هل يكسب العالم رهان التدوير؟

بعد الحظر الصيني على استيراد النفايات

داخل مصنع لإعادة تدوير المخلفات المعدنية في فرنسا (أ.ف.ب)
داخل مصنع لإعادة تدوير المخلفات المعدنية في فرنسا (أ.ف.ب)
TT

هل يكسب العالم رهان التدوير؟

داخل مصنع لإعادة تدوير المخلفات المعدنية في فرنسا (أ.ف.ب)
داخل مصنع لإعادة تدوير المخلفات المعدنية في فرنسا (أ.ف.ب)

أعلنت الحكومة الصينية، قبل أيام، عن عزمها خفض وارداتها من النفايات الصلبة إلى الصفر بحلول سنة 2020، بهدف الحد من التلوث، وتشجيع شركات إعادة التدوير على معالجة كميات كبيرة من النفايات المحلية، وذلك في إطار خطة متواصلة أطلقت عليها اسم «السيف الوطني».
كانت الصين بدأت منذ مطلع 2018 بتطبيق إجراءات تصاعدية في سياستها المعلنة لتقييد استيراد المخلفات القابلة للتدوير، وزيادة التفتيش على خلو الواردات من الشوائب والمواد الملوثة. وهي تفرض حالياً حظراً على استيراد 24 نوعاً من النفايات، إلى جانب إلزام المصدرين بألا تزيد الشوائب في المخلفات المسموح باستيرادها عن 0.5 في المائة، وهي نسبة يكاد يستحيل الوصول إليها، وفقاً لعدد من التجمعات المهنية العاملة في قطاع التدوير.
قرار الصين حظر استيراد النفايات الأجنبية، أربك البلديات وشركات إدارة النفايات في معظم أنحاء العالم، وجعلها تبحث عن بدائل آنية لحل مشكلة التدوير. لكن في المقابل، يعتقد عدد من الخبراء أن هذه الأزمة قد تفتح الباب لأفكار جديدة جريئة واستراتيجيات أكثر استدامة في قطاع حيوي مكلف مادياً وبيئياً وصحياً.
كانت الصين، حتى وقت قريب، الوجهة المفضلة للتخلص من النفايات المكلفة تحت مسمى «تجارة المواد القابلة للتدوير»، واستقبلت وحدها نحو 45 في المائة من نفايات العالم البلاستيكية منذ سنة 1992. ومن المتوقع أن يتسبب الحظر الصيني في إبراز إشكالية التخلص مما مقداره 110 أطنان من النفايات البلاستيكية في غضون السنوات العشر المقبلة.
لندرك حجم المشكلة، يكفي أن نعلم أن صادرات الولايات المتحدة من المخلفات إلى الصين في 2017 بلغت قيمتها 5.6 مليار دولار، وأن نصف كمية الورق الذي تستهلكه الصين كانت تصنعه من النفايات الورقية التي تستوردها من الخارج.
وفي السنة الماضية، استوردت الصين 22.6 مليون طن من النفايات الصلبة بانخفاض مقداره 47 في المائة عن 2017 عندما لم يكن الحظر قائماً. كما انخفضت واردات البلاد من البلاستيك بنسبة 99 في المائة، ومن الورق المختلط بمقدار الثلث، في حين كانت مخلفات الألمنيوم والزجاج أقل تأثراً بالحظر.
ومع تراجع وصول النفايات إلى الصين، أخذت مشكلات إدارة النفايات تتصاعد في البلدان الغربية. في بريطانيا، جرى حرق أكثر من نصف مليون طن من البلاستيك والنفايات المنزلية الأخرى العام الماضي. وفي أستراليا، تواجه صناعة إعادة التدوير أزمة في الوقت الذي تكافح فيه البلاد للتعامل مع مخزون وزنه 1.3 مليون طن من النفايات القابلة لإعادة التدوير التي كانت تسعى لتصديرها إلى الصين.
في جميع أنحاء الولايات المتحدة، تسعى الحكومات المحلية وشركات تدوير النفايات يائسة لإيجاد أسواق بديلة. وفي مقاطعات مثل دوغلاس وأوريغون وهانكوك وفيلادلفيا جرى تقليص أو إيقاف برامج إعادة التدوير المحلية، ما يعني أن كميات متزايدة من البلاستيك والورق تذهب إلى المكبات أو المحارق.
تدوير النفايات البلاستيكية مكلف نسبياً. وللعلم فإن معدل تدوير النفايات البلاستيكية عالمياً قبل تطبيق الحظر الصيني يقارب 9 في المائة فقط، في حين كان يتم حرق 12 في المائة من هذه النفايات، والتخلص من باقي الكمية في مكبات النفايات أو بشكل عشوائي في الأماكن المفتوحة والأنهار والمحيطات.
وكانت الصين وجهة لنحو 95 في المائة من المواد البلاستيكية المعدة للتدوير في الاتحاد الأوروبي، ويقابلها ما نسبته 70 في المائة في الولايات المتحدة، وذلك بفضل الأسعار المواتية لسفن الشحن التي تنقل السلع الاستهلاكية الصينية إلى الخارج، وتعود إلى الصين فارغة، إلى جانب انخفاض تكاليف العمالة في البلاد، وارتفاع الطلب على المواد المعاد تدويرها، وعدم تشدد المواصفات القياسية لتدوير المواد. لذلك توجب على هذه البلدان البحث عن أسواق بديلة لنفاياتها، فوجدت ضالتها في بلدان أخرى مثل الهند وتايلاند وفيتنام وماليزيا وإندونيسيا وتركيا.
منذ الحظر الصيني، تضاعفت صادرات بريطانيا من النفايات إلى ماليزيا ثلاث مرات، حيث تعاني صناعة إعادة التدوير المحلية من نقص التمويل. وشهدت البلاد زيادة في أعداد مصانع تدوير النفايات غير المرخصة، حتى أن السلطات قامت منذ منتصف 2018 بإغلاق نحو 150 مصنعاً غير مرخص.
وفي تركيا، التي لا يمكن تصنيفها بين البلدان المتطورة في مجال معالجة النفايات، ارتفعت واردات النفايات البلاستيكية من 4 آلاف طن شهرياً في أوائل 2016 إلى 33 ألف طن شهرياً في أوائل 2018، ثم انخفضت الواردات لتستقر عند 20 ألف شهرياً اعتباراً من منتصف 2018، وهذا دفع منظمة «غرينبيس» مؤخراً إلى مطالبة الحكومة التركية بإعادة النظر في سياساتها الخاصة بتدوير النفايات البلاستيكية.
ومع الوقت، أدركت الدول الآسيوية مخاطر النفايات التي بدأت تصب في موانئها، وباشرت بتطبيق إجراءات متشددة لتقييد وصول النفايات. فأعلنت ماليزيا وتايلاند حظراً موقتاً على استيراد النفايات البلاستيكية، بعد أن سبقتهما فيتنام في تبني الإجراء ذاته. ومن المتوقع أن تلحقها باقي الدول، لتصبح أبواب آسيا مغلقة رسمياً أمام نفايات الغرب.
ومع وجود الكثير من العقبات التي تحول دون تصدير النفايات رسمياً إلى أوروبا الشرقية، ستكون بلدان أفريقيا الغربية، وربما بعض الدول العربية، هي المقاصد المحتملة لنفايات أوروبا وأميركا الشمالية، علماً بأن هذه المناطق كانت منذ فترة طويلة وجهة للاتجار غير الشرعي في النفايات الخطرة. وبغياب منشآت المعالجة في هذه البلدان، قد نشهد طرح خطط تعاون دولي لإقامة منشآت لمعالجة النفايات بتمويل غربي، على أن تستقبل هذه المنشآت كميات من النفايات الغربية بحجة تحسين جدوى «تدوير النفايات» أو «تحويل النفايات إلى طاقة»، أو ما شابهها.
يجادل بعض الخبراء بأن الدول المتقدمة ستضطر في النهاية إلى مواجهة التكلفة الحقيقية لإدمانها استخدام البلاستيك، ما سيحفز الاستثمار الذي تشتد الحاجة إليه في مرافق إعادة التدوير المحلية، وكذلك الابتكار في تصنيع البلاستيك لجعل المنتجات أكثر ملاءمة لاستخدامها في أغراض أخرى. كما يمكن أن تؤثر هذه الأزمة إيجاباً في الثقافة العالمية التي تتجاهل عادة مصير النفايات التي يجري التخلص منها.
في دراسة جديدة، نُشرت العام الماضي في دورية «ساينس أدفانسز»، وجد علماء من جامعة جورجيا أنه «مع استمرار تزايد إنتاج البلاستيك واستعماله، والتزام الشركات والدول بالاقتصادات الدائرية وزيادة معدلات إعادة تدوير البلاستيك، فإن كمية النفايات البلاستيكية التي تحتاج إلى معالجة ستستمر في الزيادة في المستقبل المنظور. ومن دون ابتكار الأفكار الجديدة الجريئة واستراتيجيات الإدارة، لن يتم الوفاء بمعدلات إعادة التدوير الحالية، وستكون الأهداف والجداول الزمنية الطموحة لنمو إعادة التدوير مستقبلاً صعبة المنال».
إن تطبيق التغييرات التي اقترحتها الدراسة والاستثمار في مرافق جديدة لإعادة التدوير يتطلب وقتاً. ويمكن للحكومات أن تتبنى الكثير من الحلول المترابطة كتحسين البنية التحتية لإدارة النفايات مع تشجيع الاستثمار في الحلول الأساسية مثل تحسين تكنولوجيا إعادة التدوير، واستخدام المواد البيولوجية البديلة، وتطوير تصاميم المنتجات والنظم التي تولد كميات نفايات أقل.
الجانب الإيجابي للحظر الصيني هو دفع العالم نحو تبني خيارات أفضل لإدارة النفايات، مثل توسيع قدرات المعالجة في أميركا الشمالية وأوروبا، وتحفيز المصنّعين على جعل منتجاتهم قابلة لإعادة التدوير بسهولة أكبر. وهذا يجب أن يكون، قبل كل شيء، دعوة للاستيقاظ بشأن الحاجة إلى خفض حاد للمواد البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد، والتركيز على الحاجة إلى اقتصاد دائري أكثر استدامة، تظل فيه الموارد قيد الاستخدام لأطول فترة ممكنة.
على أرض الواقع، بدأت بعض المبادرات الإيجابية في الظهور. في الولايات المتحدة، تقوم الكثير من منشآت تدوير النفايات بتوسيع نطاق عملها، وتحديث معدّاتها، وإضافة عمال لتحسين عملية الفرز وتقليل التلوث، بحيث تكون المواد مقبولة لدى المشترين المتطلبين.
كما أعلنت شركات صينية عن خطط لافتتاح مصانع جديدة لمعالجة النفايات على الأراضي الأميركية، في ساوث كارولينا وألاباما. وستقوم هذه الشركات بتمزيق أو تدوير أشياء كحاويات المواد الغذائية البلاستيكية لتصنيع منتجات مثل النباتات الاصطناعية والأغطية البلاستيكية.
ويبدو أن السلطات الأوروبية أدركت القيمة الكامنة في البلاستيك. وتسعى استراتيجية البلاستيك الخاصة بالمفوضية الأوروبية، التي تم كشف النقاب عنها في مطلع 2018، لجعل جميع العبوات البلاستيكية قابلة لإعادة التدوير أو الاستخدام بحلول عام 2030، ما سيوفر 200 ألف وظيفة، مع زيادة قدرة إعادة التدوير أربعة أضعاف. كما اتخذت الكثير من مدن أميركا الشمالية، بما فيها سياتل وفانكوفر، وشركات مثل «ستاربكس» و«أميركان إيرلاينز» إجراءات لخفض المواد البلاستيكية ذات الاستخدام مرة واحدة مثل أدوات المائدة البلاستيكية ومصاصات العصير وأدوات تحريك المشروبات.
وتتوجه مدن ودول كثيرة حول العالم لتقييد استخدام أكياس التسوق البلاستيكية. كما تخطط بريطانيا لخفض الضرائب على شركات تصنيع العبوات البلاستيكية من المواد المعاد تدويرها بمقدار 30 في المائة. وتبنت النرويج مؤخراً نظاماً يدفع فيه صانعو القوارير البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد «ضريبة بيئية» تتناقص مع ارتفاع معدل استرجاع المنتج بعد استخدامه.
إن الحظر الصيني هو بمثابة فرصة لتحسين الإدارة المحلية للنفايات البلاستيكية، ودعوة لتعزيز الاستثمار في التقنيات والمبادرات الجديدة. وأياً تكن خياراتنا المستقبلية يجب أن نعمل على إشراك جميع أصحاب المصلحة، من مواطنين وحكومات وأصحاب شركات، للوصول إلى إدارة متكاملة ومستدامة للنفايات محلياً وعالمياً.


مقالات ذات صلة

مصر: غالبية الدول تعتبر مشاريع قرارات «كوب 27» متوازنة

شمال افريقيا وزير الخارجية المصري سامح شكري (إ.ب.أ)

مصر: غالبية الدول تعتبر مشاريع قرارات «كوب 27» متوازنة

أكد رئيس مؤتمر الأطراف حول المناخ (كوب27) سامح شكري اليوم (السبت) أن «الغالبية العظمى» من الدول تعتبر مشاريع القرارات التي قدمتها رئاسة مؤتمر المناخ «متوازنة» بعدما انتقدها الاتحاد الأوروبي. وأوضح وزير خارجية مصر سامح شكري للصحافيين بعد ليلة من المفاوضات المكثفة إثر تمديد المؤتمر في شرم الشيخ أن «الغالبية العظمى من الأطراف أبلغتني أنها تعتبر النص متوازنا وقد يؤدي إلى اختراق محتمل توصلا إلى توافق»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. وتابع يقول «على الأطراف أن تظهر تصميمها وأن تتوصل إلى توافق».

«الشرق الأوسط» (شرم الشيخ)
بيئة البيئة في 2021... قصص نجاح تعزز الأمل في تخفيف أزمة المناخ

البيئة في 2021... قصص نجاح تعزز الأمل في تخفيف أزمة المناخ

شهدت سنة 2021 الكثير من الكوارث والخيبات، لكنها كانت أيضاً سنة «الأمل» البيئي. فعلى الصعيد السياسي حصلت تحولات هامة بوصول إدارة داعمة لقضايا البيئة إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة. كما شهدت السنة العديد من الابتكارات الخضراء والمشاريع البيئية الواعدة، قد يكون أبرزها مبادرة «الشرق الأوسط الأخضر» التي أطلقتها السعودية. وفي مجال الصحة العامة، حقق العلماء اختراقاً كبيراً في مواجهة فيروس كورونا المستجد عبر تطوير اللقاحات وبرامج التطعيم الواسعة، رغم عودة الفيروس ومتحوراته. وفي مواجهة الاحتباس الحراري، نجح المجتمعون في قمة غلاسكو في التوافق على تسريع العمل المناخي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق فرقة «كولدبلاي» تراعي المعايير البيئية في جولتها سنة 2022

فرقة «كولدبلاي» تراعي المعايير البيئية في جولتها سنة 2022

أعلنت فرقة «كولدبلاي» البريطانية، الخميس، عن جولة عالمية جديدة لها سنة 2022 «تراعي قدر الإمكان متطلبات الاستدامة»، باستخدام الألواح الشمسية وبطارية محمولة وأرضية تعمل بالطاقة الحركية لتوفير كامل الكهرباء تقريباً، فضلاً عن قصاصات «كونفيتي» ورقية قابلة للتحلل وأكواب تحترم البيئة. وذكرت «كولدبلاي» في منشور عبر «تويتر» أن «العزف الحي والتواصل مع الناس هو سبب وجود الفرقة»، لكنها أكدت أنها تدرك «تماماً في الوقت نفسه أن الكوكب يواجه أزمة مناخية». وأضاف المنشور أن أعضاء فرقة الروك الشهيرة «أمضوا العامين المنصرمين في استشارة خبراء البيئة في شأن سبل جعل هذه الجولة تراعي قدر الإمكان متطلبات الاستدامة» و«

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق بعد انخفاضها بسبب الإغلاق... انبعاثات الكربون تعاود الارتفاع

بعد انخفاضها بسبب الإغلاق... انبعاثات الكربون تعاود الارتفاع

انخفضت انبعاثات الغازات المسببة للاحترار العالمي بشكل كبير العام الماضي حيث أجبر وباء «كورونا» الكثير من دول العالم على فرض الإغلاق، لكن يبدو أن هذه الظاهرة الجيدة لن تدوم، حيث إن الأرقام عاودت الارتفاع بحسب البيانات الجديدة، وفقاً لشبكة «سي إن إن». وتسببت إجراءات الإغلاق لاحتواء انتشار الفيروس التاجي في انخفاض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 7 في المائة على مدار عام 2020 - وهو أكبر انخفاض تم تسجيله على الإطلاق - وفق دراسة نُشرت أمس (الأربعاء) في المجلة العلمية «نيتشر كلايميت شينج». لكن مؤلفيها يحذرون من أنه ما لم تعطِ الحكومات الأولوية للاستثمار بطرق بيئية في محاولاتها لتعزيز اقتصاداتها الم

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
بيئة 5 ملفات بيئية هامة في حقيبة بايدن

5 ملفات بيئية هامة في حقيبة بايدن

أعلن الفريق الانتقالي للرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن أن وزير الخارجية السابق جون كيري سيكون له مقعد في مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، وهي المرة الأولى التي يخصّص فيها مسؤول في تلك الهيئة لقضية المناخ. ويأتي تعيين كيري في إطار التعهدات التي قطعها جو بايدن خلال حملته الانتخابية بإعادة الولايات المتحدة إلى الطريق الصحيح في مواجهة تغيُّر المناخ العالمي ودعم قضايا البيئة، بعد فترة رئاسية صاخبة لسلفه دونالد ترمب الذي انسحب من اتفاقية باريس المناخية وألغى العديد من اللوائح التشريعية البيئية. وعلى عكس ترمب، يعتقد بايدن أن تغيُّر المناخ يهدّد الأمن القومي، حيث ترتبط العديد من حالات غياب الاستقرار

«الشرق الأوسط» (بيروت)

باحثون: الأحياء التي تضم سيارات كهربائية أكثر تحظى بهواء أنقى

محطات شحن كهربائية لسيارات تسلا في مركز تسوق في بوكوم غرب ألمانيا (أ.ف.ب)
محطات شحن كهربائية لسيارات تسلا في مركز تسوق في بوكوم غرب ألمانيا (أ.ف.ب)
TT

باحثون: الأحياء التي تضم سيارات كهربائية أكثر تحظى بهواء أنقى

محطات شحن كهربائية لسيارات تسلا في مركز تسوق في بوكوم غرب ألمانيا (أ.ف.ب)
محطات شحن كهربائية لسيارات تسلا في مركز تسوق في بوكوم غرب ألمانيا (أ.ف.ب)

وجد باحثون درسوا بيانات من الأقمار الاصطناعية في ولاية كاليفورنيا الأميركية أن الأحياء التي يزداد بها عدد السيارات الكهربائية شهدت تراجعا في ​تلوث الهواء الناتج عن حرق الوقود الأحفوري.

وعلى العكس من ذلك، أكدت بيانات الأقمار الاصطناعية أيضا أن الأحياء التي زاد بها عدد السيارات التي تعمل بالوقود شهدت ارتفاعا في التلوث. وقالت رئيسة الدراسة ساندرا إيكل من كلية كيك للطب في جامعة جنوب كاليفورنيا في بيان «إننا حتى لم نصل بعد إلى مرحلة الاستخدام الكامل للسيارات الكهربائية، لكن ‌بحثنا يظهر أن ‌تحول كاليفورنيا نحو السيارات الكهربائية يحدث بالفعل ‌اختلافات ⁠يمكن ​قياسها ‌في الهواء الذي نتنفسه».

وذكر الباحثون في مجلة «ذا لانست بلانيتاري هيلث» أنه مقابل كل 200 سيارة عديمة الانبعاثات أضيفت إلى أحياء كاليفورنيا بين عامي 2019 و2023، انخفضت مستويات ثاني أكسيد النيتروجين بنسبة 1.1 بالمئة. ويمكن أن يؤدي هذا الغاز الملوِث، الذي ينبعث من حرق الوقود الأحفوري، إلى نوبات ربو والتهاب ⁠بالشعب الهوائية وزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتات الدماغية.

ولإجراء التحليل، قسم الباحثون ‌كاليفورنيا إلى 1692 حيا وحصلوا على البيانات ‍المتاحة للجمهور من إدارة ‍المركبات في الولاية بشأن عدد السيارات المخصصة للاستخدامات الخفيفة ‍وعديمة الانبعاثات المسجلة في كل حي. وتشمل هذه المركبات السيارات الكهربائية التي تعمل بالبطارية، والسيارات الهجينة القابلة للشحن، والسيارات التي تعمل بخلايا وقود الهيدروجين.

ثم حصلوا بعد ذلك على بيانات من جهاز استشعار عالي ​الدقة بقمر اصطناعي يراقب مستويات ثاني أكسيد النيتروجين من خلال قياس كيف يمتص الغاز أشعة الشمس ويعكسها. وقال ⁠الباحثون إنهم يعتزمون مقارنة البيانات المتعلقة باستخدام السيارات عديمة الانبعاثات بعدد زيارات غرف الطوارئ ودخول المستشفيات للعلاج بسبب الربو في جميع أنحاء كاليفورنيا.

وتفضل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيارات التي تعمل بالوقود وألغت الإعفاءات الضريبية التي كانت تهدف إلى تشجيع استخدام السيارات الكهربائية. وأشار التقرير إلى أنه من المتوقع أن يؤدي الانتقال الكامل إلى السيارات الكهربائية إلى تقليل تركيزات ثاني أكسيد النيتروجين في الهواء الطلق بنسبة 61 بالمئة في الولايات المتحدة وبنسبة تصل إلى 80 بالمئة في الصين.

وقالت إيكل إن النتائج الجديدة «‌تظهر أن الهواء النقي ليس مجرد نظرية، بل إنه يحدث بالفعل في مجتمعات محلية في أنحاء كاليفورنيا».


السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
TT

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)

تستضيف السعودية خلال الربع الأخير من العام الحالي أعمال «القمة العالمية الأولى للشعب المرجانية»؛ تأكيداً لريادتها الدولية في مجال حماية النظم البيئية البحرية، وإبراز مكانتها المتقدمة في قيادة الجهود الدولية لمواجهة التحديات البيئية حول العالم.

وأعلنت عن استضافة القمة الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان السفيرة السعودية لدى الولايات المتحدة، خلال فعاليات «البيت السعودي» المنعقدة على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.

من جانبه، أكّد المهندس عبد الرحمن الفضلي وزير البيئة والمياه والزراعة السعودي، أن هذه الاستضافة تُجسّد جهود بلاده محلياً ودولياً في حماية وحفظ النظم البيئية البحرية، عبر تبنّي أفضل البرامج والتقنيات المبتكرة، والممارسات العالمية؛ للإسهام في تحقيق مستهدفات التنمية المُستدامة، من خلال إعادة تأهيل الشُعب المرجانية، واستعادة التوازن البيئي، وتحسين جودة الحياة.

بدوره، أوضح الدكتور خالد الأصفهاني، الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة المحافظة على الشعب المرجانية والسلاحف في البحر الأحمر»، أن أعمال القمة ستركز على 3 محاور رئيسية، هي السياسات، والبحث العلمي، والتمويل، منوهاً بأنها تسعى لطرح إطار عملي وموجّه للسياسات والتشريعات، يُمكّن من تحقيق الاستدامة المالية للشعب المرجانية والأنظمة البحرية المرتبطة بها، مع رسم مسار واضح للانتقال من الحوار إلى التنفيذ.

وأضاف الأصفهاني أن القمة تهدف أيضاً إلى إبراز الشعب المرجانية كأصول اقتصادية ضمن استراتيجيات الاقتصاد الأزرق، واستحداث آليات تمويل مستدامة وقابلة للتوسع، كذلك إشراك القادة وصنّاع ومتخذي القرار؛ لتطوير نماذج استثمارية قابلة للتنفيذ عبر السياسات والتشريعات، وإنشاء مسار تعبئة دولي منظم يقود إلى مخرجات ملموسة وقابلة للقياس.

وتتولى السعودية تنظيم هذه القمة العالمية، من خلال المؤسسة، وذلك بصفتها رئيساً للمبادرة الدولية للشعاب المرجانية (ICRI)، التي تضم في عضويتها 45 دولة، ما يعكس الثقة الدولية في دور المملكة القيادي في حماية الشعب المرجانية حول العالم.


2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
TT

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي ومعهد «بيركلي إيرث» الأميركي، الأربعاء، أن 2025 كان ثالث أحرّ الأعوام المسجلة على مستوى العالم، متوقعاً أن يبقى 2026 عند مستويات مرتفعة تاريخياً.

وأشار مرصد «كوبرنيكوس» في تقريره السنوي إلى أن درجات الحرارة العالمية لا تزال منذ ثلاث سنوات عند مستويات لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري، إذ تجاوز معدل درجات الحرارة خلال هذه الفترة مستويات ما قبل الثورة الصناعية (1850-1900) بمقدار 1,5 درجة مئوية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي سياق منفصل، قال علماء من معهد «بيركلي إيرث» في الولايات المتحدة إن «الارتفاع الحاد المسجل بين عامي 2023 و2025 كان استثنائياً، ويشير إلى تسارع وتيرة الاحترار المناخي».

وأقرّ العديد من علماء المناخ والقادة السياسيين، بالإضافة إلى الأمم المتحدة، علناً منذ العام الماضي بأن الاحترار سيتواصل بمعدل 1,5 درجة مئوية، وهو الحد الذي طمحت اتفاقية باريس الموقعة عام 2015 إلى عدم تجاوزه.

ومع بلوغ هذه العتبة منذ ثلاث سنوات، يرجّح برنامج «كوبرنيكوس» أن يتم الإعلان رسمياً عن تجاوز الحد المستدام بحلول نهاية هذا العقد، أي قبل أكثر من عقد من الموعد المتوقع أساساً.

ويثير هذا التسارع قلقاً متزايداً نظراً لأن الولايات المتحدة، ثاني أكبر مصدر لانبعاثات غازات الدفيئة، تتخلى عن التعاون المناخي العالمي في عهد رئيسها دونالد ترمب.

صورة أرشيفية من طوكيو عاصمة اليابان لأشخاص يحملون الشماسي للوقاية من حرارة الشمس (أ.ف.ب)

منحى مشابه في 2026

في الوقت نفسه، تفقد الجهود المبذولة للجم انبعاثات غازات الدفيئة زخمها في الدول الغنية. ففي فرنسا وألمانيا، تراجعت جهود خفض الانبعاثات مجدداً في عام 2025، وفي الولايات المتحدة، تسبب التوسع الكبير في محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم في زيادة البصمة الكربونية للبلاد مرة أخرى، ما بدّد سنوات من التقدم.

وقال رئيس وحدة «كوبرنيكوس»، ماورو فاكيني، في مؤتمر صحافي: «الحاجة إلى العمل المناخي باتت ملحّة أكثر من أي وقت مضى».

ولا توجد أي مؤشرات على أن عام 2026 سيخالف الاتجاه المسجل في السنوات الأخيرة.

وتوقعت نائبة مدير قسم تغير المناخ في «كوبرنيكوس»، سامانثا بورغيس، أن يكون عام 2026 من بين أحرّ خمسة أعوام مسجلة على الإطلاق، وقد يكون مماثلاً لعام 2025.

ويتوقع علماء المناخ في «بيركلي إيرث» أيضاً أن يكون 2026 «على الأرجح مشابهاً لعام 2025، مع ترجيح أن يكون رابع أحرّ عام منذ عام 1850».

وفي حال حدوث ظاهرة «إل نينيو» وما يصاحبها من ارتفاع في درجات الحرارة، «قد يجعل ذلك 2026 عاماً قياسياً»، وفق ما أوضح مدير قسم تغير المناخ في المرصد، كارلو بونتيمبو، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

لكن «سواء كان ذلك في عام 2026 أو 2027 أو 2028، فالأمر لا يهم حقاً. المسار واضح جداً»، حسب بونتيمو.

سكان يراقبون حريقاً كبيراً يقترب من كونغوستا بإسبانيا (رويترز - أرشيفية)

معدلات قياسية في آسيا وأنتركتيكا

عام 2025، فاق معدل درجات حرارة سطح الأرض والمحيطات بـ1,47 درجة مئوية مستويات ما قبل الثورة الصناعية، بعد أن سجل معدل حرارة قياسياً تخطى تلك المستويات بـ1,60 درجة مئوية عام 2024.

ويخفي هذا المتوسط العالمي درجات حرارة قياسية في مناطق معينة، لا سيما في آسيا الوسطى والقارة القطبية الجنوبية ومنطقة الساحل، وفق تحليلات أجرتها «وكالة الصحافة الفرنسية» باستخدام بيانات يومية من الخدمة الأوروبية.

وبذلك، شهد 770 مليون شخص موجات حر قياسية في بلدانهم، حسب حسابات معهد «بيركلي إيرث».

والأربعاء، أفادت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة، بأنّ اثنتين من مجموعات البيانات الثماني التي حلّلتها أظهرتا أنّ عام 2025 كان ثاني أكثر السنوات حراً، ولكن المجموعات الأخرى صنّفته في المرتبة الثالثة.

وقدّرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية متوسط الاحترار للفترة 2023-2025 عند 1,48 درجة مئوية، مع هامش خطأ يبلغ زائد أو ناقص 0,13 درجة.

وقالت الأمينة العامة للمنظمة، سيليست سولو، في بيان، إنّه على الرغم من ظاهرة التبريد المناخي «لا نينيا»، فإنّ عام 2025 «يبقى أكثر الأعوام حراً على الإطلاق على مستوى العالم بسبب تراكم الغازات الدفيئة في غلافنا الجوي».

في الوقت نفسه، لم تُسجل أي درجات حرارة منخفضة قياسية في عام 2025، وفق المعهد الأميركي.

شهد عام 2025 العديد من الظواهر الجوية المتطرفة، من موجات حرّ وأعاصير وعواصف عاتية في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية، إلى حرائق غابات مدمرة في إسبانيا وكندا وكاليفورنيا، تفاقمت حدتها أو تواترها بفعل الاحترار العالمي.

وتلعب التقلبات الطبيعية دوراً في الاحترار؛ فعلى سبيل المثال، كانت ظاهرة التبريد المعروفة باسم «لا نينيا» ضعيفة نسبياً في العام الماضي.

لكن كبير العلماء في مركز «بيركلي إيرث»، روبرت رود، يُبدي قلقه إزاء عوامل أخرى غير متوقعة تُفاقم الاحترار، حتى وإن كان ذلك بمقدار أجزاء من عشرة أو من مائة من الدرجة على المستوى العالمي.

وعلى وجه الخصوص، كان للقواعد الدولية التي خفضت محتوى الكبريت في زيت وقود السفن منذ عام 2020 أثر غير مقصود، تمثل في المساهمة في الاحترار من خلال خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت. ففي السابق، كانت هذه الجسيمات العالقة تتسبب في نشوء سحب صافية تعكس ضوء الشمس، ما يُساهم في تبريد الأرض.