واشنطن مستعدة لعمل عسكري في فنزويلا «عند الضرورة»

موسكو تدين «محاولة الانقلاب» وتتهم أميركا بنشر «أكاذيب»

جانب من الدمار الذي خلفته المواجهات العنيفة في شوارع كراكاس أول من أمس (أ.ف.ب)
جانب من الدمار الذي خلفته المواجهات العنيفة في شوارع كراكاس أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

واشنطن مستعدة لعمل عسكري في فنزويلا «عند الضرورة»

جانب من الدمار الذي خلفته المواجهات العنيفة في شوارع كراكاس أول من أمس (أ.ف.ب)
جانب من الدمار الذي خلفته المواجهات العنيفة في شوارع كراكاس أول من أمس (أ.ف.ب)

أكد وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، أمس، استعداد إدارة الرئيس دونالد ترمب للقيام بعمل عسكري لإنهاء الأزمة في فنزويلا.
وطالب موسكو، في اتصال مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، وقف «زعزعة الاستقرار» في فنزويلا، ووقف دعم الرئيس الاشتراكي نيكولاس مادورو. وقالت المتحدثة باسم الخارجية الاميركية، مورغان اورتاغوس، إن بومبيو شدد خلال هذا الاتصال على أن «تدخل روسيا وكوبا يزعزع الوضع في فنزويلا، ويزعزع العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة وروسيا».
وقبل ذلك بساعات، صرح بومبيو لشبكة «فوكس بزنس»: «كان موقف الرئيس واضحا تماما وثابتا. العمل العسكري ممكن. إذا كان ذلك ضروريا، فستقوم به الولايات المتحدة». وأضاف أن الولايات المتحدة تفضّل الانتقال السلمي للسلطة، الذي يكون بمغادرة الرئيس نيكولاس مادورو وإجراء انتخابات جديدة لاختيار قادة جدد. وتابع: «ولكن الرئيس أوضح أنه في حال حانت اللحظة - وعلينا جميعا أن نتخذ قرارات حول متى تكون هذه اللحظة وسيتعين على الرئيس في النهاية اتخاذ ذلك القرار - فهو مستعد لفعل ذلك، إذا كان ذلك هو المطلوب».
وفي مقابلة منفصلة مع شبكة «سي إن إن»، صرّح مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون بأن بومبيو سيتحدث مع نظيره الروسي سيرغي لافروف لمناقشة الوضع. واتّهم كل من بولتون وبومبيو روسيا وكوبا بالوقوف في وجه تغيير النظام في كراكاس.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وجّه تحذيراً قويّاً لكوبا بفرض حصار شامل عليها، إذا «استمرّت بالتدخّل في الأزمة الفنزويلية». ومعروف أن واشنطن تتّهم كوبا بالسيطرة على أجهزة المخابرات العسكرية وقيادات القوات المسلحة في فنزويلا، وبأنها الركيزة الأساسية التي يعتمد عليها نظام مادورو.
وزادت التصريحات الأميركية من الغموض الكثيف الذي يكتنف الوضع المتفجّر في فنزويلا بعد العملية التي بدأت ليل الثلاثاء الماضي بإطلاق سراح الزعيم المعارض ليوبولدو لوبيز، الذي كان خاضعاً للإقامة الجبرية في منزله ولجوئه إلى السفارة الإسبانية في كاراكاس، وما تبع تلك العملية من تصريحات وإشاعات أعقبتها مواجهات بين قوات موالية لنظام نيكولاس مادورو وأخرى انشقّت عنه وأيدّت زعيم المعارضة خوان غوايدو.
الثابت الوحيد حتى الآن هو فشل هذه العملية، التي وصفها مادورو بالحركة الانقلابية، في تحقيق هدفها المعلن بإسقاط النظام وتجريده من دعم القوات المسلحة، إما بسبب عدم حصول غوايدو على الدعم العسكري الذي كان موعوداً به، أو لأن هذا الدعم لم يصل بعد.
وبينما يستمرّ مادورو وغوايدو في تأكيد الحصول على دعم القوات المسلّحة، أثارت تصريحات أميركية مساء أول من أمس جدلا واسعا. فقد أعلن مستشار الأمن القومي جون بولتون أن وزير الدفاع الفنزويلي ورئيس المحكمة الدستورية وقائد الحرس الوطني الفنزويلي أكّدوا في محادثات مؤخراً مع المعارضة «تأييدهم لوجوب مغادرة مادورو الحكم بطريقة سلمية»، ودعاهم إلى الوفاء بالتزاماتهم والتخلّي عن مادورو. وصرح بولتون بأن «الروس يودون السيطرة بالفعل على بلد في هذا الجزء من العالم». وأضاف: «الأمر لا يتعلق بالآيديولوجية، بل إنها سياسة السلطة القديمة. وهذا هو سبب وجود عقيدة مونرو التي نحاول التخلص منها في هذه الإدارة، ولهذا أشار الرئيس الليلة الماضية إلى أن على الكوبيين التفكير طويلا في دورهم».
بالتزامن مع ذلك، قال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إن واشنطن تملك معلومات تفيد بأن موسكو «ثنت الرئيس الفنزويلي عن نيته مغادرة البلاد على خلفية اندلاع موجة جديدة من الاحتجاجات ضد حكمه أمس (أول من أمس) الثلاثاء، ترافقت بمحاولة انقلاب عسكري». وزاد أن طائرة مادورو «كانت على المدرج. وعلى حد علمنا، كان مستعدا للطيران والمغادرة صباح الثلاثاء، لكن روسيا أبلغته بأنه يجب أن يبقى».
وردّت موسكو بعنف على الاتهامات الأميركية ضدها بالتأثير على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. ونددت الناطقة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا بما وصفته بـ«الأكاذيب التي تروج لها واشنطن» بهدف «كسر إرادة الجيش الفنزويلي وحمله على الانضمام إلى المحاولة الانقلابية». وقالت زاخاروفا إن الولايات المتحدة أطلقت «حربا إعلامية» اشتملت على ترويج أخبار كاذبة ضد فنزويلا. كما رأت في تصريحات الوزير الأميركي محاولة لـ«كسر معنويات الجيش الفنزويلي، وتشتيت الانتباه والتركيز على الأخبار الكاذبة في إطار حرب إعلامية كبرى».

إلى ذلك، أصدرت الخارجية الروسية بيانا اتهمت فيه المعارضة في فنزويلا بـ«التحريض على العنف في البلاد»، ودعت إلى نبذ العنف والسعي إلى حل سلمي. وندّد البيان بلجوء «المعارضة المتشددة في فنزويلا مجددا إلى أساليب القتال. وبدلا من التوصل إلى تسوية سلمية للنزاعات السياسية، اتبعت سياسة التحريض على الصراع، وإثارة انتهاكات للنظام العام، ومحاولة استفزاز اصطدام مع القوات المسلحة». وزادت موسكو أنه «من المهم تجنب الاضطرابات وإراقة الدماء. ويجب حل المشاكل التي تواجه فنزويلا من خلال تفاوض مسؤول ومن دون شروط سابقة. ينبغي اتخاذ أي إجراءات حصرا ضمن الإطار القانوني، بما يتفق بدقة مع الدستور ومن دون تدخل خارجي مدمر».
بدوره، حمل رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الاتحاد الروسي قسطنطين كوساتشوف بقوة على واشنطن، وقال إنها تمارس «سياسة خارج القانون الدولي». وقال إن تصريحات المسؤولين الأميركيين «تعكس مستوى انحدار السياسة الأميركية».
وكان كوساتشوف يعلق على تصريح لمستشار الرئيس الأميركي لشؤون الأمن القومي جون بولتون دعا فيه الجيش الفنزويلي إلى التمرد على نظام مادورو. وقال إنه ينبغي على العسكريين دعم البرلمان الفنزويلي بزعامة رئيس المعارضة خوان غوايدو. وزاد أنه لا يعتبر ما يحدث في فنزويلا انقلابا و«إنما محاولة من الرئيس الشرعي خوان غوايدو للسيطرة على الأوضاع».
من جانبه، وفيما يبدو ردّاً على تصريحات بولتون، قال وزير الدفاع الفنزويلي فلاديمير بادرينو عبر حسابه على «تويتر» إن «القوات المسلحة ثابتة في دفاعها عن الدستور الوطني والسلطات الشرعية. نرفض هذه الحركة الانقلابية التي تهدف إلى نشر العنف في البلاد، وأشباه القادة السياسيين الذين يتزعمون هذه الحركة التخريبية لجأوا إلى قوات الجيش والشرطة بأسلحة حربية لزرع الخوف والرعب في الشوارع». وردّ بولتون على ذلك بقوله: «أعقد الأمل في أن يتركهم الكوبيّون يقومون بواجبهم».
وعودة إلى إطلاق سراح المعارض الفنزويلي البارز لوبيز، فقد أكّد مصدر حكومي إسباني أنه موجود في مقر السفارة الإسبانية في العاصمة الفنزويلية رفقة زوجته وإحدى بناته. وفي حديث هاتفي مع «الشرق الأوسط» ظُهر أمس الأربعاء، قالت القيادية المعارضة وعضو البرلمان الفنزويلي دلسا سولورزانو إن «لوبيز توجّه أولاً إلى مقرّ سفارة تشيلي، لكنه قرر شخصيّاً طلب اللجوء إلى سفارة إسبانيا التي يحمل جنسيتها هو وأفراد عائلته»، وأضافت أن «المجموعة العسكرية التي كانت مكلّفة مراقبة لوبيز خلال إقامته الجبريّة هي التي أطلقت سراحه، بعد أن انشقّت عن النظام وأعلنت تأييدها لغوايدو».
وفي انتظار التطورات المقبلة، تواجه الحكومة الإسبانية وضعاً حرجاً حيث إنها لم تقرّر قطع العلاقات الدبلوماسية مع فنزويلا رغم اعترافها بشرعية غوايدو بصفته رئيسا مكلّفا إجراء انتخابات، لكن مصدراً مسؤولاً أكّد أن وزير الخارجية الإسباني جوزيب بورّيل لم يعدّل برنامج زيارته للشرق الأوسط التي تبدأ اليوم في الأردن.
وتجدر الإشارة إلى أن لوبيز، الذي يُعتبر العرّاب السياسي للرئيس المكلّف خوان غوايدو، هو من خريجي جامعة هارفرد وينتمي إلى عائلة ميسورة، لكنه حرص على وضع برنامج يساري الاتجاه للحزب الذي أسّسه عام 2000 «العدالة أولاً» كبديل لحركة الرئيس السابق هوغو شافيز. وفي عام 2009، انضمّ إلى تجمّع «الإرادة الشعبية» الذي تزعّمه قبل اعتقاله في عام 2014، ثم إدانته في العام التالي بتهمة التحريض على العنف وصدر حكم بتجريده من الحقوق المدنية ووضعه تحت الإقامة المنزلية الجبرية 14 عاماً.
ويعيش والدا لوبيز في مدريد، حيث حصلا على الجنسية الإسبانية، كما أن والده مرشّح على لائحة الحزب الشعبي اليميني في الانتخابات الأوروبية المقبلة.
في غضون ذلك، يواصل المعسكران تعبئة المؤيدين في الشوارع إظهاراً لمدى التأييد الشعبي واستدراراً للدعم العسكري الذي تبقى له الكلمة الفصل في حسم هذه المواجهة. وبينما أعلن مادورو أنه «لا إفلات من العقاب بعد اليوم، لأنه لن يكون هناك سلام من غير عدالة»، أكّد غوايدو أنه «لا عودة إلى الوراء بعد أن هزمنا الخوف»، ودعا القوات المسلحة إلى «مرافقتنا في هذه المأثرة السلمية والوقوف في الجانب الصحيح من التاريخ».



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».