الأردن أمام «مرحلة مفصلية»... تحديات إقليمية واستحقاقات داخلية

مخاوف من تهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية... و«ملفات الإخوان» تراوح بين «التسكين والتحريك»

أعلام إسرائيلية على طريق شمال غور الأردن في الضفة الغربية... وثمة مخاوف في عمّان من ترحيل إسرائيل فلسطينيين إلى الضفة الشرقية لنهر الأردن (أ.ب)
أعلام إسرائيلية على طريق شمال غور الأردن في الضفة الغربية... وثمة مخاوف في عمّان من ترحيل إسرائيل فلسطينيين إلى الضفة الشرقية لنهر الأردن (أ.ب)
TT

الأردن أمام «مرحلة مفصلية»... تحديات إقليمية واستحقاقات داخلية

أعلام إسرائيلية على طريق شمال غور الأردن في الضفة الغربية... وثمة مخاوف في عمّان من ترحيل إسرائيل فلسطينيين إلى الضفة الشرقية لنهر الأردن (أ.ب)
أعلام إسرائيلية على طريق شمال غور الأردن في الضفة الغربية... وثمة مخاوف في عمّان من ترحيل إسرائيل فلسطينيين إلى الضفة الشرقية لنهر الأردن (أ.ب)

تتزاحم التحديات التي يواجهها الأردن. وأمام حالة عدم اليقين التي تعيشها المنطقة، بفعل الاضطرابات المُرشحة للتوسُّع، واحتمالات استمرار الصراع بين أطراف الحرب المشتّعلة عسكرياً واقتصادياً، وتشنج المواقف من فرص استعادة أمن المنطقة، فإنَّ ما يضاعف من حجم التحديات أردنياً أولوية مصطلح «الهوية الأردنية» ومشتقاته. وهو مصطلح يعكس أهمية استعادة شعار تبنّاه العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، مطلع تسلّمه سلطاته الدستورية عام 1999، وهو «الأردن أولاً». ويُشكِّل مفهوما «الوحدة الوطنية»، و«الهوية الوطنية» مادةً جدليةً بين النُّخب. فثمة تيار يُنكر فرض مصطلح «الجامعة» على مصطلح «الهوية الوطنية» التي يريدها تيار مضاد «هوية وطنية أردنية» فحسب، وذلك تأكيداً على مبدأ «الأردن أولاً». والمقصود بذلك الالتفات إلى «المصالح الأردنية» بوصفها أولويةً تتقدَّم على كل الأولويات، وبمعزل عن ارتباطات المملكة الأردنية بمصير القضية الفلسطينية.

لا تنكر مصادر سياسيّة مطلعة تحدَّثت لـ«الشرق الأوسط» ما بلغه الرسميون في الأردن من «إحباط» نتيجة محاصرة السلطة الوطنية الفلسطينية وإضعاف ولايتها، واستمرار الانقسام الفلسطيني الذي لم توحّده نتائج «طوفان الأقصى». وسعت تيارات سياسية فلسطينية متضادة لتطبيق المثل الشعبي القائل: «كل مين يقلع شوكه بإيده»، الأمر الذي خدم الاحتلال الإسرائيلي في استكمال مشاريعه الاستيطانية التوسعية، وقد يسهم في استمرار سيطرة اليمين الإسرائيلي المتطرف على القرارَين السياسي والأمني في تل أبيب، وقد لا تنجح العمليات التجميلية بعد الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، والتي إن غيَّرت «الوجوه» فلن تغيّر «الاستراتيجيات»، بحسب المصادر نفسها.

ولتتبع مسار المخاوف الرسمية التي تحدَّثت عنها المصادر، وجد مراقبون أنَّ حالة انعدام الثقة مرتبطة بالمخاوف المقبلة من مشاريع «اتفاقات» إسرائيلية - أميركية يجري الحديث عنها في الكواليس، وبمشاركة مستشارين من كلا الطرفين فقط، واستبعاد أي فرص من شأنها إعادة الحقوق المشروعة للفلسطينيين. وبحسب هذه المشاريع التي تتم مناقشتها، يستمر تجاهل الجانب الفلسطيني رغم أنه الطرف الأكثر تضرراً من الاحتلال الإسرائيلي، وهو صاحب الحق في القرار الوطني الفلسطيني المستقل.

وقالت المصادر نفسها إن ما قاومته المملكة الأردنية خلال ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأولى (2016 - 2020) وطرحه لمشروع «صفقة القرن» بوصفها حلاً عادلاً للقضية الفلسطينية، قد لا تستطيع مقاومته في ولاية ترمب الثانية (2024 - 2028)، خصوصاً بعد اختلال التوازنات في المنطقة والإقليم منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، تاريخ عملية «طوفان الأقصى»، وما أدت إليه من حرب إسرائيلية على أكثر من جبهة في المنطقة.

وتابعت المصادر أن السيناريو الأصعب في المرحلة المقبلة قد يُشكِّل تهديداً للأمن الوطني الأردني، وذلك أمام تهديدات تأخذها عمّان على محمل الجد، وهي تتعلق بخطط لتهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية تجاه الضفة الشرقية لنهر الأردن، والمساس بالوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس، وإنهاء الحلم الفلسطيني بفرص الحلول العادلة لقضاياه المشروعة.

ويعيد هذا الأمر إلى الأذهان «الارتباط القدري» بين الأردن و«مآلات تصفية القضية الفلسطينية» التي قد يبدأ أول مؤشراتها خلال الأشهر القليلة المقبلة، بحسب ما تحذّر المصادر. وإذا كانت المخاوف جدية من احتمالات أي تصعيد أمني على الحدود الغربية للأردن، فإن الحدود الشمالية مع سوريا ما بعد سقوط نظام بشار الأسد، وكذلك الشرقية مع العراق، ليست مستتبة تماماً، وسط خشية حقيقية من محاولات مستمرة للنيل من أمن البلاد.

فالحدود الأردنية - السورية تستدعي حالة الطوارئ التي تعيشها القوات المسلحة الأردنية (الجيش العربي) وقوات حرس الحدود، إذ ما زال الجنوب السوري ساحةً لفوضى تهريب المخدرات والسلاح من تَرِكَة النظام السوري السابق الذي خلّف وراءه مصانع ومستودعات تحتوي خطوط إنتاج للمخدرات وحبوب الكبتاغون؛ مما استدعى تنفيذ طلعات جوية عسكرية لضرب قواعد وميليشيات مسلحة، وعصابات الاتجار بالمخدرات وبالبشر. والتحرك الأردني، في هذا الإطار، هدفه قطع الطريق أمام أي تجمعات للعصابات والميليشيات مجدداً.

أما على الحدود الغربية مع العراق، فلم يعد سراً أن الجيش الأردني نفّذ عمليات استهدفت ضرب تحركات لبعض الفصائل المسلحة التي سعت، خلال أسابيع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، إلى التمركز في نقاط قريبة من الحدود الأردنية بهدف ضرب عمق البلاد. وقد أسقطت الدفاعات الجوية الأردنية بالفعل صواريخ ومسيّرات مقبلة من العراق، وكانت موجَّهة لأهداف في الأردن تحديداً. وجاءت تلك الهجمات في ظلِّ خشية في عمّان من أن طهران لن توفر فرصةً لإيذاء المملكة الأردنية.

العلاقة بين السلطات وأسئلة الداخل

وترى المصادر أنَّ ما سبق يتطلب حرصاً حكومياً على تهيئة مناخات الحوار الوطني وتقريب وجهات النظر بشفافية التصريحات وتعريف الرأي العام بحجم التحديات، ودعمها بشرح يُعيد الإجماع الأردني على أرضية المصلحة العليا المتمثلة باستقرار البلاد.

ومن المرجح أن يتزامن توقيت عقد دورة نيابية استثنائية لمجلس النواب الأردني، منتصف الشهر المقبل، مع تعديل حكومي «إجباري» استجابةً لمتطلبات دمج وزارتَي التربية والتعليم والتعليم العالي في البلاد تحت ولاية قانون جديد سيدخل حيز النفاذ قريباً. وقد يطال التعديل الوزاري الثاني على حكومة جعفر حسان عدداً من وزراء «التأزيم» مع الشارع، في إشارة إلى ظاهرة حكومية تتحكم بها قرارات غير شعبية، أو سقطات من الوزراء أنفسهم. كما دخل متغيّر آخر في الحكم على أداء الوزراء، وهو معيار رأي رئيس الوزراء نفسه فيما يقوم به أعضاء حكومته.

ويبدو أن مستوى «الشغب» الذي تمارسه نخب سياسية ضد الحكومة الحالية، ترك أثراً واضحاً على أداء حكومة حسّان، وسط حديث عن خلافات بين رئيسها وبعض وزرائه. ولاحظت مصادر أنَّ نواباً من «الحركة الإسلامية» كانوا يحيّدون رئيس الحكومة من الانتقادات، لكنهم يستبيحون بعض الوزراء الذين كان يتم التضييق عليهم في بعض الجلسات الرقابية.

ورصدت «الشرق الأوسط» بالفعل هذا الأمر في عدد من الجلسات النيابية التي تحضرها الحكومة للتشريع أو تحت سيف الرقابة النيابية.

أسئلة الوصاية الحكومية على الحياة العامة

قبل عامين تدحرجت كرة الأزمة داخل «الحركة الإسلامية»، بعدما أصبحت جماعة «الإخوان المسلمين» محظورة في البلاد، مع الإبقاء على ذراعها السياسية، حزب «جبهة العمل الإسلامي»، الذي غيَّر اسمه إلى حزب «الأمة»، ضمن استجابات قانونية لصالح حظر المفردات ذات الدلالات الدينية أو الطائفية أو العرقية أو الجنس. وورث حزب «الأمة» كتلة نيابية قوامها 31 نائباً.

وبعد متابعة الأردنيين جولات إغلاق مقار الجماعة الأم ومداهمات تمَّت خلالها مصادرة وثائق من مقار الحزب، وتنفيذ حملة اعتقالات لعدد منهم، تمَّ بلحظة «تسكين» ملف القضايا المرفوعة على عدد من القيادات الإسلامية ونواب الحركة. وقيل وقتها إنَّ ذلك جاء نتيجة تفاهمات بين الحزب ومراكز القرار.

وفي هذا السياق، أكدت مصادر لـ«الشرق الأوسط» أن نقاشات داخل مراكز القرار كشفت عن مخاوف رسمية من احتمالات أي تصعيد مع الشارع الذي تسيطر «الحركة الإسلامية» على عاطفة كثيرين فيه. ويستثمر الإسلاميون في الأردن مواقفهم الرافضة لاتفاقية السلام مع إسرائيل، والمطالبة بإلغائها، ووقف أشكال «التطبيع مع العدو» كافة، وهو أمر يلقى تعاطفاً في الشارع الأردني.

وتابعت المصادر أن بعض الموجودين داخل غرف القرار تحدَّثوا عن رغبة حكومية بتأجيل أي مواجهة مع الإسلاميين وكتلتهم في البرلمان، وذلك نظراً إلى ضرورة التهدئة التي تحتاج إليها المرحلة، واتخاذ أسباب الوقاية من فرص الاحتقان في الحياة العامة. وقد أعلنت الحكومة فعلاً قرارات من شأنها تخفيف حدة المزاج الشعبي تجاه الظروف الاقتصادية والمعيشية، معلنة زيادات على رواتب الموظفين الحكوميين اعتباراً من السنة المالية المقبلة. كما أقدمت الحكومة على تنفيذ حكم الإعدام بحق مرتكبي جرائم قتل رجال أمن خلال مداهمات لجماعات إرهابية أو تجار مخدرات لهم ارتباط بالخارج، مع استمرار تنفيذ جولات ميدانية لرئيس الوزراء، وفتح فضاءات خضراء تتوافر فيها المرافق العامة كافة متنفساً للأسر في مناطق مختلفة.

لكن وقبيل الموعد المرجح لبدء الدورة النيابية الاستثنائية، منتصف الشهر المقبل، صدرت أحكام قابلة للطعن بحق عدد من النواب الإسلاميين، واستئناف مسار التقاضي بحق آخرين. وثمة حديث عن سباق مع الزمن هذه الأيام لإصدار أحكام قضائية قطعية بحق متهمين من الحزب الإسلامي على خلفية اتهامات بقضايا جمع التبرعات بشكل غير قانوني وغسل أموال، وتحريك قضايا نائمة بحق آخرين، على أن تنتهي مرحلة التقاضي قبل عودة الحصانة النيابية بفعل انعقاد المجلس النيابي، وهي حصانة لا يمتلكها النائب إلا خلال مدة انعقاد دورات المجلس.

مساحات التفاهم بين السلطات وسط فراغ سياسي

وعلى الرغم من التأكيد على استقلالية القضاء فإنَّ بعض القضايا لا يمكن نزعها من سياقها السياسي. ويقول رسميون إن تفاهمات تحصل بين السلطات المختلفة تقضي بتحريك أو تسكين بعض الملفات القضائية من دون المساس بـ«استقلالية» الأحكام القضائية الصادرة بموجب قوانين نافذة. وتستطيع الحكومة، من جهتها، التأثير أو الضغط على مجلس النواب، إذ تتحكَّم قراراتها بمستوى تقديم الخدمات للنواب في مناطقهم، وهو شكل من أشكال تبادل المصالح بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.

وسمعت «الشرق الأوسط» من مراجع سياسية أن حجم المخالفات على الجماعة الأم كبير، وأنَّه تمَّ الدفع ببعض الملفات إلى القضاء وليس كلها، وأنَّ الادعاء العام ما زال يدرس وثائق وأدلة فتحت على ملفات حساسة تمس الأمن الأردني. ويؤيد ما سبق «الصمت» الذي لجأت إليه قيادات الجماعة تجنباً للتصعيد مع مراكز لها حساسيتها في البلاد.

وسط هذا كله لا يستبعد مراقبون أن تعود العلاقة بين السلطة والجماعة إلى التهدئة، وأن يكون التلويح بمحاكمة نواب من حزب «الأمة» يندرج ضمن رسائل الضغط الرسمي على الحركة الإسلامية التي بدت «مصدومة» من مدى جدية الدولة في تحجيم دورها، بعد سعي الجماعة والحزب خلال نهاية عام 2023 ومطلع عام 2024، للاستقواء باحتجاجات شعبية خلال فترة العدوان الإسرائيلي على غزة، والضغط على «عصب الدولة» في أكثر من مناسبة.

ولم تُفلح مخرجات اللجنة الملكية للتحديث السياسي في صناعة حياة حزبية أردنية قائمة على أساسات إصلاحية قابلة للحياة. فتخفيض عدد الأحزاب في البلاد، و«تصنيع» بعضها، وتهيئة الظروف الملائمة لوصول بعض قيادات تلك الأحزاب إلى مقاعد الدائرة الوطنية المخصصة للأحزاب بواقع 41 مقعداً في المجلس الحالي، لم تحقق تطلعات العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في استقامة الحياة السياسية في البلاد وتنظيمها، عبر تمثيل التيارات السياسية المختلفة من اليمين والوسط واليسار، وأن تنضوي الأحزاب ذات اللون الواحد في تحالفات انتخابية تنتج عنها حكومات برلمانية قوية.

شرح الموقف الرسمي من التحديات

وباستثناء الملك عبد الله الثاني، ووزير الخارجية أيمن الصفدي، لا تدلي الحكومة عموماً بتصريحات عن التحديات التي تواجهها البلاد، داخلياً وخارجياً. فالملك الأردني يلتقي باستمرار قيادات سياسية واجتماعية، ويتحدَّث بصراحة عن المخاطر المتوقعة في ظلِّ استمرار حكم اليمين الإسرائيلي برئاسة بنيامين نتنياهو، والذي يصفه رسميون أردنيون بـ«الكاذب» وبأنه يُصّر على تحصيل مكتسبات انتخابية عبر طلباته المستمرة الاتصال أو السماح له بزيارة الأردن للقاء الملك عبد الله الثاني.

أما تصريحات وزير الخارجية الصفدي، فتبدو متوازنة، برأي مراقبين، وتشرح إلى حدٍّ كبير الموقف الأردني وطبيعة صعوبات المرحلة. وخلاصة هذا الموقف، كما توضِّح تصريحات الصفدي، أنَّ استمرار الاحتلال الإسرائيلي هو السبب في العنف الذي شهدته وتشهده المنطقة.

ويشارك رئيس الوزراء أيضاً في شرح الموقف الأردني إلى حد ما، من خلال بث تصريحات مُسجَّلة عبر منصات التواصل الاجتماعي والإعلام المحلي.


مقالات ذات صلة

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

حصاد الأسبوع «تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات

ميشال أبونجم (باريس)
حصاد الأسبوع ميلونشون (رويترز)

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

«الشرق الأوسط» (باريس)
حصاد الأسبوع قناة السويس (رويترز)

مصر والصين بعد زيارة شي جينبينغ... من شراكة المشاريع إلى صناعة المستقبل

قبل زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى القاهرة، انشغل معظم القراءات بالسؤال عمّا يمكن أن تضيفه الزيارة إلى العلاقات المصرية - الصينية. أما بعد اختتامها،

وارف قميحة
حصاد الأسبوع تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)

رئيس الوزراء الإسرائيلي... ما بين «شمشون الجبّار» وجرافة الـ«دي 9»

قصة شمشون الجبار تُذكر كثيراً في السنوات الثلاث الأخيرة؛ فهذه الشخصية التاريخية لبني إسرائيل، اشتهرت في الحكاية التوراتية كمَن صاحب العبارة الشهيرة


«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.