انقطاع الكهرباء يهدد الموسم السياحي الجديد في مصر

شل حركتها في الأقصر وأسوان وتسبب في خسائر فادحة

كورنيش الأقصر من دون سياح ({الشرق الأوسط})  -  السوق السياحية في الأقصر تعاني من الكساد ({الشرق الأوسط})
كورنيش الأقصر من دون سياح ({الشرق الأوسط}) - السوق السياحية في الأقصر تعاني من الكساد ({الشرق الأوسط})
TT

انقطاع الكهرباء يهدد الموسم السياحي الجديد في مصر

كورنيش الأقصر من دون سياح ({الشرق الأوسط})  -  السوق السياحية في الأقصر تعاني من الكساد ({الشرق الأوسط})
كورنيش الأقصر من دون سياح ({الشرق الأوسط}) - السوق السياحية في الأقصر تعاني من الكساد ({الشرق الأوسط})

«حجوزات شهر سبتمبر (أيلول) تم إلغاؤها بالكامل.. جاءتنا مكالمات بعدم العودة لأعمالنا في الفنادق من جديد بعد أن استبشرنا خيرا بعودة السياحة خلال الموسم الجديد في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل»، عبارات بسيطة وصف بها حسام، أحد العاملين في شركة سياحية شهيرة بأسوان، حال مدينة أسوان السياحية، قائلا: «بعد الفوضى الأمنية.. الآن نعاني انقطاع الكهرباء عن الفنادق والمزارات السياحية التي لا يستطيع السائح الغربي البقاء فيها من دون أجهزة التكييف».
حال حسام، وهو في العقد الخامس من عمره، يشبه حال مئات المرشدين السياحيين والآلاف من سكان مدينة الأقصر (القريبة من أسوان)، أهم المدن السياحية في العالم التي تشتهر بوجود ثلث آثار العالم بها وأكثر من 800 مزار، بعد أن رحل الكثير من شبابها لتوقف حركة السياحة المصدر الرئيس للرزق إلى الدول العربية.
وكثفت الدولة المصرية من إمكانيتها لتعود حركة السياحة إلى طبيعتها في الأقصر وأسوان التي تأثرت منذ تنحي الرئيس الأسبق حسني مبارك عن السلطة في عام 2011، بعد أن طالت المدينتين الفوضى بسبب تخريب أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي من جماعة الإخوان المسلمين، لمحطات الكهرباء، ومظاهراتهم التي تسببت مؤخرا في حرق مبان ومحال سياحية على كورنيش نيل أسوان في ذكري فض اعتصامي «رابعة والنهضة» منتصف الشهر الحالي، وكذا الانقطاع المستمر للكهرباء.
وتقول السلطات المحلية إنها تحكم «السيطرة أمنيا على المدينتين من أجل عودة الحركة السياحية.. وأن أسواق أسوان والأقصر ستشهد رواجا سياحيا كبيرا خلال الموسم السياحي المقبل». ويؤكد محافظ أسوان اللواء مصطفي يسري، أن «المحافظة تسابق الزمن لإعادة الوجه الحضاري لمدنها السياحية المعروفة عالميا». وأضاف المحافظ لـ«الشرق الأوسط»، قائلا: «المحافظة تضع في خطتها احتضان الكثير من المهرجانات والمؤتمرات الدولية خلال الفترة المقبلة، لإرسال رسالة للعالم أجمع أن مصر هي بلد الأمن والأمان، ولجذب أسواق جديدة للسياح من أجل زيادة الليالي السياحية، وخصوصا أنها كمقصد عالمي للسياحة النيلية والبيئية تمتلك بمقوماتها التاريخية والبشرية وطبيعتها الخلابة التنوع الفريد في الأنماط السياحية منها السياحة الأثرية والدينية والعلاجية والتسويقية والسفاري والصيد والمحميات».
لكن حسام، الذي فضل ذكر اسمه الأول فقط لحساسية عمله في أسوان قال، إن «شركات سياحية كثيرة ألغت حجوزاتها بسبب ضعف حركة السياح نظرا لانقطاع الكهرباء.. بعد أن فاق معدل الحجوزات للموسم الجديد، الموسم الماضي في نفس الموعد»، كاشفا عن أن «استمرار أزمة انقطاع الكهرباء تسبب في مطالبة السائحين الأجانب برد قيمة الرحلة كاملة».
وكشف الخبير السياحي في أسوان، يحيى السيد، عن «تراجع الحركة السياحية في مصر بشكل عام بنسبة 80 في المائة بسبب الكهرباء، وأن الأمر كان أكثر سوءا في مدينتي الأقصر وأسوان»، لافتا إلى أن هناك تراجعا في الإقبال على حجوزات الموسم الجديد ليسجل أقل من الأعوام الثلاثة السابقة بسبب الكهرباء.
وقال الخبير السياحي، إن «انقطاع التيار الكهربائي تسبب في انخفاض إيرادات الفنادق والمناطق السياحية لأكثر من 30 في المائة خلال الفترة القليلة الماضية، لارتفاع تكلفة استهلاك كميات كبيرة من السولار لتشغيل المولدات الكهربائية، إضافة إلى زيادة أعمال صيانة الأجهزة أو استبدالها بأخرى حديثة، ورفع الموردين لأسعار المواد الغذائية، التي باتت عرضه للتلف، في حين أن هناك ثباتا في الأسعار السياحية».
في حين أكدت مصادر مسؤولة في وزارة السياحية، أن «الوزارة تحرص حاليا على تشيط السياحة الوافدة إلى الأقصر وأسوان في ظل تراجع معدلات نسب الإشغال الفندقي إلى أدنى مستواها».
«الشرق الأوسط» زارت الأقصر وأسوان ورصدت اللحظات الفارقة في عمر المدينتين اللتين كانتا يأتيان إليهما السياح من كل مكان في العالم، وطيلة 3 سنوات سيطرت على المدينتين حالتا ترقب وتوجس، الأمر الذي تسبب في تدهور الأوضاع الأمنية، وتشريد آلاف العاملين بالقطاع السياحي من أبنائها. ويقول شاهد عيان من أهالي أسوان، إن «انقطاع الكهرباء السبب الرئيس الآن في الأزمة بعد أن كان الانفلات الأمني في المقدمة الشهور الماضية، وهو ما أدي في تراجع حركة التوافد السياحي على المحافظة».
ويضيف شاهد العيان، أن «انقطاع الكهرباء أعطى للسياح انطباعا سيئا عن الوضع في البلاد»، مشيرا إلى أنه عندما يرى السياح ما يحدث من انقطاع الكهرباء لأكثر من 10 ساعات في صعيد مصر، من خلال وسائل الإعلام، يضطرون إلى تغيير رحلتهم والسفر إلى أماكن سياحية أخرى تنعم بالراحة».
ويقول شاهد من المدينة يدعى حمادة مدبولي، صاحب بازار سياحي في السوق التجاري، إنه «منذ إحراق أنصار مرسي لمحلات هدايا سياحية بشارع الكورنيش الذي يضم معظم المراسي السياحية، قامت قوات الأمن بغلق الكورنيش بالقرب من مقر مديرية الأمن بالحواجز الإسمنتية، فضلا عن عمليات السرقة والتنقيب على الآثار التي تتم في وضح النهار». ويضيف أن «الكورنيش كان متعة للأجانب حتى في فصل الصيف.. أما الآن فهو مغلق فلا وجود للسياح من الأصل».
في غضون ذلك، قال محمد فتحي، وهو من شباب أسوان: «بعد التراجع السياحي طوال السنوات الثلاث الماضية وقيام إدارة الباخرة السياحية بتسريحي من العمل، لأجد نفسي بعد 15 عاما من العمل بالمجال السياحي من دون عمل، ولدي أسرة مكونة من 5 أفراد، زادت فرحتي عندما عملت بوجود حجوزات كثيرة وزملائي بشروني بالعودة من جديد لعملي. لكن فرحتي لم تتم.. واتصل بي زملائي وأخبروني ببقاء الوضع كما هو».
قصة مشابهة تكررت مع أحمد نبيل (45 عاما)، الذي عمل أكثر من 10 سنوات بأحد الفنادق الكبرى بمدينة الأقصر، وقامت إدارة الفندق هذا الشهر بإنهاء عقده بسبب انخفاض حركة التوافد السياحي، والتراجع الكبير في عدد السياح القادمين إلى المحافظة.
وسجلت نسبة الإشغالات في الفنادق السياحية بأسوان والأقصر أدنى مستوياتها وبات عدد السائحين الموجودين بالمحافظتين يُعد على الأصابع، وتسعى غرفة السياحة في الأقصر وأسوان إلى تنوع الأنماط السياحية مثل السياحة الأثرية أو البيئية أو العلاجية أو الترفيهية أو السفاري أو الصيد، وذلك لما تنفرد به المحافظتان من مقومات طبيعية خلابة وتميز ثقافي وحضاري في الفنون والحرف، بجانب تفعيل سياحة المهرجانات والمؤتمرات.
في السياق ذاته، قال عاملون بقطاع السياحة المصري، إن «انقطاع التيار الكهربائي في مختلف المدن المصرية، تسبب في انخفاض إيرادات الفنادق والقرى السياحية لأكثر من 15 في المائة خلال الفترة القليلة الماضية». وقال مصدر مسؤول في الاتحاد المصري للغرف السياحية، إن «إيرادات الفنادق والقرى السياحية انخفضت بشكل ملحوظ، نتيجة انقطاع التيار الكهربائي لمدد طويلة خلال الأيام القليلة الماضية، مما تسبب في ارتفاع تكلفة التشغيل، وأعمال الصيانة، وتلف المواد الغذائية»، لافتا إلى أن «انقطاع التيار الكهربائي تسبب في تدمير معظم الأجهزة الحيوية بالفنادق مما رفع تكلفة صيانتها بنحو 25 في المائة عن الأوقات العادية، ويزيد من غضب السائحين».
بدوره، أكد محمد شاكر وزير الكهرباء المصري، أنه سيتم استثناء المناطق السيادية والمزارات السياحية من انقطاع التيار الكهربائي.
وبلغت مديونيات المنشآت السياحية المصرية لدى شركات توزيع الكهرباء المصرية في الأقصر وأسوان، وفقا لبيانات الشركة القابضة لكهرباء مصر، نحو 49.6 مليون جنيه بنهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي.
ويقول المرشد السياحي توفيق، إنه رغم السحر الذي ينبعث من كل ركن في المدينتين، فإن أول شعور ينتاب زوارهما الآن لن يخلو من إحساس بالألم والحسرة على حال الأقصر وأسوان، اللتين تعانيان بشدة من الركود السياحي، على عكس ما كان سائدا خلال السنوات السابقة.
من جهتها، أكدت مصادر مسؤولة في وزارة السياحية بالأقصر، أن «انقطاع الكهرباء أدى إلى تراجع حركة السياحة بالأقصر إلى أدنى مستوياتها»، موضحا أن نسبة الإشغال السياحي بالأقصر تتراوح في الوقت الحالي بين 6 و12 في المائة. كما وصلت معدلات البطالة لأكثر من 250 ألف شاب في ظل توقف العمل بالفنادق والبواخر السياحية، في حين قال مصدر مسؤول في أسوان، إن «عدد السائحين الموجودين بالمحافظة يُعد على الأصابع».



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».