تتزاحم التحديات التي يواجهها الأردن. وأمام حالة عدم اليقين التي تعيشها المنطقة، بفعل الاضطرابات المُرشحة للتوسُّع، واحتمالات استمرار الصراع بين أطراف الحرب المشتّعلة عسكرياً واقتصادياً، وتشنج المواقف من فرص استعادة أمن المنطقة، فإنَّ ما يضاعف من حجم التحديات أردنياً أولوية مصطلح «الهوية الأردنية» ومشتقاته. وهو مصطلح يعكس أهمية استعادة شعار تبنّاه العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، مطلع تسلّمه سلطاته الدستورية عام 1999، وهو «الأردن أولاً». ويُشكِّل مفهوما «الوحدة الوطنية»، و«الهوية الوطنية» مادةً جدليةً بين النُّخب. فثمة تيار يُنكر فرض مصطلح «الجامعة» على مصطلح «الهوية الوطنية» التي يريدها تيار مضاد «هوية وطنية أردنية» فحسب، وذلك تأكيداً على مبدأ «الأردن أولاً». والمقصود بذلك الالتفات إلى «المصالح الأردنية» بوصفها أولويةً تتقدَّم على كل الأولويات، وبمعزل عن ارتباطات المملكة الأردنية بمصير القضية الفلسطينية.
لا تنكر مصادر سياسيّة مطلعة تحدَّثت لـ«الشرق الأوسط» ما بلغه الرسميون في الأردن من «إحباط» نتيجة محاصرة السلطة الوطنية الفلسطينية وإضعاف ولايتها، واستمرار الانقسام الفلسطيني الذي لم توحّده نتائج «طوفان الأقصى». وسعت تيارات سياسية فلسطينية متضادة لتطبيق المثل الشعبي القائل: «كل مين يقلع شوكه بإيده»، الأمر الذي خدم الاحتلال الإسرائيلي في استكمال مشاريعه الاستيطانية التوسعية، وقد يسهم في استمرار سيطرة اليمين الإسرائيلي المتطرف على القرارَين السياسي والأمني في تل أبيب، وقد لا تنجح العمليات التجميلية بعد الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، والتي إن غيَّرت «الوجوه» فلن تغيّر «الاستراتيجيات»، بحسب المصادر نفسها.
ولتتبع مسار المخاوف الرسمية التي تحدَّثت عنها المصادر، وجد مراقبون أنَّ حالة انعدام الثقة مرتبطة بالمخاوف المقبلة من مشاريع «اتفاقات» إسرائيلية - أميركية يجري الحديث عنها في الكواليس، وبمشاركة مستشارين من كلا الطرفين فقط، واستبعاد أي فرص من شأنها إعادة الحقوق المشروعة للفلسطينيين. وبحسب هذه المشاريع التي تتم مناقشتها، يستمر تجاهل الجانب الفلسطيني رغم أنه الطرف الأكثر تضرراً من الاحتلال الإسرائيلي، وهو صاحب الحق في القرار الوطني الفلسطيني المستقل.
وقالت المصادر نفسها إن ما قاومته المملكة الأردنية خلال ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأولى (2016 - 2020) وطرحه لمشروع «صفقة القرن» بوصفها حلاً عادلاً للقضية الفلسطينية، قد لا تستطيع مقاومته في ولاية ترمب الثانية (2024 - 2028)، خصوصاً بعد اختلال التوازنات في المنطقة والإقليم منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، تاريخ عملية «طوفان الأقصى»، وما أدت إليه من حرب إسرائيلية على أكثر من جبهة في المنطقة.
وتابعت المصادر أن السيناريو الأصعب في المرحلة المقبلة قد يُشكِّل تهديداً للأمن الوطني الأردني، وذلك أمام تهديدات تأخذها عمّان على محمل الجد، وهي تتعلق بخطط لتهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية تجاه الضفة الشرقية لنهر الأردن، والمساس بالوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس، وإنهاء الحلم الفلسطيني بفرص الحلول العادلة لقضاياه المشروعة.
ويعيد هذا الأمر إلى الأذهان «الارتباط القدري» بين الأردن و«مآلات تصفية القضية الفلسطينية» التي قد يبدأ أول مؤشراتها خلال الأشهر القليلة المقبلة، بحسب ما تحذّر المصادر. وإذا كانت المخاوف جدية من احتمالات أي تصعيد أمني على الحدود الغربية للأردن، فإن الحدود الشمالية مع سوريا ما بعد سقوط نظام بشار الأسد، وكذلك الشرقية مع العراق، ليست مستتبة تماماً، وسط خشية حقيقية من محاولات مستمرة للنيل من أمن البلاد.
فالحدود الأردنية - السورية تستدعي حالة الطوارئ التي تعيشها القوات المسلحة الأردنية (الجيش العربي) وقوات حرس الحدود، إذ ما زال الجنوب السوري ساحةً لفوضى تهريب المخدرات والسلاح من تَرِكَة النظام السوري السابق الذي خلّف وراءه مصانع ومستودعات تحتوي خطوط إنتاج للمخدرات وحبوب الكبتاغون؛ مما استدعى تنفيذ طلعات جوية عسكرية لضرب قواعد وميليشيات مسلحة، وعصابات الاتجار بالمخدرات وبالبشر. والتحرك الأردني، في هذا الإطار، هدفه قطع الطريق أمام أي تجمعات للعصابات والميليشيات مجدداً.
أما على الحدود الغربية مع العراق، فلم يعد سراً أن الجيش الأردني نفّذ عمليات استهدفت ضرب تحركات لبعض الفصائل المسلحة التي سعت، خلال أسابيع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، إلى التمركز في نقاط قريبة من الحدود الأردنية بهدف ضرب عمق البلاد. وقد أسقطت الدفاعات الجوية الأردنية بالفعل صواريخ ومسيّرات مقبلة من العراق، وكانت موجَّهة لأهداف في الأردن تحديداً. وجاءت تلك الهجمات في ظلِّ خشية في عمّان من أن طهران لن توفر فرصةً لإيذاء المملكة الأردنية.
العلاقة بين السلطات وأسئلة الداخل
وترى المصادر أنَّ ما سبق يتطلب حرصاً حكومياً على تهيئة مناخات الحوار الوطني وتقريب وجهات النظر بشفافية التصريحات وتعريف الرأي العام بحجم التحديات، ودعمها بشرح يُعيد الإجماع الأردني على أرضية المصلحة العليا المتمثلة باستقرار البلاد.
ومن المرجح أن يتزامن توقيت عقد دورة نيابية استثنائية لمجلس النواب الأردني، منتصف الشهر المقبل، مع تعديل حكومي «إجباري» استجابةً لمتطلبات دمج وزارتَي التربية والتعليم والتعليم العالي في البلاد تحت ولاية قانون جديد سيدخل حيز النفاذ قريباً. وقد يطال التعديل الوزاري الثاني على حكومة جعفر حسان عدداً من وزراء «التأزيم» مع الشارع، في إشارة إلى ظاهرة حكومية تتحكم بها قرارات غير شعبية، أو سقطات من الوزراء أنفسهم. كما دخل متغيّر آخر في الحكم على أداء الوزراء، وهو معيار رأي رئيس الوزراء نفسه فيما يقوم به أعضاء حكومته.
ويبدو أن مستوى «الشغب» الذي تمارسه نخب سياسية ضد الحكومة الحالية، ترك أثراً واضحاً على أداء حكومة حسّان، وسط حديث عن خلافات بين رئيسها وبعض وزرائه. ولاحظت مصادر أنَّ نواباً من «الحركة الإسلامية» كانوا يحيّدون رئيس الحكومة من الانتقادات، لكنهم يستبيحون بعض الوزراء الذين كان يتم التضييق عليهم في بعض الجلسات الرقابية.
ورصدت «الشرق الأوسط» بالفعل هذا الأمر في عدد من الجلسات النيابية التي تحضرها الحكومة للتشريع أو تحت سيف الرقابة النيابية.
أسئلة الوصاية الحكومية على الحياة العامة
قبل عامين تدحرجت كرة الأزمة داخل «الحركة الإسلامية»، بعدما أصبحت جماعة «الإخوان المسلمين» محظورة في البلاد، مع الإبقاء على ذراعها السياسية، حزب «جبهة العمل الإسلامي»، الذي غيَّر اسمه إلى حزب «الأمة»، ضمن استجابات قانونية لصالح حظر المفردات ذات الدلالات الدينية أو الطائفية أو العرقية أو الجنس. وورث حزب «الأمة» كتلة نيابية قوامها 31 نائباً.
وبعد متابعة الأردنيين جولات إغلاق مقار الجماعة الأم ومداهمات تمَّت خلالها مصادرة وثائق من مقار الحزب، وتنفيذ حملة اعتقالات لعدد منهم، تمَّ بلحظة «تسكين» ملف القضايا المرفوعة على عدد من القيادات الإسلامية ونواب الحركة. وقيل وقتها إنَّ ذلك جاء نتيجة تفاهمات بين الحزب ومراكز القرار.
وفي هذا السياق، أكدت مصادر لـ«الشرق الأوسط» أن نقاشات داخل مراكز القرار كشفت عن مخاوف رسمية من احتمالات أي تصعيد مع الشارع الذي تسيطر «الحركة الإسلامية» على عاطفة كثيرين فيه. ويستثمر الإسلاميون في الأردن مواقفهم الرافضة لاتفاقية السلام مع إسرائيل، والمطالبة بإلغائها، ووقف أشكال «التطبيع مع العدو» كافة، وهو أمر يلقى تعاطفاً في الشارع الأردني.
وتابعت المصادر أن بعض الموجودين داخل غرف القرار تحدَّثوا عن رغبة حكومية بتأجيل أي مواجهة مع الإسلاميين وكتلتهم في البرلمان، وذلك نظراً إلى ضرورة التهدئة التي تحتاج إليها المرحلة، واتخاذ أسباب الوقاية من فرص الاحتقان في الحياة العامة. وقد أعلنت الحكومة فعلاً قرارات من شأنها تخفيف حدة المزاج الشعبي تجاه الظروف الاقتصادية والمعيشية، معلنة زيادات على رواتب الموظفين الحكوميين اعتباراً من السنة المالية المقبلة. كما أقدمت الحكومة على تنفيذ حكم الإعدام بحق مرتكبي جرائم قتل رجال أمن خلال مداهمات لجماعات إرهابية أو تجار مخدرات لهم ارتباط بالخارج، مع استمرار تنفيذ جولات ميدانية لرئيس الوزراء، وفتح فضاءات خضراء تتوافر فيها المرافق العامة كافة متنفساً للأسر في مناطق مختلفة.
لكن وقبيل الموعد المرجح لبدء الدورة النيابية الاستثنائية، منتصف الشهر المقبل، صدرت أحكام قابلة للطعن بحق عدد من النواب الإسلاميين، واستئناف مسار التقاضي بحق آخرين. وثمة حديث عن سباق مع الزمن هذه الأيام لإصدار أحكام قضائية قطعية بحق متهمين من الحزب الإسلامي على خلفية اتهامات بقضايا جمع التبرعات بشكل غير قانوني وغسل أموال، وتحريك قضايا نائمة بحق آخرين، على أن تنتهي مرحلة التقاضي قبل عودة الحصانة النيابية بفعل انعقاد المجلس النيابي، وهي حصانة لا يمتلكها النائب إلا خلال مدة انعقاد دورات المجلس.
مساحات التفاهم بين السلطات وسط فراغ سياسي
وعلى الرغم من التأكيد على استقلالية القضاء فإنَّ بعض القضايا لا يمكن نزعها من سياقها السياسي. ويقول رسميون إن تفاهمات تحصل بين السلطات المختلفة تقضي بتحريك أو تسكين بعض الملفات القضائية من دون المساس بـ«استقلالية» الأحكام القضائية الصادرة بموجب قوانين نافذة. وتستطيع الحكومة، من جهتها، التأثير أو الضغط على مجلس النواب، إذ تتحكَّم قراراتها بمستوى تقديم الخدمات للنواب في مناطقهم، وهو شكل من أشكال تبادل المصالح بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
وسمعت «الشرق الأوسط» من مراجع سياسية أن حجم المخالفات على الجماعة الأم كبير، وأنَّه تمَّ الدفع ببعض الملفات إلى القضاء وليس كلها، وأنَّ الادعاء العام ما زال يدرس وثائق وأدلة فتحت على ملفات حساسة تمس الأمن الأردني. ويؤيد ما سبق «الصمت» الذي لجأت إليه قيادات الجماعة تجنباً للتصعيد مع مراكز لها حساسيتها في البلاد.
وسط هذا كله لا يستبعد مراقبون أن تعود العلاقة بين السلطة والجماعة إلى التهدئة، وأن يكون التلويح بمحاكمة نواب من حزب «الأمة» يندرج ضمن رسائل الضغط الرسمي على الحركة الإسلامية التي بدت «مصدومة» من مدى جدية الدولة في تحجيم دورها، بعد سعي الجماعة والحزب خلال نهاية عام 2023 ومطلع عام 2024، للاستقواء باحتجاجات شعبية خلال فترة العدوان الإسرائيلي على غزة، والضغط على «عصب الدولة» في أكثر من مناسبة.
ولم تُفلح مخرجات اللجنة الملكية للتحديث السياسي في صناعة حياة حزبية أردنية قائمة على أساسات إصلاحية قابلة للحياة. فتخفيض عدد الأحزاب في البلاد، و«تصنيع» بعضها، وتهيئة الظروف الملائمة لوصول بعض قيادات تلك الأحزاب إلى مقاعد الدائرة الوطنية المخصصة للأحزاب بواقع 41 مقعداً في المجلس الحالي، لم تحقق تطلعات العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في استقامة الحياة السياسية في البلاد وتنظيمها، عبر تمثيل التيارات السياسية المختلفة من اليمين والوسط واليسار، وأن تنضوي الأحزاب ذات اللون الواحد في تحالفات انتخابية تنتج عنها حكومات برلمانية قوية.
شرح الموقف الرسمي من التحديات
وباستثناء الملك عبد الله الثاني، ووزير الخارجية أيمن الصفدي، لا تدلي الحكومة عموماً بتصريحات عن التحديات التي تواجهها البلاد، داخلياً وخارجياً. فالملك الأردني يلتقي باستمرار قيادات سياسية واجتماعية، ويتحدَّث بصراحة عن المخاطر المتوقعة في ظلِّ استمرار حكم اليمين الإسرائيلي برئاسة بنيامين نتنياهو، والذي يصفه رسميون أردنيون بـ«الكاذب» وبأنه يُصّر على تحصيل مكتسبات انتخابية عبر طلباته المستمرة الاتصال أو السماح له بزيارة الأردن للقاء الملك عبد الله الثاني.
أما تصريحات وزير الخارجية الصفدي، فتبدو متوازنة، برأي مراقبين، وتشرح إلى حدٍّ كبير الموقف الأردني وطبيعة صعوبات المرحلة. وخلاصة هذا الموقف، كما توضِّح تصريحات الصفدي، أنَّ استمرار الاحتلال الإسرائيلي هو السبب في العنف الذي شهدته وتشهده المنطقة.
ويشارك رئيس الوزراء أيضاً في شرح الموقف الأردني إلى حد ما، من خلال بث تصريحات مُسجَّلة عبر منصات التواصل الاجتماعي والإعلام المحلي.


