انطلقت أمس مداولات محتدمة حول تولي المناصب الأساسية في الاتحاد الأوروبي، بعد الانتخابات الأوروبية التي أسفرت عن برلمان مفكك بعد تقدم أحزاب «مشككة في أوروبا»، ولو بشكل محدود خلافاً للتوقعات، وتقدم دعاة حماية البيئة والليبراليين.
ورغم أن تشكيلة البرلمان المقبل لا تزال غير واضحة، فإن المناورات بدأت؛ حيث سيجمع عشاء مساء اليوم قادة الدول الـ28 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لتبادل الآراء حول التعيينات المقبلة.
واستقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي خسر رهانه أمام زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبن، رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز على عشاء مساء أمس قبل أن يتناول الغداء في بروكسل اليوم مع أبرز القادة، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية. وبدفع من النتائج التي حققتها أحزاب مارين لوبن، ووزير الداخلية الإيطالي ماتيو سالفيني، وحزب نايجل فاراج المؤيد لـ«بريكست» في بريطانيا، يرتقب أن يشغل المشككون في «أوروبا» ما يصل إلى ربع مقاعد البرلمان (171 بحسب أحدث تقديرات، مقابل 155 في البرلمان المنتهية ولايته).
لكن الانتخابات شهدت أيضاً تقدماً للأحزاب الداعية لحماية البيئة مثل «حزب الخضر» الألماني، وحلول «حزب الخضر» الفرنسي في المرتبة الثالثة بشكل مفاجئ، وكذلك مجموعة من الوسطيين الليبراليين بدفع من مؤيدي إيمانويل ماكرون. ويساهم ذلك في إعادة تشكيل البرلمان الأوروبي، حيث انتهت ثنائية التحالف الكبير الذي كان يقوده الحزب الشعبي الأوروبي (يمين الوسط)، و«الاشتراكيون الديمقراطيون» (يسار الوسط).
فرغم استمرار الحزب الشعبي الأوروبي (182 مقعداً بحسب آخر تقديرات البرلمان الأوروبي، مقابل 216 حالياً) و«الاشتراكيين الديمقراطيين» (147 مقعداً مقابل 185) بوصفهما أبرز تنظيمين في البرلمان، فإنهما خسرا قدرتهما على تأمين غالبية لتمرير نصوص تشريعية. وسيكون عليهما التحالف مع أنصار البيئة الذين ارتفع عدد مقاعدهم من 52 إلى 69، والليبراليين الذي فازوا بـ109 مقاعد مقابل 69 سابقاً.
والأحزاب المشككة في «أوروبا» التي كان تقدمها محدوداً، ستواجه كذلك صعوبة في تشكيل جبهة موحدة. فإذا كان «التجمع الوطني» بزعامة لوبن دعا على الفور إلى «تشكيل كتلة قوية» في البرلمان الأوروبي، فإن هذه القوى المتعددة أظهرت في السابق صعوبات في تجاوز خلافاتها. وتأمل لوبن مع حزب «الرابطة» بزعامة ماتيو سالفيني (28 مقعداً وحده) أن تشكل تحالفاً واسعاً لأحزاب قومية ومشككة في «أوروبا» وشعبوية. والكتلة البرلمانية لهذه الأحزاب نالت 58 مقعداً، مقابل 37 في السابق.
وسيكون تغيّر المشهد السياسي داخل البرلمان الأوروبي حاسماً للسباق على المناصب الأساسية في المؤسسات الأوروبية، خصوصاً رئاسة المفوضية خلفاً لجان كلود يونكر من «الحزب الشعبي الأوروبي». وسيكون أول صراع قوة بين البرلمان الأوروبي والمجلس، الذي يضم قادة الدول والحكومات. فالأول يعدّ، وهو متسلح بنسبة مشاركة عالية، أن الرئيس المقبل للمفوضية الأوروبية يجب أن يكون أحد المرشحين الذين يتصدرون اللوائح.
واستناداً إلى ذلك، طالب قادة «الحزب الشعبي الأوروبي» بالمنصب لرئيسهم الألماني مانفريد فيبر المحافظ الذي يثير انقساماً.
إلا إن المعادلة تبدو أكثر تعقيداً مع المطالب التي يفرضها الاتحاد الأوروبي بوجود توازن سياسي وجغرافي وديموغرافي ومساواة بين الرجل والمرأة في كل المناصب رفيعة المستوى. وإلى جانب المفوضية، يجب أيضاً تعيين رئيسين جديدين للمجلس والبنك المركزي الأوروبي ووزير للخارجية.
وبالنسبة للرئيس الفرنسي الذي قدم نفسه قائداً للإصلاحات الأوروبية، فإن التحدي أصبح مضاعفاً بعد أن خسر أمام حزب لوبن أول من أمس. وتقدمت قائمة «التجمع الوطني»، بزعامة لوبن 0.9 نقطة على قائمة «النهضة» التي دعمها ماكرون بحصولها على 23.31 في المائة مقابل 22.41 في المائة. وبالتالي، ستحصل كل من القائمتين على 23 مقعداً في البرلمان الأوروبي بعد خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي.
وإثر إعلان النتائج، دعت لوبن التي منيت بخسارة مُرة في الانتخابات الرئاسية في 2017، الرئيس ماكرون إلى حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات جديدة، وهو ما رفضته الحكومة على الفور.
وقالت لوبن في كلمة مقتضبة مساء أول من أمس الأحد إن «الأمر متروك لرئيس الجمهورية لاستخلاص العبر، هو الذي وضع رصيده الرئاسي على المحك في هذا التصويت، لجعله استفتاء على سياساته وحتى على شخصه».
ولكن رغم احتفاء «التجمع الوطني»، فإن النتائج النهائية حملت معاني مختلطة بالنسبة للوبن البالغة من العمر 50 عاماً، فرغم انتصاره، سجل حزبها تراجعاً منذ الانتخابات الأوروبية عام 2014 عندما حل في الصدارة مع 24.9 في المائة من الأصوات.
وفي أول رد فعل بعد نشر النتائج الأولية في وقت متأخر الأحد الماضي، وصف مساعد لماكرون النتائج بأنها «محل تقدير». وبدا الحلفاء البارزون للرئيس البالغ من العمر 41 عاماً راضين، لأن هامش الهزيمة كان ضئيلاً.
لكن حلول حزب «الجمهورية إلى الأمام» الحاكم في المركز الثاني مخيب للآمال بالنسبة لماكرون بعد أن وضع سمعته على المحك خلال الحملة الانتخابية، وإن كانت انتكاسة رمزية قال مساعدوه إنها لن تؤثر على سياساته.
وقال مساعد لماكرون لوكالة الصحافة الفرنسية، طالباً عدم ذكر اسمه، إنه لن يكون هناك «تغيير في الخط السياسي» وإنه سيكثف إصلاحاته المخطط لها والتي تشمل التخفيضات الضريبية على دخل الطبقات الوسطى، والتغييرات المثيرة للجدل لنظام المعاشات التقاعدية والبطالة.
من جهته، عدّ رئيس الوزراء إدوار فيليب أن النتائج أكدت «إعادة رسم» السياسة الفرنسية، وهو ما كان واضحاً في الانتخابات الرئاسية في عام 2017 عندما تغلب التيار الوسطي الجديد لحركة ماكرون واليمين المتطرف على الأحزاب التقليدية الفرنسية.
الانتخابات الأوروبية تنهي ثنائية البرلمان وتطلق «معركة» على المناصب العليا
لوبن وجّهت ضربة لماكرون بتصدرها النتائج في فرنسا
الانتخابات الأوروبية تنهي ثنائية البرلمان وتطلق «معركة» على المناصب العليا
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
