حسب مقابلة نقلها تلفزيون «فانا» الإثيوبي ووكالة الأنباء الرسمية للبلاد.

وإزاء تلك التطورات، يعتقد الخبير في الشؤون الأفريقية عبد المنعم أبو إدريس أنه «ليس من مصلحة الدولتين والإقليم بأكمله اندلاع حرب إثيوبية إريترية»، مضيفاً: «ولا أظن ذلك سيحدث».


منشآت الصحة والطواقم الطبية في تعز أهداف للقصف الحوثي

طفلة أصيبت جراء قصف شنه الحوثيون ترقد في أحد المستشفيات بمدينة تعز (رويترز)
طفلة أصيبت جراء قصف شنه الحوثيون ترقد في أحد المستشفيات بمدينة تعز (رويترز)
TT

منشآت الصحة والطواقم الطبية في تعز أهداف للقصف الحوثي

طفلة أصيبت جراء قصف شنه الحوثيون ترقد في أحد المستشفيات بمدينة تعز (رويترز)
طفلة أصيبت جراء قصف شنه الحوثيون ترقد في أحد المستشفيات بمدينة تعز (رويترز)

تتسع التداعيات الإنسانية للتصعيد الحوثي في محافظة تعز اليمنية، مع تواصل القصف على الأحياء السكنية واستهداف المنشآت الصحية وسيارات الإسعاف والطواقم الطبية، بالتزامن مع تشديد الحصار وإغلاق الطرق وعرقلة وصول الإمدادات الأساسية، في وقت وثّقت فيه جهة حقوقية مقتل 8 مدنيين وإصابة 26 آخرين خلال 48 ساعة، وحذرت السلطات الصحية من انهيار قدرة المستشفيات على التعامل مع المرضى والجرحى.

وتزامن هذا التصعيد مع إصابة عدد من الفتيات بقصف حوثي استهدف أحياء سكنية في مدينة تعز وقرى جبل صبر، ومقتل فتاة وإصابة 8 مدنيين من أسرة واحدة جراء قصف صاروخي شمل منزلاً في منطقة الرجم، وفق بيانات محلية رسمية، بينما جدّدت الحكومة اليمنية مطالبتها بتحرك دولي عاجل لوقف الاعتداءات ورفع الحصار.

وقال مدير مكتب الصحة العامة والسكان في تعز، الدكتور فهد النظاري، إن الاعتداءات المستمرة على المنشآت الصحية والطواقم الطبية وسيارات الإسعاف، إلى جانب منع دخول الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود، تهدد قدرة المرافق الصحية على مواصلة تقديم خدماتها، خصوصاً في المناطق التي تشهد مواجهات أو تخضع لسيطرة الحوثيين.

دخان يتصاعد من وسط الأحياء السكنية في تعز جراء قصف حوثي (إعلام محلي)

وأوضح النظاري، في تصريح رسمي أن 5 مستشفيات ومراكز صحية تعرضت لأضرار متفاوتة جراء القصف والاستهداف، بينها هيئة مستشفى الثورة العام ومستشفى الصفوة، والمركز الصحي في منطقة العروس بجبل صبر، ومركز صحي في مديرية الوازعية، وآخر في مديرية المواسط.

وأضاف أن مرافق صحية أخرى تعرضت لأضرار جراء القذائف المباشرة وغير المباشرة، وأن عمليات الحصر والتوثيق لا تزال مستمرة، مشيراً إلى أن القطاع الصحي فقد 15 سيارة إسعاف تابعة للمستشفيات ومكاتب الصحة، قال إن الحوثيين نهبوها، فضلاً عن نهب أجهزة ومعدات طبية من مستشفيات في المخا والتربة.

وأكد أن هذه الاعتداءات أضعفت قدرة المرافق الصحية على الاستجابة للحالات الطارئة ونقل المصابين والمرضى، واتهم الجماعة باستخدام مرافق صحية لأغراض عسكرية، من خلال تحويل بعضها إلى مواقع لتجمع عناصرها أو مراكز لقيادة العمليات والاحتماء بها، ونشر أطقم عسكرية داخلها.

الحوثيون يقصفون أحياء تعز بشكل عشوائي (إعلام محلي)

وحذّر النظاري من أن استمرار استهداف المنشآت الصحية والطواقم الطبية ومنع الإمدادات يفاقمان معاناة آلاف المرضى، خصوصاً المصابين بالسكري وأمراض الكلى والسرطان والأمراض المزمنة، مطالباً بإيصال الأدوية والوقود بصورة عاجلة، وضمان حماية المستشفيات وسيارات الإسعاف والعاملين الصحيين وتمكينهم من أداء مهامهم الإنسانية دون عوائق.

استهداف المسعفين

ومن أبرز الوقائع التي أشار إليها المسؤول الصحي تعذّر الوصول إلى رجل وابنته أُصيبا برصاص قناصة حوثيين داخل منزلهما في منطقة الشقب بمديرية صبر الموادم، بعد استهداف المسعفين وسيارة الإسعاف، ما حال دون إسعافهما وانتشال جثمانيهما، وفق روايته.

وفي حادثة أخرى، وثّقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات استهداف سيارة إسعاف بقذيفة مدفعية في منطقة صبر، ما أدى إلى مقتل سائقها وإصابة الطبيب المرافق وتدمير السيارة.

وقالت الشبكة إنها وثّقت 109 جرائم وانتهاكات خلال 48 ساعة في محافظة تعز، إلى جانب إطلاق نحو 147 مقذوفاً بصورة عشوائية، استهدف معظمها الأحياء السكنية، وإطلاق صاروخين باليستيين على حي صينة وسط المدينة.

وحسب تقرير الشبكة، شملت الحصيلة مقتل 8 مدنيين، بينهم 3 نساء و3 أطفال، وإصابة 26 آخرين، بينهم 7 نساء و4 أطفال، فضلاً عن اختطاف 24 مواطناً ونقلهم إلى جهات مجهولة، ومداهمة نحو 23 منزلاً، وتضرر 17 منزلاً جراء القصف، إلى جانب تضرر 11 مركبة خاصة.

مئات الآلاف من سكان تعز تحت وطأة القصف والحصار (إعلام محلي)

وذكر التقرير أن الانتهاكات شملت القتل والإصابة بالقصف والقنص، والاختطاف والإخفاء القسري، ومداهمة المنازل، واستهداف سيارات الإسعاف والفرق الطبية، واقتحام مراكز لتحفيظ القرآن الكريم ودور عبادة، وقطع الطرق العامة، واستمرار الحصار المفروض على المحافظة.

ورصدت الشبكة إطلاق قذائف هاون وصواريخ كاتيوشا وقذائف مدفعية، إلى جانب استخدام طائرات مسيّرة وصواريخ باليستية، مشيرة إلى أن القصف تركز في مناطق الشقب والمسراخ والأقروض، ومناطق شمالية غربية وشرقية، وأحياء المسبح وصينة، ومنطقة الضبة بمديرية التعزية، ومنطقة الظهر بمديرية جبل حبشي، ومناطق أخرى في المدينة وريفها.

تحرك أممي

في سياق التحركات الدبلوماسية، بحث مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، في نيويورك، مع مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ونائب منسق الإغاثة في حالات الطوارئ، محمد يحيى، تطورات الأوضاع الإنسانية في اليمن، وتداعيات التصعيد العسكري الحوثي، وسبل تعزيز الاستجابة الإغاثية، وحشد الموارد اللازمة لمواجهة احتياجات السكان المتضررين والنازحين.

واستعرض السعدي تداعيات الهجمات على المدنيين والأعيان المدنية ومؤسسات الدولة، خصوصاً في تعز ومأرب وعدن، وما خلفته من ضحايا ونزوح وتعطيل للخدمات الأساسية والعمليات الإنسانية. وسلط الضوء على تدهور الأوضاع في تعز جراء القصف والحصار وإغلاق الطرق وعرقلة وصول الإمدادات، وما ترتب على ذلك من نقص في الغذاء والدواء والوقود والمياه، وتهديد لاستمرار الخدمات الصحية.

كومة من القمامة في أحد شوارع مدينة تعز المحاصرة من قبل الجماعة الحوثية (رويترز)

ودعا إلى تحرك دولي منسق لإنهاء الحصار وفتح الطرق وضمان حرية حركة المدنيين ووصول المساعدات والسلع الأساسية، مطالباً بتكثيف التمويل الإنساني وإعطاء الأولوية للمساعدات الغذائية والصحية والإيوائية، ومواجهة مخاطر الأوبئة وسوء التغذية في مواقع النزوح.

ونسب الإعلام الرسمي اليمني إلى المسؤول الأممي محمد يحيى أنه أكد التزام الأمم المتحدة بمواصلة تقديم المساعدات الإنسانية للشعب اليمني رغم نقص التمويل والتحديات الأمنية والقيود المفروضة على الوصول.

كما أعرب يحيى عن القلق إزاء التداعيات الإنسانية للتصعيد، مشيراً إلى نزوح أكثر من ربع مليون شخص والتدهور السريع للأوضاع في مدينة تعز، ومجدداً الدعوة إلى حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، وضمان المرور الآمن والمستدام للمساعدات والخدمات والسلع التجارية.