عشرات القتلى في هجومين إرهابيين استهدفا عدن... و«الشرعية» تتوعد

الحوثيون اعترفوا بتنفيذ أول عملية... وترجيح تورط جماعة إرهابية أخرى في الثانية

TT

عشرات القتلى في هجومين إرهابيين استهدفا عدن... و«الشرعية» تتوعد

فتحت العاصمة اليمنية المؤقتة عدن عينيها، أمس، على هجوم حوثي مزدوج بصاروخ باليستي وطائرة إيرانية مسيّرة، استهدف استعراضاً عسكرياً غربي المدينة، وذلك بعد نحو ساعة فقط من هجوم انتحاري آخر بسيارة مفخخة استهدف قسم الشرطة في حي الشيخ عثمان شمال المدينة، وهو ما نجم عنه أكثر من 49 قتيلاً وعشرات الجرحى وفق إحصاء رسمي أولي.
ولقي الهجومان تنديداً يمنياً وسعودياً وأوروبياً، في حين طالب سياسيون وناشطون باستئناف معركة الحديدة رداً على التصعيد الحوثي، وسط اتهامات حكومية بوجود أيادٍ إيرانية نسّقت للهجمات المتزامنة.
وفيما شهدت شوارع المدينة استنفاراً أمنياً واسعاً خشية مزيد من الهجمات، أكدت مصادر عسكرية وأمنية لـ«الشرق الأوسط» أن سيارة مفخخة يقودها انتحاريان يرجح صلتهما بتنظيم «داعش» اقتحمت قسم شرطة الشيخ عثمان قبل أن تنفجر بعد البوابة الرئيسية خلال الطابور الصباحي لعناصر القسم من الضباط والجنود، وهو ما أدى إلى مقتل وجرح العشرات وإصابة المبنى والمنازل المجاورة بأضرار كبيرة.
وأفاد شهود بأن سيارات الإسعاف هرعت إلى مكان الانفجار ونقلت القتلى والجرحى إلى مشفى تابع لمنظمة «أطباء بلا حدود»، في الوقت الذي أكدت فيه مصادر طبية مقتل 13 شرطياً وإصابة نحو 20 آخرين مع عدد من المارة في الجهة المقابلة لقسم الشرطة.
وأكد الشهود أن شظايا من الانفجار الضخم تطايرت إلى المنازل المجاورة التي تعرضت لأضرار كبيرة وتهشمت فيها النوافذ، وسط حالة واسعة من الذعر سيطرت على سكان الأحياء المجاورة، قبل أن تتردد في أجواء المدينة الانفجارات الأخرى الناجمة عن الهجمات الحوثية.
وذكرت مصادر أمنية وعسكرية لـ«الشرق الأوسط» أن الهجوم الحوثي المزدوج بالصاروخ الباليستي والطائرة المسيّرة استهدف استعراضاً عسكرياً لدفعتين من خريجي قوات الأمن التابعة لقوات الحزام الأمني في معسكر الجلاء الواقع في مديرية البريقة على بعد نحو 20 كيلومتراً إلى الغرب من مدينة عدن.
وأدى الهجوم -وفق المصادر- إلى مقتل القيادي البارز في الحزام الأمني وقائد اللواء الأول دعم وإسناد العميد منير اليافعي، المعروف بـ«أبو اليمامة»، إضافة إلى 35 آخرين من الجنود والضباط، فضلاً عن عدد آخر من الجرحى.
وتحدثت المصادر عن سقوط الصاروخ الحوثي خلف منصة المعسكر الذي أُقيم فيه الاستعراض، حيث أظهرت الصور الملتقطة بعد الانفجار حدوث فجوة واسعة في الأرض في مكان سقوط الصاروخ، في الوقت الذي كان فيه القيادي أبو اليمامة يشرف على ترتيبات الاستعراض في الجزء الخلفي من المنصة، حسب روايات شهود.
وتبنّت الميليشيات الحوثية على لسان المتحدث باسمها يحيى سريع، الهجوم الذي قالت إنه تم بطائرة مسيّرة وصاروخ متوسط المدى لم يُكشف عن نوعه بعد، وقالت -وفق المتحدث سريع- إن جميع المعسكرات وقادتها في المحافظات الجنوبية باتت أهدافاً مشروعة –على حد زعمها- لهجماتها الصاروخية ولطائراتها المسيّرة.
كانت الميليشيات الحوثية قد هاجمت استعراضاً عسكرياً مماثلاً في قاعدة العند الجوية (50 كلم شمال عدن) في 10 يناير (كانون الثاني) الماضي، بواسطة طائرة إيرانية مسيّرة، ما أدى إلى مقتل وجرح العشرات من القادة والجنود بينهم رئيس هيئة الاستخبارات العسكرية ونائب رئيس هيئة الأركان في الجيش اليمني.
وندد السفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر بالهجمات الحوثية والداعشية في أول تعليق سعودي رسمي، إذ قال في تغريدة على «تويتر» إن الاستهداف المتزامن من الميليشيات الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران لأمن واستقرار العاصمة عدن مؤشر قوي على توحد أهدافها مع أخويها الإرهابيين تنظيمي «داعش» و«القاعدة» اللذين يستحلان الدماء ولا يعترفان بالدولة ولا بالقوانين ولا بحرمة الإنسان.
من جهته أدان رئيس الحكومة اليمنية معين عبد الملك، الهجمات على عدن، متهماً إيران بالتنسيق بين الجماعة والتنظيم. وقال في تغريدة على «تويتر» إن «الاستهداف المتزامن من قِبل قوى التمرد الحوثي والجماعات الإرهابية لأمن واستقرار العاصمة عدن يؤكد التنسيق والتكامل تحت إدارة إيرانية واضحة».
وأثارت الهجمات غضباً واسعاً واستياءً في أوساط السياسيين والناشطين اليمنيين، وقال رئيس الحكومة اليمنية السابق أحمد عبيد بن دغر، في تغريدة على «تويتر» إن «حماية عدن وكل المناطق المحررة تبدأ بتحرير صنعاء من سلطة الميليشيات الغاشمة، واستعادة الدولة وهزيمة الانقلاب».
واعتبر السياسي اليمني علي البخيتي أن الرد الأنسب على الهجمات الحوثية في عدن هو أن تطلب الحكومة الشرعية من بعثة المراقبين الأمميين في الحديدة (غرب) المغادرة خلال 24 ساعة، تمهيداً لاستئناف معركة تحريرها، وقال البخيتي في تغريدة إن «تفويت هذه الفرصة بعد نقض الحوثيين للتهدئة خطأ استراتيجي آخر يوازي خطأ إيقاف معركة تحرير الحديدة».
وفيما أكدت مصادر طبية رسمية لـ«الشرق الأوسط» أن عدد ضحايا الهجومين وفق إحصائية أولية بلغ 49 قتيلاً و48 جريحاً توقعت ارتفاع أعداد القتلى في الساعات المقبلة بسبب الإصابات البليغة في أوساط الجرحى.
وقالت الحكومة اليمنية إن «الهجومين يثبتان أن ميليشيات التمرد الحوثية وغيرها من الجماعات الإرهابية المتطرفة تتقاسم الأدوار ويكمل بعضها بعضاً في حربها على الشعب اليمني وسعيها لضرب الاستقرار والأمن».
وتابعت بالقول: «مجدداً يبرز الدور الإيراني المعادي والتدميري في اليمن من خلال دعمها ورعايتها لميليشيا الحوثي الإجرامية وتزويدهم بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والأسلحة النوعية، بغية نشر الفوضى وتمكين مشروعها العنصري».
وفي بيان توضيحي كشفت وزارة الداخلية اليمنية عن سقوط 13 شرطياً في الهجوم الإرهابي على قسم شرطة الشيخ عثمان وجرح عدد آخر. وقالت إنها «قامت باتخاذ كل الإجراءات والتدابير الأمنية اللازمة للتعامل مع هذه الأحداث بعد أن تم إسعاف الجرحى ونقل الجثث إلى مستشفيي: أطباء بلا حدود، والبريهي».
وبيّنت الوزارة أن الهجوم الحوثي المزدوج الذي تم بطائرة مسيّرة وصاروخ باليستي قصير المدى استهدف حفلاً استعراضياً وتدريبياً عسكرياً في معسكر الجلاء بالعاصمة المؤقتة عدن، مما أدى إلى سقوط 36 قتيلاً بينهم قائد اللواء الأول دعم وإسناد العميد منير أبو اليمامة وعدد من رفاقه.
وأوضحت أن الهجومين «يثبتان أن ميليشيات التمرد الحوثية وغيرها من الجماعات الإرهابية المتطرفة تتقاسم الأدوار ويكمل بعضها بعضاً في حربها على الشعب اليمني وسعيها لضرب الأمن والاستقرار».
وفي حين أكدت الداخلية اليمنية أنها «تُدين وبأشد العبارات هذه الأعمال الإرهابية»، قالت إنها «ومعها القوى الوطنية كافة، وبمساندة دول التحالف العربي، ماضية في حربها لاستئصال الإرهاب والقوى التي تقف خلفه وتطهير اليمن من دنس ورجس الميليشيات الحوثية المدعومة من إيران والقضاء على مشروعها التدميري البغيض». حسبما جاء في البيان.
في السياق نفسه، ذكرت المصادر الرسمية أن الرئيس عبد ربه منصور هادي، بعث بالتعازي لذوي الضحايا جراء التفجير الإرهابي في قسم الشيخ عثمان والهجوم الحوثي على معسكر الجلاء في البريقة، وقال إن «تلك العناصر المارقة والغادرة التي تحاول عبثاً زعزعة أمن واستقرار المناطق الأمنية وسفك دماء الأبرياء لن تنجو مطلقاً من أفعالها المشينة وستطالها يد العدالة لتنال عقابها وجزاءها الرادع بما اقترفته بحق المجتمع».
ونقلت وكالة «سبأ» عن الرئيس هادي أنه «حض قيادات مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية على رفع اليقظة والجاهزية الأمنية لمواجهة ورصد تلك الأعمال المشينة للميليشيات الحوثية الإيرانية وقوى التطرف والإرهاب المساندة والحليفة لها».
وعلى صعيد التحرك الحكومي في عدن أفادت المصادر الرسمية بأن نائب رئيس الوزراء سالم الخنبشي، قام مع عدد من القيادات الحكومية بزيارة الجرحى في عدد من المستشفيات الحكومية والخاصة الذين أُصيبوا جراء العمل الإجرامي المتزامن الذي نفّذته ميليشيات الحوثي الانقلابية واستهدف معسكر الجلاء التابع لقوات الحزام الأمني في مديرية البريقة.
وشددت الحكومة على ضرورة الاهتمام بكل الجرحى الذين أُصيبوا ورعايتهم رعاية كاملة بجميع المستشفيات وتشكيل لجنه لحصر الأضرار في الممتلكات العامة والخاصة واتخاذ المعالجات السريعة للأسر التي تضررت مساكنها بما في ذلك توفير مساكن بديلة للمنازل التي أصبحت غير صالحة للسكن.
إلى ذلك وجه رئيس الحكومة معين عبد الملك، بمضاعفة الجهود للتعامل مع تبعات وآثار هذه العمليات التي وصفها بـ«الإجرامية»، وتقديم الخدمات الإسعافية والعلاجية للمصابين ووضع الخطط العاجلة من القيادات العسكرية والأمنية لتفادي تكرار حدوث مثل هذه الأعمال... مشدداً على ضرورة عدم التهاون والبقاء في أعلى درجات اليقظة الأمنية العالية حتى استئصال مشروع إيران عبر وكلائها من ميليشيات الحوثي الانقلابية. ويعتقد الكثير من السياسيين اليمنيين أن الميليشيات الحوثية وجدت في اتفاق السويد والهدنة الأممية في الحديدة فرصة للتفرغ للجبهات الأخرى بما في ذلك تكثيف الهجمات الصاروخية وتعزيز عناصرها في خطوط التماسّ باتجاه المحافظات الجنوبية، إلى جانب تفرغها لترسيخ وجودها الانقلابي في صنعاء وبقية المناطق الخاضعة لها.
وتوعد قادة الميليشيات في أوقات سابقة باستمرار الهجمات بالصواريخ الإيرانية والطائرات المسيّرة على المدن السعودية ومناطق وجود القوات الحكومية في المحافظات المحررة، بعد أن كشفت عن أجيال جديدة –على حد زعمها- من الصواريخ والطائرات المسيّرة.
دولياً، أدان الاتحاد الأوروبي الهجوم، وأعرب في بيان أصدره مكتب خدمة العمل الخارجي في بروكسل أمس، عن خالص تعازيه لعائلات وأقارب المتضررين، متمنياً الشفاء العاجل للمصابين.
ودعا الاتحاد الأوروبي جميع الأطراف في اليمن إلى ضبط النفس واللجوء إلى الحوار والتعامل مع المبعوث الخاص للأمم المتحدة بروح بنّاءة، للتوصل إلى اتفاق سياسي شامل يضع اليمن على طريق السلام المستدام.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

خاص وصف المنسق الأممي التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن بأنه كان قوياً وسريعاً (الأمم المتحدة)

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

أكد المنسق المقيم للأمم المتحدة في اليمن أن التدخلات التنموية السعودية لا تقل أهمية عن تدخلاتها الإنسانية، وذلك من خلال البرنامج السعودي لتنمية إعمار اليمن.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي فعالية حوثية في محافظة إب استعداداً لتنظيم الأنشطة الدعوية والتعبوية في شهر رمضان (إعلام حوثي)

الحوثيون يستبقون رمضان بالتعبئة والتجنيد

تحت لافتة رمضان، يسارع الحوثيون إلى إنهاء العام الدراسي لفتح الطريق أمام المراكز الصيفية، وسط اتهامات لهم باستبدال تعبئة عقائدية تستهدف العقول مبكراً، بالتعليم.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي جانب من لقاء المكونات الوطنية ورجال المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) (الشرق الأوسط)

مأرب: دعوات لتوحيد الجهود السياسية والعسكرية لاستعادة صنعاء

دعا عدد من القوى الوطنية وقيادات المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) إلى توحيد الجهود السياسية والعسكرية، والعمل الجاد من أجل استعادة العاصمة اليمنية صنعاء.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص قوات تابعة لـ«حماية حضرموت» بمدينة المكلا شرق اليمن (الشرق الأوسط)

خاص حضرموت: دعوات لإدراج أبو علي الحضرمي في قوائم الإنتربول

تصاعدت في حضرموت مطالب قبلية وميدانية بملاحقة قائد «لواء الدعم الأمني»، صالح بن الشيخ أبو بكر، المعروف بـ«أبو علي الحضرمي»، وجلبه عبر الإنتربول الدولي.

عبد الهادي حبتور (المكلا (اليمن))
العالم العربي سجن انفرادي حسب ما وثقته اللجنة الوطنية اليمنية في سقطرى (اللجنة الوطنية)

لجنة يمنية تختتم توثيق ومعاينة مراكز اعتقال وانتهاكات في سقطرى

اختتمت اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان نزولها الميداني إلى محافظة أرخبيل سقطرى، ضمن إطار ولايتها القانونية للتحقيق في…

«الشرق الأوسط» (عدن)

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.