دراما الصمت في المشهد الثقافي السعودي

تشكل العنوان الأبرز للحالة الثقافية في البلد بانتظار حالة يمكن التعامل معها

حرص رسمي على تطوير معرض الرياض الدولي للكتاب لعام 2020 والارتقاء به
حرص رسمي على تطوير معرض الرياض الدولي للكتاب لعام 2020 والارتقاء به
TT

دراما الصمت في المشهد الثقافي السعودي

حرص رسمي على تطوير معرض الرياض الدولي للكتاب لعام 2020 والارتقاء به
حرص رسمي على تطوير معرض الرياض الدولي للكتاب لعام 2020 والارتقاء به

الحديث عن الثقافة هو حديث عن التنمية الثقافية بالضرورة، وفي الآن نفسه هو حديث عن التوازنات المتعددة، المتعارضة والمتكاملة داخل فضاء اجتماعي واحد، حيث الرغبة الأكيدة لتجسير الهوة بين الثقافة الفردية وثقافة الجمهور. وهذا هو جوهر التحولات الدرامية التي تباغت بها وزارة الثقافة عمق المشهد الثقافي في السعودية، حيث تتوالى الأخبار المتعلقة بإعادة هيكلة الوزارة بشكل غير مسبوق، إذ لا يمر أسبوع من دون إعلان عن مبادرة ثقافية، أو استحداث قطاع، أو تعيين أحد الكوادر الثقافية في منصب من مناصب الوزارة الآخذة في التمدد. وذلك في ظل استراتيجية الوزارة المنسجمة مع «رؤية المملكة 2030»، حيث تم تعيين سعد المحارب رئيساً تنفيذياً للدار السعودية للنشر والتوزيع، المسؤولة عن نشر وتسويق وتوزيع الكتاب السعودي في مختلف الدول العربية، كما أوكلت إلى محمد حسن علوان مهمة الرئيس التنفيذي لقطاع الأدب والترجمة والنشر، المعني بتطوير قطاع الإنتاج الإبداعي والثقافي والأدبي في المملكة.
وبموجب الحرص على تطوير معرض الرياض الدولي للكتاب لعام 2020 والارتقاء به، صدر قرار بتعيين عبد الرحمن العاصم مديراً للمعرض في وقت مبكر لضمان ظهور المعرض بصورة مشرفة، على عكس ما كان يحدث في الدورات السابقة، كما أُعلن عن إيكال رئاسة الفرقة الوطنية للموسيقى إلى عبد الرب إدريس، والفرقة الوطنية للمسرح إلى عبد العزيز السماعيل، في الوقت الذي تأسست فيه مبادرة مهرجان البحر الأحمر السينمائي الذي ستقام نسخته الأولى عام 2020، في جدة التاريخية، تحت إشراف رئيسيها التنفيذي محمود صباغ. وهي مبادرة معنية بدعم قطاع الأفلام المحلية، وتوسيع الصناعة السينمائية المحلية، وفتح آفاقها على تجارب السينما العالمية.
وكانت الوزارة قد تسلَّمت جمعيات الثقافة والفنون والأندية الأدبية والمراكز الثقافية، بالإضافة إلى مجمل الجمعيات الفنية والمجلة العربية، من وزارة الإعلام. وكل ذلك تحت إشراف وتوجيه وزير الثقافة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان آل سعود الذي يُنظر إليه كوجه رمزي للثقافة الجديدة، حيث حوّل المشهد الثقافي إلى ورشة كبرى تضج باللقاءات التشاورية، ورتب متوالية من اللقاءات مع مجموعات متنوعة من النخب الثقافية على مستوى المملكة، كما كشف عن 27 مبادرة ثقافية، تتضمن تأسيس منظومة من الجوائز وبيوت الثقافة والبيناليات والمجلات والمتاحف والمهرجانات وبرامج التفرغ ومبادرات القراءة والترجمة والابتعاث الثقافي. وتوج كل ذلك الجهد بلقاء رمضاني لافت لولي العهد الأمير محمد بن سلمان مع نخبة من المثقفين، في إشارة مزدحمة بالدلالات، مفادها أن الثقافة تقع ضمن أولويات رأس الهرم السياسي في السعودية الجديدة.
وهذا الجهد المتسارع والشامل بقدر ما أضفى على المشهد الثقافي بهجة الحركة وأمل التغيير، أصاب معظم المثقفين بحالة من الارتباك والترقُّب. فهذا النمط التغييري الجذري يسجل اختراقاً مرعباً لما يُعرف بالثقافة التنظيمية، بما هي الإطار المعرفي والقيمي الذي تقاسمه أولئك الذين استراحوا على هامش مشهد ثقافي بطيء الحركة، أقرب ما يكون إلى الجمود، والذين بنوا أمجادهم على وتيرة أدائية وظيفية. وهذا هو ما يفسر حالة الارتباك التي تنتاب بعض حراس الثقافة التقليديين الذين باتوا يستشعرون اهتزاز مواقعهم، وتأرجح مقاعدهم على إيقاع التعيينات المتلاحقة وإعادة الهيكلة، كما يفسر دراما الصمت التي تشكل العنوان الأبرز للحالة الثقافية بانتظار استواء المشهد الثقافي في حالة أو شكل يمكن التعامل معه.
ولكن دراما الصمت هذه تتعرض بين آونة وأخرى إلى هسهسات مستريبة، متأتية في الغالب من أولئك الذين تربوا على كون الثقافة جهداً فردياً أرستقراطياً، ولم يحتسبوا إلى المتغير الأهم اليوم المتمثل في الظاهرة الجمهوروية المعتمدة على الشباب بالدرجة الأولى، بكل تقنياتها الاستحواذية الحديثة التي تجيد التعامل مع ما يُعرف بالميديا الساخنة والباردة. ولذلك تبدو التبرمات النخبوية مكثفة باتجاه الحط من قيمة نجوم السوشيال ميديا الذين لا يخفى وجودهم القوي في برامج الوزارة، كما ظهر ذلك من خلال عدة مؤشرات ومناسبات اكتشف من خلالها رموز الثقافة وجودهم على هامش الفعل والحدث الثقافي، كما ظهرت مجموعة من الرسائل الحائرة أمام انعدام الخط الفاصل بين الثقافي والترفيهي، وهو منحى تؤيده النظرية الثقافية المعنية بتحقيق التوازن بين الأنماط المتنافسة.
وعلى هذا الأساس ظهرت بوادر حوار مستوجب بين رؤيتين متضادتين، عنوانه المضمر يتعلق بموت النخبة أو إماتتها، وإلغاء الخط الفاصل بين الثقافي القيمي والترفيهي الاستثماري. وهي أسئلة موجهة بشكل مباشر للوزارة التي تعيد بناء هيكل المشهد الثقافي وفق استراتيجية متوازية مع «رؤية 2030»، حيث الخوف من ظهور وتنامي مجتمع الرغبة، كما يفترض المنطق الداخلي لنظرية الثقافة، القائم على اندفاعات جماهيرية، ومظاهرات جمعية لا تعرف عن الثقافة إلا حالات الاستعراض المهرجانية. ولذلك حذر سعد البازعي من الانزياح عن جوهر الثقافة إلى مشتبهاتها. وعلى إيقاع ذلك الترقّب، كتب تغريدة في موقع «تويتر»: «أخشى على ثقافتنا المبالغة في ربطها بالاقتصاد والترفيه. نعم، للثقافة جوانبها المتصلة بالسوق والمتعة، وهي جوانب مهمة، لكن جوانبها الأهم الجوانب التي تصنع الحضارة، وهي جوانب تتصل بقيم الجمال والحق، لا بالمال والترفيه».
وفي هذا الصدد، يمكن التوقف أيضاً عند مجموعة تغريدات لسعيد السريحي على موقع «تويتر»، حذر فيها من سطوة نجوم الكوميديا و«مهرجي مواقع التواصل الاجتماعي»، حسب تعبيره، ومن «هيمنة التفكير الاستثماري على خطط الثقافة وبرامجها»، كما نبه إلى خطر «البرامج الشعبوية التي يتم تقديمها على أنها هي الثقافة» التي تستمد قوتها وسلطتها، حسب رأيه، من «الإقبال الجماهيري، وليس مما تبنيه من قيم الجمال والحق»، لأن الثقافة من منظوره «لا يمكن لها أن تكون شبّاك تذاكر». وقبل أن نقوض المؤسسات الثقافية القائمة، حسب تصوره، علينا أن «نطمئن إلى أننا نمتلك رؤية واضحة كفيلة ببناء مؤسسات بديله قادرة على أن تنهض بالدور الذي نهضت به هذه المؤسسات القائمة». ليصل إلى خلاصة رؤيته الاحتجاجية برفض فكرة الإجهاز على النخبة لأن «التباهي بهجر ثقافة النخبة نذير بتسطيح الثقافة، وتحويلها إلى سلعة شعبوية للتسلية والترفيه».
ويبدو أن سعيد السريحي، باعتباره رمزاً من رموز حداثة الثمانينات، قد التقط المنعطف الحاد الذي ينحاز به المشهد عن النخبوي إلى الجماهيري، وهي التقاطة تُحسب له، كما تُحسب له جرأته بطرح أبعاد التحول الثقافي على طاولة التداول الفكري، وكسر حالة دراما الصمت. إلا أنه ما زال رهين الثنائيات الحادة التي حكمت المشهد لفترة طويلة، وذلك باستدعاء بعبع الصحوة، حيث كتب «يتبرأون من ثقافة النخبة، ويتجاهلون أنها هي الثقافة التي قدمت وجهاً مشرقاً للمملكة في المحافل الثقافية العربية، حين كانت منابرنا الداخلية تتعثر في وحل الصحوة». وكأنه بذلك التفكير الاستعادي لرومانسية الغصن الذهبي للثقافة في السعودية يطالب بمكافأة مثقفي الثمانينات، واعتبارهم مرجعيات للفعل الثقافي في طوره الجديد، وحصد جائزة التحول التنموي الكبرى. وهي مراوحة تحيل إلى فصيل ثقافي ما زال يتعامل مع الثقافة كمعطى، وليس كتشييد. أجل، تشييد جماعي. وبالتالي فهو جيل غير قادر على كتابة سطر جديد في مرحلة ما بعد الصحوة التي تم الإجهاز عليها برصاصة عدم الرحمة.
هذا ما يبدو عليه المشهد الثقافي اليوم، حركة تعيينات واسعة، وإعادة هيكلة متسارعة، وترقّب صامت من قبل المثقفين الذين ينتظرون ما ستسفر عنه تلك التعيينات، باتجاه تأسيس ثقافة مدنية، وما قد ينتج عن المبادرات على المديين: القريب والبعيد، ليتعرفوا على مواقعهم ومهماتهم، وقلق من تحول بعض الأدباء والفنانين المستدمجين في المؤسسة إلى موظفين. فالمؤسسة إذ تؤدي مسؤوليتها في بناء الهياكل، وفرش أرضية الفعل الثقافي، واستجماع ومراكمة رأس المال الثقافي من دون تفريق بين جيل أو تيار وآخر، وتحويل رأس المال الثقافي إلى رأس مال اقتصادي، تفترض في المقابل أن يبادر المثقف لإنتاج الخطاب الثقافي، بدل الانشغال بمنازلة ثقافة البوب (الشعبية) في الفضاء العمومي، وانتظار ما تقترحه المؤسسة عليه من أدوار.



«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)
TT

«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)

تُوّجت الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة نوبل للآداب، أمس (الخميس)، لتجربتها التي وُصفت بأنها «متفردة» وتمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية باحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»، حيث تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية ثيمات الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما عدّه كثيرون «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في كثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، و«إيروس» و«الحلو المر».


محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
TT

محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)

محمد الفرج فنان سعودي يحمل موطنه معه في كل أعماله، يعبر عن بيئة الأحساء التي نشأ فيها بالصور والأفلام القصيرة وبالرسم وبالأعمال التركيبية، يرسم نخلات رشيقات بالفحم على الجدران ويستخدم تراب الواحة الغنية ويحوّله لعناصر حية تتشكل أمامنا وتختزل تلك العلاقة الأبدية ما بين الفنان وموطنه.

في معرضه الفردي الأول في لندن، الذي يحمل عنوان «القلب عش طير والعقل شبكة عنكبوت» يعزف محمد الفرج على النغمات الأثيرة لديه وينجح في جذب الزوار لتلك الواحة الغنية التي توجتها الطبيعة بأشجار النخيل الباسقة.

من العنوان يبدأ الفرج في حكاية قصص أعماله التي ينسجها من خيوط الذاكرة والمشاعر والقصص، الجزء الأول من العنوان، «القلب عش الطير»، يعبر عن الدفء والانتماء، بينما العقل، «شبكة العنكبوت»، ينشغل بالأفكار وتشابكاتها وتفريعاتها. بعنوان مثل هذا خارج من قلب الطبيعة يبدأ الفرج الرحلة معنا لاستكشاف معرضه.

من الأعمال في المعرض (الشرق الأوسط)

صور الذاكرة

يتحدث الفنان عن عمل يشغل مساحة ضخمة في العرض وهو عبارة عن مجموعة من الصور الفوتوغرافية الضخمة الموضوعة على الأرض بشكل متسق وفي الخلفية صورٌ أخرى تحتل جدار بأكمله.

تحتل صورة بالأسود والأبيض أغلب مساحة الجدار الخلفي، تصور أحد شوارع مدينته، نرى المباني والأشجار على جانب الطريق، هناك سيارات، ولكنها محجوبة بفعل صور أخرى موضوعة أمامها، تتقاطع صور الشارع مع صورٍ أخرى صغيرة مثبّتة فوقها؛ إحداها لمنظر غروب، وأخرى لطائر، وثالثة لشخص يتسلّق نخلةً لجني ثمارها.

صور من الذاكرة (الشرق الأوسط)

نعبر ببصرنا من الخلفية للمقدمة حيث تتناول بقية الصور مشاهد حياتية منها صور لنساء وأطفال على الشاطئ، رجل يجلس في غرفة تقليدية الطراز ولقطات أخرى.

يحمل العمل عنوان «كل ما أملكه هو هذه الإطارات، وأخشى أن أرمش فأفقدها»، يعبر عن الذاكرة ومحاولة الاحتفاظ بها. يصف الفنان الذكريات بأنها مثل «حفنة الرمل التي تتسرب من بين أصابعنا»، ويلجأ للكاميرا لمحاولة تجميد تلك اللحظات في صور، يقول: «أسرتني فكرة وجود أداة أو جهاز في حياتنا يتيح لنا الإمساك بذلك الشيء الذي نحاول التشبث به، رغم أن محاولاتنا غالباً ما تكون دون فائدة». ثم يضيف: «رغم ذلك أرى أن الكاميرا تمثل أعظم محاولة لالتقاط تلك الجوهرة».

تبدو طريقة عرض الصور أمامنا كمحاولة من الفنان لعيش التجربة مرة أخرى: «يراودني دائماً شعور بالإحباط بسبب الطبيعة ثنائية الأبعاد للصورة الفوتوغرافية، أي طريقة تمثيلها للذاكرة؛ إذ أتمنى لو كان بوسعي الدخول إلى داخل الصورة ورؤية عناصرها واحداً تلو آخر. وفي هذا العمل التركيبي نحاول تجسيد تلك الفكرة؛ حيث توجد صورة قد تظنها للوهلة الأولى، عند دخولك الغرفة، صورةً واحدةً متصلة، لكنك تكتشف عند الاقتراب منها أنها في الواقع مجزأة».

النخلات الباسقات وصورة العائلة (الشرق الأوسط)

الذاكرة تحمل أيضا تأثير المزارع والآبار وأشجار النخيل، تنطبع كلها بشكل أو بآخر في المعرض، تحضر أشجار النخيل في أكثر من عمل مرسومةً بالفحم على الجدران، تبدو نخلاته رشيقة، وتتدلّى ثمارها مثل أقراط الأذن كأنه يصور نساء عائلته، يشير إلى عملٍ أمامنا ويقول: «النخلة هي مثل برج ذاكرة بالنسبة لي؛ تمثل الصمود والقوة، وفيها كثير من العطاء... هي تمثل، بالنسبة إليّ، أشخاصاً من عائلتي».

العمل يصور 4 نخلات ويحمل عنوان «صورة العائلة»، يعلق أنه يجد في النخيل صور الأجداد والجدات ثم يضيف: «... والخالات بالذات، حتى من توفي منهن، أتذكرهن بصورة رومانسية جداً لأنهن من عالم ومن ثقافة مختلفة، ولهن اتصال عجيب جداً بالأرض».

حكاية البلبل

ننتقل لعمل منفصل يعتمد على مستطيل مكون من الرمل على الأرض وتنعكس عليه مشاهد فيلمية، يحمل اسم «تمرة المعرفة». ومرة أخرى نجد أنفسنا في الواحة بنخيلها ورمالها وطيورها، هذه المرة عبر الصورة والصوت والحركة.

يروي الفنان بصوته حكاية العمل ونستمع له خلال العرض عبر السماعات الشخصية، فتغدو التجربة ملموسة جداً، فالفنان - الراوي يحكي لنا شخصياً قصة العمل.

جانب من عمل «تمرة المعرفة» للفنان محمد الفرج (الشرق الأوسط)

لمحمد الفرج شغف بالحكايات والقصص والأمثال الشعبية، شغف يظهر في أعماله المختلفة وفي هذا العمل نعرف أن الحكاية من تأليفه هو شخصياً.

بطل قصته هو البلبل الذي نرى انعكاس صورته وهو يقفز على الرمل أمامنا، يقول الراوي: «يسمع البلبل حكاية متداولة تقول إن في كل نخلة تمرةً واحدة تحمل المعرفة الكونية كلها. مدفوعاً بالرغبة في الحصول على المعرفة يبدأ البلبل في أكل جميع الثمار في النخيل، وبالفعل يجد التمرة المنشودة ويأكلها ويحصل على المعرفة كما أراد، ولكنه يكتشف أن المعرفة حمل ثقيل جداً. عندما نعرف كل شيء تتحول المعرفة إلى نقمة. نفقد الدهشة والاكتشاف والفضول. عندما تعرف كل شيء، لا تعود قادراً على تغيير أي شيء».

يشير الفنان إلى فكرة القصة، خطرت له بعد نقاش مع أبناء شقيقته الذين تفاخروا بأنهم بمقدورهم معرفة كل شيء بفضل «تشات جي بي تي»، ويعلق: «الفيلم رسالة لي قبل أن يكون رسالة للناس، بأن لا تحاول أن تتحكم في كل شيء، واترك الحياة تسير بإيقاعها الطبيعي».

بالنسبة للبلبل كانت المعرفة الكاملة حملاً لم يستطع حمله فقرر التخلص منه ولجأ لصديق من الطيور ليساعده: «قال له صديقه تعال معي لنخرج للبرّ وسوف أعلمك ما يجب أن تفعله، هناك في الصحراء الخالية أشعل الصديق ناراً، وقال للبلبل: غرد بكل ما تعرفه في النار فهي سيدة النسيان»، ويغرد البلبل وينسى كل ما تعلمه.

ما تعبر عنه الرمال

في جانب من العرض 3 صور تلعب الرمال فيها دور البطولة، تُظهر تشكيلات مختلفة من الرمل، يطلق عليها الفنان عنوان «الرمال الزاحفة».

الفكرة خلف العمل أيضاً تأخذنا لعالم يعرفه الفرج جيداً، ويرتبط بذكريات الطفولة بشكل كبير: «الأمر بسيط للغاية؛ تأخذ حفنة من الرمل، وترميها في الهواء، وتلتقط صورة لها وهي تشكّل منحوتةً تدوم لجزءٍ من الثانية. هي مستوحاة من لعبة يمارسها الأصدقاء في لحظات اللهو. تتحول اللعبة البسيطة لدى محمد الفرج إلى سؤال عميق يحتاج لإجابة: تمثل (الرمية) السؤال، بينما تمثل الصورة التي تلتقطها للرمال المتساقطة الإجابة. الأمر أشبه بزيارة قارئة الطالع التي ترمي الحجارة لتخبرك بشيء ما؛ وما يتشكل من أشكال هو ما تبحث عنه... إنها سلسلة مثيرة للاهتمام للغاية بالنسبة لي؛ لأن الأشكال الناتجة عنها مذهلة وغير عادية».

«الرمال الزاحفة» ولهو الطفولة (الشرق الأوسط)

نخرج من المعرض محمّلين بصورٍ ومعانٍ وإحساسٍ بأننا زرنا واحة الأحساء عبر مشاعر محمد الفرج ولقطاته وتصاحبنا كلماته: «أنظر إلى مفهومي (الوطن) و(العائلة) بمعناهما الأوسع؛ فالحشرات هي أقاربي المفقودون منذ زمن بعيد والذين يرغبون في العيش على حسابي، والأبقار جيراني الصاخبون الذين بيني وبينهم (خلافات)، أما الطيور فتسأل عن أحوالي دائماً».


آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)
TT

آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)

الإعلان عن فوز الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب»، الخميس، أعاد تسليط الضوء على تجربتها التي تمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية كباحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»؛ إذ تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

الأديب البارز محمد سلماوي عدّ آن كارسون بمنزلة «الشاعرة التي حوّلت الكلاسيكيات إلى مختبر للفكر المعاصر كما خلقت منه أشكالاً إبداعية حديثة، ومن ثم جاء فوزها بجائزة (نوبل) تتويجاً لمسيرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود، ترسخ خلالها اسمها كواحد من أكثر الأصوات الأدبية إثارة للتفكير في عصرنا».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «علاقتها بالعالم القديم بدأت في المدرسة الثانوية، عندما وافق مدرس اللاتينية على تعليمها اليونانية خلال استراحة الغداء بناء على طلبها، وقد حصلت على الدكتوراه في الدراسات الكلاسيكية عام 1981، كما درّست الأدب اليوناني واللاتيني في جامعات كبرى مثل ماكغيل وبرينستون».

فوز آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب 2026» (لجنة نوبل)

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية «ثيمات» الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر، مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما اعتبره كثيرون بمنزلة «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في الكثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، وهي مفردة تعني «الليل» باليونانية القديمة، وتستعيد فيه صدمة فقدها شقيقها المقرب منها.

وأعربت كارسون مراراً، عبر تصريحات إعلامية، عن أنها «لا تسعى إلى مجابهة الموت أو تحديه كقدر محتوم يختطف أحباءنا، وإنما تسعى بكل بساطة لأن تصنع من العجز عن مواجهته حالة أدبية خاصة تتميز بالصدق في التعبير عما يكتنف الروح من جراح لا تبرأ بسهولة».

وُلدت الأديبة المتوجة بـ«نوبل» عام 1950 بمدينة تورنتو، ومن أشهر مؤلفاتها «سيرة ذاتية للأحمر» الذي تتناول فيه وحشاً يظهر في أسطورة «هيركليز» الشهيرة بجناحين حمراوين ويبعث على الخوف، لكنه يتحول عبر سطورها إلى كائن يمتلك مشاعر إنسانية، على نحو يدعو للتعاطف معه.

وأشار الشاعر والمترجم المصري عبد الرحيم يوسف الذي ترجم لآن كارسون كتاب «إيروس- الحلو المر»، الصادر 1986، والمأخوذ عن أطروحتها للدكتوراه بعنوان «أحب وأكره إذن أنا موجود»، إلى أنها «تتناول مفهوم الرغبة والعاطفة عند اليونانيين القدماء»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «عالمها الإبداعي في نفس الوقت لا ينفصل عن إنسان العصر الذي تناقش أزماته الوجودية بعقل الباحثة وروح الشاعرة».

«إيروس» من الأعمال المترجمة لآن كارسون (غلاف الكتاب المترجم)

وعدّ الناشر المصري محمد البعلي، مدير دار «صفصافة» التي صدر عنها كتاب «إيروس»، فوز كارسون بمنزلة «انتصار للأدب الرفيع والجاد والذي يلامس هموماً حقيقية يعاني منها إنسان العصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنها «لم تراهن يوماً على البعد التجاري، ولم تلهث أمام (الموضات) الأدبية مثل (الأكثر مبيعاً)، وركزت فقط على التعبير عن مشاعرها بصدق».

وأوضح سلماوي أنه «ربما كان أهم ما يميز الأديبة الكندية هو رفضها القاطع للتصنيفات الأدبية، والتي قد يضع عليها البعض لافتة (رواية) أو (شعر)، حيث نجد أنها تدمج القصيدة بالنثر بالمقال بالترجمة بالتصوير الدرامي... فضلاً عن تعاونها مع فنانين بصريين ومصممي رقص ومخرجي أوبرا».

ولفت إلى أنها «دائماً ما كانت تردد أن الأدب ليس وظيفته (تخدير القارئ) وإنما (تحريك عقله)، وربما لهذا السبب بالضبط، بعد أربعين عاماً من الكتابة، لا تزال نصوصها تشعرنا بأننا نقرأ أدباً مختلفاً لم يُكتب من قبل».