تطبيقات البث التلفزيوني الرقمية العربية... قواعد المشاهدة على وشك التغيير

تحول عالمي في عادات استهلاك الترفيه

قد يصبح تجمع العائلة أمام التلفزيون أمراً من الماضي مع تغير عادات المشاهدة جراء انتشار الأجهزة الذكية
قد يصبح تجمع العائلة أمام التلفزيون أمراً من الماضي مع تغير عادات المشاهدة جراء انتشار الأجهزة الذكية
TT

تطبيقات البث التلفزيوني الرقمية العربية... قواعد المشاهدة على وشك التغيير

قد يصبح تجمع العائلة أمام التلفزيون أمراً من الماضي مع تغير عادات المشاهدة جراء انتشار الأجهزة الذكية
قد يصبح تجمع العائلة أمام التلفزيون أمراً من الماضي مع تغير عادات المشاهدة جراء انتشار الأجهزة الذكية

بدأت ظاهرة تطبيقات البث التلفزيوني تغزو العالم بعد الطفرة التي حققتها «نتفليكس» وتطبيقات أخرى مثل «هولو» و«سكاي» و«ديزني»، وأخيراً «آبل تي في»، والتي خلقت نهما في سلوك الاستهلاك الترفيهي حول العالم. على أثره دخلت مصر وعدد من الدول العربية هذا المضمار، حيث تفاجأ الجمهور المصري والعربي حول العالم بحجب المسلسلات الرمضانية على موقع يوتيوب مع إطلاق تطبيق «واتش إيت».
ورغم أن شرائح كبيرة من الجمهور كانت قبل أعوام تدفع اشتراكات لقنوات «إيه آر تي» وحاليا «أو إس إن» وأيضاً تطبيق «نتفليكس»؛ إلا أن ذلك أثار صدمة لدى الجمهور الذي كان يفضل الهروب من الفواصل الإعلانية التي تمتد لأكثر من 15 دقيقة لمدة 4 مرات خلال حلقة مسلسل مدتها 30 دقيقة. كذلك منع الفنانين من متابعة حجم الإقبال الجماهيري على الأعمال المشاركة في الماراثون الرمضاني التي كانت تقدر بملايين المشاهدات.
قبل فترة وجيزة خرج تامر مرسي، رئيس مجلس إدارة مجموعة المتحدة للخدمات الإعلامية، بتصريح يوضح أن «معظم شركات إنتاج المحتوى العالمية سواء مسلسلات أو أفلام أو القنوات المتخصصة في مختلف الأنواع من المحتوى المميز سواء الدرامي أو الرياضي أو الترفيهي اتجهت عالمياً ومنذ فترة إلى حماية حقوق الملكية الفكرية للمحتوى، فلا تجده متاحاً على منصات مجانية بالجودة الفائقة المطلوبة للمشاهد بعدما تقدمت طرق المشاهدة من خلال التلفزيونات أو الهواتف الذكية، وتجده متاحاً على منصات رقمية متخصصة، لذا كان الاتجاه إلى حماية حقوق المحتوى الدرامي المصري بإنشاء تلك المنصة الرقمية الجديدة، لنقوم بجزء من دورنا في تحديث طرق تقديم المحتوى للمشاهد».
«ادفع لتشاهد» pay - per - view مبدأ ليس بالجديد فيما يخص استهلاك الترفيه، فطالما كان المشاهد يدفع ليشاهد فيلما في السينما، ثم بات يدفع نظير أقراص مدمجة لمشاهدة حلقات «ليالي الحلمية» بأجزائها من شركة صوت القاهرة ويحتفظ بها وهكذا... وفكرة ادفع لتشاهد ليست بالجديدة؛ بل إن تاريخها يعود إلى عام 1970 حينما بدأ المشاهد الأميركي يدفع نظير مشاهدة مباريات المصارعة، وغيرها من المحتوى الترفيهي عبر ما تبلور فيما بعد بظاهرة «كيبل».
وفي مصر يظهر جلياً متابعة الآلاف على ما يبث على «نتفليكس» في ظل كل الظروف الاقتصادية، فإن هناك شرائح كبيرة من المشاهدين المصريين يتابعون ما يبث عليه، وظهر جليا متابعة فيلم مثل «بيردبوكس» لساندرا بولوك الذي تم تصميم الكثير من الكوميكس حوله. وهو ما شجع على إطلاق تطبيق «واتش إيت» في مصر، ومن المتوقع أن تحذو شركات إنتاج أخرى حذوه في محاولة للترويج لبضاعتها القديمة، واستغلالها من جانب ومن جانب آخر حماية ملكيتها. السؤال الذي يجب أن نتابع مآلاته هل يصبح «يوتيوب» فيما بعد مقصورا على البث الخاص بالهواة فقط؟
«الشرق الأوسط» استطلعت آراء خبراء حول أثر تطبيق مبدأ «ادفع لتشاهد» على تغيير عادات المشاهدة لدى الجمهور العربي.
قالت الدكتورة أماني ألبرت، أستاذة العلاقات العامة والإعلان بكلية الإعلام جامعة بني سويف جنوب العاصمة القاهرة، إن «وجود تطبيقات مثل (شاهد) و(نتفليكس) ستجلس الجمهور مرة أخرى على العرش؛ ليصبح المستهلك هو الملك من جديد»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط»: «بالطبع ستؤثر على نوعية المحتوى المعروض. وكونها مدفوعة الأجر سيعطينا أرقاما دقيقة عن عدد مرات المشاهدة الحقيقية ما يؤشر لنا بمدى الإقبال على العمل أم لا»، لافتة إلى أن «هناك استسهالا واضحا في صناعة المحتوى قائما على النقل الحرفي عن أعمال أجنبية».
وترى ألبرت أن هناك إيجابيات متعددة لتطبيقات المشاهدة، منها «أن اختيار الجمهور لما يشاهده سيمكنه من رفض تسطيح المحتوى والمضامين وستتمكن الأعمال الجيدة من فضح الأعمال الرديئة بسهولة، وستوفر وقت المشاهد الذي قد يلجأ إليها هرباً من الفواصل الإعلانية الطويلة بين المسلسلات، والتي تمنع المشاهد من الاستمتاع بالعمل»، مؤكدة «ستكون هذه التطبيقات مرحلة ثالثة من تغير عادات المشاهدين الذين أولا كانوا ينتظرون موعد المسلسل لمشاهدته عبر القنوات الفضائية، وهروباً من الفواصل الطويلة لجأوا لمشاهدته عبر اليوتيوب، وبعد أن بدأ في تفعيل حذف المحتوى تقف هذه التطبيقات كمنفذ للاستمتاع بالأعمال الفنية ولكن مدفوعة الأجر. ولكن تبقى نوعية المضمون الذي يتم بثه عبر هذه التطبيقات مرهونة بمدى إصرار القائمين عليها على التدقيق في اختيار الأعمال وعرض أفضلها أو الحاصل منها على جوائز لتعمل على الارتقاء بذوق المشاهد».

تحرر المحتوى

أما الإعلامية والمخرجة التونسية، مبروكة خضير، فترى أن «تاريخ الإعلام لطالما كان دائم التغير». وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «سواء الجمهور أو صناع الإعلام فإنهم جميعا يحاولون التأقلم مع مستجداته، لكن لا تزال نسب مشاهدة القنوات الفضائية في العالم العربي كبيرة»، مؤكدة أن «المشاهد اليوم مدلل فهو ينتقي من بين عدة خيارات لاستهلاك الترفيه، وهو في حل مما كانت تفرضه عليه القنوات المحلية أو الفضائيات من محتوى أو خطاب رديء». وتلفت إلى أن شركات الإنتاج الآن تنفق أموالا طائلة لإنتاج مواد ومحتوى يبث عبر تطبيقات المشاهدة ربما تفوق الإنتاج السينمائي أو التلفزيوني التقليدي.
وحول تغير عادات المشاهدة، أكدت خضير من خلال خبرتها في العمل بتلفزيون دويتشه فيله أن «المشاهدين هربوا إلى عالم (يوتيوب) بشكل لافت، وهو ما مهد لمرحلة تالية؛ إذ باتوا على استعداد للاشتراك في التطبيقات المدفوعة للهروب من موجة الركاكة التي تعتري الكثير من الأعمال الدرامية فهو يدفع نظير أن يجد محتوى يمتعه، وهنا تساعدنا هذه التطبيقات على إمكانية تحليل المحتوى بشكل جاد مختلف عن أرقام مشاهدات يوتيوب بشكل أكثر دقة عن ميول المشاهدين». وقالت خضير: «طبقت جريدة لوموند الفرنسية هذا المبدأ وعدد من القنوات الأميركية والأوروبية وتنتج مواد أكثر استقلالية».

تغير المعادلة

«لمة العيلة أمام التلفاز أمر ولى وانتهى»، هكذا يرى المخرج التلفزيوني والإعلامي الأردني، فراس عبندة، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «عادات المشاهدة بالفعل تغيرت مع انتشار الأجهزة الذكية، فكل فرد من أفراد الأسرة يشاهد ما يتفق مع ميوله ورغباته حتى لو كانوا بنفس المكان فهم لا يحضرون مادة واحدة على التلفزيون؛ لأن العصر تغير إلى جانب ضيق الوقت»، مؤكداً «لا أعتقد أن التلفزيون التقليدي إلى زوال بل ستتغير المعادلة، سيكون منصة مساندة للتطبيقات لكن نسب المشاهدة الحقيقية سوف نعرفها عبر هذه التطبيقات، الإعلام التقليدي كان يعتمد على الإعلانات الآن المعادلة أصبحت تعتمد على نسب المشاهدة، وقد بدأت منذ عدة سنوات المحطات التلفزيونية التقليدية الكبرى بتخصيص تطبيقات توازي البث العادي مثل (شاهد)».
«المواطن العربي اقترن الإنترنت لديه بالمجانية» يلفت عبندة إلى أن انتشار تطبيقات البث التلفزيوني يحتاج لمزيد من الوقت في العالم العربي، ويقول: «التطبيقات موجودة بالأردن لكن على استحياء فغالبية الأردنيين يعتمدون على (يوتيوب)، فضلا عن العامل الاقتصادي الذي يؤثر على قطاعات كبيرة من المواطنين الأردنيين والعرب بشكل عام».
يؤكد المخرج الأردني أن «التلفزيون بطل يجمعنا والتغير سمت إعلامي، وقد اعتادنا منذ التسعينات على قنوات الأوربيت وإيه آر تي وكان النقاش حول الأعمال التي تعرض على هذه القنوات محدود النطاق إلى أن يتم توزيعها بعد عام مثلا على القنوات المفتوحة، ثم تحولنا خلال العامين الأخيرين للاعتماد كلية على (يوتيوب) وبات رأس المال يوجه لإنتاج برامج وأعمال عليه وهكذا سيظل التطور في المستقبل يتيح الكثير من الخيارات للمشاهد».
وفي إطلالة على تطبيقات المشاهدة في ألمانيا، قالت الدكتورة حنان بدر، مدرس بكلية الإعلام بجامعة القاهرة، وجامعة برلين، وهي متخصصة في الإعلام الدولي والمقارن لـ«الشرق الأوسط»: «في ألمانيا يتم جمع اشتراكات للبث التلفزيوني الحكومي 17 يورو لكل منزل، والقنوات العامة أيضا لديها تطبيقات بث تلفزيوني مجانية؛ لأنه لا أحد يتابع التلفزيون كما كان الوضع في الماضي، بل ندخل لنختار الحلقات في الوقت المناسب لنا، فضلا عن تطبيقات مثل «سكاي» التي تطبق مبدأ «ادفع لتشاهد» بألمانيا القانون صارم جدا أن من يقوم ببث تورنت يتم تجريمه وعقابه قانونيا بغرامة ضخمة تصل لألف يورو»، مضيفة: «أما إنتاج الدولة من مسلسلات تاريخية ومحتوى جاد يظل متاحا مجانا للجمهور لفترة ثم يتم تسويقه على أقراص مدمجة، أما المحتوى الترفيهي فعادة ما يكون باشتراك خاص». وتلفت إلى أنه «في مصر كانت هناك فترة كان الناس يدفعون خدمات (الوصلة) التي تعمل كباقات غير رسمية تبث محتوى للمشتركين».
وقالت بدر إن «علاقة المواطن بالإعلام علاقة إشكالية في العالم كله ومع تأثير التكنولوجيا، وقرصنة البرامج والمسلسلات على يوتيوب قبل إذاعتها يعد ذلك نقطة مفصلية في ظهور تطبيقات البث التلفزيوني، فضلا عن الفواصل الإعلانية الكثيرة التي دفعت المشاهدين للإقبال على خدمة ادفع لتشاهد».
وتسلط بدر الضوء على مصطلح «دمقرطة الاتصال»، بأن جمهور الإنترنت تصور أن الإنترنت سيقوم على مبدأ الإتاحة المجانية للجميع بشكل ديمقراطي، لكن سياسات الإعلام من جانب آخر تتطلب حماية الإنتاج الفكري والفني».
وعن عادات المشاهدة في أميركا، قال الكاتب الصحافي المقيم في واشنطن توماس جورجسيان لـ«الشرق الأوسط»، إن «هذه التطبيقات الجديدة والمتجددة باستمرار غيرت بالتأكيد طبيعة علاقة المشاهد مع الأفلام والمسلسلات التلفزيونية وأيضا عاداته وتقاليده في المشاهدة والمتابعة لأحدث ما يتم إنتاجه وبثه، وبالتالي صار كل هذا متاحا أينما كنت وبسعر أقل وبإمكانية مشاهدته أيضا كمجموعة وصحبة بسعر واحد فقط».
ويلفت جورجسيان إلى أن «التغير الأهم والأكبر هو أن هذه الشركات أنتجت أفلاما ومسلسلات أميركية وعالمية كثيرة جدا طالما أن الجمهور متوافر، (نتفليكس) على سبيل المثال لديها نحو 150 مليون مشترك عالميا منهم 60 مليونا في الولايات المتحدة وحدها... كما أنها أدخلت ملمحا جديدا في التعامل مع المسلسلات إذ إنها تبث كل حلقات المسلسل، حلقات الموسم الـ13 في أغلب الأحوال مرة واحدة، وبالتالي يكون في إمكان المشاهد أن يشاهد هذه الحلقات كيف ما شاء دون الانتظار من أسبوع لأسبوع لمتابعتها. مضيفاً: «لا شك أن المحتوى المعروض متنوع وكثير ومتعدد الاهتمامات ويخاطب فئات عمرية كثيرة، وهذا مكسب للمشاهد، وأحيانا يمثل حيرة له، إلا أن الكثير من وسائل الإعلام، بالإضافة إلى الرسائل الإلكترونية الآتية من الشركات العاملة في هذا المجال تنبه المشاهد إلى الجديد الآتي إليه. وأهمية المعروض هذا الشهر. وتنوع المعروض في هذا المجال، من أفلام تسجيلية أو أفلام أطفال أو أفلام خيال علمي».



«أكسل شبرينغر» تحقق حلم تملّك الـ«ديلي تلغراف»

ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)
ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)
TT

«أكسل شبرينغر» تحقق حلم تملّك الـ«ديلي تلغراف»

ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)
ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)

«قبل أكثر من 20 سنة، حاولنا الاستحواذ على صحيفة (التلغراف)، لكننا لم ننجح. الآن تحقق حلمنا»... هكذا أعلنت مجموعة «أكسل شبرينغر» الألمانية للإعلام والنشر عن شرائها المفاجئ لدار «التلغراف» الصحافية البريطانية المحافظة واليمينية العريقة في مارس (آذار) الماضي. وبعد مرور قرابة ثلاثة أشهر ما زالت المجموعة الألمانية العملاقة لم تنهِ بعدُ إجراءات شراء الدار، بل تنتظر الموافقات التنظيمية النهائية قبل أن تتسلمها رسمياً، وتبدأ بتطبيق رؤيتها التي ستركز على التوسّع الرقمي والذكاء الاصطناعي.

من ناحية أخرى، فمع أن «أكسل شبرينغر» سعت لسنوات بلا كلل لشراء «التلغراف» ودارها، جاءت الصفقة مفاجئة، لا سيما أن مجموعة «الديلي ميل» البريطانية - وهي يمينية أيضاً - كانت تقدّمت بعرض مُغرٍ وصل إلى 500 مليون جنيه إسترليني لشرائها، وكانت تنتظر قراراً من الحكومة البريطانية حول ما إذا كان الاستحواذ على «التلغراف» من قبل شركة تمتلك صحفاً بريطانية أخرى، قد يؤثر سلباً على صحة المنافسة في السوق. ويبدو أن المجموعة الألمانية اغتنمت فرصة الشكوك والتردّد هذه، لتقدّم عرضاً أكبر وصل إلى 575 مليون جنيه إسترليني، وتفوز بالصفقة.

ماتياس دوبفنر(أكسل شبرينغر)

سنوات مرتبكة

استحواذ «أكسل شبرينغر» أنهى 3 سنوات مرتبكة داخل «التلغراف» بدأت عام 2023 عندما قرر بنك «لويد سكوتلاند» أن يضع يده على الدار بهدف استرداد أموال استدانها المالكان، وهما الأخوان التوأمان الثريان فيليب وديفيد باركلي (الأخير تُوفي عام 2021). وكان الأخوان قد استدانا من المصرف مقابل رهن الصحيفة والدار، لكنهما توقفا عن سداد ديونهما، ما دفع بالمصرف إلى السيطرة على أسهمهما، وطرحها في المزاد العلني بعد وصول المفاوضات الطويلة مع العائلة لسداد الدين إلى طريق مسدود.

على الأثر، وفور طرح «التلغراف» للبيع في المزاد العلني، تقدّم «تحالف» أميركي - إماراتي لشرائها، إلا أن الصفقة تعثرت بعد اعتراض الحكومة البريطانية على بيعها للتحالف لأسباب تتعلق بمخاوف من نفوذ دولة أجنبية (الإمارات بالذات) على صحيفة بريطانية مؤثّرة سياسياً. وكانت الحكومة المحافظة - آنذاك - قد سنّت تعديلات على قوانين الإعلام وملكية الصحف لمنع سيطرة دول أجنبية على صحف بريطانية.

من ثم، عادت «التلغراف» إلى السوق مرة جديدة في العام التالي، لتتقدم الشركة المالكة لدار «الميل» بعرض لشرائها. ولكن الشركة المالكة للصحيفة الشعبية اليمينية - أي «الميل» - اصطدمت بتدقيق من وزارة الثقافة التي أبدت قلقاً من أن استحواذ الشركة على الصحيفة الوقورة قد يؤثر على التعدّدية الإعلامية في البلاد، وأرادت النظر في أثر الصفقة على المنافسة والمصلحة العامة. وهكذا، جاء عرض «أكسل شبرينغر» لينهي عملية التدقيق الطويلة، ويطوي صفحة بيع الصحيفة.

مع هذا، ففور إعلان «أكسل شبرينغر» عن «تحقيقها حلمها» بالاستحواذ أخيراً على الصحيفة البريطانية، بدأت التساؤلات حول ما إذا كانت المجموعة الألمانية قد تسرّعت بشراء الصحيفة؛ إذ نقلت صحيفة «الغارديان» البريطانية، اليسارية التوجهات، الشهر الماضي عن مصادر لم تسمها القول إن «أكسل شبرينغر» لم تُجرِ إجراءات التدقيق اللازمة قبل الاستحواذ على «التلغراف»، وإنها قد تواجه، بالتالي، صعوبة في استرداد استثمارها مع تحوّل الصحف إلى نماذج أقل ربحية.

«الغارديان» نقلت عن عدة مصادر القول إن الرئيس التنفيذي لمجموعة «أكسل شبرينغر»، ماتياس دوبفنر، قرّر التخلي عن خطوات التدقيق المعتادة التي تُتبع عادة لتقييم قيمة الشركة وآفاقها المستقبلية، لكي ينهي الصفقة بسرعة. وبالفعل تقدّم بعرض أعلى من عرض مالك «الميل» الذي كان عرض الشراء بـ500 مليون جنيه إسترليني، وهو المبلغ نفسه الذي كان دفعه التحالف الأميركي - الإماراتي لشرائها عام 2023، لكنه أُجبر على بيعها من جديد.

شكوك حول جدوى الصفقة

وفق «الغارديان»، لا يتعدى تقييم الخبراء في السوق لقيمة «التلغراف» 450 مليون جنيه إسترليني. وهذا يعود إلى استمرار انخفاض نسبة المشتركين في الصحيفة الورقية. والواقع أن الاشتراكات في النسخة الورقية للصحيفة لا تزال تشكل المصدر الأول للدخل بنسبة 61 في المائة، وبقيمة تزيد على 255 مليون يورو، بحسب أرقام سنة 2024. غير أن هذه الأرقام تنخفض منذ سنوات، بحسب تحقيق «الغارديان». فقط عام 2024 سجّل ارتفاعاً بنسبة 5 في المائة في نسبة الاشتراكات، 78 في المائة منها كانت اشتراكات إلكترونية، ولكن جزءاً كبيراً من هذه الاشتراكات كان عروضاً مجانية أو بأسعار بخسة.

في أي حال، فعلى الرغم من المخاوف من تعذّر تحقيق مكاسب سريعة، فإن استحواذ المجموعة الألمانية على الدار الصحافية البريطانية يتماشى مع توسع المجموعة دولياً خلال السنوات الأخيرة؛ فهي استحوذت على مجلة «بوليتيكو» عام 2021، ما أعطاها قدماً في العالم الناطق بالإنجليزية، بالإضافة إلى «بيزنس إنسايدر». وراهناً تسعى المجموعة الألمانية إلى الاعتماد على التوسّع الرقمي والذكاء الاصطناعي عِوضاً عن المطبوعات الورقية، لكن خططها بالنسبة لـ«التلغراف» ما زالت قليلة الوضوح، ولا سيما أن قاعدة الصحيفة الأساسية ما زالت الاشتراكات الورقية.

وفي المحصّلة، ترى «أكسل شبرينغر» - التي تنتمي عناوينها إلى اليمين ويمين الوسط - في «التلغراف» منصة لها للنفاذ إلى النخب السياسية والاقتصادية البريطانية تزيدها تأثيراً، ولا تختلف كثيراً عن توجهاتها السياسية.

رفضت الحكومة البريطانية عرض مالكي «الميل» لشراء «التلغراف» حرصاً على التعدّدية الإعلامية في البلاد

هكذا أعلنت مجموعة «أكسل شبرينغر» الألمانية للإعلام والنشر عن شرائها المفاجئ لدار «التلغراف» الصحافية البريطانية المحافظة واليمينية العريقة في مارس (آذار) الماضي


الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يُقلق منصات إعلامية

الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يُقلق منصات إعلامية
TT

الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يُقلق منصات إعلامية

الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يُقلق منصات إعلامية

مع ازدياد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في استقاء المعلومات، يتصاعد القلق داخل منصات إعلامية ومواقع إلكترونية، إزاء ما قد يسببه ذلك من تراجع في حجم الزيارات، وما يستتبعه من تداعيات على عائدات الإعلانات.

ووفقاً لتقرير نشره «معهد رويترز لدراسات الصحافة» أخيراً، فإن «نسبة الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي للبحث عن المعلومات تفوق نسبة من يستخدمونه لإنتاج المحتوى».

وأردف التقرير أن «استخدام الذكاء الاصطناعي في استقاء المعلومات بات بديلاً لمحركات البحث التقليدية، وأن هناك ازدياداً في نسبة الذين يكتفون بمطالعة ملخصات الذكاء الاصطناعي، أو ما يقدمه من معلومات، دون النقر على المواقع التي نشرت تلك المعلومات».

تقرير «معهد رويترز» كشف أيضاً عن أن «ثلث المستخدمين فقط ينقرون باستمرار على روابط المصادر المرفقة بإجابات البحث المُولَّدة بالذكاء الاصطناعي، في حين أن 28 في المائة منهم نادراً ما يفعلون ذلك، أو لا يفعلونه على الإطلاق».

رائف الغوري، المدرب والباحث المتخصص في الذكاء الاصطناعي التوليدي، قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» إنه «على الرغم مما توفره أدوات الذكاء الاصطناعي من سرعة وكفاءة في الحصول على المعلومات، فهي تمثل تحدياً جديداً أمام الناشرين وأصحاب المواقع الإلكترونية... وإن هذه التحديثات ستؤدي إلى تقليل النقر على الروابط والدخول المباشر إلى المواقع الإلكترونية».

ومن ثم أشار الغوري إلى ما فعله محرِّك البحث «غوغل» بتطويره مساعداً ذكياً قادراً على تنفيذ مهام محددة، وتقديم المعلومات بشكل تفاعلي ومستمر. وذكر أن هذا «يحتِّم على الناشرين وأصحاب المواقع الإلكترونية ابتكار طرائق أخرى للإعلان عن محتوياتهم من خدمات ومنتجات».

وبالتالي، اقترح خطوات لمساعدة الناشرين على التكيف مع الواقع الجديد، منها: «الارتقاء بجودة العمل الصحافي، وتفادي الاعتماد على مخرجات الذكاء الاصطناعي فقط، والرجوع إلى المصادر الأصلية والتحقق منها، وإنتاج محتوى أعمق قائم على التحقيق والإحصاءات واستطلاعات الرأي، واعتماد منهج هجين يجمع بين أدوات البحث التقليدية والذكاء الاصطناعي»؛ هذا إلى جانب «تطوير مهارات الصحافيين وزيادة وعيهم بطرق استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقليص الاعتماد على الزيارات المباشرة، مقابل ابتكار طرائق للوصول للجمهور من خارج محركات البحث، وأخيراً تطوير أساليب جديدة لترويج المحتوى، باستخدام قنوات بديلة، مثل التطبيقات والمنصات المباشرة والشراكات».

وخلص الغوري إلى أن «النجاح لن يكون في منافسة الذكاء الاصطناعي؛ بل في التكيُّف معه وتقديم محتوى أصيل موثوق لا يمكن تعويضه بسهولة».

جدير بالذكر أن «غوغل» كان قد أطلق عام 2024 خدمة ملخصات الذكاء الاصطناعي، ما تسبب في تراجع حجم الزيارات للمواقع الإلكترونية، حسب دراسات عدة.

وفي هذا الإطار، تطرَّق محمد الصاوي، المتخصص في الرصد والتحليل الإعلامي، إلى «تحوُّلات متسارعة في المشهد الإعلامي العالمي في أنماط استهلاك المعلومات». وتابع في حوار مع «الشرق الأوسط» بأن اعتماد المستخدمين يزداد على أدوات الذكاء الاصطناعي كمصدر مباشر للإجابات، مقابل تراجع ملحوظ في الاعتماد على المواقع الإلكترونية ومحركات البحث التقليدية.

وأرجع الصاوي ذلك إلى «قدرة هذه الأدوات على تقديم إجابات مختصرة وفورية تقلل من الحاجة إلى تصفُّح عدة مصادر، في حين تشير الدراسات إلى أن ظهور الملخصات المدعومة بالذكاء الاصطناعي يؤدي إلى انخفاض واضح في معدلات النقر على الروابط الإخبارية».

وتابع: «هذه الممارسة تعكس انتقالاً من البحث التقليدي إلى التقييم المقارن للمعرفة؛ حيث تُستخدم الأدوات؛ ليس فقط لاستخلاص المعلومات؛ بل لتحليل النبرة والمشاعر وتحديد مؤشرات السمعة الإعلامية، مع إدراك متنامٍ لضرورة التحقق بسبب احتمالات الأخطاء أو الهلوسة التي قد تنتج عن هذه الأنظمة».

واستطرد ليوضح أن هذا التغير «يفرض تحديات جوهرية على الناشرين وصناعة الأخبار، أبرزها تراجع الزيارات القادمة من محركات البحث التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لـ(الترافيك) والإيرادات الإعلانية. يضاف إلى ذلك إشكال آخر مرتبط بالإسناد وحقوق النشر؛ حيث تعتمد أنظمة ذكاء اصطناعي كثيرة على محتوى الناشرين، دون ضمان واضح لإعادة توجيه الزيارات أو إبراز المصدر بشكل كافٍ».

هذا قبل أن يلفت إلى أن «ضعف الإسناد في بعض الحالات قد يؤدي إلى تشويه المعلومات أو الإضرار بسمعة الوسائل الإعلامية... وعليه، في مواجهة هذه المتغيرات، يبرز اتجاه متنامٍ نحو إعادة تعريف استراتيجيات النشر والرصد الإعلامي، من خلال التركيز على إنتاج محتوى أصلي عالي الجودة، وتعزيز الحضور داخل إجابات الذكاء الاصطناعي، عبر ما يُعرف بتحسين الظهور في محركات الإجابة، إلى جانب بناء قنوات مباشرة مع الجمهور تقلل الاعتماد على المنصات الوسيطة».

في سياق متصل، رأى الصاوي «ضرورة أن يعيد الناشرون صياغة استراتيجياتهم التحريرية بما يتوافق مع بيئة محركات الإجابة، عبر التركيز على إنتاج محتوى سهل الاقتباس، يتضمن حقائق واضحة، وسياقات مكتملة تساعد أنظمة الذكاء الاصطناعي على استرجاعه بشكل صحيح». ثم شدَّد على أن «الاستثمار في المحتوى الحصري والتحليلي العميق يُعدُّ عاملاً حاسماً، نظراً لأن النماذج الذكية تعتمد في الأساس على هذا النوع من المواد لإنتاج إجاباتها، وهو ما يمنح الناشرين فرصة للحفاظ على حضورهم كمصادر موثوقة داخل هذه الأنظمة، بدلاً من الاكتفاء بدور المورِّد غير المرئي للمعرفة».


«إلباييس» و«لا ريبوبليكا»... مسيرة نصف قرن

ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)
ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)
TT

«إلباييس» و«لا ريبوبليكا»... مسيرة نصف قرن

ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)
ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)

اثنتان من كبريات الصحف الأوروبية، «إلباييس» الإسبانية و«لا ريبوبليكا» الإيطالية، تحتفلان هذه الأيام بمرور خمسين سنة على انطلاقتيهما في ظروف متباينة في الظاهر، لكن متشابهة من حيث الدور الذي لعبته كل منهما على الصعيدين الإعلامي والصحافي. وبالتحديد، في إسبانيا بُعيد سقوط نظام الجنرال فرنشيسكو فرنكو وعودة الديمقراطية، وفي إيطاليا مع بداية انهيار المنظومة السياسية التقليدية التي حكمت البلاد منذ نهاية الحرب العالمية ونشوء التشكيلات السياسية الجديدة على أنقاض الحزبين الكبيرين؛ أي «الحزب الديمقراطي المسيحي» و«الحزب الشيوعي الإيطالي».

وهنا تجدر الإشارة إلى أنه بجانب «اللوموند» الفرنسية و«الغارديان» البريطانية، تشكل هاتان الصحيفتان ما اصطلحت الأوساط الإعلامية على تسميته بـ«المربّع الذهبي» للصحافة الأوروبية المكتوبة، والمعروفة برصانتها وتأثيرها العميق في النخب السياسية والفكرية.

«إلباييس»... ودورها في ترسيخ الديمقراطية

في الاحتفالات التي أطلقتها صحيفة «إلباييس» - ويعني اسمها بالإسبانية «البلد» - منذ مطالع الشهر الحالي بمناسبة يوبيلها الذهبي برعاية العاهل الإسباني، نوّه فيليبي السادس، بالدور الذي لعبته الصحافة المكتوبة في الدفاع عن المؤسسات وترسيخه إبان محاولة الانقلاب العسكري يوم 23 فبراير (شباط) 1981.

وحقاً، صدرت الصحيفة فجر اليوم التالي تحت عنوان «إلباييس مع الدستور»، بينما كان البرلمان مجتمعاً في جلسة محاسبة للحكومة، وهو لا يزال تحت سيطرة ضبّاط الحرس المدني الانقلابيين. وحينذاك، كانت الدلائل تشير إلى أن الانقلاب في طريقه إلى النجاح، قبل أن يدلي الملك (السابق) خوان كارلوس الأول بخطابه الشهير الذي دعا فيه القوات المسلحة إلى الالتزام بأحكام الدستور، ورفض السير وراء محاولة إجهاض النظام الديمقراطي اليانع.

يومذاك، لم تكن إسبانيا قد انضمت بعد إلى «السوق المشتركة» - «الاتحاد الأوروبي» حالياً، كونها أصبحت عضواً مطلع عام 1986 -. وكان رهان «إلباييس» الأساسي منذ صدورها الانخراط الكامل في المشروع الأوروبي الذي أصبحت اليوم أحد محركاته الرئيسة. وبالفعل، لعب موقف الصحيفة المتقدّم على الصحف الإسبانية الأخرى في معارضة الانقلاب دوراً أساسياً في نجاحها السريع. ومنذ ذلك الحين أصبحت مرجعاً لإسبانيا الديمقراطية، التي كانت تحاصرها وتتربص بها المكائد للعودة إلى النظام الديكتاتوري السابق. ولقد بيّنت معلومات كشفت لاحقاً عن أن الصحافي خوان لويس ثيبريبان، مدير «إلباييس» في تلك الحقبة، سعى إلى إقناع بعض زملائه بإصدار عدد مشترك يؤيد الدستور ويرفض المحاولة الانقلابية، لكنه لم يلق تجاوباً؛ لأن الصحف الأخرى كانت تفضّل التريّث للتأكد من نتيجة المحاولة.

الفكرة وراء التأسيس

صاحب فكرة تأسيس «إلباييس» هو الناشر والكاتب الإسباني خوسيه أورتيغا سبوتورنو، نجل الفيلسوف والمفكر الليبرالي الشهير خوسيه أورتيغا غاسيت، الذي جمع حوله عدداً من كبار الموظفين في الدولة، والمهنيين الأحرار، والأساتذة الجامعيين، الذين كانوا ينتمون جميعاً إلى المعارضة المعتدلة لنظام الجنرال فرنكو، أو الجناح المؤيد للتغيير في النظام. ولقد تقدّم في مطلع عام 1972 بطلب إلى وزارة الإعلام لإصدار جريدة يومية تحمل الاسم نفسه الذي حملته صحيفة أخرى ليبرالية مغارب القرن التاسع عشر ومطالع القرن التالي.

غير أن الحكومة الإسبانية ماطلت في منح الترخيص المطلوب حتى ربيع عام 1976، ليصدر يوم 4 مايو (أيار) العدد الأول من الصحيفة، التي سرعان ما تحولت إلى رائد للصحافة الإسبانية المكتوبة، وإحدى أهم الصحف الناطقة بالإسبانية في العالم.

لصحيفة «إلباييس» مكاتب تحرير منتشرة عالمياً في مكسيكو سيتي وبوغوتا وواشنطن وسانتياغو وبوينوس آيريس، فضلاً عن مكاتب العواصم الإقليمية الإسبانية التي تصدر عنها طبعات محلية في مدن برشلونة وبلنسية وإشبيلية ولا كورونيا ولاس بالماس وبورغوس ومايوركا. كذلك تصدر عنها طبعتان مختصرتان باللغتين الإنجليزية والبرتغالية، إلى جانب ملحق أسبوعي في شكل مجلة يتجاوز مبيعها المليون نسخة أسبوعياً.

من جهة ثانية، يبلغ عدد قراء النسخة الورقية من «إلباييس» حالياً 758 ألفاً، بينما يبلغ عدد قراء النسخة الإلكترونية 14.5 مليون وفق الإحصاءات الأخيرة. ثم إن الصحيفة هي عماد شركة قابضة تملك أوسع شبكة إذاعية في إسبانيا، وصحيفة اقتصادية يومية، وصحيفة رياضية، وداراً للنشر.

الصفحة الأولى من أحد أعداد "إلباييس" (إلباييس)

أقلام لامعة

ولجهة كبار الكتّاب، تتناوب على صفحات «إلباييس» نخبة من كبار الكتّاب والمفكّرين الإسبان والأميركيين اللاتينيين، كان أبرزهم غابرييل غارسيا ماركيز، الحائز جائزة نوبل للآداب، والذي بدأ ينشر مقالات دورية فيها منذ صدورها حتى قبيل وفاته عام 2014. وأيضاً ماريو فارغاس يوسا، الحائز الآخر على نوبل للآداب، الذي نشر فيها مقالات أسبوعية طيلة 33 سنة، واستضافته «الشرق الأوسط» على صفحاتها حتى وفاته ربيع العام الفائت.

على صعيد آخر، تعزَّز موقع «إلباييس» في المشهد الإعلامي الإسباني بعد الفوز الساحق الذي حقّقه الحزب الاشتراكي بزعامة فيليبي غونزاليس (تولى الحكم بين عامي 1982 و1996) في الانتخابات العامة، وكانت الصحيفة قد دعمته بقوة، بالتعاون مع عدد من الصحف والحكومات «التقدمية» في أوروبا. بل كانت «إلباييس» أول صحيفة إسبانية تستحدث شخصية «المدافع عن القارئ» التي يلجأ إليها القراء لطرح تظلّماتهم، كما وضعت مجموعة من القواعد والمعايير لضمان جودة وصدقية المعلومات التي تنشرها، وأصدرت «كتاب الأسلوب» الذي غدا مرجعاً للصحافيين الناطقين بالإسبانية.

في المقابل، خلال السنوات الأخيرة بدأ يتردد في أوساط قراء الصحيفة أنها «لم تعد كما عرفوها في الماضي»؛ إذ باتوا يفتقدون موقعها المتقدم في الدفاع عن العديد من القضايا السياسية والاجتماعية، ويأخذون عليها ترجيح الكفة الليبرالية على الهوية «التقدمية» التي كانت علامتها الفارقة.

في هذا السياق، يقول جوزيف أوغورليان، الرئيس التنفيذي للشركة القابضة المالكة للصحيفة: «(إلباييس) صحيفة تقدمية، تلتزم بعمق أحكام الدستور الإسباني والنظام الملكي البرلماني. وأميركا اللاتينية جوهرية بالنسبة إلينا، إعلامياً وعاطفياً وثقافياً وسياسياً». ويضيف: «صحيح أن إلباييس قد تغيّرت... ولكن لأن إسبانيا تغيّرت، والعالم تغيّر، ولأن الصحافة لم تعد كما عرفناها. هاجسنا الأول، كان ولا يزال، هو القارئ. ونحن نراهن على ذكائه وفطنته، ونؤمن بحقه في الحصول على معلومات موثوقة، وبقدرته على استخلاص العبر منها». بقي أن نشير إلى أن «إلباييس» تمنح جوائز سنوية للصحافيين والمدافعين عن حرية الرأي تحمل اسم خوسيه أورتيغا غاسيت «البوصلة الفكرية» للصحيفة. وكانت جائزة هذه السنة من نصيب الكاتبة والصحافية سفيتلانا ألكسيفيتش من بيلاروسيا، الحائزة جائزة نوبل للآداب.

«لا ريبوبليكا» الإيطالية

أما عن «لا ريبوبليكا» - أي «الجمهورية» - فإنها أُسست عام 1976 على يد الصحافي والكاتب المعروف أوجينيو سكالفاري، بدعم من الناشر أرنولدو موندادوري، بوصفها صحيفة يسارية أطلقت على نفسها مسمى «الصحيفة الحزب»، وكانت في بداياتها منبراً لمجموعة واسعة من الكتاب والصحافيين والمفكّرين الذين تتراوح مواقفهم بين اليسار الإصلاحي واليسار المتطرف. ولكن على مغارب القرن الماضي ومطالع هذا القرن، بدأت تجنح نحو معسكر «وسط اليسار» السياسي، وهي اشتهرت بمواقفها المعارضة لرئيس الوزراء الإيطالي الأسبق اليميني الملياردير سيلفيو برلوسكوني، الذي كان يعرف عنه أيضاً تذمّره منها، ومحاولاته العديدة الفاشلة لامتلاكها وضمّها إلى إمبراطوريته الإعلامية التي كانت المنصة الأساسية لنشاطه السياسي، والتي تضمّ ثلاث قنوات تلفزيونية وعدة صحف يومية ومجلات أسبوعية وداراً كبرى للنشر ومؤسسة للتسويق الإعلاني.

وفي هذا المجال، يذكر رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق جوليو أندريوتي في مذكراته أنه أجهض «في اللحظات الأخيرة» صفقة كان وراءها برلوسكوني للاستحواذ على الصحيفة، التي كانت قد تحوّلت إلى خصمه السياسي الألدّ. وبالتالي، حال أندريوتي - وهو يميني أيضاً - دون سيطرة برلوسكوني شبه الكاملة على المشهد الإعلامي الإيطالي. مع هذا، خاض برلوسكوني عدة معارك قضائية ضد الصحيفة، مطالباً بتعويضات مليونية لكنها باءت جميعاً بالفشل.

فضيحة دي بيلّا... وملكية عائلة آنييلي

عام 1981، عصفت بـ«لا ريبوبليكا» فضيحة كبيرة عندما تبيّن أن رئيس تحريرها فرنكو دي بيلّا كان عضواً في تنظيم ماسوني سرّي محاط بفضائح كبرى. وهو ما أدى إلى إقالته من منصبه، واتجاه الإدارة إلى التعاقد مع كتّاب مشهورين ومستقلين لاستعادة ثقة القراء.

وعام 2020، انتقلت ملكية «لا ريبوبليكا» إلى عائلة آنييلي الثرية المعروفة، صاحبة مجموعة «فيات» والمؤسّسات المتفرّعة عنها، ومالكة صحيفة «لا ستامبا» الصادرة في ميلانو. وقررت العائلة تعيين الصحافي ماوريزيو موليناري مديراً لها، وهو المعروف بعلاقاته الوطيدة مع إسرائيل ورئيس وزرائها الحالي بنيامين نتنياهو.

تعيين موليناري أثار احتجاجات في أوساط المحرّرين الذين استقال بعضهم من الصحيفة. ومع موليناري جنحت الصحيفة نحو الوسط، خارج المعسكرين اليساري واليميني. لكنها ركّزت أيضاً على معارضة التيْار الشعبوي الذي كان يتمدد بقوة في إيطاليا مع حزب «النجوم الخمس». وفي عام 2024، أقيل موليناري من منصبه الذي تولاه المدير الحالي ماريو أورفيو.

أخيراً، مع أن سياسة عائلة آنييلي، التي رسمها المؤسس جياني آنييلي، والتي تقوم على دعم الخط الحاكم بغض النظر عن ميوله واتجاهاته السياسية، تشكّل «لا ريبوبليكا» حالياً رأس حربة الوسائل الإعلامية المناهضة لحكومة جورجيا ميلوني، وبخاصة، حليفها الشعبوي ماتّيو سالفيني زعيم حزب «الرابطة»، المعروف بعلاقاته الوثيقة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.