«تحرّشات» تركية بمكامن الطاقة في شرق المتوسط

مساعي أنقرة للتنقيب خارج مياهها أثارت قلقاً مصرياً ورفضاً دولياً

اللواء سمير فرج - د. أحمد قنديل
اللواء سمير فرج - د. أحمد قنديل
TT

«تحرّشات» تركية بمكامن الطاقة في شرق المتوسط

اللواء سمير فرج - د. أحمد قنديل
اللواء سمير فرج - د. أحمد قنديل

تخلت مصر أخيراً، عن ملمح لافت لطالما اتسمت به سياساتها الخارجية منذ 30 يونيو (حزيران) 2013، وهو الملمح الذي يتعلق بالتعامل الهادئ مع دول الجوار ذات التوجهات المغايرة، والتي دأبت مصر على تخفيض التوتر تجاهها أو النأي عن الدخول في سجال معها.
السبب في هذا التطور يرجع إلى إعلان تركي، بدا أكثر جدية من ذي قبل، عن بدء الحفر في منطقة بحرية تقع غرب جمهورية قبرص، للبحث عن الغاز الطبيعي. وهو ما أثار كذلك اعتراضات أوروبية وأميركية، نددت بالتحركات «غير القانونية» لتركيا قرب مكامن الطاقة الواعدة في شرق البحر المتوسط.

صيغة اعتراض مصر على الحفر التركي في شرق المتوسط، الذي أعلنته وزارة الخارجية مطلع الأسبوع الماضي، تبدو كاشفة في حد ذاتها عن حجم «القلق» لدى القاهرة. إذ استخدم تعبير «التحذير» لأنقرة من «انعكاس أي إجراءات أُحادية على الأمن والاستقرار في منطقة شرق المتوسط». وأكد بيان الخارجية المصرية «ضرورة التزام أي تصرفات لدول المنطقة بقواعد القانون الدولي وأحكامه».
متخصصون في هذا الملف، يرون أن «تحرشات» تركيا بمكامن الطاقة ليست جديدة؛ وإن كانت هذه المرة أكثر إثارة للقلق الدولي والإقليمي. إذ سبق أن أقدمت البحرية التركية خلال فبراير (شباط) 2018 على اعتراض سفينة حفر تابعة لشركة «إيني» الإيطالية، كانت في طريقها للتنقيب عن الغاز المكتشف جنوب جزيرة قبرص. وتواكب ذلك مع تأكيد تركي على نية الحفر قبالة «قبرص الشمالية (التركية)»، وهي الكيان الانفصالي الذي لا تعترف بها سوى أنقرة.
لكن، ما الذي جدّ ليثير التوترات المتصاعدة على صفحة المتوسط؟
جانب من الإجابة عن السؤال ربما يكون لدى «هيئة المسح الجيولوجي الأميركي»، التي قالت في عام 2010: إن «مياه المسطّح البحري الحيوي تغطي تحتها نحو 122 تريليون قدم مكعبة من الغاز، وكان ذلك قبل تسع سنوات. غير أن الهيئة نفسها عادت وضاعفت توقعاتها، قبل سنتين، تقريباً». وأشارت إلى أن «احتياطيات الغاز الطبيعي الموجودة بالبحر المتوسط ما بين 340 إلى 360 تريليون قدم مكعبة من الغاز».

- فصول الصراع متشابكة
فصول الصراع على مكامن الطاقة في شرق المتوسط تبدو إذن متشابكة الأطراف والخلفيات. فمن جهة، لم تُثِر التحركات التركية ردود فعل إقليمية معنية مباشرة بالتنقيب في المنطقة مثل مصر واليونان وقبرص وحسب؛ بل إن إعلان الرفض جاء أيضاً من الاتحاد الأوروبي وروسيا والولايات المتحدة الأميركية.
وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني، دعت تركيا إلى «ضبط النفس واحترام الحقوق السيادية لقبرص في منطقتها الاقتصادية الخالصة، والامتناع عن أي عمل غير قانوني». وأكدت أن «الاتحاد الأوروبي سيرد في شكل ملائم وبتضامن كامل مع قبرص (عضو الاتحاد)».
واشنطن أيضاً اعتبرت هذه الخطوة «استفزازية، وتزيد من التوترات في المنطقة». ولم يختلف الأمر في موسكو، رغم ما بين روسيا وتركيا من تقارب نسبي؛ إذ شددت على ضرورة أن يكون «أي نشاط اقتصادي متوافقاً مع قواعد القانون الدولي، والإحجام عن اتخاذ الإجراءات التي يمكن أن تسبب التوتر».

- قوانين وقواعد دولية
جدير بالذكر، أن للحدود البحرية ومناطق التنقيب في المتوسط قوانين وقواعد واتفاقيات دولية، تجمع بين بعض أطرافها. وأهمها ما يتعلق باتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر وقبرص في عام 2003، واتفاقية تقاسم مكامن الغاز المشتركة بين البلدين الموقعة في 2013.
وغير بعيد عن ذلك، كانت بعض دول المتوسط قد انخرطت في يناير (كانون الثاني) الماضي ضمن «منتدى غاز شرق المتوسط» (EMGF) ومقره القاهرة، وهو يضم بخلاف مصر كلاً من ليونان، وقبرص، وإيطاليا، والأردن، وفلسطين، وإسرائيل. وجاء في البيان التأسيسي للمنتدى إنه «بمثابة منظمة دولية تحترم حقوق الأعضاء بشأن مواردها الطبيعية بما يتفق مع مبادئ القانون الدولي».
تركيا بدورها تتحرك في هذا النطاق مدفوعة بذريعة أساسية، تتمثل فيما تقول إنه «موافقة من قبرص الشمالية على التنقيب قبالة سواحلها». لكن إلى جانب ذلك، فإن بُعداً مهماً يلفت إليه الدكتور أحمد قنديل، رئيس برنامج دراسات الطاقة بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، يتمثل فيما وصفه بـ«أقصى نقاط الضعف لدى أنقرة والمتعلقة بتوافر الطاقة؛ إذ تستورد نحو 60 في المائة من الغاز المستهلك لديها من روسيا، ومن المرجح أن تكون الاكتشافات الهائلة في المتوسط، والتي بدأت في الظهور تباعاً منذ عام 2009، مطمعاً كبيراً لها».
ذريعة أخرى، تلجأ لها أنقرة في خضم الأزمة تتمثل فيما أعلنته الخارجية التركية، خلال فبراير 2018، هي أنها لا تعترف بـ«قانونية اتفاقية وقعتها مصر وقبرص عام 2013 لتقسيم مكامن التنقيب عن الغاز في المتوسط». لكن القاهرة شددت حينذاك على أن «الاتفاقية لا يمكن لأي طرف أن ينازع في قانونيتها، وأنها تتسق وقواعد القانون الدولي، وتم إيداعها بصفتها اتفاقية دولية في الأمم المتحدة».
أما الدكتور نائل الشافعي، خبير الاتصالات المصري - الأميركي والباحث المهتم بتأثير قانون البحار الدولي على الكابلات البحرية وعلى الانتفاع بمكامن الغاز البحرية، فقال لـ«الشرق الأوسط»، مذكّراً بأن «الاعتراضات التركية لا تتعلق بترسيم الحدود البحرية بين مصر وقبرص الذي تم عام 2003، بل باتفاقية تقاسم مكامن الغاز المشتركة بين البلدين الموقعة في 2013، وتحديداً فيما تراه حقاً لقبرص الشمالية في عوائد قبرص من التنقيب عن الغاز في كل المياه المحيطة بالجزيرة».
الاتفاقية التي ترفضها تركيا ترتبط بتنظيم آلية تقاسم المكامن المشتركة للغاز بين البلدين، حسب حجم المكمن في كل طرف. وضرب الشافعي مثلاً بأنه «إذا استخرجت دولة غازاً من مكمن مشترك، فعليها أن تتنازل للدولة الأخرى عن نسبة من (الريع) تتناسب مع نسبة وجود المكمن في الدولة الأخرى». وزاد موضحاً أنه «إذا تم اكتشاف حقل غاز في مكمن مشترك بين مصر وقبرص، وأظهرت الدراسات أن ثلاثة أرباعه تقع في الجانب المصري، والبقية في قبرص، فإن إنتاجه يوزّع بين البلدين بالنسبة نفسها».
وهكذا، فإن تركيا «تعترض على احتكار قبرص اليونانية كل عوائد الغاز لدولة قبرص (بشقّيها اليوناني والتركي) في تقاسم تلك المناطق مع مصر، دون أن يكون هناك وجود لحقوق قبرص التركية (الشمالية)»، وفق تقدير الشافعي، الذي قال أيضاً إنه «في كل الأحوال، فإن تركيا لا تعترض؛ بل تعترف باتفاقية ترسيم الحدود المصرية - القبرصية الموقعة في فبراير 2003، وتطالب تركيا بحق شمال قبرص في حقل أفروديت، ونطاق التحركات التركية الراهنة تقع داخل الحدود القبرصية، وفق اتفاق 2003، ولا تأثير له على الإطلاق فيما يتعلق بأعمال التنقيب داخل الحدود المصرية».
وصحيح أن عمليات التنقيب التركية الأحدث لا تمسّ بشكل مباشر المياه الخاضعة لسلطة مصر، لكن مصر وقبرص وقّعتا اتفاقاً في مايو (أيار) 2018 لمد خط أنابيب من حقل أفروديت القبرصي، الذي تقدر احتياطياته بما بين 3.6 تريليون و6 تريليونات قدم مكعبة، بغرض تسييلها في مصر وإعادة تصديرها إلى أوروبا. وتقدر تكلفته بنحو مليار دولار أميركي، ومن المتوقع الانتهاء منه العام المقبل. وهو خط يمثل استثماراً كبيراً، لا يبدو أن القاهرة ستسمح بإبقائه رهناً لـ«التحرّشات».

- من المُكايدة إلى التعطيل
وربما كان مُفسراً سابقاً أن رفض الأتراك الاعتراف باتفاقية (مصرية - قبرصية) لا تمس سيادة أنقرة، ربما يكون مرجعه إلى «المكايدة السياسية» التي اتسم بها موقف الرئيس التركي رجب طيب إردوغان تجاه القاهرة منذ عام 2013، وهو موقف مناهض لـ«ثورة 30 يونيو (حزيران)» التي أطاحت بحكم «الإخوان»، وإطلاقه عدداً من التصريحات التي اعتبرتها مصر «عدائية». وقرّرت على أثرها استدعاء سفيرها إلى القاهرة وطرد سفير أنقرة.
وحدث أيضاً أن أعلنت تركيا في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 اعتراضها على «مناورات عسكرية مشتركة بين مصر واليونان يجري التحضير لها في جزيرة رودس اليونانية». غير أن القوات البحرية والجوية المصرية نفذت بالفعل التدريب الذي حمل اسم «ميدوزا 5» بمشاركة حاملة مروَحيات من طراز «ميسترال»، وعدد من القطع البحرية اليونانية، إضافة إلى تشكيل من الطائرات المقاتلة المتعدّدة المهام من طراز «إف 16».
ومع تطور الأحداث والتفاعلات، أقدمت أنقرة خلال فبراير 2018، على اعتراض سفينة تنقيب عن الغاز تابعة لشركة «إيني» الإيطالية في المياه القبرصية. وردّت مصر - وإن كان بشكل غير مباشر على ذلك - عبر تنفيذ القوات المسلحة المصرية في حينه «أنشطة تدريبية بمسرح عمليات البحر المتوسط، تضمنت إطلاق أربعة صواريخ أرض بحر وسطح بحر، للتعامل مع جميع التهديدات والعدائيات في المياه الإقليمية».
كذلك، شهد البحر المتوسط ما يمكن اعتباره ردّاً مصرياً على رسائل «استعراض القوة» التركية، في فبراير من العام الماضي، حين نشر الجيش المصري مقاطع فيديو مصورة بعنوان «عمالقة البحار» يظهر من خلاله قدرات وجاهزية القوات البحرية المصرية، ويستعرض الأسلحة الحديثة التي أن «جمال عبد الناصر» و«أنور السادات». وبدا لافتاً في المقاطع التي بثها الجيش المصري، ظهور عدد من سفن التنقيب عن الغاز في وسط المياه وانتشار وحدات عسكرية حولها لتأمينها.
وأخيراً، نفذت مصر تدريباً عسكرياً آنذاك شمل تشكيلات إبحار مشتركة نهاراً وليلاً، وعمليات الاعتراض البحري وحق الزيارة والتفتيش للسفن المشتبه بها، بجانب تنفيذ إجراءات البحث والإنقاذ وتبادل البلاغات بين الوحدات والقطع البحرية.

- مصالح دولية... وسياسية
لا يُمكن اختزال ما يجري في المتوسط من تبادل للرسائل الصارمة في كونه خلافات ثنائية ذات خلفيات تاريخية تتعلق بالمشكلة القبرصية. فالواقع القائم يشير إلى تداخل «شبكة مصالح دولية ضخمة ترتبط بشركات عملاقة»، وفق ما يقول لـ«الشرق الأوسط» الدكتور قنديل.
الأبعاد الدولية المرتبطة بالتوترات في المتوسط، يشرحها قنديل، منطلقاً من أن «أحدث اكتشاف أعلن في فبراير الماضي، كان يتعلق بخزّان عملاق للغاز الطبيعي في حقل (جلاوكوس1) قبالة شواطئ قبرص بواقع ما بين 5 و8 تريليونات قدم مكعبة. وتوصلت إليه شركة (إكسون موبيل) الأميركية العملاقة، بينما أوقفت أنقرة سفينة ترتبط بشركة (إيني) الإيطالية قبل أكثر من عام، فضلاً عن حضور آخر لشركة (توتال) الفرنسية».
ويشير قنديل إلى أن «ردود الأفعال الدولية المرتبطة بشكل كبير بكون قبرص عضواً في الاتحاد الأوروبي. يضاف إليها أن الشركات الدولية العملاقة المرتبطة مع دول شرق المتوسط بعقود للتنقيب، لا تتحرك بمعزل عن حكوماتها الكبرى، فضلاً عن أن معظم هذه الشركات لها خبرات في التعامل مع تلك المشكلات ذات الطابع الدولي». ويرجح أنه «لا يمكن أن تعطل تركيا هذه الشركات العملاقة».

- مشاكل داخلية
بنظرة واحدة إلى خريطة أطراف المتوسط، تبدو تركيا على خلاف وتوتر مع معظم جوارها الإقليمي. وهذا أمر يربطه الرئيس الأسبق لجهاز الشؤون المعنوية للقوات المسلحة المصرية، اللواء سمير فرج، بـ«الموقف الداخلي التركي».
ويتابع فرج لـ«الشرق الأوسط» بأن «المشكلات المتعلقة بتراجع الليرة التركية، فضلاً عن أزمة الانتخابات المحلية وإعادتها، وكذلك توتر العلاقة مع واشنطن على خلفية شراء منظومة S400 العسكرية الروسية، كلها تدفع سلطة إردوغان إلى محاولة إثارة مشكلات خارجية مثل التنقيب في المياه القبرصية، وهي ذات طابع دولي، لصرف الأنظار عن أزمات الداخل».
ورغم الإشارات المصرية الدائمة لجاهزية واستعداد قواتها لحماية مصالحها الاقتصادية في المياه الإقليمية، فإن الدكتور أحمد قنديل، يستبعد «أن يكون هناك تصعيد في ذلك المستوى العسكري خلال الفترة المقبلة». وينبه قنديل إلى أن «التفسير التركي للوضع القانوني لعمليات التنقيب، يشوبه العوار، وخصوصاً أن أنقرة لم تنضم إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار الموقعة عام 1982. وهذا يعني أن تحركاتها خروجٌ عن الإجماع الدولي، وتحدٍّ للمصالح الدولية المستقرة والمتوافق عليها للتنقيب عن موارد الطاقة، ومحاولة الاستيلاء على مصادر لا تمتلكها».

- موارد الغاز الطبيعي بين لبنان وإسرائيل
لا يستهلك لبنان أي غاز طبيعي، وفق تقدير أبحاث الكونغرس في عام 2016، بينما يعتمد بصورة شبه كاملة على واردات النفط في استهلاكه للطاقة. وتبعاً لبعض التقديرات، ربما يملك لبنان موارد غاز طبيعي تقدر بـ15 تريليون قدم مكعبة. ومع هذا، لم يصرح لشركة بالعمل على التنقيب عن موارد محتملة. وهنا ينبغي الأخذ في الاعتبار وجود نزاعات بين لبنان وإسرائيل على الحدود البحرية بينهما.
أما بالنسبة لإسرائيل، فعادة ما يُعرب المسؤولون الإسرائيليون عن تفاؤلهم إزاء إمكانات موارد الطاقة الإسرائيلية. وحالياً تسيطر إسرائيل على احتياطيات مؤكدة تبلغ 6.4 تريليون قدم مكعبة؛ ما يضعها في المرتبة الثانية في حوض شرق البحر المتوسط بعد مصر. وبعد اكتشافات كبرى عامي 2009 و2010، شرعت إسرائيل في دمج الغاز الطبيعي في مزيج الطاقة الذي تعتمد عليه وأصبح يشكل قرابة 30 في المائة من مجمل احتياجات الطاقة الأساسية لديها عام 2015.
يشكل النفط مصدر الطاقة الرئيسي في إسرائيل، وتحصل عليه بصورة أساسية من خلال الاستيراد. أما الغاز الطبيعي فهو الوقود الأسرع نمواً في البلاد. ويُذكر أنه قبل عام 2003، لم تستهلك إسرائيل الغاز الطبيعي بكميات كبيرة، لكن الاستهلاك ازداد باطراد بين عامي 2003 و2009، ثم تضاعف بين عامي 2009 و2015، ومع اكتشاف حقول «تامار» و«داليت» و«ليفيثان» عامي 2009 و2010، ارتفعت إمكانات تحوّل إسرائيل لمورّد صافٍ للغاز الطبيعي.

- أهم ثروات الغاز في شرق المتوسط
تبدو مياه الدول الواقعة شرق البحر المتوسط كنزاً للطاقة يثير لعاب المنقبين؛ الأمر الذي انتبه له عدد من مؤسسات ومراكز بحثية معتبرة في العالم، منها «خدمة أبحاث الكونغرس» الأميركي.
هذا الأخير أصدر في أغسطس (آب) 2016، تقريراً تحت عنوان «اكتشافات الغاز الطبيعي بشرق البحر المتوسط»، أعده مايكل راتنر، القائم بأعمال مدير وحدة الأبحاث. ولقد رصد التقرير مبكراً - قبل الإعلان عن الاكتشافات الهائلة التي خلال العامين الماضيين ومطلع العام الحالي - المستقبل الواعد لثروات المنطقة من الطاقة. وكانت هذه أهم ملامح احتياطات المنطقة (حينها)، بخلاف ما أعلنته الدول ذاتها فيما بعد.
- وضعية قبرص
أعلنت شركة «نوبل إنيرجي» اكتشاف حقل أفروديت خارج سواحل قبرص عام 2011. وتقدر احتياطيات الغاز الطبيعي في الحقل بما يتراوح بين 5 و8 تريليون مليار قدم مكعبة. وأفادت شركة «إكسون موبيل» العملاقة، خلال مارس (آذار) الماضي، باكتشاف حقل ضخم للغاز الطبيعي، اعتبرته قبرص «أحد أكبر الاكتشافات على مستوى العالم في العشرين سنة الأخيرة»، وهو بحجم احتياطي ما بين خمسة وثمانية تريليونات قدم مكعبة من الغاز الطبيعي.
- مصر
فيما يخص مصر، فإنها تحولت إلى مستورد صافٍ عام 2015، مع أنها منتج كبير للغاز الطبيعي. ويمثل الغاز الطبيعي أكبر مصدر للطاقة في مصر (أقل قليلاً من النصف عن استهلاك الطاقة الرئيسي).
علاوة على ذلك، شكّل الغاز الطبيعي 77 في المائة من إنتاج الكهرباء في مصر عام 2013، لكن مصر بحلول نقصا في الغاز الطبيعي. إذ بلغ إنتاج مصر من الغاز الطبيعي ذروته عام 2009 عند مستوى 6.1 مليار قدم مكعبة - يومياً وتراجع بنسبة 24 في المائة إلى 4.4 مليار قدم مكعبة - يومياً بين عامي 2009 و2015. ومن المتوقع تنامي الطلب من جانب قطاعي الصناعة والطاقة على الغاز الطبيعي، واللذين يشكلان بالفعل 85 في المائة من استهلاك الغاز الطبيعي بمصر، بنسبة 22 في المائة بحلول عام 2021.
مصر تمتلك حالياً 3 حقول بارزة للغاز الطبيعي. منها حقل ظهر (تبلغ قدرته الإنتاجية أكثر من 3 مليارات قدم مكعبة غاز يومياً)، وحقل غاز نورس في دلتا النيل (تستهدف مصر الوصول بمعدلات إنتاجه إلى 1.2 مليار قدم مكعبة غاز يومياً). والحقل الثالث – والأبرزـ هو حقل أتول شمال دمياط، الذي تعمل مصر على الوصول بإنتاجه نهاية العام الحالي إلى 400 مليون قدم مكعبة.


مقالات ذات صلة

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

حصاد الأسبوع في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان

«الشرق الأوسط» (برلين (ألمانيا))
حصاد الأسبوع تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)

مشهد سياسي جديد في تونس... وهوّة آخذة في الاتّساع

بعد 15 سنة من اندلاع الثورة التونسية وسقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، تمرّ تونس بـ«مرحلة مفصلية جديدة»، لا تقلّ تعقيداً عن تلك التي عرفتها إبان مرحلة

كمال بن يونس (تونس)
حصاد الأسبوع ترمب (آ ف ب/غيتي)

ترمب يعيد العلاقات مع العراق إلى المربّع الأول

سواءً بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب أو لمبعوثه إلى العراق مارك سافايا، تتجه علاقة الولايات المتحدة مع العراق إلى الحد الأقصى من الضغط على طبقته السياسية،

حمزة مصطفى (بغداد)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.