عشرات الآلاف يؤدون الصلاة بميدان الاعتصام أمام قيادة الجيش السوداني

مساع حثيثة لتشكيل حكومة انتقالية... وضبط أسلحة وأموال في وكر لميليشيا الأمن الشعبي الإخوانية

حشود سودانية امام مقر قيادة الجيش أمس (أ.ف.ب)
حشود سودانية امام مقر قيادة الجيش أمس (أ.ف.ب)
TT

عشرات الآلاف يؤدون الصلاة بميدان الاعتصام أمام قيادة الجيش السوداني

حشود سودانية امام مقر قيادة الجيش أمس (أ.ف.ب)
حشود سودانية امام مقر قيادة الجيش أمس (أ.ف.ب)

أدى عشرات الآلاف من المتظاهرين صلاة الجمعة أمام مقر القيادة العامة للجيش السوداني، عشية تجمع أكثر من مليون شخص وفدوا من العاصمة الخرطوم ومدن البلاد الأخرى لتأييد ما أطلقت عليه المعارضة «مليونية السلطة المدنية»، التي تهدف لممارسة المزيد من الضغوط على المجلس العسكري الانتقالي. وفي الأثناء، ضبطت أجهزة أمنية «وكر سلاح» تابعاً لميليشيا الأمن الشعبي، التابع للنظام الآفل، وعثرت الأجهزة الأمنية بداخله على كميات كبيرة من الأسلحة الخفيفة، ومبالغ مالية طائلة، جنوب الخرطوم.
وقال مصدر معارض، طلب إبقائه سرياً، إن قوى المعارضة ما تزال تتشاور بشأن تسمية ممثليها للجنة المشتركة بينهم والمجلس العسكري الانتقالي لبحث القضايا الخلافية. كما تتسارع الخطى حثيثاً من أجل تحديد أسماء أعضاء حكومة الانتقال، ورئيس الوزراء، وسط صعوبات بالغة.
وأوضح المصدر أن قوى «إعلان الحرية والتغيير» التي قادت الاحتجاجات والثورة، وعزل الرئيس عمر البشير، ما تزال تواجه صعوبات في تسمية ممثليها لمستويات الحكم الثلاثة «المجلس السيادي، ومجلس الوزراء، والمجلس التشريعي».
وحذر المصدر من البطء الذي يشوب عمل قوى المعارضة، وقال إن الزمن عامل حاسم في تحقيق مطالب الثوار، وإن أي تأخير يتيح للعسكر المزيد من مساحات المناورة، ويتيح للثورة المضادة تنظيم صفوفها لعرقلة أي تغيير حقيقي قد يحدث في البلاد.
وجدد المتحدث باسم «قوى الحرية والتغيير»، أمجد فريد، في مؤتمر صحافي أمس، أن القضايا العالقة بين المعارضة والمجلس العسكري الانتقالي ما تزال تدور حول مطلبهم «تكوين مجلس سيادة مدني»، فيما يصر الانتقالي على عسكرته، والاتفاق على تكوين مجلس الوزراء بصلاحيات تنفيذية كاملة.
وقال فريد إن قوى المعارضة لن تسمي مجلس وزراء قبل الاتفاق على سلطة تنفيذية كاملة لمجلس الوزراء، قبل الاتفاق على مجلس السيادة ومهامه، وحصرها في المهام السيادية، دون تدخل في عمل الجهاز التنفيذي، وتابع: «لن نسمي أسماء وزراء ليكونوا أداة طيعة بيد المجلس العسكري الانتقالي».
وفي إطار سعي المجلس العسكري الانتقالي للعبور بالحوار السياسي البناء حول ترتيبات الفترة الانتقالية، وبناء على اللقاء التشاوري الذي انعقد يوم الأربعاء الماضي مع قوى الحرية والتغيير، والذي خلص إلى تكوين لجنة مشتركة لبحث الرؤية المطروحة... فإن المجلس يؤكد أنه على تواصل مستمر معهم، بناء على الروح الوطنية والثقة المتبادلة التي سادت اللقاء، وأنه لا يزال في انتظار قوى الحرية والتغيير لتسمية وفدها لاستكمال الحوار.
وتراص آلاف المصلين في شمس الخرطوم الحارقة، وأدوا الصلاة بإمامه الشيخ الكفيف مطر يونس، وهو أحد الشيوخ المؤيدين للثورة، الذي استهل خطبته بهتاف الثوار «حرية.. سلام.. وعدالة»، ودعا لمحاسبة رموز النظام السابق، وشدد على أهمية محاسبتهم وتقديمهم لمحاكمات عادل.
من جهة أخرى، أدى بعض رموز النظام السابق الصلاة في أحد مساجد الخرطوم، وتوعدوا المعتصمين بتنظيم مسيرة مناوئة للمعارضة، ومؤيدة للمجلس العسكري الانتقالي، وهو ما قابلة الثوار بسخرية ورفض كبيرين، واعتبره بعضهم محاولة من قوى النظام المعزول لإثارة الفتنة، والتمهيد للانقضاض على الثورة الشعبية.
وتشهد البلاد حالة شد وجذب منذ عزل البشير وسقوط نظامه في 11 أبريل (نيسان) الجاري. فرغم التأييد الشعبي الواسع الذي تجده المعارضة، والتأييد الدولي والإقليمي للثورة الشعبية، فإن مطالب الثوار ما تزال بعيدة عن التحقق، وما يزال المجلس العسكري يصر على إشراك قوى من النظام المنحل في الحكومة الانتقالية.
ورغم ما يصفه بعض المحتجين بـ«التلكؤ» في تحقيق أهداف ومطالب الثوار، فإن ميدان الاعتصام ما يزال يستقبل المئات من المعتصمين، فيما يتوافد عشرات الآلاف يومياً من مدن البلاد الأخرى للمشاركة في الاعتصام.
وتطالب المعارضة بتسليم السلطة السيادية والتنفيذية والتشريعية للمدنيين، مع تمثيل للعسكريين في السيادة، مما أدى لتعثر التفاوض بين الطرفين، فأتبعت المعارضة مطالبها بإعلان «تعليق التفاوض»، مشترطة إبعاد ثلاثة من أعضاء المجلس العسكري تتهمهم بالتواطؤ مع النظام القديم.
وأول من أمس، اجتمعت «قوى الحرية والتغيير» مع المجلس العسكري، واتفق الطرفان على الاعتراف بأحقية المعارضة التي قادت التغيير بتكوين الحكومة الانتقالية، وأعلنت بعد الاجتماع بوقت قليل «استقالة» أعضاء المجلس الثلاثة، بيد أن المجلس لم يبت بشأن استقالتهم بعد.
ولقيت استقالة الثلاثي، رئيس اللجنة السياسية عمر زين العابدين وعضوي المجلس جلال الشيخ والطيب بابرك، ترحيباً واسعاً بين المعتصمين، بل واعتبر بعضهم القرار «سقوطاً ثالثاً» للنظام المباد، وهتفوا: «سقطت ثالثاً»، وهي إشارة إلى الهتاف «سقطت تاني» الذي أعقب إعلان استقالة وزير الدفاع السابق عوض بن عوف من رئاسة المجلس العسكري الانتقالي.
من جهتها، نقلت تقارير صحافية سودانية عن نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي محمد حمدان دقلو، الشهير بـ«حميدتي»، أنه كشف أسرار في غاية الأهمية تخص شركات كبرى تابعة لنظام المعزول عمر البشير، وأن هذه الشركات كشفت عن نفسها، وقال المسؤولون عنها إنهم «مأمورون».
وفيما ذكر حميدتي أنهم قبل عزل البشير وعدوه بالبقاء في الإقامة الجبرية، بيد أنه «أخلف عهده»، وألقى القبض على مبالغ 7 ملايين يورو (350 ألف دولار)، حاول تهريبها من محبسه الآمن، فاضطروا لنقله للسجن المركزي في كوبر.
ونقلت التقارير عن الرجل المثير للجدل قوله إن المحسوبين على الإخوان ضمن المجلس العسكري الانتقالي «وافقوا على التغيير، ولم يقصروا»، وتابع: «وإن كانوا مجبورين». وأوضح حميدتي أنهم اكتشفوا حساباً مجمداً منذ 2016 باسم رئاسة الجمهورية في أحد البنوك، به 142.8 مليار جنيه، و315 مليون ريال سعودي، وقال: «هذا حساب منسي»، وتابع: «وليعرف الناس أن هذه البلاد كانت مقسمة (كيمان)، كل شخص يحوز على كوم»، وأضاف: «أودعنا جل هذه المبالغ في بنك السودان».
من جهة أخرى، كشفت صحيفة «التيار» المستقلة عما أطلقت علية «عملية مداهمة واقتحام في غاية الدقة»، نفذتها قوات نظامية على أحد أوكار «خلايا الظل» التابعة لحزب المؤتمر الوطني.
وقالت الصحيفة، أمس، إن العملية كانت في غاية الدقة، ونفذتها قوات نظامية، ووضعت يدها خلالها على ما سمته «أوكار النظام وخلايا الظل» من «فلول الأمن الشعبي التابع للحزب البائد». وأوضحت أن العملية استهدفت مركزاً يتبع لقوات الأمن الشعبي بحي «جبرة»، جنوب الخرطوم، بعد أن فرضت سياجاً أمنياً حول المكان، وضبطت كميات كبيرة من الأسلحة الخفيفة والأموال الضخمة المعبأة في جوالات بالعشرات، لكن بعض منسوبي الأمن الشعبي الذين كانوا موجودين في المكان هربوا قبل القبض عليهم.
وميليشيات الأمن الشعبي قوات غير نظامية تتبع للإسلاميين، تعرف بـ«كتائب الظل»، درجوا على تهديد المواطنين بها، ومارست الكثير من العمليات «القذرة». وكان النائب الأول الأسبق للمعزول، علي عثمان محمد طه، قد هدد في مقابلة تلفزيونية إبان المظاهرات بأن حزبه لديه كتائب ظل تدافع عنه وعن نظامه، حتى لو احتاج الأمر لـ«التضحية بالأرواح».
ودرج نظام المعزول وسدنته على تهديد السودانيين بميليشياته التي حاولت الاعتداء على المعتصمين في ميدان قيادة الجيش، وأزهقت أرواح العشرات من المدنيين، وتصدت لها قوات من الجيش بقيادة رتب صغيرة من الضباط قبل عزل البشير.
وفي السياق، وفي تصريحات صحافية، نفى الناطق الرسمي باسم المجلس العسكري الانتقالي الفريق الركن شمس الدين كباشي ما تردد من أنباء حول إطلاق سراح عدد من رموز النظام السابق، وأكد وجود عثمان محمد يوسف كبر، وحسبو محمد عبد الرحمن، في السجن، والزبير أحمد الحسن في الإقامة الجبرية، وأن السلطات المختصة تباشر تجاههم مهامها في التحريات والإجراءات القانونية.
وكانت صحف سودانية قد تناقلت أمس معلومات عن إطلاق سراح عدد من قيادات حزب المعزول عمر البشير، بعد أن كانت السلطات قد ألقت القبض عليهم عقب إطاحة البشير. ونقلت صحيفة «المجهر»، المملوكة لموال لنظام البشير، أن أبرز الذين أفرج عنهم عثمان محمد يوسب كبر نائب الرئيس المعزول، وحسبو محمد عبد الرحمن نائبه الأسبق، إلى جانب أمين الحركة الإسلامية الزبير أحمد الحسن، ورئيس البرلمان السابق إبراهيم أحمد عمر، والقياديين في حزب البشير «أسامة ونسي، وأسامة عبد الله»، ووزير الصحة بولاية الخرطوم مأمون حميدة.
ويشكك الثوار في اعتقال رموز النظام المنحل، ويطالبون بالسماح للصحافيين بالتأكد من أماكن حبسهم. وتقدم تنظيم صحافي نسوي «كيان الصحافيات» بمذكرة للسلطات تطالب بالسماح لهن بزيارة سجن كوبر، حيث يزعم أنهم محبوسون هناك، للتأكد من صحة القبض عليهم.
وترجع الشكوك حول اعتقال رموز النظام السابق إلى شكوك في أن قيادات بالمجلس العسكري الانتقالي محسوبة على النظام تعرقل عمليات محاسبة رموز النظام القديم.



الحوثيون يخنقون «التربة»... وتعز تُقاوم حصارهم بالحياة

حي سكني في وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)
حي سكني في وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)
TT

الحوثيون يخنقون «التربة»... وتعز تُقاوم حصارهم بالحياة

حي سكني في وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)
حي سكني في وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)

بين مدينتين تفصل بينهما خطوط النار جنوب غربي اليمن، تتجلى مفارقة معاكسة للمنطق التقليدي للحروب؛ حيث تحولت «التربة»، المدينة الخاضعة للسيطرة العسكرية الكاملة للحوثيين، إلى مساحة من الجمود والمقاطعة غير المعلنة، في حين تعيش تعز، المدينة الأخرى المحاصرة، حياة تقاوم كل الصعوبات.

ويعكس التباين بين مدينتي تعز التي يحاصرها الحوثيون من كل الاتجاهات، والتربة التي خضعت لسيطرة الجماعة منذ نحو شهر، مشهداً معقداً يلخص طبيعة الحرب والمقاومة المجتمعية؛ حيث يتجلى واقع اقتصادي واجتماعي متناقض تماماً بين المدينتين.

ففي مدينة التربة، يسود مشهد من الجمود الاقتصادي والرفض المجتمعي الحاد؛ ويرفض السكان المحليون تطبيع الأوضاع مع سلطة الجماعة، ما أدى إلى حالة مقاطعة شبه كاملة تجلّت في ركود غير مسبوق بالأسواق، وتراجع كبير في الحركة خلال ساعات النهار، والتي تتوقف تماماً خلال الليل، ليسود مكانها صمت مطبق.

وتلخص رحلة أحمد، وهو اسم مستعار لموظف عمومي يتنقل أسبوعياً بين تعز والتربة، هذا التناقض الحاد في المعيشة؛ حيث بات يعيش هاجس الخوف على أمنه الشخصي بمجرد مغادرته تعز، في حين ينهشه القلق الدائم على عائلته المستقرة تحت سلطة الحوثيين في التربة.

مدينة التربة تعيش حالة من الركود بعد نحو شهر من سيطرة الحوثيين عليها (فيسبوك)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن هذا الوضع يدفعه بجدية للتفكير في خيار نقل عائلته إلى تعز المحاصرة إذا ما طال أمد السيطرة الحوثية، مفضلاً قسوة الحصار المعيشي على العيش تحت وطأة القبضة الأمنية والجدار المجتمعي العازل هناك.

وفي حديثه عن تفاصيل هذا التحول، يروي كيف تبدلت ملامح إجازته الأسبوعية التي كان يقضيها برفقة عائلته وأصدقائه، «فالمنزل يغرق في توتر مستمر، وأطفاله الثلاثة باتوا محرومين من ارتياد مدارسهم، ويواجهون مستقبلاً تعليمياً مجهولاً»، في حين تلاشت الأجواء التي كان يقضيها ليلاً مع أصدقائه، سواء في المنازل أو المقاهي، بتوقف الحركة تماماً مع ساعات المغيب.

حياة لا تتوقف

في ظل هذه التطورات، جدد مكتب التربية والتعليم في محافظة تعز قراراً سابقاً بتعليق الدراسة في المدارس الحكومية والأهلية بالمديريات التي سيطرت عليها الجماعة الحوثية، محمّلاً مديري إدارات التربية والتعليم ومديري المدارس مسؤولية مخالفة التعليمات، بالتزامن مع دعوة اللجنة التربوية المجتمعية في مديريات الريف أولياء الأمور والإدارات المدرسية إلى الالتزام بالقرار حفاظاً على سلامة الطلاب.

لم تتراجع مظاهر الحياة في مدينة تعز رغم الحصار الحوثي واستهداف الأحياء السكنية (أ.ف.ب)

وحذّرت اللجنة من مخاطر استخدام المنشآت التعليمية لأغراض عسكرية كمخازن للأسلحة ومقار لتجمع ومبيت عناصر الجماعة، إلى جانب استقطاب الطلاب وتجنيدهم.

وعلى العكس تماماً، تبدي مدينة تعز المحاصرة مرونة استثنائية، واستمراراً لمظاهر الحياة اليومية، على الرغم من الحصار الخانق وأزمات السلع والخدمات، وضربات المدفعية والقنص اليومي التي تستهدف المدنيين، وتتحول إلى مركز جاذب يتحدى المخاطر الأمنية.

ويستغل كثير من سكان الأرياف توقف المعارك في بعض المنافذ للدخول إلى المدينة، على الرغم من المخاطر الشديدة التي تحيط بهم، في ظل سعي حوثي لخنق الحركة ودفع السكان لمغادرتها.

يقول صلاح أحمد غالب، مدير مكتب شؤون الحصار في تعز (هيئة حكومية) لـ«الشرق الأوسط»، إن سكان مدينة التربة وغيرها من المناطق التي وقعت مؤخراً تحت سيطرة الجماعة الحوثية يمارسون الاحتجاج المدني بالوسيلة التي يمتلكونها، وقد لجأوا إلى العصيان المدني غير المعلن.

حركة التنقل بين مدينة تعز وأريافها لم تتوقف رغم الحصار الحوثي وخنق الطرقات (أ.ف.ب)

وينوه في حديثه إلى أن كثيراً منهم أغلقوا محالهم أو أوقفوا أنشطتهم التجارية، خوفاً من تعرضهم للنهب وفرض الإتاوات من طرف الحوثيين، في حين لم تتأثر حركة التجارة والأسواق في مدينة تعز بسبب ثقة السكان بالدولة، رغم تراجع المعروض من السلع، وتأثر الأسعار بسبب الحصار.

تدابير حكومية

وتشهد مدينة تعز أنشطة مجتمعية متنوعة لمواجهة الحصار، يتجلّى أبرزها في المبادرات لتبادل وتشارك الأغذية والمنافع بين العائلات لتغطية النقص فيما بينها، ومساعدة العائلات التي لا تستطيع الحصول على الطعام.

ويؤكد عبد الرحمن القليعة، مدير «مكتب الصناعة والتجارة في تعز»، لـ«الشرق الأوسط» أن الحرب والحصار تسببا في كارثة إنسانية حقيقية ونقص حاد في تدفق السلع والوقود نتيجة إغلاق طرق الإمداد، ما دفع قطاعاً واسعاً من التجار إلى خفض استثماراتهم واللجوء للادخار بدلاً من الاستيراد نتيجة المخاطر المرتفعة.

محطة خيرية لتوزيع المياه على سكان أحياء في تعز التي حرمها الحوثيون من الخدمات والسلع (أ.ف.ب)

وكشف عن أن المكتب استشعر خطورة الوضع منذ مايو (أيار) الماضي، بالتزامن مع التوترات الإقليمية وإغلاق مضيق هرمز؛ حيث نجح بالتنسيق مع الغرفة التجارية وكبار التجار في تأمين مخزون سلعي يكفي لثلاثة أشهر، إلا أن الهلع الشعبي وإغلاق الحوثيين المنفذ الوحيد للمدينة استنزف 50 في المائة من هذا المخزون في أسبوع واحد.

وفرض المكتب حالة طوارئ استدعت تشكيل لجانٍ رقابية وغرفة عمليات على مدار الساعة لترشيد توزيع السلع بالأسعار الرسمية، وفقاً للمسؤول الحكومي، إلى جانب تعاون البيوت التجارية بضخ كميات غذائية إضافية عبر وكلائها، ما أعاد الاستقرار التمويني نسبياً للمدينة المحاصرة.

إلا أنه حذّر من أن كل هذه التدابير تظل مؤقتة وعاجزة عن تقديم حل مستدام ما لم يتم كسر الحصار الحوثي.

ويبدي السكان مخاوفهم من تصعيد الجماعة الحوثية إجراءاتها ضد المدينة، وتحويل المنافذ إلى مصائد لاختطاف المتنقلين عبرها.


550 مدرسة أهلية في صنعاء تحت ضغط التجنيد الحوثي

الحوثيون يواصلون تجنيد الأطفال وتحويل المدارس إلى مراكز للتدريب (إعلام محلي)
الحوثيون يواصلون تجنيد الأطفال وتحويل المدارس إلى مراكز للتدريب (إعلام محلي)
TT

550 مدرسة أهلية في صنعاء تحت ضغط التجنيد الحوثي

الحوثيون يواصلون تجنيد الأطفال وتحويل المدارس إلى مراكز للتدريب (إعلام محلي)
الحوثيون يواصلون تجنيد الأطفال وتحويل المدارس إلى مراكز للتدريب (إعلام محلي)

صعّدت الميليشيات الحوثية حملات استقطاب وتجنيد طلاب المدارس الأهلية في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، مستغلة المؤسسات التعليمية لرفد جبهات القتال بمقاتلين جدد وتعويض خسائرها البشرية المتواصلة، عبر إجبار الطلبة على الالتحاق بالدورات العسكرية وتهديد إدارات المدارس بالإغلاق وفرض الغرامات والعقوبات.

وقالت مصادر تربوية في صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما تُسمى «الدائرة الجهادية» التابعة للجماعة، بالتنسيق مع وزارة التربية في حكومتها غير المعترف بها، أطلقت خلال الأيام الأخيرة حملة تستهدف أكثر من 550 مدرسة أهلية بصنعاء وضواحيها، في تصعيد جديد لاستغلال القطاع التعليمي لأجندتها العسكرية والتعبوية.

وأضافت المصادر أن مشرفين حوثيين نفّذوا، منذ أيام، نزولات ميدانية إلى مدارس في عشر مديريات بصنعاء، وألزموا إداراتها باختيار خمسة طلاب من كل مدرسة وإلحاقهم بدورات عسكرية، ملوّحين بإغلاق المؤسسات التعليمية وفرض إجراءات عقابية وغرامات بحق الرافضين الانصياع للتوجيهات.

طفل يمني يحمل سلاحه خلال تجمع لمقاتلين جدد للحوثيين في صنعاء (أ.ف.ب)

وأثار هذا الاستهداف الحوثي حالة من الغضب والقلق بين المعلمين والطلاب وأولياء الأمور، الذين يرون ذلك امتداداً لسياسات الجماعة الرامية إلى تفريغ العملية التعليمية من مضمونها، بعد سنوات من إخضاع المناهج والأنشطة المدرسية للتعبئة الأيديولوجية وتسخير المؤسسات التعليمية لخدمة مشروعها العسكري.

دورات بالإكراه

قال أولياء أمور، تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، إن أبناءهم اقتيدوا من داخل الفصول الدراسية، من دون علم أسرهم، إلى مواقع غير معلومة، حيث يُخضعون لدورات تعبئة فكرية وتدريبات عسكرية، الأمر الذي عزز مخاوفهم من أن تكون هذه الأنشطة مقدمة لتجنيد الطلاب والزج بهم في الجبهات.

ودفعت هذه المخاوف أسراً إلى منع أبنائها من الذهاب إلى المدارس المستهدفة، خشية تعرضهم للاستقطاب القسري، بينما شهدت مدارس أهلية تراجعاً في الحضور، وسط قلق متصاعد من استمرار الضغوط والمداهمات الحوثية وتحويل المؤسسات التعليمية إلى منافذ لتجنيد الطلاب بدلاً من تأهيلهم علمياً.

الحوثيون يدفعون العائلات للفخر بأبنائها بوصفهم مقاتلين أو ضحايا (غيتي)

ويقول عبد الله، وهو والد أربعة طلاب من منطقة معين وسط صنعاء، إنه اضطر إلى إبقاء اثنين من أبنائه، في المرحلتين الإعدادية والثانوية، في المنزل خشية إخضاعهما للتجنيد، بعد أن فقد الثقة بقدرة إدارة المدرسة على حمايتهما من الضغوط الحوثية، ليجد نفسه أمام خيار قاسٍ بين حرمانهما من مواصلة التعليم أو المخاطرة باستقطابهما عسكرياً، مُشيراً إلى أن غالبية الأسر باتت تخشى إرسال أبنائها إلى المدارس بعدما تحولت، بحسب وصفه، إلى منافذ لاستقطاب الطلاب وإخضاعهم للتعبئة العسكرية.

وأضاف: «أرسلنا أبناءنا إلى المدارس ليتعلموا ويبْنوا مستقبلهم، لا ليُدفعوا إلى الدورات العسكرية وجبهات القتال»، مُبيناً أن سلوك الجماعة لم يعد يقتصر على فرض توجهاتها على المناهج والأنشطة المدرسية، بل امتد إلى الضغط على الإدارات لاختيار الطلاب وتسليمهم للجهات المشرفة على الدورات القتالية.

ضغوط على المدارس

يقول أحد المعلمين في مدرسة أهلية بمنطقة السبعين جنوب صنعاء، طالباً إخفاء اسمه، إن إدارات المدارس الخاصة بصنعاء وضواحيها تواجه حالياً ضغوطاً متزايدة من مشرفي الجماعة الثقافيين لتنفيذ توجيهات تستقطب الطلاب وتُلحقهم في الدورات العسكرية، على حساب التحصيل العلمي.

وأضاف أن أنشطة التعبئة باتت تزاحم العملية التعليمية، بينما يتردد المعلمون في الاعتراض على هذه الممارسات خشية التعرض للتهديد أو العقوبات، في ظل إحكام الميليشيات قبضتها على المؤسسات التعليمية وإخضاع إداراتها لتوجيهاتها.

الميليشيات الحوثية ألزمت مدارس في صنعاء ببرامج طائفية والحشد للقتال (إكس)

وأكد أن المدارس التي يُفترض أن توفر بيئة آمنة للتعلم وبناء المستقبل أصبحت تواجه تدخلاً متزايداً في شؤونها، مع تصاعد الضغوط الرامية إلى انتزاع الطلاب من مقاعد الدراسة وإشراكهم في أنشطة لا تمت إلى التعليم بصلة.

وتزامنت هذه التحركات الحوثية مع استمرار تدهور العملية التعليمية في مناطق سيطرة الجماعة، حيث يعاني عشرات الآلاف من المعلمين والتربويين من انقطاع الرواتب منذ سنوات، في ظل سياسات فاقمت الأوضاع المعيشية وأضعفت قدرة المدارس على أداء دورها التعليمي والتربوي.


الحوثيون يضغطون على جبهات القتال بقصف التجمعات السكانية

آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)
آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)
TT

الحوثيون يضغطون على جبهات القتال بقصف التجمعات السكانية

آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)
آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)

اتسعت التداعيات الإنسانية للتصعيد الحوثي في اليمن مع تكثيف الجماعة استهداف التجمعات السكنية في ريف محافظة لحج ومحيط مدينة تعز، وفق مصادر حكومية، في وقت تزداد فيه أعداد الأسر الفارة من مناطق المواجهات، وتواجه فيه المنظمات الإغاثية احتياجات متنامية في بلد يعاني بالفعل من واحدة من أوسع الأزمات الإنسانية.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن الحوثيين كثفوا، بعد تعثر محاولاتهم تحقيق تقدم ميداني، استهداف القرى في مديرية المضاربة التابعة لمحافظة لحج بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بصورة شبه يومية، ما أجبر مئات الأسر على الفرار والانضمام إلى موجات نزوح آتية من الساحل الغربي وأطراف لحج.

وأضافت أن هذه الهجمات تستهدف، حسب تقديرها، الضغط على رجال القبائل ودفعهم إلى التوقف عن مساندة القوات الحكومية.

وفي محيط مدينة تعز، أفادت المصادر بأن الحوثيين استهدفوا قرى في جبل صبر بالطائرات المسيّرة وقذائف الهاون، في محاولة للحد من مقاومة وحدات القوات الحكومية والمتطوعين من السكان، الذين تصدوا خلال الأيام الماضية لهجمات متكررة سعت الجماعة من خلالها إلى اختراق الجبهة.

طفلة مصابة جراء قصف الحوثيين ترقد في مستشفى بمدينة تعز (رويترز)

وتأتي هذه التطورات بينما تواجه تعز، وفق المصادر، حصاراً مستمراً منذ 20 يوماً، في وقت يفاقم فيه القتال صعوبة وصول المدنيين إلى الخدمات والاحتياجات الأساسية، ويزيد الأعباء على السلطات المحلية والمنظمات الإنسانية.

تحذيرات إنسانية

على وقع التداعيات الإنسانية للهجمات الحوثية، حذّر الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر من أن التصعيد الراهن فاقم أزمة إنسانية ممتدة، مشيراً إلى أن 22.3 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 5.2 مليون كانوا نازحين داخلياً قبل موجة التصعيد الأخيرة.

وأوضح الاتحاد، في تقرير حديث، أن القتال وانعدام الأمن أعاقا الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم والأسواق والإمدادات الأساسية، بينما تصل الأسر النازحة إلى مناطق الاستقبال بممتلكات محدودة، وتحتاج إلى المأوى والأدوات المنزلية والغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية.

فارون من التصعيد الحوثي يعيشون في مواقع تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة (إعلام محلي)

وأشار إلى أن المجتمعات المضيفة تواجه بدورها ضغوطاً كبيرة على الخدمات والموارد، في حين يؤدي تكرر النزوح إلى تدهور سبل العيش وارتفاع مخاطر الحماية، ويزيد احتمالات اضطرار مزيد من الأسر إلى مغادرة مناطقها.

وشدد الاتحاد على ضرورة استمرار وصول المساعدات الإنسانية وتوفير استجابة مرنة تتناسب مع تغير الاحتياجات الميدانية، خصوصاً في المناطق التي تعيق فيها الظروف الأمنية حركة السكان والإمدادات.

ووفق التقرير، تواجه الأسر النازحة عوائق متداخلة في الحصول على المأوى والغذاء والمياه النظيفة والصرف الصحي والتعليم والرعاية الصحية. كما يؤدي انعدام الأمن وإغلاق الطرق إلى تعطيل الأسواق وخطوط الإمداد وعمليات إيصال المساعدات، بينما يحد فقدان مصادر الدخل واستنزاف الأصول وارتفاع الأسعار من قدرة الأسر على شراء احتياجاتها الأساسية.

ولفت الاتحاد إلى أن المجتمعات المعزولة تواجه قيوداً أشد، إذ يصبح الحفاظ على الإمدادات التجارية واستمرار الخدمات الأساسية أكثر صعوبة، في وقت يفاقم فيه انعدام الأمن الغذائي هشاشة الأسر التي تعاني أصلاً من نقص الغذاء.

مع استمرار التصعيد الحوثي يتواصل تدفق النازحين إلى مناطق سيطرة الحكومة (إعلام محلي)

وفي مؤشر على حجم الأزمة، ذكر التقرير أن نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد على مستوى البلاد، محذراً من أن استمرار الحصار وانقطاع المساعدات قد يزيدان تدهور الأوضاع، خصوصاً بين الأطفال الصغار والنساء الحوامل والمرضعات.

وأضاف أن النزوح المتكرر يستنزف قدرة الأسر على التكيف مع الأزمات. وأظهر تقييم سريع أُجري في ثلاثة مواقع للنزوح أن نحو 45 في المائة من الأسر التي شملها التقييم سبق أن تعرضت للنزوح.

وأكد التقرير أن هذه النسبة تعكس أوضاع الأسر التي شملها التقييم في المواقع الثلاثة، ولا ينبغي تعميمها على جميع النازحين في اليمن.

مخاطر إضافية

في سياق المخاوف الإنسانية، حذر الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر من أن خسارة الممتلكات وعدم استقرار سبل العيش يقوضان قدرة الأسر على مواجهة الأزمات، ويزيدان مخاطر لجوئها إلى وسائل تكيف ضارة، من بينها عمالة الأطفال.

وأشار إلى أن المعاناة تتجاوز نقص الغذاء والمأوى، لتشمل صعوبات إضافية تواجه الأسر التي تعيلها نساء، والأطفال المنفصلين عن ذويهم، وكبار السن، والأشخاص ذوي الإعاقة، والمرضى الذين يحتاجون إلى علاج منتظم.

الحوثيون يستهدفون القرى السكنية للضغط على القوات الحكومية (إعلام محلي)

كما تواجه النساء والفتيات مخاطر حماية إضافية في المناطق التي تفتقر إلى المأوى الملائم ومرافق الصرف الصحي، بينما قد يعجز الأشخاص ذوو القدرة المحدودة على الحركة أو الموارد عن مغادرة المناطق المعزولة أو الوصول إلى الخدمات الأساسية.

وتعكس هذه التحذيرات اتساع الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية والقدرة على تلبيتها، مع استمرار المواجهات وتكرر النزوح وتعطل الطرق والإمدادات، وهي عوامل تزيد هشاشة الأسر، وتضع المجتمعات المستقبلة للنازحين أمام أعباء إضافية.