إيران تلوّح بتنفيذ ثالث خطوات الانسحاب من الاتفاق النووي

ظريف رفض زيارة البيت الأبيض لعرض مقترحاته على ترمب

الصواريخ الباليستية أثناء عرضها في فبراير الماضي في شوارع طهران وهي الحلقة المفقودة في مقترح قدمه  وزير الخارجية الإيراني الشهر الماضي لإعادة التفاوض حول الاتفاق النووي (أ.ف.ب)
الصواريخ الباليستية أثناء عرضها في فبراير الماضي في شوارع طهران وهي الحلقة المفقودة في مقترح قدمه وزير الخارجية الإيراني الشهر الماضي لإعادة التفاوض حول الاتفاق النووي (أ.ف.ب)
TT

إيران تلوّح بتنفيذ ثالث خطوات الانسحاب من الاتفاق النووي

الصواريخ الباليستية أثناء عرضها في فبراير الماضي في شوارع طهران وهي الحلقة المفقودة في مقترح قدمه  وزير الخارجية الإيراني الشهر الماضي لإعادة التفاوض حول الاتفاق النووي (أ.ف.ب)
الصواريخ الباليستية أثناء عرضها في فبراير الماضي في شوارع طهران وهي الحلقة المفقودة في مقترح قدمه وزير الخارجية الإيراني الشهر الماضي لإعادة التفاوض حول الاتفاق النووي (أ.ف.ب)

بعد يومين من تفاؤل الرئيس الإيراني حسن روحاني بإمكانية التوصل إلى مباحثات تجريها إيران حالياً مع أطراف الاتفاق النووي، قال وزير الخارجية محمد جواد ظريف أمس إن إيران ستنفذ الخطوة الثالثة من التزاماتها النووية في التعهدات الشهر المقبل.
وأفاد موقع البرلمان الإيراني «خانه ملت» أمس، عن ظريف قوله: «ستُنفذ الخطوة الثالثة في تقليص الالتزامات في الموقف الراهن»، مشيراً إلى أن بعض أطراف «4+1» المتبقية في الاتفاق النووي طالبت طهران بعدم تنفيذ الخطوة الثالثة، لكنه قال إن القرار يعود إلى بلاده واعتبر تنفيذ الاتفاق من عدمه «الحق الوحيد» لبلاده. وأضاف: «قلنا إنه إذا لم تنفذ الأطراف الأخرى (الاتفاق) بشكل كامل إذن، فإن تنفيذنا سيكون بنفس النهج غير المكتمل».
ومع ذلك، برر ظريف فرضياته السابقة عندما قال: «بالطبع فإن كل تحركاتنا تتم ضمن إطار العمل (الخاص بالاتفاق)» وفق ما نقلت «رويترز».
كان الرئيس الإيراني حسن روحاني، قد ذكر، الخميس، أن إيران ستنفّذ الخطوة الثالثة «بقوة» من خفض التزاماتها النووية في حال لم تتوصل إلى نتائج إيجابية في الاتفاق النووي، لكنه أعرب عن تفاؤله عندما أشار إلى إمكانية التوصل إلى اتفاق مع الدول الأوروبية حول ثلاثة مطالب أساسية تطالب طهران الدول الأوروبية بتنفيذها وهي: شراء النفط الإيراني، وتشغيل قناة الدفع المالي «إينستكس» عبر عائدات النفط، وعدم تدخل الولايات المتحدة في عمل الآلية. غير أنه قال إن إيران رفضت مقترحات «غير متوازنة». من جانب آخر وجه روحاني رسائل داخلية عندما أشار إلى موعد رفع الحظر الأممي على دخول إيران لأسواق الأسلحة عندما ينتهي العام الخامس من تنفيذ الاتفاق النووي، مشيراً إلى أن إيران بإمكانها بيع وشراء أنواع الأسلحة العام المقبل وذلك وسط اتهامات متبادلة بين طهران وواشنطن حول خرق القرار الأممي 2231 الصادر عقب الاتفاق النووي.
ولمح ظريف، الأربعاء الماضي، إلى مناقشة المحاور الثلاثة في الاجتماع الأخير بين أطراف الاتفاق النووي في فيينا، ووصفه ظريف باجتماع تخللته «تحديات»، في إشارة إلى أجواء مشحونة نظراً إلى كونه أول اجتماع في ظل التوتر الإيراني البريطاني عقب احتجاز «الحرس الثوري» ناقلة نفط تحمل علم بريطانيا، في ردٍّ على ما يبدو على احتجاز ناقلة نفط إيرانية في جبل طارق كانت في طريقها إلى سوريا.
وقال ظريف، الأربعاء، إن طهران حصلت على وعود أوروبية بشأن التزاماتها في الاتفاق النووي، مشيراً إلى أن بلاده تنتظر الخطوات العملية، وهي الخطوة التي من شأنها أن تشكل تحدياً للعقوبات الأميركية.
ومنذ بداية مايو (أيار) أعلنت إيران بدء خطة للانسحاب التدريجي من الاتفاق النووي عبر الحد من التزاماتها بالاتفاق على مراحل، بل قد تنسحب منه نهائياً ما لم تتوصل الأطراف المتبقية فيه إلى سبل لحماية الاقتصاد الإيراني المتأزم أصلاً قبل بدء العقوبات الأميركية عقب انسحاب واشنطن من الاتفاق العام الماضي. وقال مسؤولون إيرانيون إنه من الممكن العدول عن كل الإجراءات التي اتخذتها طهران بشأن تقليص التزاماتها بالاتفاق النووي إذا تجاوبت الأطراف المتبقية في الاتفاق مع مطالبها.
وتخطت إيران الخط الأحمر لمخزون اليورانيوم ونسبة نقاء التزمت بها وفق الاتفاق النووي الذي بدأ تنفيذه في منتصف يناير (كانون الثاني) 2016، وذلك بعدما أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية امتثال إيران لشروط بدء التنفيذ.
والشهر الماضي، هددت إيران بإعادة تشغيل أجهزة الطرد المركزي، ورفع مستوى تخصيب اليورانيوم إلى درجة نقاء 20%، في تجاوز لحدود الاتفاق.
وفرضت الإدارة الأميركية، الأربعاء، عقوبات على ظريف. ونقلت وكالة الأنباء والتلفزيون الإيرانية عن ظريف قوله أمس، إنه فخور بفرض عقوبات أميركية عليه «لدفاعه عن حقوق الشعب الإيراني».
في غضون ذلك، أفادت وكالة الصحافة الفرنسية نقلاً عن مجلة «نيويوركر» الأميركية، أن ظريف دُعي الشهر الفائت إلى البيت الأبيض للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وسط التوتر المتصاعد بين البلدين.
وفي مقال نُشر الجمعة، قالت الصحيفة نقلاً عن مصادر أميركية وإيرانية ومصدر دبلوماسي «واسع الاطلاع»، لم تكشف هوياتها، إن السيناتور الأميركي الجمهوري راند بول وبمباركة من دونالد ترمب، «لعب دور الوسيط مع وزير الخارجية الإيراني» وهو ما تناقلته عدة وسائل إعلام الشهر الماضي.
لكن المجلة كشف كواليس اللقاء وذكرت أن راند بول التقى ظريف في منتصف يوليو (تموز) في نيويورك على هامش زيارة ظريف للأمم المتحدة.
وخلال لقائهما، اقترح السيناتور على ظريف طرح أفكاره حول كيفية وضع حد لمأزق الملف النووي على دونالد ترمب شخصياً. وأوضحت المجلة أن السيناتور العضو في لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ تلقى إذناً من الرئيس ليقترح على ظريف لقاءً في المكتب البيضاوي. الاثنين الماضي، قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية عباس موسوي، إن الولايات المتحدة رفضت عرضاً قدمته لها لإجراء عمليات تفتيش كثيفة لمنشآتها النووية مقابل رفع العقوبات عنها، مؤكدةً أن سبب ذلك هو أن واشنطن «لا تسعى إلى الحوار». وصرح: «لو أن الولايات المتحدة تسعى حقاً لاتفاق... يمكن لإيران أن تحول البروتوكول الإضافي إلى قانون (في 2019) وفي الوقت ذاته تقدم الولايات المتحدة خطة للكونغرس وترفع جميع العقوبات غير القانونية». وتدارك: «ولكن وكما توقعنا فقد رفضوها لأننا نعلم بأنهم لا يريدون المحادثات أو التوصل إلى اتفاق يمكن أن يثمر نتيجة ملائمة».
وبموجب الاتفاق النووي المبرم في 2015، يتعين على إيران المصادقة على وثيقة تُعرف باسم «البروتوكول الإضافي»، وتقضي بإجراء عمليات تفتيش أكثر تشدداً على برنامجها النووي بعد ثماني سنوات من إقرار الاتفاق.
وحسب موسوي، قام وزير الخارجية محمد جواد ظريف، بتقديم الاقتراح خلال زيارة هذا الشهر لنيويورك لدحض فكرة أن «إيران ترفض المحادثات بينما ترغب الولايات المتحدة في الحوار».
ولم يتضمن مقترح ظريف رفع كامل العقوبات عن إيران أي إشارة إلى سلوك إيران الإقليمي وملف الصواريخ الباليستية، وهي أهم الأسباب التي دفعت ترمب إلى «تمزيق» الاتفاق النووي.
جاء ذلك بعد ساعات من دفاع وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، عن فاعلية العقوبات الأميركية على طهران.
وتعد مقترحات ظريف تراجعاً لافتاً من مواقف سابقة. في بداية يناير قال ظريف لقناة «العالم» الإيرانية إن الولايات المتحدة لن تحصل على اتفاق أفضل من الاتفاق الحالي.
عقب انسحاب ترمب من الاتفاق النووي كرر ظريف عدة مرات قوله إن إيران ستفاوض فقط في إطار الاتفاق النووي (حول تنفيذه)، مشيراً إلى أنها سترفض أي تعديل أو إضافة أجزاء جديدة إلى الاتفاق. وقال ظريف أيضاً: «سنتفاوض حول الاتفاق النووي حصراً وخارج الاتفاق النووي لا يوجد لدينا مطلب ولا يوجد كلام لنقوله».
وقالت «نيويوركر» إن ظريف أجاب بأن قرار قبول أو رفض هذه الدعوة يُتخذ في طهران. وأعرب عن خشيته من أن تكون هذه المقابلة مجرد جلسة لالتقاط الصور خالية من المضمون. ولم يقبل القادة الإيرانيون في نهاية الأمر بهذا اللقاء.



اتصالات مصرية - أميركية مكثفة بشأن الملف الإيراني

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء بشرم الشيخ في أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء بشرم الشيخ في أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)
TT

اتصالات مصرية - أميركية مكثفة بشأن الملف الإيراني

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء بشرم الشيخ في أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء بشرم الشيخ في أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)

تتواصل الاتصالات المصرية - الأميركية المكثفة بشأن الملف الإيراني. وخلال 24 ساعة جرى اتصالان بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، والمبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، ضمن التنسيق والتشاور إزاء القضايا الإقليمية محل الاهتمام المشترك.

ويرى خبراء أن «هناك خطورة حقيقية من إقدام الولايات المتحدة على توجيه ضربة لإيران». ويؤكدون أن «مصر والدول العربية تتحرك من أجل تسوية سلمية».

ووفق إفادة لوزارة الخارجية المصرية، الجمعة، بحث الاتصال الهاتفي بين الوزير عبد العاطي والمبعوث الأميركي، مساء الخميس، مستجدات الأوضاع في إيران، حيث تم «التأكيد على ضرورة العمل لخفض التصعيد وحدّة التوتر، وتحقيق التهدئة تفادياً لانزلاق المنطقة إلى عدم الاستقرار والفوضى، وضرورة تهيئة المناخ الملائم لتغليب الحلول الدبلوماسية والتوصل إلى تسويات سياسية تدعم الأمن والاستقرار الإقليمي».

وثمّن ويتكوف خلال الاتصال «الدور المصري المحوري في دعم الأمن والاستقرار الإقليمي، وجهود القاهرة المتواصلة في احتواء الأزمات الإقليمية المختلفة، والدفع نحو حلول سياسية تسهم في تهدئة الأوضاع بالمنطقة».

ومساء الأربعاء تم التأكيد خلال اتصال هاتفي بين عبد العاطي وويتكوف على «أهمية مواصلة التنسيق والتشاور بين جميع الأطراف خلال الفترة المقبلة، بما يسهم في دعم الأمن والاستقرار في غزة والمنطقة».

أستاذ العلاقات الدولية، الدكتور حامد فارس، قال إن «التحركات المصرية بشأن ملف إيران تزامنت مع تحركات عربية من المملكة العربية السعودية، وقطر، وسلطنة عمان، باعتبار أن هناك توافقاً عربياً على ضرورة إيجاد حل نهائي لهذه المعضلة الكبيرة التي تهدد أمن الشرق الأوسط»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه التحركات تأتي في إطار خفض التصعيد والعمل على إيجاد تسوية سياسية سلمية ما بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، في ظل ما شاهدناه من تصعيد كبير أخيراً».

ووفق فارس، فإن «هناك خطورة حقيقية من إقدام الولايات المتحدة على توجيه ضربة لإيران؛ لأن هذا سوف يزعزع أمن المنطقة، وسيهدد مصالح الدول الكبرى، وسيدفع في اتجاه توسيع الحرب لتكون (حرباً إقليمية)، على اعتبار أن هناك تهديدات واضحة من قبل إيران بأنه حال إقدام الولايات المتحدة على هذه الخطوة، فسيكون هناك تحركات من طهران باتجاه إسرائيل، واستهداف للمصالح الأميركية في المنطقة والقواعد العسكرية الأميركية». وتابع: «بالتالي تسعى مصر بكل قوة إلى أن تنأى بالمنطقة بعيداً عن هذه التجاذبات السياسية التي تدفع باتجاه توسيع نطاق العمل العسكري بشكل كبير».

السيسي وترمب خلال التوقيع على وثيقة «وقف الحرب» في غزة أثناء قمة بمدينة شرم الشيخ المصرية في أكتوبر الماضي (إ.ب.أ)

ويرى الأمين العام لـ«المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير علي الحفني، أن «الاتصالات المصرية - الأميركية مهمة ليست فقط للجانبين، بل للسلم والأمن الإقليمي والدولي، وخلال هذه الاتصالات يتم تبادل وجهات نظر كل طرف حول ما يحدث من أزمات»، لافتاً إلى أن «اتصالات القاهرة وواشنطن تأتي في ظل تطورات في إيران، واليمن، وغزة، والسودان، وليبيا، والقرن الأفريقي، ولبنان، وسوريا. ومصر حريصة على أن يسهم الجميع في الجهود الخاصة بالحفاظ على استقرار المنطقة».

وقال الحفني لـ«الشرق الأوسط» إن «مصر تتابع ما يحدث في منطقة الشرق الأوسط والقرن الأفريقي وشمال أفريقيا، وتسعى بشكل متواصل بالتنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين، خصوصاً الولايات المتحدة، إلى تبادل الرؤى لتفادي أي تصعيد في المنطقة، وإلقاء الضوء على ما يمكن أن يحدث من تداعيات خطيرة ما لم يتم بذل الجهد في سبيل تجنب أي تصعيد».

ملمح آخر أشار إليه أستاذ العلاقات الدولية، وهو «دور مصر خلال الفترة الماضية للوصول إلى تفاهمات بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن الملف النووي الإيراني»، لكنه أوضح أن «إيران خرجت من الاتفاق ولم تعد ملتزمة، بسبب ما اعتبرته تصعيداً ضدها».

ووقّع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، مع المدير العام لـ«الوكالة الذرية» رافائيل غروسي، اتفاقاً بالقاهرة في سبتمبر (أيلول) الماضي، يقضي بـ«استئناف التعاون بين الجانبين، بما يشمل إعادة إطلاق عمليات التفتيش على المنشآت النووية الإيرانية». لكن في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي أعلن عراقجي انتهاء «اتفاق القاهرة» رسمياً، عقب تبنّي مجلس محافظي «الوكالة الذرية» قراراً يطالب طهران بأن تبلّغ الهيئة التابعة للأمم المتحدة «دون تأخير» بحالة مخزونها من اليورانيوم المخصب، ومواقعها الذرية التي تعرضت للقصف من جانب إسرائيل والولايات المتحدة في يونيو (حزيران) الماضي.

عراقجي وغروسي مع عبد العاطي أثناء لقاء بالقاهرة في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

العلاقات بين مصر وأميركا كانت محوراً مهماً خلال الاتصال الهاتفي بين عبد العاطي وويتكوف، مساء الخميس، حيث بحثا سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين في ظل العلاقات المتميزة التي تربط الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب، وأشاد الجانبان بـ«ما تمثله العلاقات المصرية – الأميركية من ركيزة أساسية لدعم الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، والرغبة المشتركة في تعزيز التعاون في مختلف المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية، بما يحقق المصالح المشتركة للجانبين، ويدعم الجهود الرامية لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة»، بحسب «الخارجية المصرية»، الجمعة.

الأمين العام لـ«المجلس المصري للشؤون الخارجية» أكد أن «العلاقات بين مصر والولايات المتحدة علاقات استراتيجية قائمة على احترام كل طرف للآخر، وتقديره للدور الذي يلعبه على المسرح الإقليمي والدولي»، لافتاً إلى أن «العلاقات مبنية على مصالح مشتركة، وهناك حرص من الجانبين على تعزيزها».


أميركا تبدأ «تصفية الحسابات» مع إيران

المندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز متحدثاً في جلسة مجلس الأمن حول الاحتجاجات بإيران (صور الأمم المتحدة)
المندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز متحدثاً في جلسة مجلس الأمن حول الاحتجاجات بإيران (صور الأمم المتحدة)
TT

أميركا تبدأ «تصفية الحسابات» مع إيران

المندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز متحدثاً في جلسة مجلس الأمن حول الاحتجاجات بإيران (صور الأمم المتحدة)
المندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز متحدثاً في جلسة مجلس الأمن حول الاحتجاجات بإيران (صور الأمم المتحدة)

قدَّمت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مطالعة هي الأشمل حتى الآن أمام جلسة علنية طارئة لمجلس الأمن حيال الاحتجاجات الشعبية في كل أنحاء إيران، موحية بأن الوقت قد حان لتصفية حسابات الولايات المتحدة مع النظام الذي يقوده المرشد الإيراني علي خامنئي، ليس فقط بسبب القمع الدموي ضد المتظاهرين، بل أيضاً بسبب عقود من زعزعة الشرق الأوسط وتهديد الأمن والسلم الدوليين.

وأوصل المبعوث الأميركي الدائم لدى الأمم المتحدة مايك والتز خلال جلسة، الخميس، رسالة لا لبس فيها من إدارة ترمب للرأي العام الدولي حول التطورات الأخيرة في إيران. وكانت الدعوة التي وجهتها البعثة الأميركية إلى الصحافية الإيرانية المنشقة مسيح علي نجاد والناشط الحقوقي والصحافي الأميركي الإيراني أحمد باطبي، اللذين تقول واشنطن أن أجهزة المخابرات الإيرانية حاولت اغتيالهما، عنصراً متمماً للسردية الأميركية حول طبيعة النظام في طهران.

وعدَّت واشنطن أن هذا النظام «شكَّل لعقود تهديداً للسلام والأمن» بدعواته منذ عام 1979 إلى «موت أميركا وإبادة إسرائيل»، بينما «يعجز مواطنوه عن توفير أبسط مقومات الحياة: الغذاء، ومياه الشرب، والأدوية الأساسية»، علماً أنه «ينفق مليارات الدولارات لتطوير برامجه النووية والصاروخية الباليستية لتهديد جيرانه والعالم أجمع». وذكّر بأن النظام الإيراني «هو الأول عالمياً في رعاية الإرهاب (...) جالباً معه موتاً ومعاناة لا تُحصى للأبرياء من بيروت إلى بوينس آيرس».

وبرر والتز اللجوء إلى أرفع المنتديات الدولية لاتخاذ القرار بأن «مستوى العنف والقمع الذي مارسه النظام الإيراني ضد مواطنيه وشعبه له تداعيات على السلام والأمن الدوليين»، وهذا هو جوهر عمل مجلس الأمن، رافضاً الجدال الإيراني الرسمي و«أعذاره» بأن ما يحصل حالياً في إيران هو مجرد «شأن داخلي».

بين بيروت وبوينس آيرس

وشدد على أن «الرئيس ترمب والولايات المتحدة يقفان إلى جانب الشعب الإيراني الشجاع»، مضيفاً أن «التقديرات لعدد المتظاهرين الذين قتلهم النظام حتى الآن تراوح بين الآلاف وعشرات الآلاف». وإذ ذكّر بعمليات القتل التي حصلت في السنوات الأخيرة، بما فيها مهسا أميني عام 2022 بسبب نزع الحجاب، وتعرض الأقليات الدينية «لأشد أنواع الاضطهاد»، عاد إلى مهاجمة السفارة الأميركية في طهران عام 1979، واحتجاز أكثر من 50 أميركياً رهائن لأكثر من 400 يوم، والهجوم ضد السفارة الأميركية في بيروت، حيث قتل 17 أميركياً وعشرات المدنيين اللبنانيين، وتفجير شاحنتين محملتين بالمتفجرات في ثكنتين أميركية وفرنسية في بيروت؛ ما أدى إلى مقتل 241 جندياً أميركياً و58 عسكرياً فرنسياً. وحمَّل النظام المسؤولية عن مقتل أكثر من 600 جندي أميركي وعدد لا يحصى من الجنود الآخرين في العراق. وأشار إلى الدعوات عبر التلفزيون الرسمي الإيراني إلى «حل القنبلة الواحدة» من أجل «محو إسرائيل من الخريطة».

وكذلك، جدد السفير والتز اتهامات أميركية بأن النظام الإيراني حاول عام 2011 اغتيال السفير السعودي في واشنطن عادل الجبير، وبأنه واصل التخطيط لمحاولات اغتيال الرئيس ترمب ومسؤولين حكوميين أميركيين كبار آخرين. وكذلك اتهم إيران بأنها «زعزعت استقرار الشرق الأوسط لعقود»، عبر دعم «حماس» في الأراضي الفلسطينية و«حزب الله» في لبنان وجماعة الحوثي في اليمن و«كتائب حزب الله» في العراق، فضلاً عن دعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد.

ورأى والتز أن «الكيل طفح بالإيرانيين» وعبر الشرق الأوسط وفي كل أنحاء العالم. وأوضح أن «الرئيس ترمب رجل أفعال، وليس مجرد كلام كما نرى في الأمم المتحدة»، وهو أوضح أن «كل الخيارات مطروحة لوقف المذبحة».

نائب المندوب الإيراني لدى الأمم المتحدة غلا محسين درزي متحدثاً في جلسة مجلس الأمن بنيويورك (صور الأمم المتحدة)

ورد نائب المندوب الإيراني غلا محسين درزي، آسفاً لأن «ممثل نظام الولايات المتحدة» الذي طلب عقد هذا الاجتماع استخدم «الأكاذيب وتشويه الحقائق والتضليل المتعمد لإخفاء تورط بلاده المباشر في تحويل الاضطرابات في إيران إلى العنف»، مضيفاً أن الدعوة الأميركية لعقد الاجتماع تهدف إلى إخفاء تورطها المباشر في جرائم «ارتكبها مرتزقتها ضد أمتنا بين يومي 8 و10 يناير (كانون الثاني) الماضي». ووضع ما يحصل «في إطار المحاولة الإسرائيلية الخبيثة لجر الولايات المتحدة إلى حرب عدوان أخرى ضد إيران».

مواقف دولية

وقال المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا الذي انتقد عقد الاجتماع، عادَّاً الأمر الأكثر إثارة للقلق هو «مسار واشنطن العدواني» نحو استخدام القوة العسكرية والتهديد باستخدامها ضد إيران.

ووافقه نائب المندوب الصيني سون لي الذي انتقد تهديدات الولايات المتحدة باستخدام القوة ضد إيران، محذراً من أن «سُحب الحرب تتجمع فوق الشرق الأوسط».

في المقابل، حذر نائب المندوب البريطاني آرتشي يونغ من أن المملكة المتحدة «ستتخذ إجراءات بالتعاون مع شركائنا لفرض تدابير تقييدية إضافية إذا لم تغير إيران مسارها» الراهن.

وأكد المندوب الفرنسي جيروم بونافون أن مجلس الأمن «لا يمكنه التغاضي» عما يحصل في إيران.


خطوة ترمب تجاه إيران قيد الحساب على وقع تأهب عسكري

ترمب يغادر بعد إلقاء كلمة في منتجع مارالاغو 22 ديسمبر 2025 (أ.ب)
ترمب يغادر بعد إلقاء كلمة في منتجع مارالاغو 22 ديسمبر 2025 (أ.ب)
TT

خطوة ترمب تجاه إيران قيد الحساب على وقع تأهب عسكري

ترمب يغادر بعد إلقاء كلمة في منتجع مارالاغو 22 ديسمبر 2025 (أ.ب)
ترمب يغادر بعد إلقاء كلمة في منتجع مارالاغو 22 ديسمبر 2025 (أ.ب)

يسود حذر واسع في واشنطن حيال الخطوة التالية للرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه إيران، في ظل تأكيد مسؤولين أميركيين أن «كل الخيارات لا تزال مطروحة»، ضمن مقاربة تتأرجح بين التصعيد والحوار، وتعتمد على إبقاء هامش من عدم اليقين كأداة ضغط استراتيجية.

وشكر ترمب الجمعة للحكومة الإيرانية إلغاءها «كل عمليات الإعدام المقررة» بحق متظاهرين، بعدما توعد طهران بـ«تداعيات خطيرة» إذا تواصل قمع الاحتجاجات.وكتب ترمب على منصة تروث سوشال «أقدر الى حد كبير قيام قادة إيران بإلغاء كل عمليات الاعدام التي كانت مقررة أمس (اكثر من 800). شكرا».

بالتوازي، أفاد موقع «أكسيوس» عن مسؤولين إسرائيليين توقعهم توجيه ضربة عسكرية أميركية لإيران خلال أيام، رغم إعلان تأجيلها، فيما قال مسؤولون أميركيون إن الخيار العسكري «لا يزال مطروحاً» إذا استمرت طهران في قتل المتظاهرين.

وأضاف الموقع أن ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ناقشا تطورات الوضع في إيران خلال اتصال هاتفي هو الثاني بينهما خلال يومين.

ويقول مسؤولون أميركيون إن الإدارة لا تستبعد اللجوء إلى عمل عسكري في مرحلة لاحقة، وتواصل الاستعداد لذلك، بالتوازي مع تحركات عسكرية لوزارة الدفاع الأميركية في المنطقة، شملت نقل مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» من بحر الصين الجنوبي إلى الشرق الأوسط.

وتضم مجموعة الحاملة سفناً حربية مزودة بصواريخ موجهة، ومنظومات دفاع جوي، ومدمرات وفرقاطات مخصصة لمكافحة الغواصات، في إطار تعزيز الجاهزية العسكرية تحسباً لأي تطور مفاجئ في مسار الأزمة مع طهران.

وجاءت هذه التحركات بعد أيام من تصعيد في الخطاب الأميركي، شمل التلويح بهجمات سيبرانية، وإصدار أوامر بإخلاء بعض الجنود من قاعدة العديد في قطر، إلى جانب تقارير عن إغلاق مجالات جوية وإلغاء رحلات، واحتمالات توجيه ضربات تستهدف مواقع نووية وصاروخية.

غير أن الرئيس ترمب أعلن، الخميس، تراجعاً مؤقتاً عن التصعيد، بعد تلقيه معلومات تفيد بأن إيران أوقفت تنفيذ أحكام إعدام بحق متظاهرين، مؤكداً أنه «سيراقب الوضع عن كثب»، في خطوة فسّرها مسؤولون على أنها إعادة تقييم مرحلية.

وحسب مصادر في الإدارة الأميركية، جاء هذا التراجع عقب تقارير رفعت إلى ترمب حذرت من أن ضربة عسكرية واسعة قد لا تؤدي إلى إسقاط النظام الإيراني، وقد تفضي في المقابل إلى إشعال صراع إقليمي واسع يصعب احتواؤه.

وطالب مستشارو ترمب بالتريث إلى حين استكمال تعزيز الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، سواء بهدف تنفيذ ضربة واسعة إذا تقرر ذلك، أو لحماية القوات الأميركية، وضمان أمن إسرائيل في حال ردت إيران بضربة انتقامية.

حاملة الطائرات الأميركية «نيميتز يو إس إس أبراهام لينكولن» (أرشيفية - أ.ف.ب)

وتزامنت هذه التقديرات مع تحذيرات من دول عدة في المنطقة من التداعيات السلبية لأي تحرك عسكري أميركي، وسط مخاوف من اتساع دائرة المواجهة وتداعياتها على الاستقرار الإقليمي.

من جهتها، شددت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت، الخميس، على أن «جميع الخيارات لا تزال مطروحة»، مضيفة أن «الرئيس وحده، مع دائرة ضيقة جداً من المستشارين، يعرف ما الذي سيفعله»، في إشارة إلى استمرار سياسة الغموض المتعمد.

وفي السياق نفسه، قال السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام إن حجم العملية العسكرية المحتملة ضد إيران «لا يزال قيد النقاش»، موضحاً أن المشاورات تتركز على ما إذا كانت الضربة يجب أن تكون محدودة أم واسعة النطاق.

وأضاف غراهام للصحافيين، الجمعة: «أنا أميل إلى توسيع نطاقها»، معتبراً أن الأيام المقبلة ستكشف الاتجاه الذي ستسلكه الإدارة، ومعبراً عن أمله في أن تكون «أيام النظام الإيراني معدودة».

محادثات برنياع - ويتكوف

ويتزايد الترقب للخطوات المقبلة لإدارة ترمب مع انعقاد محادثات بين مدير جهاز الموساد الإسرائيلي ديفيد برنياع والمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف، في إطار التنسيق الأميركي - الإسرائيلي حول تطورات الاحتجاجات في إيران.

ووصل برنياع، صباح الجمعة، إلى منتجع مارالاغو في ولاية فلوريدا، حيث يُعقد اللقاء، لمناقشة السيناريوهات المحتملة والخيارات العسكرية في حال استمرار قمع الاحتجاجات داخل إيران.

وحسب تقرير لموقع «أكسيوس»، تأتي زيارة برنياع عقب مكالمة هاتفية جرت هذا الأسبوع بين ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تناولت التطورات في إيران والخيارات المتاحة للتعامل معها.

وأفاد التقرير بأن نتنياهو حث ترمب على تأجيل أي عمل عسكري، لمنح إسرائيل وقتاً إضافياً للاستعداد لأي رد إيراني محتمل، فيما يقدر مسؤولون إسرائيليون أن أي ضربة أميركية قد تقع في المدى القريب.

وأكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض حصول تواصل بين ترمب ونتنياهو، لكنها امتنعت عن الكشف عن تفاصيل المباحثات أو طبيعة التفاهمات التي جرى التوصل إليها.

وأشار «أكسيوس» أيضاً إلى أن ويتكوف يشرف على قناة اتصال مباشرة بين واشنطن وطهران، وأجرى خلال الأيام الماضية اتصالات مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.

أربعة خطوط حمراء

وخلال تلك الاتصالات، شدد ويتكوف على أولوية المسار الدبلوماسي، مع وضع أربعة خطوط حمراء واضحة، تشمل منع التخصيب النووي، والحد من برنامج الصواريخ الباليستية، والتخلص من المواد النووية، ووقف دعم الجماعات الحليفة لطهران.

وفي مؤتمر المجلس الإسرائيلي - الأميركي في فلوريدا، رداً على سؤال عما إذا كان يعتقد أن ضربة أميركية محتملة ضد إيران، أجاب ويتكوف: «آمل أن يكون هناك حل دبلوماسي. أنا أؤمن بذلك حقاً».

المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف يظهر خلال مؤتمر صحافي عقده الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في فلوريدا (رويترز)

وأشار إلى أن إيران قد تكون مستعدة للتنازل في جميع القضايا الأربع لأن اقتصادها يمر بظروف صعبة للغاية. وقال: «إذا أرادوا العودة إلى عصبة الأمم، فيمكننا حل هذه المشاكل الأربع دبلوماسياً، وسيكون ذلك حلاً رائعاً. البديل سيئ».

وحسب مصادر مطلعة، عرض عراقجي من جهته استئناف المفاوضات النووية، في خطوة رأت فيها دوائر سياسية أميركية محاولة من طهران لتخفيف الضغوط وكسب الوقت، فيما اعتبرها محللون دليلاً على فاعلية سياسة التهديد والضغط التي ينتهجها ترمب.

ويرى هؤلاء أن الأزمة الحالية تعكس نجاح استراتيجية «الضغط الأقصى» التي اعتمدها ترمب منذ ولايته الأولى، في دفع النظام الإيراني إلى إعادة النظر في تنازلات كان يرفضها سابقاً، وسط تصاعد غير مسبوق في الضغوط الداخلية والخارجية.