نزار قباني حرر اللغة من معاجمها والجسد من قيوده المرهقة

في الذكرى الحادية والعشرين لرحيل صاحب «أشعار خارجة على القانون»

نزار قباني
نزار قباني
TT

نزار قباني حرر اللغة من معاجمها والجسد من قيوده المرهقة

نزار قباني
نزار قباني

قلّ أن أثار شاعرٌ في دنيا العرب ما أثاره نزار قباني خلفه من غبار التساؤلات والسجالات النقدية الموزعة بين التأييد والرفض، الابتهاج والاستنكار، الثناء المفرط والتبخيس المفرط. فمنذ مجموعته الأولى «طفولة نهد»، وحتى آخر أعماله، لم يترك الشاعر الخيار لأحد من القراء أن يظل حيادياً إزاءه، ولم يكف عن تحريك المياه العربية التي كاد الركود المزمن يحولها إلى مستنقع واسع من التأسن والبلادة والمراوحة القاتلة. صحيح أن قباني لم يستهل مغامرة الحداثة الأولى التي خاضها جبران خليل جبران وشعراء المهجر وأدباؤه بجرأة نادرة، وصحيح أنه لم ينخرط في صفوف الآخذين بناصية الحداثة الثانية التي رفع لواءها السياب ونازك والبياتي وأدونيس وآخرون، ولكن الصحيح أيضاً أن قباني قد اجترح حداثته الخاصة التي لا تمتح من مياه الآخرين، وأنه لم يكن مجرد حادثة عابرة على طريق الشعر، بقدر ما كان أحد الرواد القلائل الذين وسّعوا ذلك الطريق إلى حدوده القصوى، وأخرجوا هذا الفن من عزلته المتفاقمة ليعود على يديه ديوان العرب وخبزهم اليومي ومثار افتتانهم باللغة.
ومع أن البعض أسرفوا في تسفيه تلك الظاهرة الفريدة التي مثّلها الشاعر على امتداد حياته، واعتبارها لا تعدو كونها عزفاً على وتر الغرائز المكبوتة، أو حطاً من مكانة المرأة وتوظيفاً لجسدها في بازار الترويج النجومي للذات، أو تلهياً عن كشوف الأعماق بقشور الجمال المسطح، فإن المرء ليتساءل، وبعد أكثر من عقدين على غياب الشاعر، هل كان نزار قباني ليقف ثابتاً في وجه الزمن، لو لم يكن قد زوّد الحياة والشعر العربيين بما يحتاجانه من عدة ملائمات لافتراع الأمل، والتحرر من المكبوت، ومواجهة القمع الذكوري.
وهل انتزع الشاعر مكانته المميزة من جرأة الموضوعات التي تناولها، أم من عناصر أخرى متصلة بلغته وأسلوبه؟ وأيهما الأهم، تالياً، دعوته إلى تحرير المرأة من أقبية التهميش وسجون التقاليد الموروثة، أم دعوته إلى تحرير اللغة من ربقة التنميط، وخواء التكلف، وبلادة القواميس؟
سيكون من الصعوبة بمكان أن تحيط هذه المقاربة العجلى بتجربة شاعر ريادي تأسيسي من وزن نزار قباني، إلا أن ذلك لا يحول دون مقاربة هذه التجربة من وجوهها الإيجابية الكثيرة، دون أن يعني ذلك غضاً للنظر عن بعض الهنات السلبية التي لا يمكن لأي شاعر مهما أوتي من الموهبة والإرادة أن يتجنب الوقوع في مزالقها. وأستطيع القول بداية إن شعر نزار لم يكن وليد تصاميم جاهزة أو تصورات مسبقة حول اللغة الجزلة والإيقاع الفخم والفحولة التعبيرية، بقدر ما هو تعبير صادق عن التحولات العميقة التي أصابت المجتمع العربي في حقبة ما بعد الحربين الكونيتين، وفي خضم معارك الاستقلال والتحرر الوطني. لقد بدا الخطاب النزاري من بعض زواياه بمثابة رد رمزي على خطاب القسوة والعنف الذي أنتجته الحروب المدمرة بشقيها القومي والعالمي.
وهو قد أحلّ التهليل للحياة وتمجيدها محلّ الغرق في وهدة اليأس والتفجع، وأبعد الكتابة عن التجهم العقائدي والرصانة الفظة والاحتفال التعزيمي بالموت، ليجعلها تمجيداً للحياة واحتفالاً أبيقورياً باللذة وإعلاءً للجسد بوصفه الممر الإلزامي لمنع الحب من التحول إلى فاجعة «عذرية» أو مرض نفسي. ولعل الثورة النزارية الجسدية تتصادى من هذه الزاوية مع ما حدث قبيل ذلك في الغرب من تحولات في نظام القيم، ومن إعلاء للشهوة الجسدية. وهو ما يشير إليه دينيس دي رجمون في كتابه الشهير «الحب والغرب»، حيث يرى أن الحرب العالمية الثانية قد أدت إلى انكسار المفهوم التقليدي للعائلة والتضامن الأسري، وإلى تراجع الحب البطولي الفروسي لمصلحة المتعة الجسدية والشغف الأفروديتي بالملذات.
وقد تقودنا هذه المقاربة إلى الاستنتاج أن شعر نزار قباني يقع في الخانة المضادة لما يمثله سعيد عقل، على مستويات الأسلوب واللغة والدلالة الاجتماعية والرؤية إلى العالم. فشعر نزار الذي يحثٌّ على التحرر والانفتاح، ويتجاوز الخطوط الحمراء في العلاقات بين الجنسين، هو شعر مديني بامتياز، بقدر ما هو تعبير عن حاجة البورجوازية العربية الصاعدة إلى الخروج من شرانق التقوقع «الريفي» والمثاليات الرومانسية للإقطاع القديم. في حين أن شعر صاحب «قدموس» يبدو وكأنه ينتمي إلى زمن سابق متصل بعالم البراءة الريفية والإقطاع الفروسي، حيث الأخلاق نابعة من قيم الشجاعة والكرم والشهامة والنبل من جهة، وحيث المرأة وجود أثيري تهويمي لجسدٍ يقع فوق السرير «وقوع الهنيهة في المطلق». وهي بالمقابل وعدٌ مستبعد ومخترقٌ بنصال الموت، أو جسدٌ لم يُخلق «ليُشمّ ولا ليُضمّ»، ولكن «كي يبقى حلماً يُحلمْ». وفي حين تضيّق مثالية سعيد عقل الخناق على معجمه التعبيري الذي لا يُبقي في دائرة الشعر سوى الكلمات «النبيلة» والمنمنمات اللفظية المتخيّرة بعناية، يشرّع نزار قباني أمام الشعر كل مفردات المعاجم وكل مصطلحات اللغة اليومية، حيث لا تمييز بين هو شعري وما هو نثري إلا من خلال السياق التعبيري، وطريقة المؤالفة بين الكلمات. من هنا نفهم قول الشاعر في أحد حواراته الصحافية: «كانت لغة الشعر متعالية، متعجرفة، بيروقراطية، بروتوكولية، لا تصافح الناس إلا بالقفازات البيضاء، ثم رفعتُ الكلفة بيني وبين لغة (لسان العرب) و(محيط المحيط)». إنها لغة لا تخجل من أن تفسح في المجال لكل الجزئيات والتفاصيل وأدوات العيش كالمنفضة والموكيت والجورب والكافيار والدانتيل والتفتا وغير ذلك. لقد كانت لنزار قدرة هائلة على زج الحياة كلها في هذه المنازلة الجميلة بينه وبين اللغة. فمعه لم يعد هناك فاصل يُذكر بين لغة الشعر ولغة النثر، أو بين لغة الفصاحة المتقنة ولغة المشافهة اليومية الجارية على الألسن. على أن الموهبة المتوقدة والإحساس العارم بالجمال يتكفلان بتسييل المواد الخام للكتابة في مائيات شعرية بالغة الرهافة والتناسق والتوالد التلقائي.
إنه لمن الظلم بمكان أن يحاول بعض الشعراء والنقاد المعاصرين نفي صفة الحداثة عن نزار قباني أو طرده من جنتها المزعومة. فالحداثة لا تنحصر في تعريف واحد. كما أن الوصول إليها قد يعتمد طرقاً شتى، يقوم بعضها على المساءلة المعرفية للوجود والأشياء، وبعضها على تجاوز المنظور القديم للبلاغة، وبعضها الآخر على الكشف الرؤيوي الصوفي. فيما تقوم حداثة نزار على خطين متلازمين هما: تحرير لغة الشعر من صنميتها وتكلسها المرَضي، وتحرير الجسد المغلول من مكبوتاته وقيوده المرهقة.
وهو ما تعكسه بعض النصوص التي تجمع بشكل لافت بين أنوثة المرأة وأنوثة اللغة «تتحضّر حين أحبك آلاف الكلماتْ\ تتشكل لغة أخرى\ تسرع أنفاس الساعاتْ\ ترتاح حروف العطفِ وتحْبل تاء التأنيثِ\ وينبت قمحٌ ما بين الصفحات». وليس من باب الإنصاف أن يرى البعض نزار بوصفه نسخة عربية من «كازانوفا»، أو «شهريار» جديداً من الانتشاء بالنفس والخيلاء السادي، مستندين إلى أبيات له من مثل: «طرزتُ من جلد النساء عباءة\ وبنيتُ أهراماً من الحلمات\ مارستُ ألف عبادة وعبادة\ فوجدتُ أفضلها عبادة ذاتي»، متناسين أن «أنا» المتكلم لا تعبر بالضرورة عن الشاعر كفرد، بل عن نماذج إنسانية مختلفة، من بينها بعض النخاسين الذين يرضون نزوعهم الطاووسي عبر تسليع المرأة، وتحويلها إلى مجرد أداة للمتعة العابرة. والذين يصوبون على الشاعر من خلال إلحاحه على مفاتن المرأة الجسدية و«تهتكه» الإباحي يتناسون أن تراثنا العربي، بشقيه الشعري والنثري، حافل بالنصوص الجنسية الصريحة، وهو لا يتورع عن تسمية الأشياء بأسمائها دون محاذير أو توريات. فضلاً عن أن انتزاع المفردات الجسدية، كالردف والنهد والخصر والعنق والساقين والشفتين، عن سياقاتها سيفعل في النصوص ما يفعله الديناميت في البحر، بحيث تطفو هذه المفردات كالسمك الميت على سطح الكتابة. كما أن محاكمة الشعراء بمعايير أخلاقية بحتة تقتضي أن نطرد من جنة الشعر بعض أكثر الأسماء تميزاً في تراثنا العربي، من أمثال امرئ القيس وعمر بن أبي ربيعة وأبي نواس وبشار بن برد. والحقيقة أن أي رؤية منصفة إلى تجربة الشاعر ينبغي أن تتم من خلال انتصاره للأنوثة كقيمة إنسانية وجمالية، عملت السلطة العربية الذكورية على طمسها وتغييبها، إن لم أقل وأدها، لقرون طويلة من الزمن.
لا يبدو الشعر عند نزار قباني، من جهة أخرى، وليد احتكاك اللغة بنفسها، كما عند البعض، بل هو نتاج احتكاك اللغة بالواقع وبلحم الحياة الحي. كما إن الصورة عنده تمتلك قدراً عالياً من التمرئي على شاشة المخيلة. فكل قصيدة من قصائده هي وليمة كاملة من الحواس، يتداخل فيها المرئي بالمسموع، والمشموم بالملموس والمتذوَّق، وتتبادل كلٌّ منها الأدوار مع الأخريات، كقوله «تخيلت حتى جعلت العطور ترى»، أو «ففي الظل يغدو لعطرك صوتٌ»، أو «وريشتي بسعال اللون تختنقُ»، أو كحديثه عن «الرحيل البرتقالي»، و«هسهسات الحلق الطويل». أما الصور الشعرية فهي تكتسب تميزها من بُعدها المشهدي وتوالدها الدينامي النابض بالحياة: «وأنا أعرف طعم العرَق المالح يجري من مساماتك\ والجرح الطفولي على ركبتك اليسرى\ وهذا الوبَر النامي على سلسلة الظَّهر كأسلاك الحرير».
ولعل نشأة الشاعر في بيئة مدينية أرستقراطية، فضلاً عن عمله الدبلوماسي، قد وفرت له الكثير من مصادر الثقافة والمعرفة، ومكنته من الإلمام بفن الرسم ومن تذوق الموسيقى والعزف على بعض آلاتها في الآن ذاته.
وهو إذ اعتبر الشعر نوعاً من «الرسم بالكلمات»، عرف في الآن ذاته كيف يرشّق بحور الخليل وينوع الأوزان، ويحول قصائده ومقطوعاته إلى حدائق صوتية رافلة بالأجراس والإيقاعات الراقصة. ولعل هذه العناصر مجتمعة، إضافة إلى تناول شعره لمختلف المشاعر والأحاسيس والمواقف الإنسانية المتغايرة، هي التي حملت الكثير من المغنين والمغنيات على تحويل الكثير من نصوصه إلى أغنيات وأناشيد، يرددها ملايين المستمعين المنتشرين على امتداد الأرض العربية.
ومع أن شغف نزار قباني بالحرية قد قاده إلى الانفتاح على مجمل أنواع الكتابة وأساليبها، جامعاً بين بحور الخليل وبين قصيدتي التفعيلة والنثر، فإنه لم يلق من معظم رموز الحداثة ونقادها سوى الكثير من التشكيك والتوجس وسوء التقدير. فهؤلاء رأوا في تجربته عزفاً على وتر المكبوت الجمعي، وملامسة للجمال في سطوحه الظاهرة، وابتعاداً عن شاعرية الأعماق وأسئلة الوجود الكبرى. وإذا كان من غير الجائز أن يحكم البعض على نزار من خلال مقاربة للشعر لم يكن هو نفسه مقتنعاً بها، كإقحام الشعر في شؤون الفلسفة والفكر والتنظير المعرفي، إلا أن ذلك لا يحول دون الإشارة إلى بعض النقاط السلبية التي اعتورت تجربة صاحب «كتاب الحب» و«قصائد متوحشة»، من بينها المبالغة في التماهي مع ذائقة الحشود التي تريد من الشاعر أن يكون مجرد صورة مطابقة لمفهومها عن الشعر. ومن بينها الإفراط في استخدام الصور النمطية التي تفقد بفعل التكرار قدرتها على الإدهاش، كتشبيه النهدين بزغلولين أو فرخي حمام أو ديكين روميين، وما إلى ذلك. وقد بدا الأمر واضحاً في أعمال نزار الأخيرة التي لم تكن سوى نوع من إعادة الصياغة لما سبقتْ كتابته. كما أن معظم شعره السياسي، باستثناء نصوص قليلة، من بينها «خبز وحشيش وقمر»، يقع تحت عنوان تبكيت الذات الجمعية، ويشكل استمراراً لفن الهجاء عند العرب. عدا عن كون هذا الشعر مكتوباً بالمفردات نفسها التي كُتبت بها قصائد المرأة والحب. على أن هذه الملاحظات لا تقلل أبدأ من قيمة الشاعر المتفرد، الذي يمكن لأي ورقة مهملة في الطريق أن تشي بلغته وأسلوبه، حتى لو حملت توقيع واحدٍ من مقلديه الكثر. ولعل نثر نزار قباني، أخيراً، كان يوازي شعره في النضارة وتصيد اللقى المباغتة والانسياب المائي. لا بل إن تخففه من الوزن والقافية والقيود الأسلوبية المرهقة كان يتيح لنصوصه النثرية أن تقطف ما تشاء من ثمار التخييل، وأن تتجول في الأرجاء الفسيحة للغة الضاد، وأن تضع في متناول الشاعر كل ما تخبئه من كنوز.



ذكريات مكسيم غوركي عن معاصريه من الأدباء الروس

غوركي
غوركي
TT

ذكريات مكسيم غوركي عن معاصريه من الأدباء الروس

غوركي
غوركي

يمثل الروائي والكاتب المسرحي الروسي مكسيم غوركي (1868- 1936) حلقة وصل بين عهدين من تاريخ الأدب الروسي: العهد القيصري الذي كتب في ظله عمالقة من أمثال تولستوي ودوستويفسكي وتورجنيف وتشيخوف، والعهد السوفياتي عقب ثورة أكتوبر (تشرين الأول) 1917 الاشتراكية، وأدبائه عبر السنين من أمثال مايا كوفسكي وشولوخوف ويفتشنكو. ورغم أن غوركي كان منحازاً إلى هذا العهد التالي، بل كان أكبر ممثلى «الواقعية الاشتراكية» - المذهب الأدبي الرسمي للدولة الشيوعية - وأول رئيس لاتحاد الكتاب السوفيات في 1934 وحائزاً على رضا الديكتاتور ستالين، فقد كان أوسع أفقاً من أغلب معاصريه الشيوعيين، فهو منفتح على الآداب الغربية، قارئ جيد للتراث الإنسانى، وغير ناكر لفضل الجيل العظيم الذي سبقه. تشهد بهذا كتاباته النقدية وذكرياته عن أدباء ذلك الجيل، ومنها الكتاب الذي نتوقف عنده هنا «ذكريات عن تولستوي وتشيخوف وأندريف» (Reminiscences of Tolstoy, Chekhov and Andreyev).

تشيخوف

وقد صدرت له ترجمة، من اللغة الروسية إلى اللغة الإنجليزية، بقلم بريان كارتنك (Brian Karetnyk) في سبتمبر (أيلول) 2025 عن دار فيتزكارالدو للنشر في قرابة 200 صفحة (سبق أن ترجم الكاتب المسرحي المصري ألفريد فرج بعض هذه الكتابات إلى اللغة العربية، كما ترجم الناقد فؤاد دوارة مختارات من مقالات غوركي النقدية، منها مقالة موضوعها «الانحلاليون» أي الشعراء الفرنسيون البوهيميون في أواخر القرن التاسع عشر، مثل أرتور رامبو وبول فرلين).

أهم هذه الكتابات مقالة غوركي في 1919 عن تولستوي. وكان غوركي -الذي فقد أباه في سن الحادية عشرة- يعد تولستوي أباه الروحي رغم الاختلاف الشاسع بين آيديولوجية الكاتب الشاب اليساري والمتصوف المسيحي العجوز مؤلف الروائع «الحرب والسلام» و«آنا كارنينا». كان غوركي في صباه وشبابه وقد عرك الحياة عصامياً علّم نفسه بنفسه وكان عاملاً مكافحاً اشتغل صبي حرفة لدى إسكافي وفي مطبخ سفينة تعبر نهر الفولغا ثم خبازاً في قازان. وحين قدّم المخرج ستانسلافسكي مسرحية غوركي «الحضيض» أو «الأعماق السفلى» على مسرح الفن في موسكو عام 1902 بدأ غوركي يجذب الأنظار، لا في روسيا وحدها، وإنما في أوروبا أيضاً. وما لبث تشيخوف أن قدّمه باعتباره كاتباً واعداً إلى تولستوي، فكان غوركي يحج إلى بيت الأستاذ في ياسنايا بولينا أو في القرم.

تولستوي

وبعد عامين من نشر مقالته عن تولستوي، انتقل غوركي إلى جزيرة كابري في إيطاليا. وفي العقد الخامس من عمره بدأ يسجل ذكرياته عن الأدباء الذين عرفهم قبل قيام ثورة 1917. وكما يقول آدم ثرويل في مراجعة للكتاب في «لندن رفيو أوف بوكس» (25 يونيو / حزيران 2026) كانت هذه الذكريات سجلاً لماضٍ بطولي، خاصة أنها تصدر بعد أن رحل تولستوي وتشيخوف عن الدنيا.

لم يكن غوركي يغفل تسجيل أي مشهد أو محادثة مهما كانت بسيطة حتى تافهة. فهو يذكر مثلاً أن تولستوي أثنى على أقصوصة تشيخوف المسماة «العزيزة» في حضور مؤلفها: «ذات يوم كان تشيخوف يعاني من ارتفاع في درجة الحرارة، يجلس وعلى وجنتيه بقع حمراء ورأسه مائل إلى الأمام، ينظف منظاره المثبت على الأنف مدققاً. لم يقل شيئاً لبرهة، وأخيراً وهو يتنهد، قال بهدوء محرجاً: إن فيها أخطاء طباعية.. قصة بسيطة ولكنها تلقي الضوء على جانب مهم من شخصية تشيخوف، هو الإنسان الدمث المتواضع الذي لا يفخر بمنجزاته، وإن كانت منجزات رائعة قل أن يصل إليها غيره».

وكانت المودة متبادلة بين تولستوي وتشيخوف. لصلاح عبد الصبور مقالة عنوانها «عدو التفاهة» في كتابه «مدينة العشق والحكمة»، يقول فيها عن تشيخوف: «عندما يتحدث عن تولستوي تسبح على عينيه ابتسامة شاحبة رقيقة وخجولة معاً، وينخفض صوته كأنه يتحدث عن شيء قابل للكسر... شيء ينبغي أن يتناوله الإنسان في حرص وفي حب».

وموقف غوركي من تولستوي يلخصه قوله: «لن أكون يتيماً ما ظلّ هذا الرجل يعيش على ظهر الأرض». أبوة روحية رغم الفارق الطبقي الكبير بين تولستوي النبيل الأرستقراطي وغوركي البروليتاري القادم من أسفل السلم الاجتماعي.

وتكشف محادثات غوركي مع تولستوي عن آراء هذا الأخير في عدد من الأدباء. يقول مثلاً: «إن للفرنسيين 3 كتّاب: ستندال وبلزاك وفلوبير. هناك أيضاً موباسان بطبيعة الحال، ولكن تشيخوف خير منه. أما عن الأخوين جونكور فأي مهرجين هما! إنهما لا يعدوان أن يتظاهرا بالجدية. لقد عرفا الحياة من كتب وضعها مؤلفو قصص خرافية مثلهما، وظنّا أنها جدّ. لا أحد بحاجة إلى ذلك». وقد اختلف غوركي معه في هذا الرأي «وضايقه هذا بعض الشيء». كذلك صار تولستوي غير راضٍ عن دوستويفسكي قائلاً: «إن قراءته شاقة ولا تفضي إلى شيء».

كان غوركي يعد تولستوي أباه الروحي رغم الاختلاف الشاسع بين آيديولوجية الكاتب الشاب اليساري والمتصوف المسيحي العجوز

كذلك كتب غوركي عن ليونيد آندريف، وهو - وإن يكن أقل شهرة من تولستوي وتشيخوف - قاصّ وكاتب مسرحي ومصور فوتوغرافي موهوب. وقد صدّر أول مجموعة قصصية له عام 1901 بإهداء إلى غوركي الذي شجّعه على دخول مضمار الأدب. ومن رواياته «السبعة الذين شنقوا» (لها ترجمة عربية) عن الإرهاب السياسي. وله أكثر من 20 مسرحية، منها «هو الذي يصفع» (مترجمة أيضاً إلى العربية). وإذ كان مناهضاً لثورة أكتوبر 1917، فقد عاش خارج روسيا ومات منفياً في فنلندا.

والمفارقة أنه بعد مرور 10 سنوات على كتابة هذه الذكريات غدا غوركي ذاته - في نظر أجيال الشباب - حكيماً مثل تولستوي. وفي مؤتمر الكتاب المنعقد في 1934 (الحقبة الستالينية) غضّ غوركي من شأن «الواقعية النقدية» التي يمثلها تولستوي وتشيخوف، ودعا بدلاً منها إلى «واقعية اشتراكية» أدخل في باب الدعاية منها في باب الفن. وأحجم عن مدّ يد العون لأدباء أصغر سناً، مثل الشاعر أوسيب ماندلستام، حين كان هؤلاء الأدباء في أمس الحاجة إلى غذاء وكساء.

وإذا غضضنا الطرف عن هذه السقطات - وهي تكثر في ظل الأنظمة الديكتاتورية - فستظل هناك حقيقة مستفادة من هذا الكتاب؛ أن فوارق السن بين الأجيال لا يجب أن تحول دون تواصلها. واختلاف الرأي السياسي لا يجب أن يفسد للودّ قضية. فما يجمع بين الأدباء أكبر مما يفرق بينهم، كلهم سدنة في معبد الفن مهما جنحوا يميناً أو وسطاً أو يساراً، فالفن أبقى من السياسة.


الشعر مواجهاً جروح الذات

الشعر مواجهاً جروح الذات
TT

الشعر مواجهاً جروح الذات

الشعر مواجهاً جروح الذات

في ديوانها الثالث «أبتر فرعي من شجرة العائلة»، تضع الشاعرة المصرية آلاء فودة يدها بكل قسوة في جروح الذات، تنكأها بلا رحمة، ودون محاولات للتجميل، وبكل ما ينطوي عليه ذلك من عنف موجع، ومن ثم تصبح قصائد الديوان أشبه بصرخات مدوية، ناتجة عن الانعتاق المصحوب بالألم، أو بالصراخ المصاحب للولادة الجديدة. هذا العنف يطل برأسه ويعلن عن حضوره منذ العنوان الرئيس، الذي يبدأ بمفردة «أبتر»، بما تحمله من دلالات تتعلق بالدماء، وحينما تأتي المفردة في صيغة الفعل المضارع، فإن البتر هنا يصبح عملية متصلة، وديمومة لا تنتهي، فضلاً عن أن هذا البتر تمارسه الذات الشاعرة على نفسها، بوصفها فرعاً متصلاً ومنبثقاً من شجرة العائلة أو القبيلة، ومن ثم فإن هذا البتر، على ما فيه من عنف وألم، محاولة للتحرر من التبعية، وفكاً للارتباط بأي ماضٍ قبلي، محاولةً أن تكون الذات هي مرجع نفسها، وتاريخاً أول، ونبتاً أصلياً جديداً، لا يأخذ جدارته من كونه صورة أو امتداداً لأصل سابق.

الديوان صادر عن منشورات المتوسط في إيطاليا، ويتكون من 23 قصيدة، تنتمي لقصيدة النثر، وكلها مفعمة بروح المواجهة، وقطع الحبل السري الذي يربط الذات الشاعرة بالزمان والمكان، فالتاريخ عبء مؤرق يثقلها، وتريد أن تبدأ من درجة الصفر، أن تخط تاريخاً يبدأ من ذاتها، وترغب في التحرر من الأماكن والبيوت، التي تتحول إلى سجون تكبلها، بل إنها توجه نصائح في صيغة الأمر لقارئها الضمني «لا تملك بيتاً/ شتت نفسك بين ألف بيت/ لتسيل ذاكرتك بين البلاد/ ولا تملك وطناً/ ودّعه قبل أن يصير له رائحتك».

هذه الرغبة الحادة والعنيفة في القطيعة والتحرر، تتجاوز مجرد التمرد، إلى رغبة عميقة في تحرر الكتابة، وتحرير الجسد الذي تكبله سطوة القبيلة وهيمنتها. تأتي هذه الدلالات في سياقات جدلية، تقدم أسبابا وتفندها، وتعقد مقارنات بين العالم المأمول والعالم الواقعي، فالبيوت المشتهاة الجديرة بالانتماء إليها لم تعد موجودة، وفقدت أي دفء محتمل، فلم يبق منها سوى الجدران الخانقة، وأصبحت مصائد للحزن، حتى الدجاجات باتت مصدراً للقسوة. تقول في قصيدة «البيوت التي كانت أولى بالسكن»:

«حلمت كثيراً بالبيوت القديمة

التي لم تتسع لي؛

هجرتني أسرتها النحاسية،

وغاب عني دفء السمر على عتباتها،

لياليها الصيفية مصيدة للحزن،

دجاجاتها شرسة»

القطيعة مع العائلة وتاريخها وأمكنتها، أو بالأحرى مع هذه السجون الثلاثة، ليس فقط من أجل تحرر الذات الشاعرة، ولكن من أجل تحرير فروعها الجديدة، المنبثقة عنها بوصفها جذراً أولاً، وهن بناتها الثلاثة التي تهديهن الديوان قائلة «إلى ميرال ولمى وحلا: نظفت قلبي قدر المستطاع لتلعبن بأمان»، حيث تتصل مفردة «نظفت» هنا بالانخلاع من الماضي الثقيل، وكنس أوساخه، بحثاً عن الأمان لمستقبل هذه الفروع. وبالتوازي مع هذا الإهداء، تصدّر الشاعرة ديوانها بمقطع لافت للشاعرة، تايلاندية الأصل، لانج لييف، تقول فيه: «ما معنى أن تكون شاعراً؟/ أن تفتح نفسك مثل هوة سحيقة خربة/ الكل يرى ما بداخلك/ لكن لا أحد يدرك من أنت». فضلاً عن وحدة الجندر وتقارب المرحلة العمرية بين الشاعرتين، ففي هذا التصدير أربعة مرتكزات دلالية تصل هذا المقطع ببنية الديوان، أولها سؤال الشعر ومعناه، وثانيها الشعر بوصفه اعترافاً وكشفاً عما تمور به الذات من هواجس. وثالثها رؤية الآخرين وتلصصهم على هذه الدفقات الاعترافية الأقرب للفضح الذاتي. ورابعها الفرق بين الرؤية التي يمارسها «الكل»، وعدم الإدراك العميق لجوهر الذات وألمها، فالجميع يرى، لكن لا أحد يدرك.

في مسارها الاعترافي، تستخدم الذات لغة حادة وكاشفة، لا مواربة فيها، حتى في اعترافها بانسحاقها القديم، وبتحولها هي نفسها إلى آلة قمع ذاتي لأحلامها وأفكارها وحتى جسدها، خنوعاً لتقاليد القبيلة، لتحوز ذلك الرضا المقدس، وتصنع موازاة بين ذاتها وبين النهر، الذي تخلَّى عن تدفقه وعنفوانه، وكان يسير بـ«صوت مكتوم، يشبه صوت قلبي حين أذعنت لتعاليم القبيلة». وتستغرق في سرد تجربة الإذعان هذه، كاشفةً كيف تحوَّلت هي نفسها إلى القمع الذاتي، تقول في «بلا شجرة عائلة»:

«ولأنني بنت القبيلة البارة؛

آمنت بالأب والأم والمجد العائلي،

قمطت صدري بلثام الخوف،

ووضعت حجراً بين ساقيّ،

حملت على رأسي نفايات حروبهم،

روث كلمات قذفوها ساعة الغضب»

هكذا، يتحول الأب والأم والمجد العائلي، من شخوص ومعان ثقافية، إلى «ثالوث مقدس»، وكتلة سلطوية جاثمة على روح الذات الشاعرة، بل تحتل جسدها كاملاً، تلوثه، من رأسها الذي يحمل نفايات حروبهم، مروراً بالصدر المقموع خوفاً، وصولاً إلى الحجر الموضوع بين الساقين، إنه إحكام للسيطرة، وقمع لـ«العقل، والقلب، والرغبة الجسدية»، التي تصبح ثالوثاً مدنَّساً، مرفوضاً ومكبَّلاً، كي تحظى بالقبول، ويتم ترسيمها بوصفها «بنت القبيلة البارة».

في سعيها للانبتات والبتر، تعيد الشاعرة تعريف العالم ومفرداته، عبر صيغ السؤال التي تنتشر كثيراً في الديوان، حتى إنها تخصص قصيدة بعنوان «أسئلة»، تنبني كلها على تقديم معرفة جديدة بكل شيء، عبر بنية السؤال والجواب، من أبسط الأشياء والمعاني إلى أكثرها وجودية وفلسفية: «ماذا عن الشعر؟ يد الله الحانية. ماذا عن الأمومة؟ مرآة تصفعك كل ليلة. ماذا عن الجسد؟ شاهد الحكاية الذي لا ينسى. ماذا عن الموت؟ فارس الملحمة الموصوم دائماً بسوء السمعة»، إنها رغبة في القطيعة مع أرشيف اللغة، والتمرد على العلاقات القديمة بين الدوال ومدلولاتها، محاولة صنع قاموس جديد، لشجرة مستقلة، مختلف عن لغة القبيلة والعالم.

ثمة مفارقة لافتة، فالذات الشاعرة الراغبة في الانفلات من كونها محض فرع لشجرة العائلة، نراها في القصيدة الأخيرة من الديوان تكرس نفسها مركزاً تدور حوله بناتها، ولا تجعلهن مجرد فروع، بل قبوراً تدفن فيهن أحلامها وأوجاعها، إنها نفس بنية الاستخدام والتسلط تعيد إنتاج نفسها، بل بشكل أشد قسوة، فتقول -ربما بنبرة عميقة من السخرية- في «يكبرن حولي»:

«أنجبت بنتاً وقلت لها:

صيري قبراً،

سأردم فيكِ؛

أحلامي التي اخترقها الحسد،

قلباً مضغ القسوة بكل النكهات».


إسكندرية نجيب محفوظ

إسكندرية نجيب محفوظ
TT

إسكندرية نجيب محفوظ

إسكندرية نجيب محفوظ

يذهب الباحث محمد المالحي في كتابه «نجيب محفوظ... حرافيش الإسكندرية وحكايات الرقيب»، الصادر عن دار «البديع العربي»، إلى مناطق أقل تداولاً في سيرة «أديب نوبل»، لا سيما تجربته مع مدينة الإسكندرية وعالمه هناك بين الأصدقاء والمقاهي والذكريات، فضلاً عن محفوظ الموظف، الذي مارس الرقابة على المصنفات الفنية وترك ملاحظاته على عدد من سيناريوهات الأفلام.

يستند المؤلف إلى العديد من الصور والخطابات المكتوبة بخط اليد والشهادات، وغيرها من المستندات النادرة في محاولة لتوثيق هذا الجانب من السيرة «المحفوظية»، منطلقاً من فكرة أساسية مفادها أن صورة «حرافيش محفوظ» ارتبطت في الذاكرة الثقافية بمجلسه الشهير في القاهرة، بينما ظلَّ هناك مجلس آخر أقل شهرة في الإسكندرية، فقد كان محفوظ يقضي في المدينة الساحلية عدة أشهر متصلة كل عام، بعيداً عن أسرته، في تقليد استمر قرابة ربع قرن، منذ سبعينيات القرن العشرين وحتى عام 1994، حين توقفت رحلاته المنتظمة إلى الإسكندرية عقب محاولة الاعتداء عليه.

هنا تأتي حكاية «شلة سان استيفانو»، وهي المجموعة التي ارتبط بها عميد الرواية العربية خلال إقامته الصيفية في الإسكندرية، وكان مجلسهم اليومي ينعقد في حديقة فندق سان استيفانو القديم، في الفترة المسائية، وتحديداً بين السادسة والتاسعة.

كما يستند المؤلف إلى شهادات أربعة من أفراد هذه الدائرة، وإلى صور نادرة وخطابات بخط يد محفوظ، ليعيد بناء أجواء المجلس الذي ظل بعيداً عن الاهتمام الإعلامي مقارنة بما حظي به مجلس «حرافيش قصر النيل» في القاهرة.

وتكتسب هذه الشهادات أهميتها من أنها تقدم محفوظ في حياته اليومية: علاقته بأصدقائه، طريقته في إدارة الحوار، عاداته خلال الإجازة، وصِلاته بالأشخاص الذين لم يكونوا بالضرورة أدباء أو مشاهير. ومن بين الأسماء التي تظهر في هذه الحكايات المحاسب سيد قناوي، الذي بدأت صداقته بمحفوظ في مقهى «ريش» عام 1969 قبل أن تنتقل صداقتهما إلى الإسكندرية.

ولا يعتمد المالحي على شهادات أفراد المجلس وحدهم، إذ يستعين كذلك بذاكرة المكان، بالمقاهي والمطاعم التي ارتادها محفوظ، وبباعة الكتب القديمة في شارع النبي دانيال، وبشهادات كبار السن ممن عاصروا وجوده في المدينة.

وينتقل الكتاب في نصفه الثاني إلى شخصية تبدو نقيضاً كاملاً لذلك الرجل الجالس مع أصدقائه في حديقة سان استيفانو: الرقيب نجيب محفوظ، فالأديب الذي عُرف بتمرده الإبداعي وجرأته الأدبية كان في الوقت نفسه موظفاً حكومياً ملتزماً بالقواعد، وعمل في مجال المصنفات الفنية، حيث مارس مهمة الرقابة على الأعمال السينمائية.

يعتمد المالحي في هذا القسم على عدد من السيناريوهات التي تحمل ملاحظات محفوظ بوصفه رقيباً، بينها أعمال لمخرجين بارزين مثل صلاح أبو سيف وحسن الإمام. وتتحول هذه السيناريوهات إلى وثائق تكشف طبيعة عمل محفوظ داخل جهاز الرقابة، وتسمح بقراءة جانب مهني من حياته ظل أقل حضوراً من صورته كروائي وقاص.

وتكشف وثائق الرقابة أن محفوظ لم يكن يعيش حياته في منطقة واحدة، فقد كان صباحه مرتبطاً بالوظيفة واللوائح، بينما كان عالمه الآخر يتشكل من الكتابة والسينما والأصدقاء والمقاهي، وتجعل هذه الثنائية القسم الثاني مكملاً للقسم الأول، رغم اختلاف الموضوع: في الحالتين نحن أمام محفوظ خارج الصورة النمطية التي رسَّختها شهرته الأدبية.