في مهرجان فينيسيا: 3 أفلام و3 حكايات عائلية أفضلها فلسطيني

براعة مخرجة فيلم «عائلة توما» تعوضه عن نقص الميزانية

 فرنسيس مكدورماند في «أوليف كيتريدج»
فرنسيس مكدورماند في «أوليف كيتريدج»
TT

في مهرجان فينيسيا: 3 أفلام و3 حكايات عائلية أفضلها فلسطيني

 فرنسيس مكدورماند في «أوليف كيتريدج»
فرنسيس مكدورماند في «أوليف كيتريدج»

قبل أن تتّجه المخرجة سهى عراف إلى صندوق الدعم الإسرائيلي لتمويل فيلمها الروائي الأول «فيلا توما»، بعثت بالمشروع إلى عدد من المؤسسات العربية ولم تحظ بجواب، ناهيك عن الدعم ذاته، تقول: «طرقت الكثير من الأبواب عربية وغير عربية ولو تجاوبت مؤسسة واحدة ومنحت المشروع الدعم المادي الذي يمكنني من إنجازه لما اتجهت إلى ذلك الصندوق. لكن ما العمل؟ يبدو لي أن صناديق دعم المشاريع العربية لا تمانع في أن ألجأ إلى صندوق الدعم الإسرائيلي. أما الإعلام فينقض على الفيلم مهاجما إياه لأن تمويله مقبل من الدولة الإسرائيلية».
حدث هذا سابقا مع أكثر من مخرج فلسطيني بينهم محمد بكري وإيليا سليمان. فلا وجود لمنهج تعاون واستثمار في مشروع سينمائي عربي لمخرج يعيش في الداخل الفلسطيني لكن هناك استعداد لاتهام ذلك المخرج بأنه «يبيع نفسه» لأجل نيل دعم إسرائيلي. تكمل عراف: «أساسا هذا الدعم هو حقي كفلسطينية. نحن الفلسطينيين الذين يسموننا (عرب الداخل) نشكل عشرين في المائة من سكان الدولة الإسرائيلية، لكننا نتقاضى من الخدمات والمنافع لقاء ما ندفعه من ضرائب بما لا يتجاوز الواحد في المائة. إذن هذا المال الذي أنجزت به الفيلم هو حقّي جاء مني ومن دافعي الضرائب الفلسطينيين. فالمخرجون الإسرائيليون هم الذين يستفيدون من الضرائب التي ندفعها».
هذا القول لا يتكفّل بالرد على منتقدين عرب، بل على الإعلام الإسرائيلي وأجهزة ثقافية وحكومية مختلفة طالبت المخرجة المولودة على الجانب الإسرائيلي من الحدود مع لبنان، بإعادة ما دفعه الصندوق إليها بعدما أصرّت على تقديم الفيلم باسم فلسطين: «حاربوني بشراسة، مارسوا علي ضغطا رهيبا وتلقيت تهديدات ونعتوني بالإرهابية لموقفي هذا، لكني لن أستجيب لهذه الضغوط. فليفعلوا ما يريدون».

* عائلة لا تخرج عن التقاليد
«فيلا توما» هو نوع مختلف من الأفلام الفلسطينية. بصرف النظر عن رأي المخرجة من أن الفيلم فلسطيني ورأي صندوق الدعم الإسرائيلي بأن الفيلم إسرائيلي، هو فلسطيني الروح بالكامل. ليس فقط لأنه لا توجد شخصية يهودية أو إسرائيلية في الفيلم، بل لأنه يوفر نظرة اجتماعية كاملة على موضوعه الذي يدور حول حياة أربع شخصيات نسائية ينتمين إلى عائلة مسيحية واحدة. العمّات جولييت (نسرين فاعور) وشقيقتاها فيوليت (علا طبري) وأنطوانيت (شيرين دعيبس) يستقبلن في الفيلا التي يعشن فيها في رام الله (ولو أن التصوير جرى في حيفا) ابنة شقيقهن الراحل بديعة (ماريا زريق) لأنه لم يعد لديها من تلجأ إليه بعد وفاة والدها. لكن جولييت وفيوليت تعاملان بديعة معاملة جافّة فهن يعددن أنها جاءت من حياة وضيعة كون والدها المسيحي خرج عن التقاليد المتوارثة وتزوّج أمّها المسلمة.
تقرر جولييت أن الوقت قد آن لرفع درجة حياة بديعة من مستوى العموم إلى مستوى الطبقة البرجوازية. تصرف العائلة على الفتاة المال لتعلمها الفرنسية وتجلب لها مدرّسة بيانو لكني تلقنها العزف وذلك بغرض تزويجها. جولييت هي المدفوعة لهذه الغاية، أما أنطوانيت فلا تكترث ودائما ما تكشف عن حقدها الدفين تجاه بديعة. أما أنطوانيت فهي الأصغر سنّا بين الثلاث والأكثر تعاطفا مع بديعة إلى حد بعيد. تبدأ عائلة توما تحضر حفلات زفاف وصلوات يوم الأحد وتؤم الجنازات، لكن العائلة كانت ابتعدت كثيرا عن الاختلاط بالخارج لدرجة أن العائلات المسيحية الأخرى لم تتحمس كثيرا ولم يتقدم منها أحد لطلب يد الفتاة. خلال حضور أحد الأعراس تلتقي بديعة بشاب مسلم جيء به للغناء، وخلافا لتقاليد العائلة المترفّعة ترقص معه. ثم ها هو يقفز فوق بوابة الفيلا ويقابلها سرا خلال الليل، ونتيجة أحد تلك اللقاءات أن تحبل منه لكنه ينقطع عنها ويفتضح أمرها بعد شهرين. ذات مرّة تكتشف أن سبب انقطاعه يعود إلى استشهاده خلال إحدى عمليات المقاومة. ومن دون إفشاء تطورات قصة الفيلم الذي لم يعرض تجاريا بعد نستطيع القول إن المخرجة تنتقل به إلى تطوّر جديد سيؤسس لنهاية مرحلة وبداية أخرى.
سهى عرّاف كتبت سيناريوهات أفلام إسرائيلية سابقا، مثل «عروس سورية» و«شجرة الليمون»، والمختلف هنا هو أنها كتبت سيناريو هذا الفيلم لكي تخرجه هي. بالتالي كتبت ما أرادت تنفيذه ثم صوّرت ما كتبته وكانت النتيجة موضوعا متماسكا من حيث تعامل الممثلات مع شخصياتهن وتعامل المخرجة معهن. «فيلا توما» فيلم رائع كصنعة وكمادة مروية. عيبه الوحيد، ليس من مسؤولية المخرجة، هو أن الميزانية لم تسمح للفيلم بأن يتنفس جيّدا خلال التصوير ومن حيث احتمال التوسّع قليلا بإضافة مشاهد استكمالية، فنسمع عن أن بديعة بدأت دروسا فرنسية، لكننا لا نرى ذلك، وتمر بضعة أيام على لقاءات بديعة والمغني لكنها تبدو كما لو كانت مجرد يومين أو ثلاثة. لكن براعة المخرجة هي في أن تأقلمت مع المتاح جيّدا وصاغته كأسلوب بصري ومونتاجي مدروس. في نصف ساعته الأولى على الأقل هو أكثر من مجرد عمل جيّد. في باقي فترة عرضه لا يشهد أي هبوط في مستوى الأداء، لا أداء مخرجته ولا أداء ممثلته ولا أداء تصويره.

* امرأتان ورجل
هناك عائلة أخرى خطفت قدرا من الإعجاب هي تلك التي نراها في فيلم بنوا جاكو الجديد «3 قلوب». لكن كل شيء هنا يختلف تماما عن كل شيء في «فيلا توما» وفي المقدّمة صلب الموضوع والشؤون المثيرة للاهتمام.
يأتي المخرج الفرنسي جاكو (أشهر أفلامه إلى الآن «وداعا، ملكتي») بحكاية عاطفية ويعاملها بقدر من الميلودراما ثم لا ينجح في صياغة فيلمه بمزايا فنية عالية. يدور الفيلم حول أم (كاثرين دينوف) تدرك أن ابنتيها (شيارا ماستروياني وشارلوت غينزبورغ) تعيشان في مأزق، فقد وقعتا في حب شاب واحد اسمه مارك (بنوا باولفورد) الذي يعمل موظّف ضرائب يفوته القطار في تلك البلدة الصغيرة التي تقع فيها الأحداث. يدخل الحانة لكي يسهر فيتعرف على سيلفي (غينزبورغ) ويخرجان لسير طويل في أرجاء البلدة. بعد ذلك، عندما يعود إلى باريس، يتعرّض لنوبة قلبية ويفقد الاتصال بسيلفي التي تحضّر نفسها لمغادرة فرنسا. حين يعود إلى البلدة يتعرّف على شقيقتها التي تقع في حبّه وتبادر إلى فسخ ارتباطها مع صديقها من أجله.
سيناريو بنوا يتّكل على توليفة لا تخلو من الصدف ولا من ابتزاز عاطفي ومواقف ميلودرامية غالبا ما ستؤجج شباك التذاكر الفرنسي لكنها ستبقى بعيدة عن فعل الشيء نفسه بين النقاد.
التمثيل هنا جاف أو مفهوم، فلا تحديات كبيرة هناك ومع ممثلة في مكانة دينوف فإنه بات من الصعب أن يجد السينمائي لها دورا مختلفا هذه الأيام.

* عواطف مهدورة
المرأة في واجهة فيلم «أوليف كيتريدج» للمخرجة ليزا شولودنكو. فيلم أميركي يعاني من طول مدّة عرضه (232 دقيقة) كونه إنتاجا تلفزيونيا لحساب فضائية HBO أساسا، لكن إذا ما تجاوز المشاهد مسألة الوقت فإنه سيستطيع الاستمتاع بعمل جيّد من حيث دراسته لمنوال حياة أستاذة حساب في مدرسة من مدارس البلدات الأميركية الصغيرة. المدرّسة أوليف (فرنسيس مكدورماند التي اشترت حقوق الرواية التي كتبتها إليزابث ستراوت ونالت عنها جائزة بوليتزر سنة 2008) امرأة جادّة وغير محبوبة. ليس فقط لأن قلة من تلامذتها ينالون رضاها وتقديراتها الإيجابية في نهاية كل شهر، بل لأنها تشعر وتتصرف كما لو أن معظم أهل البلدة من غير مستواها الثقافي. ليست غنية وليست مترفّعة لكنها تعيش وسط بيئة فقيرة ثقافيا وبسيطة التفكير.
وهي لا تجد السلوى لدى زوجها الصيدلي هنري (رتشارد جنكينز) ولا هو بقادر على أن يعيد فتح باب العاطفة والحب بينهما رغم أنهما ما زالا موجودين. كل منهما يجد في رفيق آخر بعض ما بات يفتقده: هو مع فتاة تعمل معه (زاو كازان) وهي مع أستاذ زميل (بيتر مولان). ومن هنا تتوزع خيوط أخرى تذهب في واد من المشكلات العاطفية لشخصيات متّصلة (ابنهما، معلّم الرياضة الخ..).
الفيلم الذي جرى تشكيله من أربع حلقات يكشف عن معالجة سينمائية رصينة من المخرجة شولودنكو التي سبق لها أن أدارت جولييت مور وآنيت بانينغ في «الفتيان بخير».
لكن فرنسيس ماكدورماند إذ تبقى المحور الوحيد في كل ما يمر من أحداث، تبرهن على أنها خامة جيّدة لم تستغل جيّدا. إنها ليست الوجه المحبب ولا تعيش في هوليوود ثم ليست من النوع الذي سيؤدي دورا شبيها بما أدّته سكارلت جوهانسن في «لوسي» أو «المنتقمون» مثلا، بل هي من ينتظر الفرص الفنية والأدبية المتباعدة لتواكبها. من حسن حظّها أن توم هانكس أحب المصدر ذاته ووافق على إنتاج هذا الفيلم عبر شركته.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».