حملة ترمب لترحيل المهاجرين غير الشرعيين تواجه تحديات

وكالات إنفاذ القانون الأميركية تعاني من نقص موارد

مهاجرون من أميركا الوسطى يشكلون سلسلة بشرية لعبور الحدود نحو تكساس الثلاثاء الماضي (رويترز)
مهاجرون من أميركا الوسطى يشكلون سلسلة بشرية لعبور الحدود نحو تكساس الثلاثاء الماضي (رويترز)
TT

حملة ترمب لترحيل المهاجرين غير الشرعيين تواجه تحديات

مهاجرون من أميركا الوسطى يشكلون سلسلة بشرية لعبور الحدود نحو تكساس الثلاثاء الماضي (رويترز)
مهاجرون من أميركا الوسطى يشكلون سلسلة بشرية لعبور الحدود نحو تكساس الثلاثاء الماضي (رويترز)

أثار طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب من وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك («آيس») ترحيل ملايين المهاجرين غير الشرعيين بدءا من الأسبوع المقبل، تساؤلات حول قدرة هذه الوكالة على تنفيذ هذا الطلب.
ومن المعروف أن قضية ترحيل المهاجرين غير الشرعيين تناوب على محاولة حلّها كثير من الرؤساء والإدارات الأميركية السابقة، لكنها غالبا ما كانت تصطدم بالإمكانيات الفعلية المتاحة أمام أجهزة الأمن لتنفيذ هذا القرار.
وشككت تقارير إعلامية أميركية في قدرة وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك على ترحيل هذا العدد الكبير لنقص الإمكانات. وقال رئيس الوكالة، مارك مورغان، إن وكالته لا تستطيع ترحيل 11 مليونا مرة واحدة وفي زمن قصير. لكنه أضاف أن وكالته ملتزمة رغم ذلك بتنفيذ سياسة الرئيس المتعلقة بالهجرة، وحذر من أن بعض المناطق الجغرافية توفر حماية للمهاجرين، ما يشجع على تدفق المزيد منهم إلى البلاد.
أما رئيس الوكالة السابق جون سانوينغ خلال عهد الرئيس باراك أوباما، فقد استبعد إمكانية قيام الوكالة بهذه المهمة الصعبة، قائلا إنها تعمل بكامل طاقتها ولن تستطيع فعل المزيد. وفرض التهديد الجديد بترحيل المهاجرين على مسؤولي الوكالة الاستعداد لتطبيق القرار. ورغم أن الاستعدادات كانت جارية على قدم وساق للبدء في تنفيذ حملات مداهمة كبيرة في كثير من المدن الأميركية، لكن لم يكن قد حدد أي موعد رسمي للبدء بتنفيذها بدءا من الأسبوع المقبل.
غير أن تغريدة ترمب أثارت على الفور مخاوف المجتمعات التي يقيم فيها المهاجرون. فكثير من العائلات التي وصلت في السنوات الأخيرة وجدت وظائف بالفعل وأدخلت أولادها إلى المدارس، في حين تشير احتمالات تنفيذ غارات مفاجئة على المنازل المخاوف من احتمال تشريد تلك العائلات أو على الأقل تشتيتها، خصوصا أن كثيرا منها أنجب أطفالا هم أميركيون بالولادة.
ويستغرق التحضير لتنفيذ الغارات من قبل وكالة إنفاذ القانون والهجرة أشهرا، ما يعني أن قرار ترمب قد يوحي بأنه جزء من حملته الانتخابية التي أطلقها يوم الثلاثاء من ولاية فلوريدا. وبالفعل، فقد أعاد ترمب التأكيد على شعارات حملته الانتخابية السابقة خصوصا في قضية المهاجرين، بعدما لمس حيويتها وقدرتها على شد عصب مناصريه، وعدّد إنجازاته في هذا المجال، وخصوصا في عملية بناء الجدار مع المكسيك التي وعد بالانتهاء منها العام المقبل. ويرى مسؤولون في إدارة الرئيس الأميركي أن إطلاق عمليات ترحيل جماعي قد تشكل رادعا نفسيا لمن يرغبون في دخول البلاد بطريقة غير شرعية. وأبلغ مسؤول في الإدارة الأميركية شبكة «إيه بي سي» أن حملة ترمب سوف تستهدف مليون شخص فقط داخل البلاد صدرت بحقهم أحكام نهائية بالترحيل من الولايات المتحدة.
وأكدت وسائل إعلام أميركية أنه سيتم استهداف من هم داخل البلاد وصدرت أحكام بترحيلهم، قائلة إن القانون يمنع ترحيل العائلات من أميركا الوسطى التي تطلب اللجوء على الحدود الجنوبية على الفور. كما أن عددا ممن صدرت أحكام بترحيلهم قد تكون لديهم طلبات استئناف، ما يعني حتمية بقائهم حتى يتم البت في هذه الطلبات.
وكان مورغان قد أعلن هذا الشهر أنه سيتم التركيز على ترحيل المهاجرين الذين فاتتهم جلسة استماع في المحاكم أو تلقوا أوامر بالترحيل. ونقلت شبكة «إيه بي سي» عن أشخاص مطلعين على المسألة قولهم إن عملية الترحيل الجماعي كان مقررا أن تبدأ خلال الأسابيع المقبلة على المستوى الوطني قبل إعلان ترمب، لكن مسؤولي الوكالة لم يعلموا أنه سيدلي بتصريحات علنية بشأنها. ونقل عن مسؤولين في وزارة الأمن الداخلي قولهم إن الوكالة كانت تستعد منذ فترة لعمليات ترحيل جماعية، وإنها طلبت من وحدة التحقيقات في الوزارة المساعدة. كما أن هناك مشكلات تتعلق بعمل هذه الوكالة قد تزيد من صعوبة تنفيذ المهمة التي طلبها ترمب، من بينها أن ضباط الهجرة يواجهون صعوبات في معرفة عناوين المستهدفين، وقد يرفض المطلوب القبض عليهم السماح لهم بدخول الأماكن التي يوجدون فيها.
بعض الولايات أيضا لا تتعاون مع رجال إنفاذ القانون، وأطلقت تحذيرات سابقة للمهاجرين عن عمليات ترحيل وشيكة قد تنفذها الوكالة. وهو ما أثار غضب ترمب وانتقاداته، وهدّد بمقاضاة المسؤولين عن عرقلة العدالة. كما تواجه خطط ترمب معارضة في الكونغرس، حيث أعربت رئيسة مجلس النواب الديمقراطية نانسي بيلوسي عن خشيتها من إثارة ما وصفته بـ«الخوف في المجتمعات».
كما أعلن السيناتور الجمهوري عن ولاية ميسوري، روي بلانت، أنه من الأفضل توفير الرعاية للمهاجرين على الحدود، والبحث عن طرق أفضل لتأمينها.
وبحسب إحصاءات شبه رسمية، فإن نحو 75 في المائة من المهاجرين يعيشون في الولايات المتحدة بشكل قانوني، في حين أن ربعهم غير شرعيين، وفقا لأرقام معهد بيو للأبحاث. وتشير تقديرات شبه رسمية إلى وجود نحو 11 مليون مهاجر غير شرعي، غالبيتهم من المكسيك وأميركا الوسطى، في حين عدد المهاجرين القدامى يفوق عدد من وصلوا حديثا بشكل غير شرعي.
وحاولت الإدارات الأميركية المتعاقبة الحفاظ على سياسة ترحيل المهاجرين غير الشرعيين، مع تحديد أولويات من يتم ترحيلهم أولا، الأمر الذي انعكس اختلافا في عدد المرحّلين بين إدارة وأخرى. وفيما رحّلت إدارة الرئيس السابق باراك أوباما نحو ثلاثة ملايين مهاجر بين عامي 2009 و2016، رحّلت إدارة الرئيس الأسبق جورج بوش الابن مليوني مهاجر بين عامي 2001 و2008. وكان أكبر عدد للمرحلين في عام واحد خلال ولاية أوباما عام 2012 وقد بلغ نحو 419 ألفا، والذي تعرض لانتقادات شديدة بسبب سياسة الهجرة المتشددة التي انتهجها، خصوصا في سنوات حكمه الأولى.
ويعتبر عام 2017 الأقل منذ نحو عقد بالنسبة لعدد المهاجرين المرحلين، عندما رحلت إدارة ترمب نحو 295 ألف مهاجر، وهو أقل عدد منذ عام 2006. وفي عام 2018 رحّلت نحو 256 ألفا فقط. واعتبرت إدارة ترمب أن الضغوط على الموارد الناجمة عن زيادة المعابر الحدودية ومراكز الاحتجاز المكتظة في المناطق الداخلية من البلاد هي المسؤولة عن عدم قدرتها على إجراء المزيد من عمليات الترحيل، الأمر الذي ترجم تدفقا مستمرا للمهاجرين عبر الحدود قادمين من دول أميركا الوسطى التي قطع عنها بعض المساعدات.
كما هدد ترمب المكسيك بتعريفات جمركية إذا لم تتخذ إجراءات حازمة إزاء مهاجري تلك الدول الذين يتدفقون عبر أراضيها نحو الحدود الأميركية الجنوبية لطلب اللجوء. وعاد ترمب عن تهديده بعد أن نجح في عقد اتفاق مع المكسيك يلزمها بنشر جنود لمنع تدفق المهاجرين إلى الحدود الجنوبية، وإبقاء طالبي اللجوء من دول أميركا الوسطى لديها حتى يتم البت في طلباتهم.
واعتقل حرس الحدود الأميركيون نحو 4500 شخص يوميا، فيما ارتفع عدد المعتقلين بشكل كبير وبلغ 520 ألفا في الفترة بين أكتوبر (تشرين الأول) ومايو (أيار) الماضيين، وهو أعلى مستوى خلال عقد. وتُجمع كثير من الآراء على وجود ضغط كبير على جميع الوكالات التي تتعامل مع قضية الهجرة. إذ قُدّر وجود 700 ألف قضية هجرة لم يتم البت فيها بعد، ما دفع وزارة الأمن الداخلي إلى طلب 4.5 مليار دولار إضافية لمساعدة الوكالات الحكومية على إنجاز عمليات البت في تلك الطلبات. كما أن الإجراءات القانونية العادية للمهاجرين الشرعيين باتت تأخذ وقتا أطول بكثير حتى يتمكن هؤلاء من الحصول على البطاقة الخضراء أو الجنسية الأميركية.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».