الانتخابات الأوروبية واحدة من أكبر الممارسات الديمقراطية في العالم

يخوض الرئيس ماكرون (مع تيريزا ماي) الأحد الانتخابات الأوروبية كمدافع عن الديمقراطيات الليبرالية في مواجهة الشعبويين (أ.ب)
يخوض الرئيس ماكرون (مع تيريزا ماي) الأحد الانتخابات الأوروبية كمدافع عن الديمقراطيات الليبرالية في مواجهة الشعبويين (أ.ب)
TT

الانتخابات الأوروبية واحدة من أكبر الممارسات الديمقراطية في العالم

يخوض الرئيس ماكرون (مع تيريزا ماي) الأحد الانتخابات الأوروبية كمدافع عن الديمقراطيات الليبرالية في مواجهة الشعبويين (أ.ب)
يخوض الرئيس ماكرون (مع تيريزا ماي) الأحد الانتخابات الأوروبية كمدافع عن الديمقراطيات الليبرالية في مواجهة الشعبويين (أ.ب)

أكثر من 400 مليون ناخب أوروبي في 28 دولة يمارسون هذه الأيام حقهم الديمقراطي في الانتخابات البرلمانية، التي بدأت الخميس في بريطانيا وهولندا وانتقلت في اليوم الثاني إلى آيرلندا وجمهورية التشيك، في واحدة من أكبر التجارب الديمقراطية في العالم، والتي ستؤدي إلى تغيير متوقع في قادة المؤسسات العليا بالتكتل. والسؤال الرئيسي هو ما إذا كان المجلس التشريعي للاتحاد الأوروبي، الذي سيطر عليه لفترة طويلة ائتلاف كبير من أحزاب يسار الوسط ويمين الوسط، يمكن أن يصاب بالشلل بسبب زيادة التيار الشعبوي الذي ترك أثرا في دول مثل إيطاليا وفرنسا والمجر وألمانيا. وسيكون للبرلمان الجديد دور فعال في تعيين الأعضاء المقبلين في المفوضية الأوروبية، وهي الذراع التنفيذي للاتحاد الأوروبي، قبل الشروع في العمل المنتظم لفحص المبادرات الجديدة والميزانية المستقبلية للتكتل. وتقوم الأحزاب الشعبوية عبر التكتل بحملة لإعادة بناء صورة الاتحاد الأوروبي وفق توجهاتها، وقد تزداد أعدادها بعد التصويت في نهاية هذا الأسبوع.
اعتبر الأميركي ستيف بانون أحد المهندسين الرئيسيين للمعسكر الشعبوي في مقابلة مع صحيفة «لو باريزيان» أن الانتخابات في فرنسا ستكون «الأكثر أهمية» للأوروبيين، مضيفا «أنها استفتاء عليه (الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون) وعلى رؤيته لأوروبا». وبدورها، تدرج مارين لوبن المرشحة الخاسرة في انتخابات 2017 الرئاسية، هذه المعركة في الإطار المذكور، علما بأنها اختارت على رأس قائمتها مرشحا أصغر سنا من ماكرون هو جوردان بارديلا (23 عاما). وطالبت الناخبين بعدم «منح (الرئيس) شيكا على بياض» فيما تسعى الأحزاب الأخرى إلى إسماع صوتها في ظل هذا الانقسام العمودي. ويرى سيباستيان مايار مدير معهد جاك دولور أن «خسارة شخص ما مؤيد لأوروبا الانتخابات الأوروبية في عقر داره تشكل مساسا بصدقيته».
وبعد عامين من انتخابه، يخوض الرئيس ماكرون الأحد الانتخابات الأوروبية كمدافع عن الديمقراطيات الليبرالية في مواجهة الشعبويين، رغم تراجع شعبيته في بلاده متأثرا باحتجاجات أصحاب «السترات الصفراء» خلال الستة شهور الماضية.
وضع ماكرون نفسه رأس حربة في الحملة، ما يعني أن أي خسارة له في مواجهة اليمين المتطرف قد تجبره على تغيير فريقه الحكومي وإعادة النظر في وتيرة إصلاحاته.
بعدما أظهرت استطلاعات الرأي لوقت طويل تقأربا كبيرا بين «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبن وحزب «الجمهورية إلى الأمام» الرئاسي، باتت قائمة اليمين المتطرف تتقدم بما يراوح بين 0.5 نقطة ونقطتين، وذلك في نهاية حملة اتخذت شكل صراع بين المعسكرين.
وأعلن الرئيس الفرنسي الثلاثاء العنوان العريض للانتخابات، مؤكدا أن الاتحاد الأوروبي يهدده «خطر وجودي» قد يفضي إلى «تفككه» تحت وطأة الموجة الشعبوية. وأعرب عن أمله في «بناء ائتلاف كبير من التقدميين» في مواجهة «من يريدون تدمير أوروبا عبر القومية».
وفي هذا السياق، لن يكون الرئيس الفرنسي مجبرا على اتخاذ خطوات في فرنسا فحسب، عبر تغيير حكومته على الأرجح، بل سيكون لهذا الأمر تأثير طويل المدى في أوروبا.
ويقول بريس تانتورييه المدير العام لمعهد ايبسوس لاستطلاعات الرأي إن «قدرته على أن يكون أحد أبرز القادة في أوروبا مستغلا قرب انتهاء المسيرة السياسية لأنجيلا ميركل وانقسامات في أماكن أخرى، سيلحق بها ضرر كبير في حال تعرض لخسارة قوية الأحد» وخصوصا أن الرئيس الفرنسي يواجه مرحلة حساسة مع المستشارة الألمانية، حليفته الأولى على المسرح الأوروبي والتي تناهض بدورها الحركات الشعبوية التي يجسدها الإيطالي ماتيو سالفيني والمجري فيكتور أوربان وحتى لوبن. والخلافات كثيرة، وبينها كيفية توزيع المناصب داخل المؤسسات الأوروبية. ويلاحظ مايار عدم ارتياح فرنسي إلى موقف ألمانيا التي لا تجاري ماكرون في نيته المضي قدما في تنفيذ أفكاره ومشاريعه على صعيد أوروبا. وعلى صعيد السياسة الداخلية، سيكون الرئيس الفرنسي مجبرا على الأرجح على تغيير حكومته وإعادة النظر في خطته الإصلاحية، علما بأنه يرغب في تطبيق «الفصل الثاني» من تلك الإصلاحات بعدما نفذ جزءا منها في مستهل ولايته، وأبرز عناوين هذا الفصل ما يتصل بقانون العمل.
ويقول وزير لم يشأ كشف هويته، كما نقلت عنه الصحافة الفرنسية، «إذا تقدمت الجبهة الوطنية بشكل كبير فلا بد من تغيير حكومي. كيف يمكن للمرء أن يخسر الانتخابات» ولا يغير رئيس الوزراء مثلا. ويبدو أن ماكرون فاتح وزراءه بهذا الأمر في الكواليس، وتحديدا في 30 أبريل (نيسان)، حين لمح إلى تغييرات في الفريق الحكومي في حال هزيمته في الانتخابات الأوروبية.

- الاقتراع في أرقام
> دعي ناخبو الدول الأعضاء الـ28 في الاتحاد الأوروبي للإدلاء بأصواتهم للمرة التاسعة في التاريخ لانتخاب ممثلين لهم في البرلمان الأوروبي.
>يبلغ عدد الناخبين في سن المشاركة في عملية الاقتراع 427 مليونا.
>تحتلّ الانتخابات الأوروبية المرتبة الثانية في حجمها في العالم بعد الانتخابات التشريعية في الهند.
> ويُمنح حق الانتخاب إلى المواطنين الذي تتجاوز أعمارهم 18 سنة في غالبية الدول الأوروبية الأعضاء. إلا أن اليونان سمحت لناخبيها بالتصويت اعتباراً من عمر 17 سنة فيما يصوّت في النمسا ومالطا كل من هم فوق 16 سنة.
> بلغت نسبة المشاركة 42.6 في المائة في العام 2014 وهي الأدنى في التاريخ بالنسبة لانتخابات أوروبية.
> خلال عملية الاقتراع هذه، يتمّ انتخاب 751 نائباً. يتمّ توزيع المقاعد بناء على عدد السكان. وستشغل ألمانيا 96 مقعداً، وفرنسا 74، وكل من إيطاليا وبريطانيا 73. أما مالطا وقبرص ولوكسمبورغ فلن تشغل إلا ستة مقاعد.
> بعد خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، سيصبح عدد المقاعد في البرلمان الأوروبي 705 نواب، إذ سيتمّ إلغاء جزء من المقاعد البريطانية على أن يُوزّع الجزء الآخر. وسيصبح لدى فرنسا وإيطاليا خمسة مقاعد إضافية وإيطاليا وهولندا ثلاثة.
ورغم الشكوك التي تلفّ موعد خروج بريطانيا من الاتحاد، ينبغي على الدول التي سيزيد عدد مقاعدها بعد بريكست انتخاب النواب الإضافيين الذين لن يحضروا جلسات البرلمان الأوروبي إلا بعد الانفصال بين لندن والاتحاد الأوروبي.
> بلغ متوسط عمر النواب أثناء انتخابات العام 2014.53 عاماً، وفق حسابات البرلمان الأوروبي. وفي أكثر من نصف عدد الدول الأعضاء، يمكن الترشح للانتخابات الأوروبية اعتباراً من عمر 18 سنة. لكن بعض الدول لديها قواعد أكثر صرامة: ففي إيطاليا واليونان، السنّ الأدنى للترشح هو 25 عاماً وفي رومانيا 23 عاماً.
> بلغت نسبة النساء المنتخبات في البرلمان الأوروبي في العام 2014، 36.9 في المائة وهي النسبة الأعلى في التاريخ. ولا يحترم التوازن في المقاعد بين الرجال والنساء، إلا في خمس دول أعضاء هي فنلندا وإيرلندا (6 من أصل 11) وكرواتيا (6 من أصل 11) ومالطا (3 من أصل 6) والسويد (10 من أصل 20). أما قبرص (1 من أصل 6) وبلغاريا (3 من أصل 17) وليتوانيا (2 من أصل 11) فهي الدول الأقلّ احتراماً لهذا التوازن.

- الاتحاد «أكبر منطقة تجارية في العالم»
> يعتبر الاتحاد وارثا للمجموعة الاقتصادية الأوروبية التي ضمت ستة بلدان وتأسست في 1958. وانبثق من معاهدة ماستريخت (1993) ليضم 28 عضوا. وتنوي المملكة المتحدة الخروج من الاتحاد الأوروبي وتم تمديد موعد نهائي لذلك في 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2019.
> حدث أكبر توسيع في 2004 لدى دخول عشرة بلدان: ثمانية من البلدان الشيوعية السابقة، بما فيها الجمهورية التشيكية والمجر وبولندا، وكذلك جزيرتا قبرص ومالطا في البحر المتوسط.
> يستخدم 19 من أعضائه اليورو الذي طرح للتداول في 1999. واختارت المملكة المتحدة والدنمارك والسويد الاحتفاظ بعملاتها الوطنية، بينما تستعد بلدان أخرى لتبني العملة الموحدة.
> يشكل أعضاء الاتحاد الأوروبي مجتمعين سوقا موحدة تتحرك فيها البضائع والأفراد ورؤوس الأموال والخدمات بحرية من دون عوائق على الحدود الداخلية. وتجعل هذه السوق الموحدة التي تأسست في 1993، من الاتحاد «أكبر منطقة تجارية في العالم» للسلع والخدمات المصنعة. ولا يزال إجمالي ناتجها المحلي الذي بلغ 17.200 مليار دولار (15.200 مليار يورو) في 2017، أقل من إجمالي ناتج الولايات المتحدة (19.300 مليار دولار)، لكنه يفوق الناتج المحلي للصين (12.200 مليار دولار)، كما يقول البنك الدولي.
> عبر عدد سكانه الذي يبلغ 513 مليون نسمة، يعد الاتحاد الأوروبي ثالث أكبر منطقة من حيث عدد السكان في العالم، متقدما على الولايات المتحدة، وبعد الصين والهند اللتين يفوق عدد سكان كل منهما مليار نسمة. وألمانيا هي الدولة العضو الأكبر من حيث عدد السكان (82 مليونا) في حين أن مالطا هي الأصغر (468 ألفا). وألغيت عمليات المراقبة المنهجية على الحدود بين اثنين وعشرين من بلدان الاتحاد الأوروبي، بصفتها أعضاء في منطقة شينغن.
> تعد لغاته الرسمية الـ24 بين اللغات الأكثر استخداما في العالم مثل الإنجليزية والفرنسية، والأقل استخداما مثل الآيرلندية والفنلندية والبلغارية.
> تساهم دوله الأعضاء بنسبة 1 في المائة من إجمالي ناتجها المحلي في ميزانية الاتحاد الأوروبي، وتستفيد من مساعدات للزراعة وتأمين فرص عمل للمناطق المحرومة والتنمية الريفية وصيد السمك.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».