نزار قباني حرر اللغة من معاجمها والجسد من قيوده المرهقة

في الذكرى الحادية والعشرين لرحيل صاحب «أشعار خارجة على القانون»

نزار قباني
نزار قباني
TT

نزار قباني حرر اللغة من معاجمها والجسد من قيوده المرهقة

نزار قباني
نزار قباني

قلّ أن أثار شاعرٌ في دنيا العرب ما أثاره نزار قباني خلفه من غبار التساؤلات والسجالات النقدية الموزعة بين التأييد والرفض، الابتهاج والاستنكار، الثناء المفرط والتبخيس المفرط. فمنذ مجموعته الأولى «طفولة نهد»، وحتى آخر أعماله، لم يترك الشاعر الخيار لأحد من القراء أن يظل حيادياً إزاءه، ولم يكف عن تحريك المياه العربية التي كاد الركود المزمن يحولها إلى مستنقع واسع من التأسن والبلادة والمراوحة القاتلة. صحيح أن قباني لم يستهل مغامرة الحداثة الأولى التي خاضها جبران خليل جبران وشعراء المهجر وأدباؤه بجرأة نادرة، وصحيح أنه لم ينخرط في صفوف الآخذين بناصية الحداثة الثانية التي رفع لواءها السياب ونازك والبياتي وأدونيس وآخرون، ولكن الصحيح أيضاً أن قباني قد اجترح حداثته الخاصة التي لا تمتح من مياه الآخرين، وأنه لم يكن مجرد حادثة عابرة على طريق الشعر، بقدر ما كان أحد الرواد القلائل الذين وسّعوا ذلك الطريق إلى حدوده القصوى، وأخرجوا هذا الفن من عزلته المتفاقمة ليعود على يديه ديوان العرب وخبزهم اليومي ومثار افتتانهم باللغة.
ومع أن البعض أسرفوا في تسفيه تلك الظاهرة الفريدة التي مثّلها الشاعر على امتداد حياته، واعتبارها لا تعدو كونها عزفاً على وتر الغرائز المكبوتة، أو حطاً من مكانة المرأة وتوظيفاً لجسدها في بازار الترويج النجومي للذات، أو تلهياً عن كشوف الأعماق بقشور الجمال المسطح، فإن المرء ليتساءل، وبعد أكثر من عقدين على غياب الشاعر، هل كان نزار قباني ليقف ثابتاً في وجه الزمن، لو لم يكن قد زوّد الحياة والشعر العربيين بما يحتاجانه من عدة ملائمات لافتراع الأمل، والتحرر من المكبوت، ومواجهة القمع الذكوري.
وهل انتزع الشاعر مكانته المميزة من جرأة الموضوعات التي تناولها، أم من عناصر أخرى متصلة بلغته وأسلوبه؟ وأيهما الأهم، تالياً، دعوته إلى تحرير المرأة من أقبية التهميش وسجون التقاليد الموروثة، أم دعوته إلى تحرير اللغة من ربقة التنميط، وخواء التكلف، وبلادة القواميس؟
سيكون من الصعوبة بمكان أن تحيط هذه المقاربة العجلى بتجربة شاعر ريادي تأسيسي من وزن نزار قباني، إلا أن ذلك لا يحول دون مقاربة هذه التجربة من وجوهها الإيجابية الكثيرة، دون أن يعني ذلك غضاً للنظر عن بعض الهنات السلبية التي لا يمكن لأي شاعر مهما أوتي من الموهبة والإرادة أن يتجنب الوقوع في مزالقها. وأستطيع القول بداية إن شعر نزار لم يكن وليد تصاميم جاهزة أو تصورات مسبقة حول اللغة الجزلة والإيقاع الفخم والفحولة التعبيرية، بقدر ما هو تعبير صادق عن التحولات العميقة التي أصابت المجتمع العربي في حقبة ما بعد الحربين الكونيتين، وفي خضم معارك الاستقلال والتحرر الوطني. لقد بدا الخطاب النزاري من بعض زواياه بمثابة رد رمزي على خطاب القسوة والعنف الذي أنتجته الحروب المدمرة بشقيها القومي والعالمي.
وهو قد أحلّ التهليل للحياة وتمجيدها محلّ الغرق في وهدة اليأس والتفجع، وأبعد الكتابة عن التجهم العقائدي والرصانة الفظة والاحتفال التعزيمي بالموت، ليجعلها تمجيداً للحياة واحتفالاً أبيقورياً باللذة وإعلاءً للجسد بوصفه الممر الإلزامي لمنع الحب من التحول إلى فاجعة «عذرية» أو مرض نفسي. ولعل الثورة النزارية الجسدية تتصادى من هذه الزاوية مع ما حدث قبيل ذلك في الغرب من تحولات في نظام القيم، ومن إعلاء للشهوة الجسدية. وهو ما يشير إليه دينيس دي رجمون في كتابه الشهير «الحب والغرب»، حيث يرى أن الحرب العالمية الثانية قد أدت إلى انكسار المفهوم التقليدي للعائلة والتضامن الأسري، وإلى تراجع الحب البطولي الفروسي لمصلحة المتعة الجسدية والشغف الأفروديتي بالملذات.
وقد تقودنا هذه المقاربة إلى الاستنتاج أن شعر نزار قباني يقع في الخانة المضادة لما يمثله سعيد عقل، على مستويات الأسلوب واللغة والدلالة الاجتماعية والرؤية إلى العالم. فشعر نزار الذي يحثٌّ على التحرر والانفتاح، ويتجاوز الخطوط الحمراء في العلاقات بين الجنسين، هو شعر مديني بامتياز، بقدر ما هو تعبير عن حاجة البورجوازية العربية الصاعدة إلى الخروج من شرانق التقوقع «الريفي» والمثاليات الرومانسية للإقطاع القديم. في حين أن شعر صاحب «قدموس» يبدو وكأنه ينتمي إلى زمن سابق متصل بعالم البراءة الريفية والإقطاع الفروسي، حيث الأخلاق نابعة من قيم الشجاعة والكرم والشهامة والنبل من جهة، وحيث المرأة وجود أثيري تهويمي لجسدٍ يقع فوق السرير «وقوع الهنيهة في المطلق». وهي بالمقابل وعدٌ مستبعد ومخترقٌ بنصال الموت، أو جسدٌ لم يُخلق «ليُشمّ ولا ليُضمّ»، ولكن «كي يبقى حلماً يُحلمْ». وفي حين تضيّق مثالية سعيد عقل الخناق على معجمه التعبيري الذي لا يُبقي في دائرة الشعر سوى الكلمات «النبيلة» والمنمنمات اللفظية المتخيّرة بعناية، يشرّع نزار قباني أمام الشعر كل مفردات المعاجم وكل مصطلحات اللغة اليومية، حيث لا تمييز بين هو شعري وما هو نثري إلا من خلال السياق التعبيري، وطريقة المؤالفة بين الكلمات. من هنا نفهم قول الشاعر في أحد حواراته الصحافية: «كانت لغة الشعر متعالية، متعجرفة، بيروقراطية، بروتوكولية، لا تصافح الناس إلا بالقفازات البيضاء، ثم رفعتُ الكلفة بيني وبين لغة (لسان العرب) و(محيط المحيط)». إنها لغة لا تخجل من أن تفسح في المجال لكل الجزئيات والتفاصيل وأدوات العيش كالمنفضة والموكيت والجورب والكافيار والدانتيل والتفتا وغير ذلك. لقد كانت لنزار قدرة هائلة على زج الحياة كلها في هذه المنازلة الجميلة بينه وبين اللغة. فمعه لم يعد هناك فاصل يُذكر بين لغة الشعر ولغة النثر، أو بين لغة الفصاحة المتقنة ولغة المشافهة اليومية الجارية على الألسن. على أن الموهبة المتوقدة والإحساس العارم بالجمال يتكفلان بتسييل المواد الخام للكتابة في مائيات شعرية بالغة الرهافة والتناسق والتوالد التلقائي.
إنه لمن الظلم بمكان أن يحاول بعض الشعراء والنقاد المعاصرين نفي صفة الحداثة عن نزار قباني أو طرده من جنتها المزعومة. فالحداثة لا تنحصر في تعريف واحد. كما أن الوصول إليها قد يعتمد طرقاً شتى، يقوم بعضها على المساءلة المعرفية للوجود والأشياء، وبعضها على تجاوز المنظور القديم للبلاغة، وبعضها الآخر على الكشف الرؤيوي الصوفي. فيما تقوم حداثة نزار على خطين متلازمين هما: تحرير لغة الشعر من صنميتها وتكلسها المرَضي، وتحرير الجسد المغلول من مكبوتاته وقيوده المرهقة.
وهو ما تعكسه بعض النصوص التي تجمع بشكل لافت بين أنوثة المرأة وأنوثة اللغة «تتحضّر حين أحبك آلاف الكلماتْ\ تتشكل لغة أخرى\ تسرع أنفاس الساعاتْ\ ترتاح حروف العطفِ وتحْبل تاء التأنيثِ\ وينبت قمحٌ ما بين الصفحات». وليس من باب الإنصاف أن يرى البعض نزار بوصفه نسخة عربية من «كازانوفا»، أو «شهريار» جديداً من الانتشاء بالنفس والخيلاء السادي، مستندين إلى أبيات له من مثل: «طرزتُ من جلد النساء عباءة\ وبنيتُ أهراماً من الحلمات\ مارستُ ألف عبادة وعبادة\ فوجدتُ أفضلها عبادة ذاتي»، متناسين أن «أنا» المتكلم لا تعبر بالضرورة عن الشاعر كفرد، بل عن نماذج إنسانية مختلفة، من بينها بعض النخاسين الذين يرضون نزوعهم الطاووسي عبر تسليع المرأة، وتحويلها إلى مجرد أداة للمتعة العابرة. والذين يصوبون على الشاعر من خلال إلحاحه على مفاتن المرأة الجسدية و«تهتكه» الإباحي يتناسون أن تراثنا العربي، بشقيه الشعري والنثري، حافل بالنصوص الجنسية الصريحة، وهو لا يتورع عن تسمية الأشياء بأسمائها دون محاذير أو توريات. فضلاً عن أن انتزاع المفردات الجسدية، كالردف والنهد والخصر والعنق والساقين والشفتين، عن سياقاتها سيفعل في النصوص ما يفعله الديناميت في البحر، بحيث تطفو هذه المفردات كالسمك الميت على سطح الكتابة. كما أن محاكمة الشعراء بمعايير أخلاقية بحتة تقتضي أن نطرد من جنة الشعر بعض أكثر الأسماء تميزاً في تراثنا العربي، من أمثال امرئ القيس وعمر بن أبي ربيعة وأبي نواس وبشار بن برد. والحقيقة أن أي رؤية منصفة إلى تجربة الشاعر ينبغي أن تتم من خلال انتصاره للأنوثة كقيمة إنسانية وجمالية، عملت السلطة العربية الذكورية على طمسها وتغييبها، إن لم أقل وأدها، لقرون طويلة من الزمن.
لا يبدو الشعر عند نزار قباني، من جهة أخرى، وليد احتكاك اللغة بنفسها، كما عند البعض، بل هو نتاج احتكاك اللغة بالواقع وبلحم الحياة الحي. كما إن الصورة عنده تمتلك قدراً عالياً من التمرئي على شاشة المخيلة. فكل قصيدة من قصائده هي وليمة كاملة من الحواس، يتداخل فيها المرئي بالمسموع، والمشموم بالملموس والمتذوَّق، وتتبادل كلٌّ منها الأدوار مع الأخريات، كقوله «تخيلت حتى جعلت العطور ترى»، أو «ففي الظل يغدو لعطرك صوتٌ»، أو «وريشتي بسعال اللون تختنقُ»، أو كحديثه عن «الرحيل البرتقالي»، و«هسهسات الحلق الطويل». أما الصور الشعرية فهي تكتسب تميزها من بُعدها المشهدي وتوالدها الدينامي النابض بالحياة: «وأنا أعرف طعم العرَق المالح يجري من مساماتك\ والجرح الطفولي على ركبتك اليسرى\ وهذا الوبَر النامي على سلسلة الظَّهر كأسلاك الحرير».
ولعل نشأة الشاعر في بيئة مدينية أرستقراطية، فضلاً عن عمله الدبلوماسي، قد وفرت له الكثير من مصادر الثقافة والمعرفة، ومكنته من الإلمام بفن الرسم ومن تذوق الموسيقى والعزف على بعض آلاتها في الآن ذاته.
وهو إذ اعتبر الشعر نوعاً من «الرسم بالكلمات»، عرف في الآن ذاته كيف يرشّق بحور الخليل وينوع الأوزان، ويحول قصائده ومقطوعاته إلى حدائق صوتية رافلة بالأجراس والإيقاعات الراقصة. ولعل هذه العناصر مجتمعة، إضافة إلى تناول شعره لمختلف المشاعر والأحاسيس والمواقف الإنسانية المتغايرة، هي التي حملت الكثير من المغنين والمغنيات على تحويل الكثير من نصوصه إلى أغنيات وأناشيد، يرددها ملايين المستمعين المنتشرين على امتداد الأرض العربية.
ومع أن شغف نزار قباني بالحرية قد قاده إلى الانفتاح على مجمل أنواع الكتابة وأساليبها، جامعاً بين بحور الخليل وبين قصيدتي التفعيلة والنثر، فإنه لم يلق من معظم رموز الحداثة ونقادها سوى الكثير من التشكيك والتوجس وسوء التقدير. فهؤلاء رأوا في تجربته عزفاً على وتر المكبوت الجمعي، وملامسة للجمال في سطوحه الظاهرة، وابتعاداً عن شاعرية الأعماق وأسئلة الوجود الكبرى. وإذا كان من غير الجائز أن يحكم البعض على نزار من خلال مقاربة للشعر لم يكن هو نفسه مقتنعاً بها، كإقحام الشعر في شؤون الفلسفة والفكر والتنظير المعرفي، إلا أن ذلك لا يحول دون الإشارة إلى بعض النقاط السلبية التي اعتورت تجربة صاحب «كتاب الحب» و«قصائد متوحشة»، من بينها المبالغة في التماهي مع ذائقة الحشود التي تريد من الشاعر أن يكون مجرد صورة مطابقة لمفهومها عن الشعر. ومن بينها الإفراط في استخدام الصور النمطية التي تفقد بفعل التكرار قدرتها على الإدهاش، كتشبيه النهدين بزغلولين أو فرخي حمام أو ديكين روميين، وما إلى ذلك. وقد بدا الأمر واضحاً في أعمال نزار الأخيرة التي لم تكن سوى نوع من إعادة الصياغة لما سبقتْ كتابته. كما أن معظم شعره السياسي، باستثناء نصوص قليلة، من بينها «خبز وحشيش وقمر»، يقع تحت عنوان تبكيت الذات الجمعية، ويشكل استمراراً لفن الهجاء عند العرب. عدا عن كون هذا الشعر مكتوباً بالمفردات نفسها التي كُتبت بها قصائد المرأة والحب. على أن هذه الملاحظات لا تقلل أبدأ من قيمة الشاعر المتفرد، الذي يمكن لأي ورقة مهملة في الطريق أن تشي بلغته وأسلوبه، حتى لو حملت توقيع واحدٍ من مقلديه الكثر. ولعل نثر نزار قباني، أخيراً، كان يوازي شعره في النضارة وتصيد اللقى المباغتة والانسياب المائي. لا بل إن تخففه من الوزن والقافية والقيود الأسلوبية المرهقة كان يتيح لنصوصه النثرية أن تقطف ما تشاء من ثمار التخييل، وأن تتجول في الأرجاء الفسيحة للغة الضاد، وأن تضع في متناول الشاعر كل ما تخبئه من كنوز.



جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»
TT

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

بعد حيازته عام 2015 جائزة «أفضل عمل روائي لبناني» عن كتابه «غريقة بحيرة موريه»، التي منحته إياها وزارة الثقافة اللبنانية، أعلنت هيئة الشارقة للكتاب منحها جائزة «أفضل رواية عربية» للزميل الشاعر والروائي والباحث

أنطوان الدويهي

عن رائعته الأخيرة «الشتاء الكبير»، التي كانت «الشرق الأوسط» نشرت مؤخراً حواراً معه حولها.

وتشكّل هذه الجائزة للدويهي مفاجأة نظراً لبعد الكاتب عن الأضواء وتنسّكه في نشاطه الأدبي، فهو دائم الإقامة في الذات، ومنعزل منذ زمن طويل في خلوته على كتف وادي قزحيّا في أعالي جبل لبنان.

وترتكز أعمال الدويهي الأدبية والشعرية والسردية على عوالم الذات، وهي مستمدة بكاملها من «يوميات الحياة الداخلية»، المستمر في صوغها منذ سن الرابعة عشرة إلى اليوم، ولا مصدر آخر لكتاباته، بحثياً كان أم توثيقياً. ومن هنا وحدة عالمه الأدبي العميقة، وتكامله، ووحدة لغته وهواجسه ومشاعره، ورؤاه الجمالية في كل أعماله المتوالية على مدى ثلث قرن، من «كتاب الحالة» عام 1993 إلى «الشتاء الكبير» الصادر حديثاً.

ومن أهم مفاعيل هذه الجائزة أنها تلفت القراء العرب إلى أديب مختلف، بالغ الخصوصية في الآداب العربية، في غوصه في أعماق النفس البشرية وتماهيه مع روح الأمكنة والمشاهد والحالات، حيث تلتقي ذات الفرد بذات الأرض وذات الجماعة. وبهذا المعنى ذكر عنه الشاعر أنسي الحاج: «ماذا كتب؟ كتب ذات فرد وذات أرض وذات شعب». وذكر أيضاً: «يُقرأ أنطوان الدويهي كما تُفرد حبات اللؤلؤ». وبهذا المعني أيضاً كتب الأديب والصحافي سمير عطاالله: «منذ أن بدأت في قراءة الدويهي، اعتدت الانجذاب في غبطة إلى هذا الخدر الآسر الأثير. فليس أهنأ إلى نفسي من قلم له هذه التجربة في عمق الذات، وله مثل هذا الصمود في عمق النقاء».

وتأتي هذه الجائزة لتتجاوز الاتجاه الذي بات سائداً لدى عديد من الروائيين العرب، وفي الغرب أيضاً، الذي يمكن اختصاره بعبارة «أدب الموضوعات»، حيث ينتقل الروائي في كل عمل جديد من موضوع إلى آخر، يحشد له في كل مرة المعلومات البحثية والتوثيقية، وبات يشارك في صنعه في أحيان كثيرة الذكاء الاصطناعي. ويشكل هذا المنحى ابتعاداً عن عوالم الأدباء الذاتية، ونزوحاً من «أدب الكتّاب» إلى «أدب القراء» وفقاً لمنطق السوق وحركة العرض والطلب التجارية. أما أدب الدويهي، المستند إلى وحدة الحياة الداخلية في الزمان وفرادتها وذاتيتها وخصوصيتها وعمقها، فهو إعادة اعتبار للأدب الكبير، وهو النقيض الأمثل لعالم كتابي يغرق أكثر فأكثر في متاهات وسائل التواصل الاجتماعي ومؤثرات الذكاء الاصطناعي التي تقود إلى نهاية الأدب.

في «الشتاء الكبير»، يروي الدويهي عذابات سن السابعة عشرة، ويستحضر الذاكرة والمكان، بلغة عميقة وفلسفية ومتينة، تمزج بين التأمل ووصف الطبيعة واستكشاف أثر العنف والذاكرة على الإنسان. نحن أمام رواية رمزية وفلسفية تبحث في سلوك الإنسان وعلاقته بذاته، وتقوم على التأمل الذاتي الذي يعيشه الراوي، وعلى علاقته بالحياة والموت والعنف والحرب. أما الشخصيات الأخرى، فهي أقرب إلى ظلال تحيط به، ووجودها وظيفي لتحريك السرد أكثر مما هو محوري في بنية النص. وفي تأملاته العميقة، يناقش الدويهي ظواهر العنف والثأر والدم المستباح، ويربطها بالسلوك الفردي والجماعي، متسائلاً عن فكرة المسؤولية الجماعية وتأثيرها على النمط المتوارث في الثأر العائلي.


التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
TT

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟


جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
TT

جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. من بين أطلال هذين القصرين، خرج كمّ هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاختصاص على تصنيفها وتحديد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هذه القطع شهرة واسعة، وظلّ البعض الآخر في الظل، مصدر بعضٍ منها قصر الحير الغربي، ومنها تبرز ثلاثة مجسّمات يمثّل كلّ منها قامة على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي انتشر انتشاراً واسعاً خلال الحقبة الرومانية.

تعود هذه المجسّمات إلى القاعة التي تشكّل مدخلاً للقصر، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طول كلّ منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعدّدة، وعُرف في معجم الفنون الكلاسيكية باسم «العرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في القرن الرابع، حيث ظهر المسيح مترّبعاً عليه، وظهرت أمّه السيدة مريم العذراء في وضعية مماثلة، وتحوّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلى واجهة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّى من هذا النقش الناتئ متر، وعرضه 90 سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي.

تُعتبر هذه القطعة من أشهر قطع قصر الحير الغربي، وهي ليست فريدة من نوعها، إذ تقابلها المجسّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بشكل كامل، وهي تتشابه من حيث التكوين، غير أنها تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّل رجلاً ملتحياً، يجلس على عرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الوسط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما محدّدان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. سقط الأنف الناتئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يفصل بين شفتين غابتا تحت شاربين عريضين تتصلان بلحية كثيفة حدّدت خصلها بشبكة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفاً عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الكلاسيكي، غير أنه يحمل مسحة محلية خاصة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقاً لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني.

تتكرّر صورة العرش في المجسمين الشبيهين، وتحضر في كلّ منهما امرأة، فقدت إحداهما رأسها بشكل كامل. يظهر الرأس الذي نجا على قامة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كلّ منهما. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهشّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشبه بشبكة زخرفية. اللباس بسيط، زينته عقد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حول الخاصرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية.

تظهر المرأة الأخرى في وضعية مشابهة، زينتها عقد لؤلؤي تتوسّطه قلادة مستديرة تتدلّى منها ثلاثة فصوص بيضاوية، وحزام يأخذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّز جليسة هذا العرش بما ترفعه ذراعاها نحو الأعلى. تنتصب اليد اليمنى عمودياً، وتحمل كتلة تبدو أشبه بكوز من الرمان، يقابلها عنقود من العنب يحتلّ طرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهو في قاموس الفن الكلاسيكي «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض، وقد في القرن الخامس قبل الميلاد فارتبط بسيد العالم السفلي الذي عُرف باسم «هاديس»، أي «مانح الثروة»، كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال.

تعدّدت صور هذه السيدة ورموزها في الحقبة الرومانية، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة بها. تجرّدت هذه الصورة في الحقبة البيزنطية فبقيت رمزاً لثراء الأرض الطيبة، ودخلت الفن الأموي المدني من هذا الباب، كما تشهد جداريات قصير عمرة في صحراء الأردن، حيث تحضر في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش».

في الخلاصة، تُشكل مجسّمات قصر الحير الغربي من خلال هذه المقارنة صورة منقوشة موازية لهذا الحضور التشكيلي. يحضر المَلك على عرشه، وتجاوره وصيفتان تجسّدان الثراء والوفرة والعطاء، وهي المزايا التي تتميّز بها سلطته الملكية الصالحة.