«تحرّشات» تركية بمكامن الطاقة في شرق المتوسط

مساعي أنقرة للتنقيب خارج مياهها أثارت قلقاً مصرياً ورفضاً دولياً

اللواء سمير فرج - د. أحمد قنديل
اللواء سمير فرج - د. أحمد قنديل
TT

«تحرّشات» تركية بمكامن الطاقة في شرق المتوسط

اللواء سمير فرج - د. أحمد قنديل
اللواء سمير فرج - د. أحمد قنديل

تخلت مصر أخيراً، عن ملمح لافت لطالما اتسمت به سياساتها الخارجية منذ 30 يونيو (حزيران) 2013، وهو الملمح الذي يتعلق بالتعامل الهادئ مع دول الجوار ذات التوجهات المغايرة، والتي دأبت مصر على تخفيض التوتر تجاهها أو النأي عن الدخول في سجال معها.
السبب في هذا التطور يرجع إلى إعلان تركي، بدا أكثر جدية من ذي قبل، عن بدء الحفر في منطقة بحرية تقع غرب جمهورية قبرص، للبحث عن الغاز الطبيعي. وهو ما أثار كذلك اعتراضات أوروبية وأميركية، نددت بالتحركات «غير القانونية» لتركيا قرب مكامن الطاقة الواعدة في شرق البحر المتوسط.

صيغة اعتراض مصر على الحفر التركي في شرق المتوسط، الذي أعلنته وزارة الخارجية مطلع الأسبوع الماضي، تبدو كاشفة في حد ذاتها عن حجم «القلق» لدى القاهرة. إذ استخدم تعبير «التحذير» لأنقرة من «انعكاس أي إجراءات أُحادية على الأمن والاستقرار في منطقة شرق المتوسط». وأكد بيان الخارجية المصرية «ضرورة التزام أي تصرفات لدول المنطقة بقواعد القانون الدولي وأحكامه».
متخصصون في هذا الملف، يرون أن «تحرشات» تركيا بمكامن الطاقة ليست جديدة؛ وإن كانت هذه المرة أكثر إثارة للقلق الدولي والإقليمي. إذ سبق أن أقدمت البحرية التركية خلال فبراير (شباط) 2018 على اعتراض سفينة حفر تابعة لشركة «إيني» الإيطالية، كانت في طريقها للتنقيب عن الغاز المكتشف جنوب جزيرة قبرص. وتواكب ذلك مع تأكيد تركي على نية الحفر قبالة «قبرص الشمالية (التركية)»، وهي الكيان الانفصالي الذي لا تعترف بها سوى أنقرة.
لكن، ما الذي جدّ ليثير التوترات المتصاعدة على صفحة المتوسط؟
جانب من الإجابة عن السؤال ربما يكون لدى «هيئة المسح الجيولوجي الأميركي»، التي قالت في عام 2010: إن «مياه المسطّح البحري الحيوي تغطي تحتها نحو 122 تريليون قدم مكعبة من الغاز، وكان ذلك قبل تسع سنوات. غير أن الهيئة نفسها عادت وضاعفت توقعاتها، قبل سنتين، تقريباً». وأشارت إلى أن «احتياطيات الغاز الطبيعي الموجودة بالبحر المتوسط ما بين 340 إلى 360 تريليون قدم مكعبة من الغاز».

- فصول الصراع متشابكة
فصول الصراع على مكامن الطاقة في شرق المتوسط تبدو إذن متشابكة الأطراف والخلفيات. فمن جهة، لم تُثِر التحركات التركية ردود فعل إقليمية معنية مباشرة بالتنقيب في المنطقة مثل مصر واليونان وقبرص وحسب؛ بل إن إعلان الرفض جاء أيضاً من الاتحاد الأوروبي وروسيا والولايات المتحدة الأميركية.
وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني، دعت تركيا إلى «ضبط النفس واحترام الحقوق السيادية لقبرص في منطقتها الاقتصادية الخالصة، والامتناع عن أي عمل غير قانوني». وأكدت أن «الاتحاد الأوروبي سيرد في شكل ملائم وبتضامن كامل مع قبرص (عضو الاتحاد)».
واشنطن أيضاً اعتبرت هذه الخطوة «استفزازية، وتزيد من التوترات في المنطقة». ولم يختلف الأمر في موسكو، رغم ما بين روسيا وتركيا من تقارب نسبي؛ إذ شددت على ضرورة أن يكون «أي نشاط اقتصادي متوافقاً مع قواعد القانون الدولي، والإحجام عن اتخاذ الإجراءات التي يمكن أن تسبب التوتر».

- قوانين وقواعد دولية
جدير بالذكر، أن للحدود البحرية ومناطق التنقيب في المتوسط قوانين وقواعد واتفاقيات دولية، تجمع بين بعض أطرافها. وأهمها ما يتعلق باتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر وقبرص في عام 2003، واتفاقية تقاسم مكامن الغاز المشتركة بين البلدين الموقعة في 2013.
وغير بعيد عن ذلك، كانت بعض دول المتوسط قد انخرطت في يناير (كانون الثاني) الماضي ضمن «منتدى غاز شرق المتوسط» (EMGF) ومقره القاهرة، وهو يضم بخلاف مصر كلاً من ليونان، وقبرص، وإيطاليا، والأردن، وفلسطين، وإسرائيل. وجاء في البيان التأسيسي للمنتدى إنه «بمثابة منظمة دولية تحترم حقوق الأعضاء بشأن مواردها الطبيعية بما يتفق مع مبادئ القانون الدولي».
تركيا بدورها تتحرك في هذا النطاق مدفوعة بذريعة أساسية، تتمثل فيما تقول إنه «موافقة من قبرص الشمالية على التنقيب قبالة سواحلها». لكن إلى جانب ذلك، فإن بُعداً مهماً يلفت إليه الدكتور أحمد قنديل، رئيس برنامج دراسات الطاقة بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، يتمثل فيما وصفه بـ«أقصى نقاط الضعف لدى أنقرة والمتعلقة بتوافر الطاقة؛ إذ تستورد نحو 60 في المائة من الغاز المستهلك لديها من روسيا، ومن المرجح أن تكون الاكتشافات الهائلة في المتوسط، والتي بدأت في الظهور تباعاً منذ عام 2009، مطمعاً كبيراً لها».
ذريعة أخرى، تلجأ لها أنقرة في خضم الأزمة تتمثل فيما أعلنته الخارجية التركية، خلال فبراير 2018، هي أنها لا تعترف بـ«قانونية اتفاقية وقعتها مصر وقبرص عام 2013 لتقسيم مكامن التنقيب عن الغاز في المتوسط». لكن القاهرة شددت حينذاك على أن «الاتفاقية لا يمكن لأي طرف أن ينازع في قانونيتها، وأنها تتسق وقواعد القانون الدولي، وتم إيداعها بصفتها اتفاقية دولية في الأمم المتحدة».
أما الدكتور نائل الشافعي، خبير الاتصالات المصري - الأميركي والباحث المهتم بتأثير قانون البحار الدولي على الكابلات البحرية وعلى الانتفاع بمكامن الغاز البحرية، فقال لـ«الشرق الأوسط»، مذكّراً بأن «الاعتراضات التركية لا تتعلق بترسيم الحدود البحرية بين مصر وقبرص الذي تم عام 2003، بل باتفاقية تقاسم مكامن الغاز المشتركة بين البلدين الموقعة في 2013، وتحديداً فيما تراه حقاً لقبرص الشمالية في عوائد قبرص من التنقيب عن الغاز في كل المياه المحيطة بالجزيرة».
الاتفاقية التي ترفضها تركيا ترتبط بتنظيم آلية تقاسم المكامن المشتركة للغاز بين البلدين، حسب حجم المكمن في كل طرف. وضرب الشافعي مثلاً بأنه «إذا استخرجت دولة غازاً من مكمن مشترك، فعليها أن تتنازل للدولة الأخرى عن نسبة من (الريع) تتناسب مع نسبة وجود المكمن في الدولة الأخرى». وزاد موضحاً أنه «إذا تم اكتشاف حقل غاز في مكمن مشترك بين مصر وقبرص، وأظهرت الدراسات أن ثلاثة أرباعه تقع في الجانب المصري، والبقية في قبرص، فإن إنتاجه يوزّع بين البلدين بالنسبة نفسها».
وهكذا، فإن تركيا «تعترض على احتكار قبرص اليونانية كل عوائد الغاز لدولة قبرص (بشقّيها اليوناني والتركي) في تقاسم تلك المناطق مع مصر، دون أن يكون هناك وجود لحقوق قبرص التركية (الشمالية)»، وفق تقدير الشافعي، الذي قال أيضاً إنه «في كل الأحوال، فإن تركيا لا تعترض؛ بل تعترف باتفاقية ترسيم الحدود المصرية - القبرصية الموقعة في فبراير 2003، وتطالب تركيا بحق شمال قبرص في حقل أفروديت، ونطاق التحركات التركية الراهنة تقع داخل الحدود القبرصية، وفق اتفاق 2003، ولا تأثير له على الإطلاق فيما يتعلق بأعمال التنقيب داخل الحدود المصرية».
وصحيح أن عمليات التنقيب التركية الأحدث لا تمسّ بشكل مباشر المياه الخاضعة لسلطة مصر، لكن مصر وقبرص وقّعتا اتفاقاً في مايو (أيار) 2018 لمد خط أنابيب من حقل أفروديت القبرصي، الذي تقدر احتياطياته بما بين 3.6 تريليون و6 تريليونات قدم مكعبة، بغرض تسييلها في مصر وإعادة تصديرها إلى أوروبا. وتقدر تكلفته بنحو مليار دولار أميركي، ومن المتوقع الانتهاء منه العام المقبل. وهو خط يمثل استثماراً كبيراً، لا يبدو أن القاهرة ستسمح بإبقائه رهناً لـ«التحرّشات».

- من المُكايدة إلى التعطيل
وربما كان مُفسراً سابقاً أن رفض الأتراك الاعتراف باتفاقية (مصرية - قبرصية) لا تمس سيادة أنقرة، ربما يكون مرجعه إلى «المكايدة السياسية» التي اتسم بها موقف الرئيس التركي رجب طيب إردوغان تجاه القاهرة منذ عام 2013، وهو موقف مناهض لـ«ثورة 30 يونيو (حزيران)» التي أطاحت بحكم «الإخوان»، وإطلاقه عدداً من التصريحات التي اعتبرتها مصر «عدائية». وقرّرت على أثرها استدعاء سفيرها إلى القاهرة وطرد سفير أنقرة.
وحدث أيضاً أن أعلنت تركيا في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 اعتراضها على «مناورات عسكرية مشتركة بين مصر واليونان يجري التحضير لها في جزيرة رودس اليونانية». غير أن القوات البحرية والجوية المصرية نفذت بالفعل التدريب الذي حمل اسم «ميدوزا 5» بمشاركة حاملة مروَحيات من طراز «ميسترال»، وعدد من القطع البحرية اليونانية، إضافة إلى تشكيل من الطائرات المقاتلة المتعدّدة المهام من طراز «إف 16».
ومع تطور الأحداث والتفاعلات، أقدمت أنقرة خلال فبراير 2018، على اعتراض سفينة تنقيب عن الغاز تابعة لشركة «إيني» الإيطالية في المياه القبرصية. وردّت مصر - وإن كان بشكل غير مباشر على ذلك - عبر تنفيذ القوات المسلحة المصرية في حينه «أنشطة تدريبية بمسرح عمليات البحر المتوسط، تضمنت إطلاق أربعة صواريخ أرض بحر وسطح بحر، للتعامل مع جميع التهديدات والعدائيات في المياه الإقليمية».
كذلك، شهد البحر المتوسط ما يمكن اعتباره ردّاً مصرياً على رسائل «استعراض القوة» التركية، في فبراير من العام الماضي، حين نشر الجيش المصري مقاطع فيديو مصورة بعنوان «عمالقة البحار» يظهر من خلاله قدرات وجاهزية القوات البحرية المصرية، ويستعرض الأسلحة الحديثة التي أن «جمال عبد الناصر» و«أنور السادات». وبدا لافتاً في المقاطع التي بثها الجيش المصري، ظهور عدد من سفن التنقيب عن الغاز في وسط المياه وانتشار وحدات عسكرية حولها لتأمينها.
وأخيراً، نفذت مصر تدريباً عسكرياً آنذاك شمل تشكيلات إبحار مشتركة نهاراً وليلاً، وعمليات الاعتراض البحري وحق الزيارة والتفتيش للسفن المشتبه بها، بجانب تنفيذ إجراءات البحث والإنقاذ وتبادل البلاغات بين الوحدات والقطع البحرية.

- مصالح دولية... وسياسية
لا يُمكن اختزال ما يجري في المتوسط من تبادل للرسائل الصارمة في كونه خلافات ثنائية ذات خلفيات تاريخية تتعلق بالمشكلة القبرصية. فالواقع القائم يشير إلى تداخل «شبكة مصالح دولية ضخمة ترتبط بشركات عملاقة»، وفق ما يقول لـ«الشرق الأوسط» الدكتور قنديل.
الأبعاد الدولية المرتبطة بالتوترات في المتوسط، يشرحها قنديل، منطلقاً من أن «أحدث اكتشاف أعلن في فبراير الماضي، كان يتعلق بخزّان عملاق للغاز الطبيعي في حقل (جلاوكوس1) قبالة شواطئ قبرص بواقع ما بين 5 و8 تريليونات قدم مكعبة. وتوصلت إليه شركة (إكسون موبيل) الأميركية العملاقة، بينما أوقفت أنقرة سفينة ترتبط بشركة (إيني) الإيطالية قبل أكثر من عام، فضلاً عن حضور آخر لشركة (توتال) الفرنسية».
ويشير قنديل إلى أن «ردود الأفعال الدولية المرتبطة بشكل كبير بكون قبرص عضواً في الاتحاد الأوروبي. يضاف إليها أن الشركات الدولية العملاقة المرتبطة مع دول شرق المتوسط بعقود للتنقيب، لا تتحرك بمعزل عن حكوماتها الكبرى، فضلاً عن أن معظم هذه الشركات لها خبرات في التعامل مع تلك المشكلات ذات الطابع الدولي». ويرجح أنه «لا يمكن أن تعطل تركيا هذه الشركات العملاقة».

- مشاكل داخلية
بنظرة واحدة إلى خريطة أطراف المتوسط، تبدو تركيا على خلاف وتوتر مع معظم جوارها الإقليمي. وهذا أمر يربطه الرئيس الأسبق لجهاز الشؤون المعنوية للقوات المسلحة المصرية، اللواء سمير فرج، بـ«الموقف الداخلي التركي».
ويتابع فرج لـ«الشرق الأوسط» بأن «المشكلات المتعلقة بتراجع الليرة التركية، فضلاً عن أزمة الانتخابات المحلية وإعادتها، وكذلك توتر العلاقة مع واشنطن على خلفية شراء منظومة S400 العسكرية الروسية، كلها تدفع سلطة إردوغان إلى محاولة إثارة مشكلات خارجية مثل التنقيب في المياه القبرصية، وهي ذات طابع دولي، لصرف الأنظار عن أزمات الداخل».
ورغم الإشارات المصرية الدائمة لجاهزية واستعداد قواتها لحماية مصالحها الاقتصادية في المياه الإقليمية، فإن الدكتور أحمد قنديل، يستبعد «أن يكون هناك تصعيد في ذلك المستوى العسكري خلال الفترة المقبلة». وينبه قنديل إلى أن «التفسير التركي للوضع القانوني لعمليات التنقيب، يشوبه العوار، وخصوصاً أن أنقرة لم تنضم إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار الموقعة عام 1982. وهذا يعني أن تحركاتها خروجٌ عن الإجماع الدولي، وتحدٍّ للمصالح الدولية المستقرة والمتوافق عليها للتنقيب عن موارد الطاقة، ومحاولة الاستيلاء على مصادر لا تمتلكها».

- موارد الغاز الطبيعي بين لبنان وإسرائيل
لا يستهلك لبنان أي غاز طبيعي، وفق تقدير أبحاث الكونغرس في عام 2016، بينما يعتمد بصورة شبه كاملة على واردات النفط في استهلاكه للطاقة. وتبعاً لبعض التقديرات، ربما يملك لبنان موارد غاز طبيعي تقدر بـ15 تريليون قدم مكعبة. ومع هذا، لم يصرح لشركة بالعمل على التنقيب عن موارد محتملة. وهنا ينبغي الأخذ في الاعتبار وجود نزاعات بين لبنان وإسرائيل على الحدود البحرية بينهما.
أما بالنسبة لإسرائيل، فعادة ما يُعرب المسؤولون الإسرائيليون عن تفاؤلهم إزاء إمكانات موارد الطاقة الإسرائيلية. وحالياً تسيطر إسرائيل على احتياطيات مؤكدة تبلغ 6.4 تريليون قدم مكعبة؛ ما يضعها في المرتبة الثانية في حوض شرق البحر المتوسط بعد مصر. وبعد اكتشافات كبرى عامي 2009 و2010، شرعت إسرائيل في دمج الغاز الطبيعي في مزيج الطاقة الذي تعتمد عليه وأصبح يشكل قرابة 30 في المائة من مجمل احتياجات الطاقة الأساسية لديها عام 2015.
يشكل النفط مصدر الطاقة الرئيسي في إسرائيل، وتحصل عليه بصورة أساسية من خلال الاستيراد. أما الغاز الطبيعي فهو الوقود الأسرع نمواً في البلاد. ويُذكر أنه قبل عام 2003، لم تستهلك إسرائيل الغاز الطبيعي بكميات كبيرة، لكن الاستهلاك ازداد باطراد بين عامي 2003 و2009، ثم تضاعف بين عامي 2009 و2015، ومع اكتشاف حقول «تامار» و«داليت» و«ليفيثان» عامي 2009 و2010، ارتفعت إمكانات تحوّل إسرائيل لمورّد صافٍ للغاز الطبيعي.

- أهم ثروات الغاز في شرق المتوسط
تبدو مياه الدول الواقعة شرق البحر المتوسط كنزاً للطاقة يثير لعاب المنقبين؛ الأمر الذي انتبه له عدد من مؤسسات ومراكز بحثية معتبرة في العالم، منها «خدمة أبحاث الكونغرس» الأميركي.
هذا الأخير أصدر في أغسطس (آب) 2016، تقريراً تحت عنوان «اكتشافات الغاز الطبيعي بشرق البحر المتوسط»، أعده مايكل راتنر، القائم بأعمال مدير وحدة الأبحاث. ولقد رصد التقرير مبكراً - قبل الإعلان عن الاكتشافات الهائلة التي خلال العامين الماضيين ومطلع العام الحالي - المستقبل الواعد لثروات المنطقة من الطاقة. وكانت هذه أهم ملامح احتياطات المنطقة (حينها)، بخلاف ما أعلنته الدول ذاتها فيما بعد.
- وضعية قبرص
أعلنت شركة «نوبل إنيرجي» اكتشاف حقل أفروديت خارج سواحل قبرص عام 2011. وتقدر احتياطيات الغاز الطبيعي في الحقل بما يتراوح بين 5 و8 تريليون مليار قدم مكعبة. وأفادت شركة «إكسون موبيل» العملاقة، خلال مارس (آذار) الماضي، باكتشاف حقل ضخم للغاز الطبيعي، اعتبرته قبرص «أحد أكبر الاكتشافات على مستوى العالم في العشرين سنة الأخيرة»، وهو بحجم احتياطي ما بين خمسة وثمانية تريليونات قدم مكعبة من الغاز الطبيعي.
- مصر
فيما يخص مصر، فإنها تحولت إلى مستورد صافٍ عام 2015، مع أنها منتج كبير للغاز الطبيعي. ويمثل الغاز الطبيعي أكبر مصدر للطاقة في مصر (أقل قليلاً من النصف عن استهلاك الطاقة الرئيسي).
علاوة على ذلك، شكّل الغاز الطبيعي 77 في المائة من إنتاج الكهرباء في مصر عام 2013، لكن مصر بحلول نقصا في الغاز الطبيعي. إذ بلغ إنتاج مصر من الغاز الطبيعي ذروته عام 2009 عند مستوى 6.1 مليار قدم مكعبة - يومياً وتراجع بنسبة 24 في المائة إلى 4.4 مليار قدم مكعبة - يومياً بين عامي 2009 و2015. ومن المتوقع تنامي الطلب من جانب قطاعي الصناعة والطاقة على الغاز الطبيعي، واللذين يشكلان بالفعل 85 في المائة من استهلاك الغاز الطبيعي بمصر، بنسبة 22 في المائة بحلول عام 2021.
مصر تمتلك حالياً 3 حقول بارزة للغاز الطبيعي. منها حقل ظهر (تبلغ قدرته الإنتاجية أكثر من 3 مليارات قدم مكعبة غاز يومياً)، وحقل غاز نورس في دلتا النيل (تستهدف مصر الوصول بمعدلات إنتاجه إلى 1.2 مليار قدم مكعبة غاز يومياً). والحقل الثالث – والأبرزـ هو حقل أتول شمال دمياط، الذي تعمل مصر على الوصول بإنتاجه نهاية العام الحالي إلى 400 مليون قدم مكعبة.


مقالات ذات صلة

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

حصاد الأسبوع آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي.

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة…

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة،

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
حصاد الأسبوع اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة،

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع  تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته

إيلي يوسف ( واشنطن)

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».