جدل في دمشق بعد انتقاد وزير الإعلام لـ«سياسة الصمت»

حملة «ساعدونا لنصير أحسن» تكشف مقاطعة الجمهور السوري للإعلام المحلي

حوار مطول مع وزير الإعلام السوري عماد سارة على القناة الرسمية
حوار مطول مع وزير الإعلام السوري عماد سارة على القناة الرسمية
TT

جدل في دمشق بعد انتقاد وزير الإعلام لـ«سياسة الصمت»

حوار مطول مع وزير الإعلام السوري عماد سارة على القناة الرسمية
حوار مطول مع وزير الإعلام السوري عماد سارة على القناة الرسمية

انتهت في سوريا مؤخراً حملة «ساعدونا لنصير أحسن» التي قام الإعلام السوري الرسمي بترتيبها، وتضمنت حواراً مطولاً مع وزير الإعلام عماد سارة، رد خلاله على انتقادات الجمهور المحلي التي وردت ضمن الحملة، عبر فواصل تلفزيونية وتقارير صحافية استطلعت آراء الشارع.
وزير الإعلام الذي اعترف بضعف وتردي الإعلام في بلاده بشر بإلغاء قريب للخطوط الحمراء في الإعلام الرسمي السوري، لكن الصحافي النائب بمجلس الشعب نبيل صالح رد متحدياً بمنشور عبر حسابه على «فيسبوك» بأنه لا الوزير «ولا حكومته مجتمعة قادرة على إلغاء خطوط الرقابة الحمر في بلادنا»، وقال: «لن نتمكن من إلغاء الخطوط التي يحلم بها وزير الإعلام دون أن يتقرب هو ذاته للخطوط الحمراء التي يعلم الشعب السوري جميعاً أين تكمن».
المفارقة أن حوار وزير الإعلام الذي بثته القنوات الرسمية لم يكن يبث مباشرة، فقد استغرق تسجيله 10 ساعات، بث منها 49 دقيقة فقط، مما يعني خضوعها لعملية «فلترة» صارمة، حسب صحيفة عربية حليفة للنظام السوري.
كلام سارة عن الخطوط الحمراء جاء متزامناً مع منع الممثلة أمل عرفة من الظهور في الإعلام الرسمي، عقوبة على اعتذارها من جمهور المعارضة لمشاركتها بلوحة تمثيلية كوميدية تسخر من ضحايا الهجمات الكيماوية في سوريا، مما دفع أمل إلى إعلان اعتزال التمثيل، والبحث عن مهنة أخرى، تماماً كما حدث مع الصحافي علي حسون، رئيس تحرير جريدة «الأيام» الذي اعتزل العمل الصحافي، وراح يبحث عن مهنة أخرى بعد اعتقال زميله الصحافي رئيف سلامة.
وشهد الإعلام الرسمي السوري تراجعاً كبيراً خلال سنوات الحرب، مع طغيان الإعلام الحربي على غالبية برامجه التي باتت مادة للسخرية والتندر في وسائل التواصل الاجتماعي. على سبيل المثال، عندما تعرض مطار المزة العسكري، غرب العاصمة دمشق، لضربة إسرائيلية العام الماضي، تناقلت وسائل الإعلام العربية والدولية والسوشيال ميديا الخبر لساعات، قبل أن يقرر التلفزيون الرسمي بث تصريح مصدر عسكري بأن سبب الانفجارات في المطار «ماس كهربائي»!
وتزايدت الانتقادات للإعلام الرسمي العام الجاري، مع تفاقم الأزمات الاقتصادية في سوريا التي راحت تشتد تباعاً، فبدأت بافتقاد حليب الأطفال، ومن ثم الغاز والبنزين، وغيرها من أزمات لم يصمت الإعلام المحلي عن توضيح أسبابها فحسب، بل فبرك تقارير ميدانية عن ابتهاج السوريين بساعات الانتظار الطويلة أمام محطات الوقود، وتحويلها إلى وقت للترفيه وتدخين الأركيلة ورقص الدبكة. سذاجة مهنية اعتاد عليها مراسلو التلفزيون خلال جولاتهم الميدانية وتغطياتهم للحوادث المحلية، حتى المفجعة منها، كالحريق الذي أودى بحياة 7 أطفال في دمشق؛ حينها سارعت قناة الإخبارية إلى تغطيه مباشرة لزيارة رئيس الحكومة إلى موقع الحادث فوراً، وراح المراسل يسأل والد المفجوع بأطفاله السبعة عما ستقدمه له الحكومة من تعويضات لأثاث البيت المحترق، في تصرف يفتقد إلى الحد الأدنى من الحس الإنساني!
وعلى صعيد البرامج الأخرى، كأفلام الكارتون للأطفال، فإن الوضع ليس أفضل، إذ أثارت لقطة تظهر صدر فتاة عارٍ في مسلسل «ساسوكي» أزمة كبيرة داخل التلفزيون، بعد عاصفة من النكات في السوشيال ميديا، وصلت أصداؤها إلى وسائل إعلام دولية.
إعلامي سوري متوقف عن العمل بسبب التضييق الأمني قال لـ«الشرق الأوسط» إن الإعلام الرسمي السوري وجد نفسه في مأزق بعد تراجع العمليات الحربية، واستعادة النظام لمعظم المناطق التي كانت تسيطر عليها المعارضة، فخلال سنوات الحرب «ظهرت مجموعة كبيرة من المراسلين الحربيين الذين دخلوا إلى العمل الإعلامي على متن الدبابة». وبعد تراجع العمليات الحربية، وتضاؤل مساحة تغطياتها في الإعلام، نشأ فراغ كشف ضحالة ما آل إليه الإعلام السوري الرسمي، والضعف الذي ضرب كوادره البشرية لأسباب كثيرة معروفة، في «مقدمتها المحسوبيات، وغياب حرية التعبير، وتدني العائد المالي، وسيطرة الأجهزة الأمنية على الإعلام»، وظهرت تأثيرات ذلك على الشاشة، وعلى شبه غياب للصحف عن منافذ البيع. ويتابع الإعلامي، تعليقاً على حملة «ساعدونا حتى نصير أحسن»، أنه لاحظ هروب الناس من الكاميرا، إذ لم تعد مثار فضول المارة، حتى الأطفال والمراهقين لم يهتموا للتحلق حول المذيعة واقتحام كادر التصوير، كما كان يجري سابقاً، لإرسال تحيات لملايين المشاهدين المفترضين، إذ لم يعد سؤال «شفتني بالتلفزيون» مدعاة للتفاخر؛ كاميرا التلفزيون الرسمي «غدت بعبعاً، وأسئلة معدي البرامج تطفلاً وغلاظة، بل نذير شؤم قد يعرض لمساءلة الجهات الأمنية». ويرد الإعلامي على ذكر موقف حصل مع صديقته بينما كانت تتأمل فترينا محل ألبسة في شارع الحمرا، وسط دمشق، حين داهمها ميكرفون التلفزيون الرسمي دون سابق إنذار، وسلط المصور العدسة على وجهها و«كأنها ضبطت بجرم مشهود، لم ينبس ببنت شفة، فقط أشاحت بيدها أن ابتعدوا عني، ما أثار غضب المصور الذي قال لها محتجاً: نحن لسنا ذباباً كي تشيحي بيدك هكذا».
ويقول الإعلامي السوري السابق: «المشكلة أن العاملين في الإعلام الرسمي يعانون من ازدراء الشارع، لكن لا يدركون أن السبب هو جهلهم بأبسط أدبيات الإعلام، كاحترام الخصوصية، وعدم تصوير أي شخص دون أذن مسبق».
الفواصل الترويجية لحملة «ساعدونا لنصير أحسن» التي أطلقتها وسائل الإعلام الرسمية السورية أواخر الشهر الماضي لاستطلاع آراء الجمهور المحلي حول أداء الإعلام الرسمي أظهرت هروب الناس من الكاميرا، حتى أن المذيعة أخفت شعار التلفزيون عن الميكروفون، عساها تستميل أحداً لقبول الحديث معها، علماً بأن غالبية الذين قبلوا قالوا إنهم لا يتابعون التلفزيونات الرسمية، أحدهم أكد أنه يتابع، ثم تراجع معتذراً بأنه من سنوات لم يشاهد التلفزيون السوري، سيدة أخرى وبعد إظهارها الاعتزاز بمتابعة الفضائية السورية، سألت المذيعة أي قناة تقصد «قناة سما أم قناة لنا»، والقناتان محليتان خاصتان بدأتا بالبث خلال سنوات الحرب (سما 2012، ولنا 2018)، في حين أن التلفزيون السوري يعد أوائل التلفزيونات العربية، فقد بدأ بثه عام 1960.
معظم الآراء التي انتزعها فريق حملة «ساعدونا لنصير أحسن» من الشارع جاءت على شكل جمل مبعثرة، من جمهور غير متابع، وجد نفسه فجأة أمام الكاميرا، وليس لديه ما يقوله عن شيء لا يتابعه، ولا يعرف إلى من سيصل كلامه. ومع ذلك، لم تخلُ الآراء من انتقادات عائمة تصح على الإعلام الرسمي السوري في زمان ومكان، كالابتعاد عن هموم الناس، وضعف الجاذبية البصرية، وغياب التشويق، والمضامين النمطية، وعدم الاهتمام ببرامج الأطفال والرياضة.
جريدة «تشرين» الرسمية التي نشرت نتائج الاستطلاع الذي أجرته ضمن الحملة ذاتها قالت إنها ركزت في العينة التي اختارتها على أساتذة وطلاب كلية الإعلام، لكنها لم تعثر بينهم على من يتابع الصحف السورية الرسمية الثلاث (تشرين والثورة والبعث).
ربما تلك النتائج كانت متوقعة، لكن ما لم يكن متوقعاً طرحها للنقاش كدليل على الجرأة، والنية الصادقة لتطوير الإعلام المحلي، لا سيما وقد اختتمت الحملة بلقاء مطول مع وزير الإعلام عماد سارة، قدم فيه جرد حساب لعمل وزارته التي قال إنها تتحمل جزءاً من المسؤولية عما يرتكب من أخطاء في الإعلام، فثمة أخطاء حصلت ليست مسؤولة عنها، متوقفاً عند أمرين: الأول التردي التقني، وسببه شح التمويل، فحزم الإرسال والتجهيزات اللازمة للحصول على صورة بدقة عالية يحتاج إلى «مليوني دولار»، طلب من المذيع أن يحسب قيمتها بالليرة السورية ليدرك حجم الرقم المطلوب (الدولار يعادل نحو 600 ليرة)، بينما البلد في حالة حرب و«الأولوية للقوات المسلحة، ودعم أسر الشهداء، وتأمين القمح»، مشيراً إلى الصعوبات التي تواجهها وزارته في تأمين حد أدنى من تمويل مستلزمات المذيعين والمذيعات من ملابس ومكياج.
الأمر الثاني الذي توقف عنده الوزير، ويتسبب في «فقدان الثقة بالإعلام الرسمي» برأيه، هو «سياسة الصمت» المتبعة في الإعلام السوري، مؤكداً أنها «لم تعد ناجحة»، وضرب نموذجاً بيان المصدر العسكري حول تعرض مطار المزة لضربة إسرائيلية، وقال حينها تريثنا ببث النبأ، بينما كانت وسائل التواصل الاجتماعي تتداوله على نطاق واسع؛ التريث «أدى لتشكيل رأي عام، وسمح لوسائل التواصل الاجتماعي بالتأثير على الرأي العام، لذلك لا يجب ترك هذه المساحة ليتم اللعب بها بعد الآن». الوزير سارة الذي استخدم كلمة «كُبحنا»، بصيغة المبني للمجهول، لدى حديثه عن وجود أخطاء لا تتحمل مسؤوليتها وزارته، لم يمتلك في حديثه «الصريح» جرأة تسمية الجهات التي تتدخل وتكبح العمل الإعلامي في سوريا، ولا الجهات التي تقبض بيد من حديد على الحريات العامة، محولة البلاد بكاملها إلى بقعة حمراء لا مكان فيها لخطوط حمراء كانت أم أي لون آخر عدا الخضراء.


مقالات ذات صلة

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

إعلام اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا وزير الدولة للإعلام في مصر ضياء رشوان (وزارة الدولة للإعلام)

«مؤثرون» أم «منتشرون»؟ جدل حول تعريف صُنّاع المحتوى في مصر

ما زال الجدل مستمراً في مصر حول لقاء وزير الدولة للإعلام بعدد من صانعي المحتوى، وسط انتقادات للقاء وتساؤلات عن المعايير التي اختير على أساسها المشاركون.

رحاب عليوة (القاهرة)
يوميات الشرق مارسيل غانم تفاعل مع الفكرة منذ اللحظة الأولى لتطبيقها (برنامج صار الوقت)

«صار الوقت» يوظّف الذكاء الاصطناعي في خطوة متقدّمة تلفزيونياً

استعان برنامج «صار الوقت»، على شاشة «إم تي في»، بالذكاء الاصطناعي لتطوير التحضير للحلقات ومقارنة تصريحات الضيوف بمواقفهم السابقة.

فيفيان حداد (بيروت)
الولايات المتحدة​ الصحافي الأميركي بوب وودوارد (أ.ب- أرشيفية)

كاشف أسرار واشنطن... بوب وودوارد يزيح الستار عن مصادره السرية

يكشف الصحافي المخضرم بوب وودوارد في مذكراته الجديدة هويات مصادره السرية، وكواليس تحقيقاته عن أسرار واشنطن، ويوجِّه انتقادات إلى جيف بيزوس.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
إعلام شعار «ميتا» (رويترز)

مخاوف حيال تعديل شروط استخدام الحسابات على «فيسبوك» و«إنستغرام»

أجرت شركة «ميتا» تعديلاً على شروط الاستخدام قد يمنحها صلاحيات واسعة للوصول إلى محتوى المواقع الإخبارية ونسخه وإعادة استخدامه

إيمان مبروك (القاهرة)

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
TT

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى، وبحضور عدد من كبار المسؤولين، ونخبة من قيادات وطلبة الإعلام والمتخصصين، وذلك بمدينة الرياض، الأربعاء، تزامناً مع «عام الذكاء الاصطناعي 2026».

ويهدف اللقاء إلى تعزيز الوعي بالاستخدام المسؤول والأخلاقي لتقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، وتعريف المشاركين والحضور بالفرص التي تتيحها لتطوير العمل الإعلامي والإبداعي، ورفع مستوى المعرفة بالتحديات المرتبطة بالمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي والتزييف العميق والمعلومات المضللة.

وتناول اللقاء التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى، بدءاً من توليد الأفكار والبحث وكتابة السيناريو، مروراً بالإنتاج والتحرير، ووصولاً إلى تحليل تفاعل الجمهور وقياس الأثر، مع استعراض حالات تطبيقية توضح كيفية الاستفادة من هذه الإمكانات في إنتاج محتوى مبتكر وموثوق يحافظ على القيم والهوية الوطنية.

واستعرض المختصون مبادئ وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وأهمية الشفافية والإفصاح عند استخدام أدواته في إنتاج المحتوى أو تعديله، ومسؤولية صانع المحتوى عن التحقق من دقة المعلومات ومصادرها قبل النشر.

كما ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى، بما يشمل ضوابط النشر والإعلان الرقمي، وحماية الخصوصية، والمحافظة على حقوق المؤلف والملكية الفكرية.

المختصون ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى (واس)

وشهد اللقاء معرضاً تعريفياً مصاحباً، شاركت فيه «سدايا» ممثلةً بمكتب إدارة البيانات الوطنية وأكاديميتها، والتطبيق الوطني الشامل «توكلنا»، و«هيئة تنظيم الإعلام».

وضمّ المعرض أركاناً توعوية وتجارب تطبيقية عرّفت الحضور بمبادئ الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، ومتطلبات الامتثال وضوابط النشر الإعلامي، ومخاطر التزييف العميق وأساليب التحقق من المحتوى.

وجرى الإعلان عن برنامج تدريبي متخصص لـ«صنّاع التأثير»، يستهدف تمكين المؤثرين وصناع المحتوى من الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، إذ يتضمن تدريباً معرفياً وتطبيقياً على الممارسات المهنية المرتبطة بإنتاج المحتوى والتحقق منه.

وحظي اللقاء بتفاعل كبير، إذ ناقش الحضور أبرز الفرص والتحديات التي يواجهها القطاع الإعلامي في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مداخلات وأسئلة حول ضوابط استخدام الأدوات التوليدية، وآليات التحقق من المحتوى، والمسؤولية المهنية قبل النشر، وسبل تحقيق التوازن بين الابتكار والمحافظة على المصداقية.

ويأتي تنظيم «ذكاء التأثير» ضمن الجهود الوطنية الساعية لتحويل مبادئ الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي إلى ممارسات عملية في البيئة الإعلامية، وتعزيز التعاون بين «سدايا» وهيئة تنظيم الإعلام في رفع الوعي وبناء القدرات، بما يسهم في تطوير محتوى رقمي مبتكر وموثوق، وتحقيق مستهدفات «عام الذكاء الاصطناعي».


الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
TT

الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

كان من الطبيعي أن تنشغل كل المؤسسات الإعلامية، على اختلاف وسائلها وأنواعها وأدواتها، بالحادثة «غير المسبوقة» في الأردن، أخيراً، بعد الاستهداف الإرهابي لكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك. وقد راح ضحيته 9 شهداء، وأكثر من 40 جريحاً.

الأردنيون عادة في مثل الأحداث يتابعون الأخبار المتعلقة بالأحداث المحلية من وسائلهم الإعلامية، ووسط عمليات التشويش، ظلت الرواية الرسمية في المقدمة.

إلى حد كبير، يمكن اعتبار الإعلام الأردني بمختلف أنواعه ومشاربه، «إعلاماً محافظاً»؛ إذ يتمسك الصحافيون الأردنيون في مؤسساتهم بتقاليد الصياغات المهنية الخالية تماماً من جمل «الشتائم ولغة التجريح». كذلك لم يكن الإعلام الأردني منصة لحروب الآخرين السياسية، سواءً من جهة قوى سياسة من الداخل، أو تلك القوى الموجهة من الخارج، لا سيما في العقدين الأخيرين، بحسب زملاء في المهنة.

لكن هؤلاء أكدوا، في لقاءات مع «الشرق الأوسط»، أن نمط الإعلام المحافظ، المتمسك بتقاليد المهنة، أسهم إلى حد كبير في بروز ظاهرة منصّات التواصل الاجتماعي المتحرّرة من الأعباء الأخلاقية والمهنية، التي عادة ما تلتزم بها المؤسسات الإعلامية، بموجب أحكام ترخيصها، وتعريف مرجعية المسؤوليات القانونية داخلها عند وقوع الخطأ.

دور التواصل الاجتماعي

شهداء كنيسة حمود الذين سقطوا برصاص ثلاثة إرهابيين، ثبُتَ تورّطهم مع جهات خارجية وتلقيهم تعليمات من تنظيم إرهابي يُعتقد على نطاق واسع بأنه تنظيم «داعش». وذكرت مصادر إعلامية وأمنية لـ«الشرق الأوسط» أنه أعاد تشكيل خلاياه، داخل قرى في الجنوب السوري، حيث أقام أفراده في منازل، وسط مجاميع سكانية، فحوّلوا المدنيين «دروعاً بشرية» عند كشف أمرهم ومخطّطاتهم.

بعض وسائل التواصل الاجتماعي، للأسف، استُغلت لزرع الفتنة في البلاد، لكن الإرهاب اختار المكان الخاطئ لتنفيذ خطته، فمحافظة الكرك (120 كلم) جنوب عمّان، هي النموذج الأردني الأكثر وضوحاً في التآخي الإسلامي والمسيحي. وتُعتبر العادات والتقاليد في المحافظة مذيبةً للفوارق، التي قد تتسرب منها الفتنة.

وحقاً، ظلت الكرك مضرباً لأمثال العيش المشترك، مستحضرين مقولات ومواقف صهرت معادن الطوائف والمذاهب والجهات المختلفة ورفض مصطلح «الأقليات»، عند حسابات «الهوية الوطنية الأردنية». كذلك سجلت الكرك مواقف في الحزن المشترك والفرح المشترك. وعاش طويلاً الموقف الذي يروى عن شيخ دعا إلى أن «تكون الصلاة في الكنيسة والعزاء في المسجد». في صورة تؤكد أن لا وجود للحساسيات والفتن بين سكان المحافظة الواحدة.

مع ذلك ثمة من رمى على واحدة من منصّات التواصل الاجتماعي جملة من الفتاوى التي تتعلق بالعيش المسيحي - الإسلامي، وطرح أسئلة بهدف ضرب العلاقات بين فئات الشعب الواحد. لتثار أسئلة مثل: هل يجوز تعزية المسيحيين؟ وهل يجوز تهنئهم بأعيادهم الدينية؟ الأمر الذي تسبّب في إحراج لمراجع الإفتاء الرسمية، والبرامج الدينية الإعلامية، كالبرامج المخصصة لـ«فتاوى على الهواء» التي تلقى رواجاً على الإذاعات الأردنية الدينية، والتي تُصنف في استطلاعات الرأي على أنها الأكثر استماعاً» من بين ألوان الإعلام المتعدد في البلاد.

اتجاهات سياسية

محاولة زرع الفتنة تورّطت فيها اتجاهات سياسية محلية، حاولت أيضاً طرح مواضيع مثل «سيطرة الإسلام السياسي على المناهج الدراسية والمعلمين منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي»، والتي تسببت، برأي شخصيات محسوبة على تيار اليسار الأردني، باحتكار لون واحد لسياسات التعليم.

ولكن، في محافظة الكرك على سبيل المثال، فإن نواب المقاعد المسيحية في المجالس النيابية المتعاقبة، يفوزون بأصوات المسلمين. وظل النائب السابق والمخضرم عبد الله غانم زريقات يفوز بعدد أصوات أكثر من الأصوات المسيحية المسجلة في محاضر الناخبين في المحافظة. وكذلك النائب الحالي هيثم الزيادين، الذي حافظ على مقعده لأكثر من 12 سنة في أربعة مجالس متعاقبة. وهذا المشهد مشهد معتاد بين الأردنيين، فالمنافسة الانتخابية لا يمكن اختزالها بديانة المرشح.

الفتنة الثانية

من ناحية أخرى، نفذ سلاح الجو الملكي، الثلاثاء الماضي، قصفاً جوياً على مناطق في الجنوب السوري ضد خلايا إرهابية كانت على اتصال مع منفذي عملية كنيسة حمود.

وأكدت مصادر أردنية أن القصف استهدف مناطق لا تسيطر عليها القوات النظامية السورية. ومع تأكيد الأردن لاحترام سيادة دول الجوار، طوّرت عمّان من قواعد الاشتباك مع الإرهاب، وصارت تُنفذ مهام خارجية تحت مظلة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي خُصّصت له قواعد عسكرية للقوات المشتركة في الأردن.

قابلت الحكومة السورية الأمر باستنكار شديد وإدانة، لكن الخارجية السورية أطلقت سلسلة بيانات وتصريحات، بلغة دبلوماسية، أكدت عمق علاقات الأخوة بين البلدين، واستمرار التعاون والتنسيق المشترك. و«تفهمت» عمّان «تحفظ» الموقف الرسمي السوري.

عمان ودمشق تتجاوزان عقدة «حرب التحريض الإلكترونية» بلغة دبلوماسية

الحادثة والتفاعل

من جهة أخرى، كشف تقرير صادر عن «معهد السياسة والمجتمع» عن أن الهجوم على كنيسة حمود بمحافظة الكرك استقطب ملايين التفاعلات الرقمية خلال الأيام الأربعة الأولى. وامتد النقاش بشأنه إلى أكثر من عشر لغات، وسط تباين بين تغطيات عربية ركزت على الوحدة الوطنية والتضامن مع الأردن، ومنشورات دولية قدّمت الحدث ضمن خطابات دينية وسياسية، برز في بعضها بالمقابل توظيف متطرّف معادٍ للمسلمين.

لقد أظهر التقرير تفاوتاً واسعاً بين حجم تداول الروايات الأولى عن الهجوم وحجم نشر التصريحات الرسمية اللاحقة، خصوصاً باللغة الإنجليزية، التي استحوذت على نحو 71 في المائة من مجموع المنشورات التي ربطت الهجوم بتنظيم «داعش» عبر اللغات المرصودة.

وحمل التقرير، عنوان «من حمود إلى العالم، الرصد الإعلامي والتفاعل الرقمي العالمي مع الهجوم على كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك». وغطّى الفترة بين 23 و26 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، يوم الحادثة والأيام الثلاثة التي تلتها حتى إعلان انتهاء القبض على المنفذين، متتبعاً التغطية الإعلامية والمواقف الرسمية والنقاشات الرقمية المرتبطة بالهجوم، الذي وقع خلال مراسم جنازة وأسفر عن تسعة شهداء وعشرات المصابين.

المهم في التقرير أن المؤسسات والمواقع الإخبارية شكلت مصدراً رئيساً للمحتوى المتداول، وأن المؤسسات الإعلامية الأردنية أنتجت معظم المحتوى العربي الأعلى تفاعلاً، وأسهمت في إبراز البعد الوطني والإنساني للحدث من خلال متابعة قصص الضحايا ومواقف عائلاتهم ومشاهد التضامن معهم.


الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
TT

الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)

بين الحين والآخر تتجدّد مخاوف ناشرين بشأن شروط تفرضها شركة «ميتا» الأميركية العملاقة على تداول المحتوى، وتتعزّز هذه المخاوف مع ملاحقات قانونية للشركة المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» أملاً في أن ينتصر القضاء للناشرين. وخلال منتصف الأسبوع الماضي، أعلنت كبرى المجموعات الإعلامية في النرويج عزمها اتخاذ تدابير قانونية لمنع «ميتا» من تنفيذ شروطها الجديدة للاستخدام.

لقد رأت 10 مجموعات إعلامية في النرويج أن شروط الاستخدام الجديدة المرتقب دخولها حيز التنفيذ في العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من شأنها أن تمنح «ميتا» الحقّ في جمع مقالاتها وصورها وتسجيلاتها المصوّرة، بما فيها تلك الخاضعة لرسوم اشتراك، واستخدامها لتطوير منتجات ذكاء اصطناعي.

ونقلت وكالة «الصحافة الفرنسية» عن رئيسة «جمعية شركات الإعلام النرويجية» ليني إلتفيك فيندفلد قولها إن «ثمة مخاوف من أن تستخدم هذه الصلاحيات للاستحواذ على حقوق خاصة بالمنشورات الصحافية». وأضافت أن «(ميتا) تستغلّ استثمارات المجموعات الإعلامية لتطوير خدمات الذكاء الاصطناعي، وهذا غير مقبول وغير نزيه على صعيد المنافسة».

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة قال لـ«الشرق الأوسط» معلّقاً إن «أدوات الذكاء الاصطناعي تطوِّر نفسها ومداركها على المحتوى المنشور في فضاء الإنترنت؛ ما يفسر سبب إعلان (ميتا) عن شروطها الجديدة».

ثم أردف «شركة ميتا تملك كنزاً؛ لأن لديها أكبر قدرة على تجميع المحتوى بسبب امتلاكها منصّات ينشر الملايين محتواهم عليها بشكل يومي»، وأشار من ثم إلى أن «شروط (ميتا) الجديدة تمسّ جوهر عمل واستمرار المؤسسات الإعلامية، حيث ينفق الناشرون أموالاً لإنتاج المحتوى الذي تستفيد منه (ميتا) من دون بذل أي جهد».

ومن ناحية ثانية، أوضح كيالي أن «الخلاف بين المؤسسات الإعلامية وشركة (ميتا) ليس جديداً، فسابقاً كان الخلاف على استغلال الشركة العملاقة للمحتوى من خلال منصاتها التقليدية لجني أرباح عبر تقديم إعلانات مموّلة داخلها أو من خلالها... أما الآن فقد تغيّر شكل الاستغلال، وتحول من الإعلانات إلى تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقديم محتوى للمستخدمين، من دون الإشارة إلى الناشر الأصلي».

ومن ثم، أعرب كيالي عن اعتقاده أن «المؤسسات الإعلامية لن تستطيع مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي بشكل عام... لكن من الممكن، بناءً على حوادث سابقة، أن تتوصل إلى اتفاقات مع (ميتا) في بعض الدول».

جدير بالذكر، أنه تسري شروط استخدام «ميتا» الجديدة على كلّ أصحاب الحسابات المهنية، من مجموعات إعلامية وشركات وجهات بيع. ولقد أجلت «ميتا» تنفيذ الشروط إلى20 نوفمبر الحالي «بهدف إعطاء فرصة لتفسير الشروط الجديدة للشركاء»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبه، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال محمد الصاوي، المحاضر في الرصد والتحليل الإعلامي، إن «ما يجري بين (ميتا) والناشرين في أوروبا يتجاوز مجرّد تعديل شروط الاستخدام؛ بل هو يعكس صراعاً متصاعداً حول ملكية المحتوى الصحافي والحق في استثماره في عصر الذكاء الاصطناعي».

وتابع الصاوي شارحاً أن «التغييرات التي أعلنتها (ميتا) خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي تتيح لبرامجها الآلية الوصول إلى محتوى المواقع المرتبطة بحسابات الأعمال على (فيسبوك) و(إنستغرام) أثارت مخاوف المؤسسات الإعلامية من استخدام موادها، بما فيها المحتوى المدفوع، في تطوير خدمات قد تنافسها مستقبلاً».