واشنطن تسرع في نشر صواريخ جديدة بآسيا لاحتواء النفوذ الصيني

ترمب يريد معاهدة جديدة للأسلحة مع روسيا وضم الصين لها لاحقاً

قاعدة إطلاق صواريخ «نوفاتور 9 إم 729» في معرض للأسلحة قريباً من سانت بطرسبرغ بروسيا في سبتمبر 2017 الذي طلبت واشنطن من موسكو تدميره (إ.ب.أ)
قاعدة إطلاق صواريخ «نوفاتور 9 إم 729» في معرض للأسلحة قريباً من سانت بطرسبرغ بروسيا في سبتمبر 2017 الذي طلبت واشنطن من موسكو تدميره (إ.ب.أ)
TT

واشنطن تسرع في نشر صواريخ جديدة بآسيا لاحتواء النفوذ الصيني

قاعدة إطلاق صواريخ «نوفاتور 9 إم 729» في معرض للأسلحة قريباً من سانت بطرسبرغ بروسيا في سبتمبر 2017 الذي طلبت واشنطن من موسكو تدميره (إ.ب.أ)
قاعدة إطلاق صواريخ «نوفاتور 9 إم 729» في معرض للأسلحة قريباً من سانت بطرسبرغ بروسيا في سبتمبر 2017 الذي طلبت واشنطن من موسكو تدميره (إ.ب.أ)

بعد يوم من انسحاب واشنطن رسمياً من معاهدة القوى النووية المتوسطة المدى، قال وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر، أمس (السبت)، إنه يؤيد نشر صواريخ متوسطة المدى يتم إطلاقها من البرّ في آسيا في وقت قريب نسبياً. ورداً على سؤال عن احتمال أن تنشر واشنطن أسلحة تقليدية جديدة متوسطة المدى في آسيا، قال إسبر في الطائرة التي تقله إلى سيدني في إطار جولة في آسيا تستمر أسبوعاً: «نعم (...) نريد أن نقوم بذلك في أقرب وقت». وتابع قائلاً: «أفضّل أن يكون ذلك خلال أشهر...لكن هذه الأمور تستغرق على الأرجح وقتاً أطول مما تتوقع». وقال إن الولايات المتحدة تريد الإسراع في نشر صواريخ جديدة في آسيا لاحتواء توسع النفوذ الصيني في المنطقة. ولم يحدد إسبر المكان الذي تعتزم فيه واشنطن نشر تلك الأسلحة، متابعاً: «لا أريد أن أتكهَّن (...). إنها أمور نناقشها دائماً مع الحلفاء».
واعتبر إسبر أن على الصين ألا تُفاجأ بالخطط الأميركية، وقال: «ينبغي ألا يشكل ذلك مفاجأة لأننا نتحدث عنه منذ وقت غير قصير. أود أن أؤكد أن ثمانين في المائة من ترسانتهم مؤلفة من أسلحة تشملها معاهدة الأسلحة المتوسطة. ليس مفاجئاً إذن أن نبدي رغبتنا في قدرات مماثلة».
وكانت واشنطن لمحت إلى عزمها الانسحاب من المعاهدة قبل ستة أشهر، ما لم تلتزم موسكو بها، لكن روسيا قالت إنها ذريعة للانسحاب من معاهدة تعتقد أن الولايات المتحدة تريد أن تتخلى عنها على أي حال بغية تطوير صواريخ جديدة.
وأبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترمب الصحافيين بأنه يود إبرام اتفاقية جديدة للأسلحة مع روسيا للحد مع جميع القوى النووية، وربما كذلك مع الصين. وقال ترمب: «إذا تمكّنا من إبرام اتفاقية يقلصون هم ونحن بموجبها (الأسلحة) النووية، فإن ذلك سيكون شيئاً جيداً للعالم. أعتقد جازماً أن ذلك سيحدث». وتفاوض على المعاهدة المبرمة عام 1987 رونالد ريغان الرئيس الأميركي حينها مع الزعيم السوفياتي ميخائيل غورباتشوف. وتحظر المعاهدة على الجانبين وضع صواريخ قصيرة أو متوسطة المدى تُطلق من البر في أوروبا، ويتراوح مداها بين 500 و5500 كيلومتر، مما يقلل من قدرتهما على توجيه ضربات نووية مباغتة.
ويزيد هذا الخلاف من حدة أسوأ أزمة بين الولايات المتحدة وروسيا منذ انتهاء الحرب الباردة عام 1991. ويعتقد بعض الخبراء أن انهيار المعاهدة قد يقوّض اتفاقيات الحد من الأسلحة الأخرى، ويعجل بتآكل النظام العالمي الذي يهدف إلى منع انتشار الأسلحة النووية.
وقال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في بيان: «لن تبقى الولايات المتحدة جزءاً من معاهدة تنتهكها روسيا عمدًا». وتابع قائلاً: «عدم امتثال روسيا للمعاهدة يهدد المصالح العليا للولايات المتحدة، لأن تطوير روسيا ونشرها لنظام صاروخي ينتهك المعاهدة يمثل تهديداً مباشراً للولايات المتحدة وحلفائنا وشركائنا».
وقال مسؤولون كبار بالإدارة الأميركية طلبوا عدم نشر أسمائهم، إن روسيا نشرت في جميع أنحاء البلاد «وحدات متعددة» من صاروخ «كروز» له القدرة على ضرب أهداف أوروبية غاية في الأهمية» في انتهاك للمعاهدة. وتنفي روسيا هذه المزاعم، وتقول إن مدى الصاروخ يجعله خارج المعاهدة. كما رفضت طلباً أميركياً بتدمير الصاروخ الجديد («نوفاتور 9 إم 729») والمعروف أيضا باسم «إس إس سي - 8». وأبلغت موسكو واشنطن بأن قرارها الانسحاب من المعاهدة يقوض الأمن العالمي، ويهدم ركيزة أساسية من ركائز الحد من التسلح. وقال سفير الصين الجديد لدى الأمم المتحدة‭ ‬تشانغ جون، كما نقلت عنه «رويترز»، إن الصين تأسف لانسحاب الولايات المتحدة من المعاهدة، وعبّر عن شكوكه إزاء انضمام بكين إلى واشنطن وموسكو في معاهدة نووية. وأضاف: «الولايات المتحدة تقول إن الصين يجب أن تكون طرفاً في معاهدة نزع الأسلحة هذه، لكنني أعتقد أن الجميع يعرف أن الصين ليست على مستوى الولايات المتحدة والاتحاد الروسي (فيما يتعلق بالأسلحة النووية)».
وقالت روسيا، يوم الجمعة، إنها طلبت من الولايات المتحدة تعليق نشر صواريخ نووية قصيرة ومتوسطة المدى. وقالت وزارة الخارجية الروسية في بيان: «ارتُكب خطأ فادح في واشنطن». وأضافت: «ننفذ بالفعل وقفاً أحادياً ولن ننشر صواريخ قصيرة أو متوسط المدى تُطلَق من البر في مناطق تنشر فيها الولايات المتحدة مثل هذه الصواريخ». ويقول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن روسيا لا تريد سباق تسلح، وتعهَّد بعدم نشر صواريخ روسية إلا إذا أقدمت الولايات المتحدة على هذه الخطوة أولاً. ومع ذلك يقول بوتين إن واشنطن إذا اتخذت مثل هذه الخطوة، فسيُضطَرّ إلى نشر صواريخ نووية روسية تفوق سرعة الصوت على متن سفن أو غواصات بالقرب من المياه الأميركية. أكّد حلف شمال الأطلسي، أول من أمس (الجمعة) أنّه لا يريد العودة إلى «سباق التسلّح» بعد أن أعلنت موسكو وواشنطن إنهاء المعاهدة المبرمة خلال الحرب الباردة. وقال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ أن «روسيا نشرت صواريخ منتهكة معاهدة الأسلحة النووية المتوسطة المدى. كيف يمكن الوثوق بحسن نياتها؟». وفي إشارة إلى المخاوف التي تم التعبير عنها خصوصاً في أوروبا، أكّد ستولتنبرغ أن الدول الغربية لا تريد «سباق تسلّح جديدا». وأضاف: «لكننا سنعمل بشكل يضمن أن يكون ردعنا مؤكداً»، في مواجهة نشر المنظومة الجديدة للصواريخ الروسية «القادرة على نقل رؤوس نووية وضرب مدن أوروبية خلال بضع دقائق».
وأعربت فرنسا، أول من أمس (الجمعة) عن «أسفها لعدم التوصل إلى أي حلّ للاحتفاظ» بمعاهدة الأسلحة النووية المتوسطة المدى التي اعتبرت باريس أن إنهاءها «يزيد مخاطر زعزعة الاستقرار في أوروبا ويُضعف النظام العالمي للحدّ من التسلّح». كما أعربت النمسا التي كانت محايدة في بداية الحرب الباردة، عن قلقها إزاء «التهديد» الذي تواجهه أوروبا حالياً داعية موسكو وواشنطن إلى الالتزام بطريقة «طوعية» بعدم نشر صواريخ متوسطة المدى في القارة. وأسف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من جهته من أن «العالم سيخسر أداة مهمة في مواجهة الحرب النووية». ويبقى اتفاق «ستارت» الاتفاق الثنائي الوحيد الفعال بين واشنطن وموسكو في مجال الأسلحة النووية. وهو ينص على أن يبقى عدد أسلحة الترسانتين النوويتين للبلدين أدنى مما كان عليه في الحرب الباردة، وينتهي مفعوله في عام 2021. ويرى المحلل الروسي ألكسندر سافلييف أن «فرص تمديد (ستارت) ضعيفة. في ظل هذه الظروف، لا شيء سيكون قادراً على الحد من سباق التسلح الجديد بين الولايات المتحدة وروسيا». وقال وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب إن روسيا هي التي تتحمل مسؤولية انسحاب الولايات المتحدة من المعاهدة، وإن لندن تؤيد بالكامل أي تحرُّك من جانب حلف شمال الأطلسي رداً على ذلك. وكتب راب على «تويتر»، كما اقتبست منه «رويترز»: «تسببت روسيا في انهيار معاهدة القوى النووية المتوسطة المدى عن طريق تطويرها ونشرها سراً لنظام صاروخي ينتهك المعاهدة يمكنه استهداف عواصم أوروبا. ازدراؤهم للنظام الدولي القائم على القواعد يهدد الأمن الأوروبي». وفي وراسو، قالت وزارة الخارجية البولندية إن روسيا تتحمل المسؤولية الكاملة عن انهيار المعاهدة.
وكتبت الوزارة على «تويتر»: «عدم استعداد روسيا للعودة إلى الامتثال لمعاهدة القوى النووية متوسطة المدى لم يترك للولايات المتحدة أي خيار».
وبشأن اقتراح موسكو تطبيق تجميد لنشر الأسلحة النووية الممنوعة بموجب هذا الاتفاق، لَمّحت روسيا أيضاً إلى أنها لا تثق بوعود حلف شمال الأطلسي. وتعهدت إدارة ترمب من جهتها بعدم نشر صواريخ نووية جديدة في أوروبا حتى اللحظة، لكنها لم تعطِ أي وعود بشأن نشر أسلحة تقليدية.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».