لجنة تحقيق سودانية توجه اتهامات لضباط برتب رفيعة بقتل المعتصمين

TT

لجنة تحقيق سودانية توجه اتهامات لضباط برتب رفيعة بقتل المعتصمين

وجهت لجنة التحقيق في أحداث فض الاعتصام من أمام القيادة العامة للجيش السوداني الشهر الماضي، اتهامات إلى قادة عسكريين رفيعي المستوى أشارت إلى أسمائهم بالأحرف الأولى، بالإضافة إلى أفراد تحت إمرتهم وملثمين مدنيين «مجهولين»، بقتل عشرات المعتصمين السلميين وجرح المئات، وأمرت بفتح بلاغات جنائية ضدهم، تحت مواد تصل عقوبتها الإعدام والسجن المؤبد، بيد أن قوى إعلان الحرية والتغيير رفضت التقرير واعتبرته إخفاءً للحقائق ودفنها في الركام.
وفجر 3 يونيو (حزيران) الماضي، هاجمت قوات عسكرية المعتصمين أمام القيادة العامة للجيش، وأطلقت عليهم الرصاص بكثافة وعشوائية، ما أدى لمقتل العشرات وإصابة المئات، وفض الاعتصام بالقوة، على الرغم من تصريحات قادة المجلس العسكري الانتقالي العديدة بعدم رغبتهم في فض الاعتصام بالقوة. وقال رئيس لجنة التحقيق في أحداث مأساة فض الاعتصام التابعة للنائب العام فتح الرحمن سعيد، في مؤتمر صحافي عقده بالخرطوم أمس، إن اللجنة أمرت بفتح بلاغات ضد ثمانية ضباط بينهم ضابط برتبة لواء وعميد ورتب أصغر، ووجهت إليهم اتهامات بإصدار الأوامر لفض الاعتصام بالقوة وما رافقه من عمليات قتل وحشية.
وأوضح أن ضابطين برتبتي اللواء والعميد ورد اسميهما بالأحرف الأولى، أصدرا الأوامر لقوات مكافحة الشغب، وقوات أمنية أخرى بضرب المعتصمين، مخالفين التعليمات الصادرة لهم بـ«تنظيف» منطقة كولومبيا القريبة من ساحة الاعتصام. وتقع المنطقة المعروفة بـ«كولومبيا» على الضفة الشرقية لنهر «النيل الأزرق» وبالقرب من قيادة الجيش محل الاعتصام، ونشأت قبل الاعتصام بسنين، واشتهرت بأنها «وكر» لتجار المخدرات والخمور، وأخذت اسمها من «مخدرات كولومبيا». وحين بدء الاعتصام شارك روادها في الاحتجاجات، ما استفز القوات العسكرية التي سعت لـ«تنظيفها» مستخدمةً القوة المفرطة، ولاحقاً اتخذتها ذريعة لفض الاعتصام، كما تشير تقارير النشطاء ومواقع التواصل الاجتماعي وقوى الحراك.
ووجهت اللجنة بناءً على استجواب 59 شاهداً، بينهم ضباط في القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، ومواطنين وأطباء ومعتصمين، و29 مستنداً متعلقاً ببلاغات ضد كل من اللواء ركن «أ. س. أ»، وهو الذي أصدر أمراً للعميد الركن «ع. ع. م» بتحريك قوة مكافحة الشعب التابعة لـ«قوات الدعم السريع»، لفض الاعتصام دون تلقي أوامر عليا. وهزت «جريمة» فض الاعتصام الضمير العالمي لبشاعتها وأعداد القتلى السلميين الذين راحوا ضحية لها، وأصابت المواطنين السودانيين بحالة من الصدمة والترويع، واتجهت الاتهامات مباشرةً إلى «المجلس العسكري الانتقالي»، الذي اضطر إلى تكوين لجنة تحقيق عسكرية من جانبه، ولجنة أخرى كوّنها النائب العام، فيما يُنتظر أن تكون «لجنة تحقيق مستقلة» ثالثة من قبل قوى إعلان الحرية والتغيير بعد تكوين الحكومة المدنية.
وقالت اللجنة إن الضابطين اللذين أصدرا الأوامر لم يكونا ضمن القادة المنوط بهم «نظافة منطقة كولومبيا»، ولم يتلقيا تعليمات أو أوامر بالمشاركة في تنفيذ الخطة، وأن أحدهم تمرد على تعليمات قائد العملية، وأضافت: «تم تحذير العميد (ع. ع. م) من قِبل قائد العملية بأنه غير معني، لكنه خالف تلك التوجيهات، وقاد قوة من معسكر (صالحة) إلى داخل منطقة الاعتصام، وأمرهم بجلد المعتصمين». واتهمت اللجنة قائد قوة مكافحة الشغب التابعة لـ«قوات الدعم السريع» المقدم «ب. ح. ع»، والذي شارك في التنوير الخاص بنظافة منطقة كولومبيا، بالمشاركة مع قواته بدخول منطقة الاعتصام، وضرب المعتصمين بالعصي ما تسبب في فض الاعتصام.
وحمّلت قوة مشتركة مكلفة بتنظيف كولومبيا «قوات مكافحة الشغب، وقوات الحماية وتأمين كوبري النيل الأزرق»، المسؤولية عن العملية، واتهمتها بتجاوز مهامها، ودخول بعض أفرادها ساحة الاعتصام، وأزالوا الحواجز والمتاريس، وإطلاق الغاز المسيل للدموع والرصاص والأعيرة النارية بكثافة وعشوائية، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، وحرق الخيام وإتلاف الممتلكات والمركبات، وإخلاء المعتصمين من ساحة الاعتصام.
وقالت اللجنة إن التحقيقات أشارت إلى «شخصين ملثمين» مجهولي الهوية ويرتديان الزي المدني، أطلقا الأعيرة النارية بساحة الاعتصام، إضافة إلى ثلاثة أشخاص آخرين مجهولي الهوية يرتدون أزياء مدنية أطلقوا الأعيرة النارية من أعلى عمارة تحت التشييد مطلة على ساحة الاعتصام.
وحسب رئيس لجنة التحقيق، فإن عدد القتلى إبان أحداث فض الاعتصام بلغ 87 قتيلاً خلال أسبوع من فض الاعتصام، وأن 17 منهم لقوا مصرعهم داخل ساحة الاعتصام يوم 3 يونيو الماضي، وأن عدد المصابين بلغ 168 مصاباً، منهم 105 بآلات حادة وجروح قطعية وطعنية، واتُّخذت إجراءات قانونية بشأن حالات الوفاة كافة.
وتقول لجنة الأطباء السودانية المركزية، وهي لجنة موالية لقوى إعلان الحرية والتغيير، إنها أحصت 128 قتيلاً في أحداث فض الاعتصام، إضافة إلى أكثر من 1000 جريح ومصاب بينهم جثث لمعتصمين تم إلقاؤهم في نهر النيل وربطهم بـ«ثقالات إسمنتية» لمنع طفو جثثهم، وعدد من حالات الاغتصاب التي طالت نساءً ورجالاً، وعشرات المفقودين الذين لا يُعرف لهم مكان على الرغم من مرور قرابة الشهرين على الحادثة، فيما قالت وزارة الصحة إن عدد القتلى بلغ 68 قتيلاً.
لكن لجنة التحقيق نفت وجود «حالات اغتصاب» وعمليات حرق بالنار أو إغراق في نهر النيل، وقالت: «لم يتبين للجنة وجود أي حالات اغتصاب ارتُكبت داخل ساحة الاعتصام، أو حالات وفاة نتيجة لحرق بالنار، وأن جثتين انتُشلتا من النيل وعليهما أثقال لمنع طفوهما، وُجدت بهما آثار إصابة بطلق ناري، لكن لا علاقة لهما بساحة الاعتصام». وبرّأ تقرير اللجنة ساحة المجلس العسكري الانتقالي من إصدار أوامره بفض الاعتصام، وجاء فيه: «القرار الصادر من اللجنة الأمنية التابعة للمجلس العسكري الانتقالي، كان بغرض نظافة منطقة كولومبيا، ولم يصدر أي قرار أو توجيهات منها بفض ساحة الاعتصام». وقال سعيد إن لجنته اتخذت إجراءات جنائية بمواجهة 8 قادة عسكريين بينهم لواء ركن واحد، وعميدا أركان حرب، وعقيد، ومقدم، ورائدان، ورقيب أول، تحت المادة 186 من القانون الجنائي 1991، وتتعلق بارتكاب «الجرائم ضد الإنسانية» وتصل عقوبتها إلى السجن المؤبد والإعدام.
كما تعهدت اللجنة باستمرار الدعاوى ضد أفراد القوات التي شاركت في تنفيذ العملية، وهم «أفراد من قوات معسكر صالحة، وقوة الحماية، وقوة مكافحة الشغب، والأفراد الذين دخلوا ساحة الاعتصام، تحت مواد تصل عقوبتها إلى الإعدام من القانون الجنائي، إضافة إلى عناصر المدنيين الملثمين المجهولين الذين أطلقوا النار على المعتصمين، وأن تتواصل البلاغات لتشمل كل من تتوفر على مواجهته بينة في وقت لاحق». وقال سعيد إن النائب العام، وبصفته ممثل الدولة والمجتمع في الادعاء العام في القضايا الجنائية، خاطب المجلس العسكري الانتقالي، وطلب تسليمه محضر التحقيق الخاص الذي أجرته لجنة التحقيق العسكرية التابعة له.
وانتقد القيادي في قوى إعلان الحرية والتغيير بابكر فيصل، التقرير، ووصفه بأنه لن يجد الاعتراف اللازم لأنه من طرف واحد، وشكك في دواعي ميقات إعلانه الذي يسبق العودة للتفاوض اليوم. وقال فيصل لـ«الشرق الأوسط» إن قوى الحرية والتغيير وقّعت مع المجلس العسكري الانتقالي «الإعلان السياسي» الذي نص على تكوين لجنة تحقيق مستقلة بإشراف إقليمي بعد تكوين الحكومة الانتقالية، وهي المنوط بها كشف الحقائق بشأن أحداث فض الاعتصام والجرائم البشعة التي رافقتها.
من جهته، سارع حزب المؤتمر السوداني برفض محتوى تقرير لجنة التحقيق، وعدّه تأكيداً لأهمية قيام الحكومة المدنية الانتقالية بإجراء تحقيق مستقل وشفاف وبإشراف إقليمي لكشف الحقائق، وتقديم المتورطين لمحاكمات عادلة.
وقال الحزب العضو في قوى إعلان الحرية والتغيير، حسب بيان صحافي حصلت عليه «الشرق الأوسط»، أمس، إن لجنة التحقيق المكونة من المجلس العسكري خيّبت الآمال، وأضاف: «كما هو متوقع لم تخيّب الظنون بها»، وإنها صاغت تقريرها بـ«هدف واحد لا غير، وهو إخفاء الحقائق ودفنها تحت الركام».
وأوضح البيان أن تقرير اللجنة كان عبارة عن تلاوة لـ«الرواية المختلقة حول منطقة كولومبيا وكونها المستهدف بتلك العملية البشعة»، وتابع: «الحقيقة الساطعة تقول بأن قرار فض الاعتصام تزامن في كل ولايات السودان التي شهدت 13 اعتصاماً». ورأى الحزب في تزامن فض الاعتصامات دليلاً يؤكد «اتخاذ قرار سياسي من الجهة التي تملك السلطة والرغبة والقدرة على فض الاعتصام، مع سبق الإصرار والترصد»، وسخر مما سماه «إرجاع جريمة بهذه الضخامة والبشاعة لمحض تفلتات من قوات أو ضباط خالفوا التعليمات»، باعتباره مجرد إخفاء للحقائق. وانتقد بيان الحزب نفي اللجنة حدوث حالات اغتصاب داخل محيط الاعتصام، ووصفه بأنه «يخالف تقارير معتمدة لمنظمات عديدة دوّنت هذه الجرائم ووثّقت لاغتصاب عدد كبير من النساء والرجال»، وتابع: «هي وقائع ثابتة وتشبه إلى درجة كبيرة الممارسات الراتبة التي ظلت تحدث في مناطق الحروب في السودان كأدوات للإذلال ولتنفيذ مشاريع الإبادة الجماعية».



«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
TT

«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

قُتل 24 شخصاً، بينهم 8 أطفال وعدد من النساء، جراء استهداف «قوات الدعم السريع» عربةً نقل كانت تقل نازحين من منطقة دبيكر إلى مدينة الرهد بولاية شمال كردفان، وفق ما أفادت به «شبكة أطباء السودان».

وقالت الشبكة إن العربة كانت تقل نازحين فارّين من ولاية جنوب كردفان، وتم استهدافها أثناء وصولها إلى مدينة الرهد، ما أسفر عن مقتل 24 شخصاً، من بينهم طفلان رضيعان، إضافة إلى إصابة آخرين جرى إسعافهم إلى مستشفيات المدينة لتلقي العلاج.

وأضافت أن الهجوم يأتي في ظل أوضاع صحية وإنسانية بالغة التعقيد، تعاني فيها المنطقة من نقص حاد في الإمكانات الطبية، ما يزيد من معاناة المصابين والنازحين.


العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الجمعة، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناءً على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وموافقة مجلس القيادة الرئاسي، ولما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد.

وجاء الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين، ومعمر الإرياني وزيراً للإعلام، ونايف البكري وزيراً للشباب والرياضة، وسالم السقطري وزيراً للزراعة والري والثروة السمكية، واللواء إبراهيم حيدان وزيراً للداخلية، وتوفيق الشرجبي وزيراً للمياه والبيئة، ومحمد الأشول وزيراً للصناعة والتجارة، والدكتور قاسم بحيبح وزيراً للصحة العامة والسكان، والقاضي بدر العارضة وزيراً للعدل، واللواء الركن طاهر العقيلي وزيراً للدفاع، والمهندس بدر باسلمة وزيراً للإدارة المحلية، ومطيع دماج وزيراً للثقافة والسياحة، والدكتور أنور المهري وزيراً للتعليم الفني والتدريب المهني، والمهندس عدنان الكاف وزيراً للكهرباء والطاقة، ومروان بن غانم وزيراً للمالية، والدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي.

كما ضمَّ التشكيل؛ سالم العولقي وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، والقاضي إشراق المقطري وزيراً للشؤون القانونية، والدكتور عادل العبادي وزيراً للتربية والتعليم، والدكتور أمين القدسي وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور شادي باصرة وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات، والدكتور محمد بامقاء وزيراً للنفط والمعادن، ومحسن العمري وزيراً للنقل، والمهندس حسين العقربي وزيراً للاشغال العامة والطرق، ومختار اليافعي وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل، ومشدل أحمد وزيراً لحقوق الإنسان، والشيخ تركي الوادعي وزيراً للأوقاف والإرشاد، والدكتور عبد الله أبو حورية وزيراً للدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى، والقاضي أكرم العامري وزيراً للدولة، وعبد الغني جميل وزيراً للدولة أميناً للعاصمة صنعاء، وعبد الرحمن اليافعي وزيراً للدولة محافظاً لمحافظة عدن، وأحمد العولقي وزيراً للدولة، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة للدولة لشؤون المرأة، ووليد القديمي وزيراً للدولة، ووليد الأبارة وزيراً للدولة.

وجاء القرار بعد الاطلاع على دستور الجمهورية اليمنية، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، وقرار إعلان نقل السلطة رقم 9 لسنة 2022، وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي الصادر بتاريخ 7 أبريل (نيسان) 2022، والقانون رقم 3 لسنة 2004 بشأن مجلس الوزراء، وقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتعيين الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة.


جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
TT

جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)

عادت «الرمال البيضاء» وما تمتلكه مصر من احتياطي استراتيجي ضخم من هذا المورد الخام الذي يدخل في صناعات عدّة عالمياً، إلى الواجهة مع إعلان السلطات المصرية عن ضبط مسؤولين شكَّلوا عصابة لتهريبه بالمخالفة للقانون، ولقرار حكومي سابق حظر تصديره، في حين أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الكنز المهم لم يتحقق الاستغلال الأمثل له حتى الآن».

وقبل يومين أعلنت «هيئة الرقابة الإدارية» في مصر ضبط عصابة تضم 6 مسؤولين بجمارك ميناء الإسكندرية (شمال)، تورطوا في تلقي رشى مالية، مقابل تسهيل تهريب شحنات من الرمال البيضاء الممنوعة من التصدير، مؤكدة أن المتهمين تواطأوا مع مالك إحدى شركات النقل والشحن لإنهاء إجراءات تصدير هذه الرمال، بالمخالفة للقرار الحكومي، الذي يحظر تصدير هذا المورد الاستراتيجي بهدف الحفاظ على الثروات الطبيعية غير المتجددة، وتعظيم قيمتها المضافة عبر التصنيع المحلي، بدلاً من تصديرها مادةً خاماً.

وفي إحصاء أخير صدر عن «مركز معلومات مجلس الوزراء» بمصر، أفاد بأن البلاد تمتلك احتياطياً من الرمال البيضاء يُقدر بـ20 مليار طن، وأنه كان يتمّ تصديرها في شكلها الخام قبل عام 2014، بينما كانت تتم معالجتها وإعادة بيعها في الأسواق العالمية بأسعار مضاعفة.

لكن بعد عام 2014، تم تقليل الصادرات، ثم صدر قرار حكومي في عام 2022، يقضي يحظر تصدير الرمال البيضاء بهدف تعظيم الاستفادة منها محلياً، من خلال إعادة تصنيعها.

أكدت الحكومة المصرية زيادة عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج (مجلس الوزراء المصري)

وقال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب: «إن الحكومة المصرية أنشأت قبل 5 سنوات شركة للاستغلال الأمثل للثروة المتاحة من الرمال البيضاء، لكن تبين فيما بعد أن الاستغلال الأمثل لهذه الثروة يحتاج إلى استثمارات طائلة؛ ولذلك اقتصر دور هذه الشركة على الأبحاث والدراسات، ولم تتمكن من الدخول في مجال تحول هذه الرمال إلى منتجات».

صناعات عدّة

أكد الخبير عبد المطلب لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الرمال «تدخل في تصنيع الرقائق والوسائط الإلكترونية، كما أن هناك 200 صناعة يمكن أن تستخدم فيها الرمال البيضاء، ومصر لديها احتياطي ضخم جداً، ويمكن من خلال فتح الباب أمام تصدير جزء من هذا الاحتياطي الخام حل المعضلة، حيث يتم من عوائد هذا التصدير إنجاز استثمارات للتصنيع من الجزء المتبقي».

لكنه أشار إلى أن الدولة «قررت منع التصدير الخام للرمال البيضاء بسبب تخوفها من أن يحدث ما حدث في محاجر الرخام والغرانيت، حيث استولت عليها الشركات الصينية، التي كانت تأخذ كتل الرخام والغرانيت الخام من مصر بأسعار زهيدة، وتصنعها في الصين وتعيد تصديرها لمصر ودول العالم بأسعار كبيرة، وتستفيد من ذلك أكثر مما تستفيد مصر».

وأوضح عبد المطلب أنه «لكي تستفيد مصر فعلاً من ثروة الرمال البيضاء لديها تحتاج إلى استثمارات على الأقل بمبلغ 10 مليارات دولار لإقامة مشروعات متكاملة في مناطق استخراج الرمال البيضاء، لكنها لا تستطيع توفير ذلك، والاستثمار الأجنبي يصعب عليه أن يدخل مصر لتحويل الرمال البيضاء منتجات، فهو يهدف للاستحواذ على الثروة الخام، وتصديرها والاستفادة السريعة، ومن هنا يجب أن يكون هناك اهتمام رسمي في بعض الأحيان بتسويق الاستثمار في مجال الرمال البيضاء، وتحويلها منتجات، في حين يتم أحياناً أخرى تناسي الأمر».

وفي ظل غياب رؤية حول تحقيق الاستفادة المثلى من الرمال البيضاء، لفت عبد النبي إلى أن «هناك من استغل الأمر وعمل على تهريب غير مشروع لهذه الثروة»، مطالباً الحكومة بأن تعمل أولاً على «إنشاء مصانع والبدء بصناعات محدودة في مجال الرمال البيضاء، وهذه الصناعات ستولد صناعات أخرى، وبالتالي سنصل مع مرور الوقت للاستغلال الأمثل لهذه الثروة».

سيناء أبرز مناطق الرمال البيضاء

توجد الرمال البيضاء في الكثير من المناطق بمصر، أبرزها في شمال ووسط وجنوب سيناء (شمال شرق)، وتتميز بحجم حبيبات ناعم وجيد الفرز، مع نسب منخفضة جداً من الشوائب، وتصنَّف كيميائياً وبترولوجياً ضمن أفضل الخامات؛ ما يجعلها صالحة لصناعات متعددة، مثل «الزجاج عالي الجودة، والخلايا الشمسية، والسيراميك، والمحفزات البترولية، ومواد البناء»، كما أنها تطابق المواصفات الأميركية والبريطانية، حسب بيانات الحكومة المصرية.

توجد أنقى الرمال البيضاء المطلوبة للكثير من الصناعات في منطقة أبو زنيمة بوسط سيناء (مجلس الوزراء المصري)

في هذا السياق، أكد الأكاديمي الاقتصادي كريم العمدة أن «قرار الحكومة المصرية كان صحيحاً بمنع تصدير أي مادة خام دون عمل قيمة مضافة عليها قبل التصدير، وحتى لو كانت قيمة مضافة بسيطة فهذا يحقق ربحاً أعلى، وقد شملت المواد الخام الممنوع تصديرها الرمال البيضاء، وهي كنز مهم يدخل في صناعات كبيرة، ومصر تمتلك احتياطياً كبيراً منه».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بدأت بالفعل استثمارات ومصانع في إنجاز صناعات من الرمال البيضاء في مصر، لكن هذا المجال يستغرق وقتا، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة، وسيتم الوصول إلى هدف الصناعات المتكاملة من الرمال البيضاء في مصر مع الاستمرارية والقرارات والدراسات الصحيحة».

وحسب إحصاء للحكومة المصرية، فقد زاد عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج، حيث ارتفع عددها في عام 2022، ليصل إلى 212 شركة في صناعة الدهانات، و280 شركة في صناعة الزجاج، و67 شركة لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى 94 شركة تعمل في مجال استخراج المعادن.

بهذا الخصوص، أكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أحمد أبو علي، أن «قرار الدولة بمنع تصدير الرمال البيضاء في صورتها الخام لا يُعد قيداً تجارياً، بل هو قرار سيادي واعٍ، يستهدف كسر نمط الاقتصاد الريعي، وحماية مورد استراتيجي من الاستنزاف، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد عليها في صناعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الدقيقة»، مشيراً إلى أن «تصدير الخام يعني تصدير فرص العمل، والمعرفة الصناعية، والعوائد الدولارية المضاعفة لصالح اقتصادات أخرى.«

وأضاف أبو علي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستفادة المثلى من هذه الثروة تتطلب الإسراع في توطين الصناعات المرتبطة بها، عبر شراكات صناعية وتكنولوجية، ونقل المعرفة، وتطوير المناطق الصناعية القريبة من مواقع الاستخراج، بما يحول الرمال البيضاء من مورد جيولوجي خام إلى رافعة تنموية وصناعية حقيقية».