الطيب تيزيني... المفكر الذي حذر مبكراً من الانفجار

بكى سوريا قبل أن تبكيه

الطيب تيزيني
الطيب تيزيني
TT

الطيب تيزيني... المفكر الذي حذر مبكراً من الانفجار

الطيب تيزيني
الطيب تيزيني

عندما سقط جسده الصغير الغض في وعاء عصير الحصرم المغلي أثناء لعبه في أرض البيت العربي «غميضة»، أدرك طيب تيزيني طفل الخمس سنوات، وبينما كانت يدا شقيقه الأكبر تدفع جسده الصغير تحت مضخة الماء لتنقذه من أثر السقوط في السائل الحامض المالح الساخن، أن هناك حالة مقابلة لـ«الغميضة»، التي هي السير مغمض العينين في طريق مجهولة، هي حالة «الفتيحة»، أي السير مفتوح العينين، مبصراً ومستبصراً في طريق معلومة سلفاً، بناء على قاعدة. «التحذير» من الخطر و«الهجاء» للسبب.
في عام 1997. عندما كان قسم الفلسفة بجامعة دمشق برئاسة صادق جلال العظم، يستضيف كبار المفكرين العرب للتحاور والمناظرة، أعلن عن مناظرة بين الشيخ سعيد رمضان البوطي وأستاذ الفلسفة الطيب تيزيني صاحب الأفكار اليسارية، لكن المناظرة ألغيت، لأن آلافاً من مريدي الشيخ البوطي تدفقوا إلى الجامعة واحتلوا قاعة المناظرة والأروقة وحديقة الجامعة، ومنعوا الدكتور الطيب تيزيني من الدخول. في تلك اللحظة استشعر طيب تيزيني خطر ما يمور في العمق السوري المستور. ويذكر أن رئيس الوزراء آنذاك اتصل به معتذراً عن «تعاظم قوى الظلامية على قوى التنوير، وأن الأمر سيختلف لاحقاً» وقد أجابه: «شكراً، حين يتم الأمر بروح من الحرية والديمقراطية». تلك الحادثة ستؤسس لما سيراه الطيب التزيني ويحذر منه عام 2000 بعد وفاة الرئيس حافظ الأسد وهو احتمال «انفجار طائفي في سوريا» سيكون له مسوغاته من دون أن يعني هذا «أنّ الشعب السوري طائفي».
الانفجار حصل عام 2011. ووقف التيزيني إلى جانب الشعب السوري الذي كان يطالب بالإصلاحات الاقتصادية وإطلاق سراح المعتقلين، قبل مطالبته بإسقاط النظام، لكن الشعب الذي اندفع إلى الشارع بدا وكأنه يسير وهو بحالة الـ«غميضة»، فسرعان ما راحت الألغام تتفجر تحت خطاه. يقول تيزيني: «كانت مظاهرات تسعى إلى إعادة البناء من داخل البناء نفسه وعبر الجميع إن أمكن... خرجوا باسم مشاريع طُرِحت سابقاً ولم يُستجب لها. أتت المفاجأة بظهور السلاح»، واشتعال حرب لم تبق حجراً على حجر في سوريا.
وها هي «سوريا الجريحة»، وقبل أن تجتاز زمنها الصعب، وها هي حمص المكلومة تودع ابنها البار؛ المفكر الطيب تيزيني الذي بكى بلاده قبل أن تبكيه يوم أمس البلاد، عن عمر يناهز الـ85 عاماً.
حين دعي إلى طنجة في تونس عام 2015 للحديث عن «المجتمع والسلطة والدولة في مطلع القرن 21 مغرباً ومشرقاً» وعن «سوريا والإسلام» غص بالدمع وهو يحكي لمستمعيه عن سوريا التي أضحت بغالبيتها ركاماً، وعن أمله بنهضة وتجديد لا بد أنه آتٍ بعد الحرب.
لم يغادر تيزيني سوريا خلال الأحداث، بل ترك دمشق عام 2012 وعاد إلى مدينته حمص التي ولد فيها عام 1934. بحي باب الدريب، في بيئة إسلامية محافظة، كان فيها منزل والده بمثابة مضافة أو ملتقى للشيوخ ورجال الدين من الطوائف الأخرى. فتفتح وعي التيزيني على تقبل الاختلاف وتعددية الآراء بتعدد المشارب الفكرية، قبل أن يسافر إلى تركيا للدراسة ومن ثم إلى بريطانيا وألمانيا، ليعود من هناك حاملاً لشهادة دكتوراه في العلوم الفلسفية. نشر عام 1971 كتابة الأول باللغة العربية: «مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط»، إلا أنه قبل ذلك كان الطيب تيزيني قد انفتح عقله على مختلف التوجهات السياسية والحزبية، وبدأ بمشروعه الفكري منذ عام 1967 مع أطروحته التي أعدها للحصول على شهادة الدكتوراه في الفلسفة من ألمانيا عام 1967 بعنوان «تمهيد في الفلسفة العربية الوسيطة»، وذلك بعد تكوينه نظرته عن الماركسية وإيمانه بأن «التاريخ لا يغفر لمن يتجاوز مرحلة فيه، ولأي اسم كان، ما حدث في روسيا أضرّ بروسيا أولاً، كما ببلدان أخرى منها العالم العربي».
بعد عودته من أوروبا استقر تيزيني بمشروع دمر بدمشق ليمارس عمله استاذاً في جامعة دمشق، وكل من تتلمذ على يديه بالجامعة يحتفظ بذاكرته بصورة لأستاذ الجامعة البسيط المتواضع، بشعره الأبيض وقامته النحيلة وصوته الرصين وحقيبته الجلدية العتيقة، يركب معهم باص النقل الداخلي في القر والحر، ويمسك بالأنشوطة المتدلية من سقف الباص والمخصصة للركاب الواقفين، لحمايتهم من السقوط عند المنعطفات. كان بتواضعه الشديد مثار إعجاب طلابه. حين قابل حافظ الأسد في القصر الجمهوري، سأله الرئيس هل لديك سيارة؟ رد عليه «نعم لدي سيارة كبيرة تتسع لأربعين راكباً ولونها أخضر». ثم خرج ماشياً من القصر، علماً بأنه وصل إلى القصر بسيارة خاصة من القصر. هذه الحادثة رواها تيزيني ونشرت في الصحافة السورية بعد وفاة حافظ الأسد ضمن لقاءات مع الشخصيات التي التقت بالرئيس وذكرياتهم عنه.
في عام 1998 اختارت مؤسسة كونكورديا الفلسفية الألمانية الفرنسية، الطيب التيزيني واحداً من أهم كبار المفكرين والفلاسفة العرب، في العصر الحديث.
كما نشط تيزيني في مجال حقوق الإنسان عندما بدا أن سوريا قادمة على التغيير بداية عهد الرئيس بشار الأسد، وجرى انتخاب التزيني عام 2001 عضواً في لجنة الدفاع عن الحريات في الوطن العربي وساهم منذ عام 2004 بتأسيس «المنظمة السورية لحقوق الإنسان» (سواسية) وشغل منصب عضو مجلس إدارتها. كما دعي للكتابة في الصحف المحلية، التي لم تحتمل كل ما كان يقوله لا سيما عن ضرورات تفكيك الدولة الأمنية.
يقوم فكر تيزيني على أساسين هما: رفض فكرة الخصوصية التي تفصل الفكر والمجتمع العربيين عن بقية العالم، ونقد المركزية الغربية التي تنزع عن الفكر والمجتمع العربيين أصالتهما أو تميزهما في الإطار الإنساني الجامع. ولم تنفصل عودته إلى التراث عن نقده الحاضر وفكره وأشكال فساده المجتمعي والسياسي والثقافي وما يواجهه من تحديات عالمية حضارية. واشتد هذا الارتباط مع انهيار الاتحاد السوفياتي أواخر الثمانينيات من القرن الماضي فراح يتحدث عن «النهضة» بدلاً من «الثورة» وينتقد كل ما يعوق النهضة من العولمة إلى الدولة الأمنية إلى الأصولية والإسلام السياسي. في هذه الأيام الصعبة في عالمنا العربي، التي كما يراها تيزيني «نبدو كما لو أننا نعيش في العصر الأول للحضارة السورية الذي أنتج أبجدية اللغة... أي معرفة كيف يصوغ الإنسان أدوات المعرفة لذاته وللذوات الأخرى».
يترجل أحد أهم مفكري سوريا والعالم العربي ليلحق بركب زملائه الذين جمعتهم دمشق يوماً، وفي لحظة هاربة من زمن ديكتاتوريتها، وغادروا الحياة تباعاً صادق جلال العظم وجورج طرابيشي، واليوم الطيب تيزيني.

من كتبه
> «مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط» (1971)
> «حول مشكلات الثورة والثقافة في العالم الثالث، الوطن العربي نموذجاً» (1971)
> «من التراث إلى الثورة: حول نظرية مقترحة في التراث العربي» (1976).
> «الفكر العربي في بواكيره وآفاقه الأولى» (1982)
> «مقدمات أولية في الإسلام المحمدي الباكر» (ستة أجزاء (1994)
> «من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي: بحث في القراءة الجابرية للفكر العربي وفي آفاقها التاريخية» (1996)
> «النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة» (1997)
> «من ثلاثية الفساد إلى قضايا المجتمع المدني» (2002)
> «من اللاهوت إلى الفلسـفة العربية الوسيطة» (2005)
> «بيان في النهضة والتنوير العربي» (2005)



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.