أسبوع الأردن للموضة يحقق أحلام شباب متعطش لمنصة تُعرّف بهم

رسّخ قدميه محلياً في دورته الأولى تحضيراً للمستقبل

من عرض علامة «زاي»  -  من عرض سارة منصور  -  من تصاميم اللبناني جون لوي صبجي
من عرض علامة «زاي» - من عرض سارة منصور - من تصاميم اللبناني جون لوي صبجي
TT

أسبوع الأردن للموضة يحقق أحلام شباب متعطش لمنصة تُعرّف بهم

من عرض علامة «زاي»  -  من عرض سارة منصور  -  من تصاميم اللبناني جون لوي صبجي
من عرض علامة «زاي» - من عرض سارة منصور - من تصاميم اللبناني جون لوي صبجي

لم تكن الشوكولاته التي صاغتها أنامل العاملين في شركة «ليندت» السويسرية على شكل حقائب يد وأحذية وأحمر شفاه وفساتين، ولا مستحضرات العناية بالبشرة من شركة «لو غيفاج» الأردنية، وحدها من بعثت إحساساً بالسعادة والراحة في نفوس وسائل الإعلام لدى وصولهم إلى فندق كامبنسكي في أواخر شهر مارس (آذار) الماضي، بقدر ما كان ترقبهم للطبق الذي سيقدمه أسبوع الأردن للموضة في دورته الأولى. أطباق الشوكولاته وغيرها من الإغراءات كانت مجرد لفتات تشير إلى اهتمام شيرين رفاعي، مؤسسة الأسبوع وراعيته، بأدق تفاصيله.
كان من المفترض أن ينطلق الأسبوع في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي بمنطقة البحر الميت، لكن بسبب السيول التي أودت بحياة عدد من الناس، تم تأجيله.
فقد كان لا بد من التعامل مع المأساة بحساسية. مرت أشهر، ولم يتغير التوقيت فحسب بل أيضاً المكان. ففي 30 من شهر مارس الماضي، وفي عمان هذه المرة، رأى الأسبوع النور وأصبح حقيقة، من خلال احتضانه عروضاً متنوعة لـ18 مصمم أزياء أردنياً ومن دول أخرى قدموا تصميماتهم على مدى يومين. كان لسان حالهم يقول إنهم يستحقون منبراً يعرف بهم، حتى إن لم يُخرجهم إلى العالمية، فعلى الأقل يجذب انتباه الزبون المحلي إليهم. وربما يُلخص تصريح المصممة الأردنية الروسية تاتيانا أسيفا، التي قدمت تشكيلة موجهة للمساء في غاية الأناقة والرومانسية، الوضع بقولها: «منذ سنوات طويلة وأنا أعمل في هذا المجال، وكنت أفتقد منصة من هذا النوع. لم يكن لدينا أي شيء مماثل بما في ذلك عارضات محترفات، وأخيراً حان الوقت لكي نبني صناعة تظهر أعمالنا للعالم... والحقيقة أن أقصى ما كنت أتمناه أن يكون منظماً، لكن النتيجة فاقت كل توقعاتي وآمالي...لقد كان أكثر من رائع».
ما يُحسب لشيرين رفاعي، القوة الدافعة وراءه، أنها لم تتردد عندما شعرت أن الوقت قد حان ليكون للأردن منبر خاص به. لم تنتظر تأسيس منظمة موضة، تتكون من عدة أعضاء كما الحال بالنسبة لمعظم أسابيع الموضة العالمية. كانت هذه العملية ستأخذ وقتاً طويلاً، وربما تجاذباً في البداية، وهو ما لم يكن وارداً بالنسبة لها. اعتمدت على نفسها وعلى علاقات بنتها طوال فترة عملها في مجالي الموضة والإعلام. فقد سبق لها العمل سفيرة لبعض العلامات العالمية، كما لا تزال صديقة لعلامات أخرى. تقول إنه كان يحز في نفسها «كلما حضرت أسبوع باريس للموضة ألا يكون في الأردن فعالية مماثلة». كانت تعرف أن عدد المصممين الشباب في تزايد وأن أحلامهم كبيرة تحتاج إلى من يحتضنها ويتبناها، والأهم من هذا «من يأخذ بيدهم فيما يتعلق بتوفير اللوجيستيات الضرورية لبناء صناعة متكاملة من كل الجوانب».
بعد مخاض دام سنوات، حققت المبتغى. وحسب قول المصمم اللبناني جون إيلي صباجي، الذي افتتح الأسبوع: «إنها امرأة حديدية... نحتاج مثلها في كل بلد عربي».
درست شيرين رفاعي الحقوق لكنها اكتشفت بعد التخرج مدى حبها للموضة والإعلام. لم تتردد في أن تتبع ما يمليه عليها قلبها، وهكذا ترأست مجموعة من المجلات النسائية المتخصصة في الموضة، قبل أن تصبح من المؤثرات في ساحة الموضة الأردنية، لا سيما مع تنامي أهمية المؤثرات في العالم العربي. ساعدها في ذلك أناقتها المميزة من جهة، وحسها التجاري من جهة ثانية. بعد 15 سنة، قررت أن تستغل ما اكتسبته من خبرة وعلاقات و«ترد الجميل إلى الأردن»، كما تقول، بأن تساعد المصممين الصاعدين على فهم أهمية الموضة كصناعة قائمة بذاتها تحتاج إلى الابتكار والتسويق في الوقت ذاته. بعد تعاملها معهم وملامسة مدى حماسهم وقدراتهم الإبداعية لم تعد الاستشارات وحدها كافية. ومن هنا جاءتها فكرة تأسيس أسبوع موضة بالأردن يتعدى التعريف بمواهبهم ليشمل في المستقبل تأسيس بنية تحتية قوية ومستدامة، تبدأ بدعم مصانع الإنتاج واليد العاملة وتكوين عارضات محليات وغيرها من الأمور التي لا تقتصر فقط على تصميم أزياء أنيقة تعتمد على الخطوط والألوان، كما هو مترسخ في أذهان كثير ممن دخلوا مجال الموضة من باب الموهبة والهواية. أملها أن تنخرط صناعات أخرى في هذا المشروع. ففي الدول النامية، مثل تركيا وجورجيا والبرازيل والأرجنتين وغيرها، تستعمل أسابيع الموضة للترويج لنفسها مراكز لصناعة الأقمشة أو الدباغة وغيرها من الصناعات المحلية، التي تطمح إما لتصديرها أو لجذب مستثمرين إليها، وأحياناً تستعملها لمجرد الترويج السياحي.
تقول شيرين رفاعي إنها تُدرك جيداً أن تنظيم أسبوع موضة «لا يعني استضافة حضور مهتم بالأناقة، أو ترؤس فعالية تنتهي بإسدال الستار وإطفاء الأنوار فحسب، بل هو صناعة مستمرة من شأنها أن تخلف تأثيرات إيجابية طويلة المدى على المصممين وعلى باقي الصناعات الأخرى. الحضور مثلاً يجب أن يشمل زبونات متفاعلات، ومشترين من محلات كبيرة، تكون لهم الصلاحية لاختيار تصاميم من يتوسمون فيهم التميز وعرض تصاميمهم في المحلات التي يمثلونها، إضافة إلى وسائل الإعلام التي من شأنها أن تسلط الأضواء على أعمالهم لتصل إلى شريحة لم تتمكن من حضور الفعالية».
وهذا لا يقتصر على عمان وحدها، فمنذ أن بدأت فكرة تنظيم أسابيع موضة في العواصم العالمية، من باريس ونيويورك إلى ميلانو ولندن، والأساس الذي تقوم عليه واحد. قد تتغير التفاصيل والبهارات والنكهة لكن يبقى الهدف، إلى جانب الاحتفال بالفنية والإبداع، هو تحريك عملية البيع. ما تجتهد شيرين في شرحه للمصممين الشباب أنه لا بأس من أن يقدموا تشكيلات فانتازية على منصة العرض، على أمل جذب انتباه الإعلام وفتح جدل فكري أو فني، لكنها تؤكد ضرورة التخفيف من فانتازيتها عندما تبدأ عملية الإنتاج حتى تجد طريقها إلى خزانات شرائح أكبر من الزبائن. لم يكن الأمر سهلاً، وتطلب عدة جلسات وندوات لإيصال فكرتها إلى شباب كان يعتمد أولاً وأخيراً على الموهبة والشغف. فبعضهم لم يدرس فن التصميم بشكل أكاديمي، وأغلبهم من أبناء جيل وسائل التواصل الاجتماعي. وهذا يعني أنهم يعتمدون على هذه الوسائل للوصول إلى زبائنهم والتسويق لمنتجاتهم بثقافة «الآن وليس غداً». قد يدركون أن عروض الأزياء، التي قد لا تطول لأكثر من 20 دقيقة في الغالب، تؤثر على نظرة المتلقي للموضة وذوقه في اللاشعور، إلا أن إمكاناتهم لحد الآن لم تكن تسمح بالمشاركة فيها خارج الأردن في ظل افتقادهم منصة محلية. لكسبهم وتمكينهم من المشاركة، جندت شيرين رفاعي كل علاقاتها وخبرتها في العلاقات العامة للحصول على تمويلات خارجية، من وزارة السياحة مثلاً وجهات أخرى، لكي تُعفيهم من أي مصاريف. وكانت المفاجأة أنهم لم يخيبوا ظنها. فما قدموه على مدى يومين، أكد ما لمسته فيهم من موهبة منذ البداية. أغلبهم، إن لم نقل كلهم، ابتعدوا عن الفولكلور، وركزوا على تصاميم عصرية، سواء تعلق الأمر بالأشكال الحديثة أو الأقمشة الغريبة مثل البلاستيك أو إعادة استعمال خامات من أجمل موضة مستدامة مثل التشكيلة التي قدمها المصمم الشاب فادي زيموت واعتمد فيها الخامات نفسها التي تستعملها شركة «ريشبوند» في صناعة الأسرة والكنبات والدينم. المصمم إبراهيم البدارين من علامة «جو! كريياتفيز»، وهي علامة تدمج التطريز البدوي التقليدي مع الدينم في جماليات حديثة تخاطب الشباب، قال في هذا الصدد إنه من المهم أن يحتفي المصمم بماضيه وتاريخه بكل ما يعنيه من عمق ثقافي، لكن من دون أن يغرق فيه ويغرف منه بشكل حرفي. تستمع إليه شيرين رفاعي بفخر واعتزاز وعيونها لا تتوقف عن الدوران وهي تتابع كل صغيرة وكبيرة تجري في عين المكان. فهي التي وضعت كل التفاصيل واختارت المشرفين على الإضاءة والماكياج والموسيقى والإخراج والمؤثرات. وبالفعل سار كل شيء كما رسمت وخططت، وتوضح أن هذا ضروري، «فالبداية مهمة ويجب أن تكون قوية لأننا ننوي أن نُحول المناسبة إلى مظاهرة سنوية تنعش حركة الإبداع ككل».
تستشف من كلامها وحماسها أنها تقتدي بأسابيع موضة أخرى سبقتها إلى ذلك مثل المكسيك وكولومبيا وطوكيو ونيجيريا وغيرها. فرغم أن هذه العواصم حديثة العهد بالموضة، ولا ترقى إلى العواصم العالمية الأربع التي لها باع وتاريخ طويلان، فإنها نجحت في التأثير على المخيلة المحلية بأن جعلت السكان يفخرون بأبنائهم، ويُقبلون على تصاميمهم بدل التصاميم العالمية. والسبب أنها اكتسبت في أعينهم جرعة حلاوة أكبر بعد عرضها على منصات بتأثيرات موسيقية مبهرة وبعد أن تداولتها المجلات ووسائل التواصل الاجتماعي. وغني عن القول أن هذا انعكس على المشترين العالميين أيضاً، الذين سهلت عليهم هذه الأسابيع عملية البحث عن ماركات غير معروفة لكن مميزة؛ أحياناً من خلال صور المجلات وأحياناً عبر «إنستغرام». وهذا ما يزيد من نموها الاقتصادي، فحسب دراسة نشرتها «ماكنزي أند كومباني»، فإن فرصة البلدان التي تشجع على صناعة الموضة بأن تصبح وجهة مهمة، أكبر من غيرها. وجاء في التقرير أن «العشر مدن الأكثر نمواً ما بين عامي 2015 و2025، هي عواصم الموضة، مثل شانغهاي، وشينغن الصينية، ومكسيكو سيتي، ودلهي، فيما تحافظ العواصم العالمية مثل نيويورك وطوكيو ولندن على مكانتها بحكم تاريخها وحجم صناعتها».
ولا يخفى على أحد أن المنافسة كبيرة، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن هناك نحو 52 أسبوع موضة في العالم حالياً. بعض الدول لا تكتفي بأسبوع واحد بل تُحفز المنافسة بين مدنها حتى تقتطع لها حصة أكبر من الكعكة العالمية، مثل مدريد وبرشلونة في إسبانيا، وساو باولو وريو دي جانيرو في البرازيل، وملبورن وسيدني في أستراليا، وشانغهاي وبكين في الصين، ونيويورك ولوس أنجليس في الولايات المتحدة. ورغم أن بعضها لا يزال غضاً وخجولاً، فإن الحكومات تُسنده بكل قواها بعد أن فهمت اللعبة وبأنه الطريق إلى إنعاش سياحي واقتصادي طويل المدى.
> افتتح المصمم اللبناني الشاب جون لوي صبجي الأسبوع بتشكيلة تحمل كل بصماته الأنثوية المعهودة. فهذا المصمم الشاب الذي تخرج من أكاديمية دوموس بميلانو ينتمي لعائلة تعشق الموضة وامتهنتها منذ عقود، ما يجعله يعرف ما تريده المرأة من أناقة تجمع الكلاسيكية بالجرأة، وهو ما كان واضحاً في كل قطعة تهادت بها عارضاته على ممشى فندق الكامبنسكي. وكان مسك الختام من نصيب الإيطالي سيلفيو جياردينا الذي ضخ في الأسبوع نكهة إيطالية لذيذة.
من المصممين المشاركين في الأسبوع أيضاً زينب الكيسناوي، وهي فلسطينية برازيلية كبرت في أبوظبي وتركز على فساتين السهرة والعرائس. وهذا يعني طبعاً الفخامة والفساتين المطرزة.
شارك في الأسبوع أيضاً كل من ميس الفاتح وفادي زيموت، وسارة منصور التي درست الموضة في لندن قبل أن تنتقل إلى الولايات المتحدة لإكمال دراستها، وليث معلوف الذي تدرب في مدرسة إيلي صعب، وهو ما انعكس على تصاميمه بشكل واضح، إضافة إلى مجموعة أخرى لا تقل موهبة، بعضهم على منصات العرض وبعضهم الآخر في المعرض الذي احتضنته قاعة ضخمة في المكان نفسه.
> أهمية أسابيع الموضة اقتصادياً:
- إلى جانب تحريك عملية البيع، تُنعش صناعات أخرى مثل الفنادق والمطاعم ووسائل المواصلات، فضلاً عن تسليط الضوء على مواقع ومآثر سياحية.
- تدر صناعة الموضة على نيويورك وحدها أكثر من 540 مليون دولار أميركي، نحو 40 مليون دولار منها تذهب لصالح المطاعم، و30 مليون دولار لسائقي التاكسيات وإيجار السيارات الخاصة وباقي وسائل النقل، و56 مليون دولار للفنادق.
- أسبوع لندن أعلن أن الموضة تضاهي صناعة السيارات قوة إن لم تتفوق عليها. فهي تدر 28 مليار جنيه إسترليني سنوياً على الاقتصاد البريطاني.
- أسبوع طوكيو الذي انطلق حديثاً يحقق حالياً نحو 93 مليون يورو للاقتصاد الياباني، بينما يحقق أسبوع شانغهاي 90.5 مليون يورو. أما أسبوع مدريد فيحقق دخلاً إجمالياً قدره 104.5 مليون يورو. فرغم أنه أقل من ميلانو أو باريس من حيث عدد المشاركين فيه والضجة الإعلامية، فإنه يتفوق عليهما تجارياً.


مقالات ذات صلة

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

لمسات الموضة قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

«ميسيكا» تقدم إصدارها الجديد من خاتم «ماي توين توي آند موي My Twin Toi & Moi» بالألماس بمطعم «لابيروز» التاريخي حيث يلتقي الفن الباريسي بالتاريخ والجمال الخالد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)

كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

الـ«هوت كوتور» لا يُبنى على «الجمال السهل»، بل على إرباك المتلقي ودفعه لإعادة النظر فيما اعتاده؛ لأن الأفكار، لا الصيغ الجاهزة، هي التي تصنع القيمة طويلة الأمد.

جميلة حلفيشي (لندن)
يوميات الشرق منال عجاج تتألَّق في أسبوع الموضة بباريس 2026 بإبداعات ذات طابع معاصر

منال عجاج تتألَّق في أسبوع الموضة بباريس 2026 بإبداعات ذات طابع معاصر

سجَّلت المصمِّمة السورية منال عجاج حضوراً لافتاً ضمن فعاليات أسبوع الموضة في باريس لموسم ربيع وصيف 2026، الذي انطلق في 26 يناير (كانون الثاني)، حيث قدّمت رؤية…

«الشرق الأوسط» (باريس)
لمسات الموضة سعود عبد الحميد في لقطة من حملة لعلامة «وجوه» التي تملكها المجموعة وتجمع بين الجمال وكرة القدم وتكرّم الهوية السعودية المتجددة (مجموعة شلهوب)

باتريك شلهوب وإدارة الترف في زمن الأزمات

في هذا المناخ المرتبك لم يعد النجاح مرهوناً بحجم الإبداع، أو التوسع وحدهما، بل بالقدرة على اتخاذ قرارات صحيحة تقرأ الحاضر، وتستبق المستقبل رغم ضبابية اللحظة.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة المصممة ڤيرا زولوتاريڤا (فيرا)

المصممة ڤيرا زولوتاريڤا... نشأة روسية وقلب مصري

مرت مصممة الأزياء الروسية ڤيرا زولوتاريڤا برحلة طويلة بداية من سيبيريا المتجمدة في روسيا وحتى استقرارها في مصر. تقول: «قصتي مع التصميم بدأت من عمر الثالثة،…

مروى صبري (القاهرة )

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
TT

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)

بين بريق المجوهرات وقصة حب وراء إبداعها، وأروقة مطعم أيقوني يحمل بين جدرانه تاريخاً وقصصاً لا تُنسى، صُوّرت مجموعة «ميسيكا» و«لابيروز» الجديدة لتغذي كل الحواس وتوقظ الذاكرة بمناسبة «عيد الحب». ورغم أن «ميسيكا» علامة شابة وُلدت منذ نحو 21 عاماً، و«لابيروز» مطعم باريسي يعود عمره إلى 260 عاماً، فإنه حدث بينهما تناغم عجيب والتحام يجمع التاريخ والحداثة.

نسجت فاليري خيوطاً بين الماضي والحاضر عبر علاقة حب طويلة بالألماس (ميسيكا)

بمناسبة «عيد الحب»، اختارت «ميسيكا» أن تقدم نسختها الجديدة والحصرية من خاتم «ماي توين توي آند موي (My Twin Toi & Moi)»، في مطعم «لابيروز»؛ والسبب أن المطعم يتعدى أنه مكان فاخر لتناول أشهى الأطباق، إلى ما هو أكثر. فإلى جانب أنه رمز للفن الباريسي في العيش، فقد اشتهر عبر الأجيال بخصوصية أجوائه التي احتضنت قصص الحب وأسراره على مدى قرون.

بدأت قصة «لابيروز» عام 1766 عندما تأسس في عهد لويس الـ15، وسرعان ما ترسّخ في ذاكرة المجتمع الباريسي مكاناً فريداً من نوعه، وعنواناً للقاء الأحبة. وفي عام 1850، وتحت إدارة جول لابيروز، أصبح من أوسع وجهات «لوتو باريس» رواجاً، مستقطباً أسماء لامعة مثل موباسان، وزولا، وفيكتور هوغو، ورودان، وسارة برنار. وهذا العام انضمت فاليري ميسيكا إلى هذه الباقة من المبدعين. هي أيضاً تعشق الأساطير وقصص التاريخ وتتقن صياغتها بلغتها الخاصة.

فاليري تخدش المرآة بخاتم «كونكورد» المرصع بماسة سوليتير بوزن 6 قراريط (ميسيكا)

اكتشفت فاليري أن في صالونات هذا المطعم الخاصة تُروى أسطورة تعود إلى القرن الـ19 مفادها بأن النساء كن يتعمدن خدش المرايا بالأحجار الكريمة، وتحديداً الألماس؛ لاختبار أصالتها. هذه الخدوش لا تزال شاهدة على تلك اللحظات حتى اليوم، وكان من الطبيعي أن تُحفّز خيال المصممة.

يحمل خاتم «ماي توين» الجديد نقشاً خاصاً «Messika x Lapérouse» ليُخلّد هذه الشراكة الفريدة بالذهب والألماس (ميسيكا)

وهكذا وُلدت فكرة استحضار الرابط الأبدي الذي يجمع بين المرأة والألماس من خلال إصدار جديد من تصميم «ماي توين» الأيقوني. جاء هذه المرة مصنوعاً من الذهب الوردي ويجمع بين حجرين من الألماس يزن كلّ منهما 0.60 قيراط؛ أحدهما مقطوع على شكل الكمثرى، والآخر على شكل الزمرد، موضوعين وجهاً لوجه في تناغم عصري يعبّر عن مفهوم «تُوَا إيْ مُوَا (أنت وأنا)». يستمد الخاتم طابعه الرومانسي من امتزاج شكلين متناقضين يكمل كلاهما الآخر، وتحيط بكل حجر هالة من الياقوت الأحمر، في تباين لوني جريء يُجسّد قوة الحب والترابط. كما يعبّر التصميم عن فلسفة «ميسيكا» في الانسجام عبر التناقض بدل التماثل.

نغمات من الأحمر العميق وأطباق شهية شكلت خلفية للألماس (ميسيكا)

تقول فاليري عن هذه الخطوة: «(لابيروز) يلمس قلبي منذ زمن طويل، فهو يجسّد وجهاً من وجوه باريس؛ تلك المدينة التي يسطع فيها الضوء كأنّه صندوق مجوهرات. ما يزيد من أهميته بالنسبة إليّ كيف تُشكّل الألماسات جزءاً من روحه. هذا إضافة إلى أن تاريخه يحمل طابعاً من الحرية والجرأة المبطّنة، وهو ما يتناغم تماماً مع هوية دار (ميسيكا). أردت عبر هذا التصميم أن أنسج خيوطاً بين الماضي والحاضر، وأن أُحيي هذا الطقس الرمزي للحب والألماس الذي خلّف أثره على مرآة الحُب بإحساس بالغ بالرهافة».

الألماس والحب... علاقة أبدية لعبت عليها المصممة (ميسيكا)

لتجسيد هذه المشاعر تعاونت مع المصوّرة أوليفيا هودري لكي تتواصل هذه القصة عبر سلسلة من الصور مستوحاة من عالم «لابيروز» برومانسيته وغموضه، وهو ما يُفسِر الخلفية التي تغلب عليها نغمات الأحمر العميق والعناصر الحسيّة.


كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
TT

كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)

عُشاق الموضة، كما في أغنية عبد الحليم حافظ، «حائرون... يفكرون... يتساءلون في جنون»: أي عرض كان أفضل من غيره في الأسبوع الماضي؟ ما بين عرض «سكياباريللي»، الذي بلغ فيه دانييل روزبيري أقصى درجات السريالية، وأول تشكيلة «هوت كوتور» لماثيو بلايزي في «شانيل» مطبوعة بالخفة والنعومة، وصولاً إلى «ديور» حيث اجتمع الإبداع بالوفاء.

مزيح مُتنوع بدا فيه «الأسبوع» كأنه سباق أفكار أكثر منه عروضاً لفساتين وإكسسوارات تستعرض أساليب جديدة تحترم جينات كل دار... بل كشف عن ثنائية واضحة هيمنت على «الأسبوع»: سريالية كما في «سكياباريللي« في مقابل رومانسية كما تجلّت في «ديور». وفي كل الحالات، يبدو هذا الموسم كأنه يبحث عن معنى الاستمرارية.

أحجام كبيرة لكن مدروسة وتفاصيل تحفز الحواس وتوقظها كانت أكثر ما ميز تشكيلة جوناثان آندرسون (ديور)

اختلاف الأساليب جعل «أسبوعاً» كان إلى عهد قريب يخاطب شريحة قليلة جداً من النساء وراهن البعض على نهايته منذ عقد من الزمن يغلي بالأفكار... وهذا ما جعله يصمد في وجه الأزمات الاقتصادية التي مرت عليه... تجعله أحياناً يخفت، لكن جذوته لا تنطفئ. الفضل يعود هنا إلى مصممين مسكونين برغبة جامحة في الابتكار وزبونة جديدة تتوق إلى فرض ثرائها بأي ثمن.

باقة قدمها غاليانو إلى آندرسون أطلقت شرارة الإبداع في الأشكال والألوان (أ.ف.ب)

في التسعينات من القرن الماضي كانت هذه الزبونة تتوق إلى التفرد أكثر مما تتوق إلى استعراض جاهها؛ مما فتح الأبواب أمام مصممين بريطانيين لدخول الساحة الباريسية، مثل جون غاليانو والراحل ألكسندر ماكوين، وفيبي فيلو... وغيرهم. الخَضّة الفنية التي حدثت في تلك الحقبة شبيهة بما يحدث في الموسم الحالي. فنحن هنا نتابع دخول مصممين شباب بيوت أزياء كبيرة كانت في أمسّ الحاجة إلى دمائهم الفائرة لِخَضّها وإعادة الحيوية إليها، من ماثيو بلايزي في دار «شانيل» إلى جوناثان أندرسون في دار «ديور»، من دون أن ننسى الأميركي دانييل روزبيري، الذي نجح منذ أكثر من 6 سنوات في وضع بصمته على دار «سكياباريللي». فكما فعل غاليانو وماكوين في التسعينات، يتعامل روزبيري مع «سكياباريللي»، وجوناثان آندرسون وماثيو بلايزي وغيرهما مع الـ«هوت كوتور» بوصفه منصة لتفجير المخيلة. ليس من الضروري أن تقدم أزياء تقوم على الجمال وحده؛ بل بإمكانها أن توقظ مشاعر مربكة تستفز الناظر وتجعله يُفكِر أيضاً.

عهد جوناثان آندرسون الجديد

متابعة لما اقُترح خلال «الأسبوع»، ستجعل ما عُرض لـ«ربيع وصيف 2026» باقياً محفوراً في الذاكرة بوصفه من أعلى المواسم دسماً من ناحية الإبداع، أو على الأقل هذا ما يقوله كثيرون بعد عرض أول تشكيلة من هذا الخط لجوناثان آندرسون، المدير الإبداعي لـ«ديور»... كانت أقرب إلى سيمفونية تغذي كل الحواس؛ لم يخرج فيها عن الإيقاع التاريخي للدار، وفي الوقت ذاته لم يتقيد به حرفياً.

لم يخرج المصمم عن الإيقاع التاريخي للدار وفي الوقت ذاته لم يتقيد به حرفياً (ديور)

يذكر أن الإعجاب به هنا لم يقتصر على الأزياء والإكسسوارات فقط، بل كسب القلوب وامتنان شريحة كبيرة من عشاق الموضة؛ لأنه أعاد الاعتبار إلى المصمم جون غاليانو... صرَح بأنه ملهمه وقدوته وأستاذه. أما سبب الامتنان؛ فيعود إلى أن الحنين إلى عهد غاليانو هو في جوهره حنين إلى الجرأة الإبداعية والخيال الجامح. بالنسبة إلى كثيرين، دخلت «ديور» بعد خروجه في عام 2011 مغضوباً عليه، حالة استقرار تجاري، لكنها فقدت تلك الصدمة البصرية التي تعيد تعريف الـ«هوت كوتور» بوصفه مساحة للسرد التاريخي والمغامرة.

في بودكاست أجراه جوناثان آندرسون مع عمران أميد، مؤسس موقع «بيزينس أوف فاشون (Business Of Fashion)»، قال إن جون غاليانو كان ولا يزال بالنسبة إليه نجماً ساطعاً، بدليل أن اسمه كان في مرحلة من المراحل مرادفاً لاسم الدار. أما على المستوى الشخصي، فعلّق بأن غاليانو علّمه، وهو لا يزال طالباً، أن «يحلم بالحجم الكبير». بعد التخرج استمات باحثاً عن رقم هاتفه على أمل أن يتدرّب لديه. في ذلك الوقت، كان غاليانو في ذروة مجده، فيما كان هو مجرد شاب في بداية الطريق، يراقب من بعيد ويختزن تلك التجربة في ذاكرته المهنية.

كانت تشكيلته لـ«ربيع وصيف 2026» أقرب إلى سيمفونية تغذي كل الحواس (ديور)

نجح التلميذ ولم ينس مُلهمه، لا سيما أنه بات يتنفس إرثه في كل مكان داخل «ديور». عندما انتهى من تصميم مجموعته الأولى من خط الأزياء الجاهزة في العام الماضي، دعاه للأتولييه، ليعرضها أمامه ويسمع رأيه فيها. لم يتأخر غاليانو. حضر وأحضر معه كيساً مليئاً بالحلويات والسكريات من محل «تيسكو» الشعبي، وباقة سيكلامين، أو زهور «بخور مريم» مشبوكة بشريط أسود. هذه الباقة تحوَلت إلى الشرارة التي أشعلت كل شيء في مجموعة الدار لـ«ربيع وصيف 2026».

الإبداع والوفاء

باقة قدمها غاليانو لآندرسون أطلقت شرارة الإبداع في الأشكال والألوان (ديور)

يشرح جوناثان، وفق ما جاء في البيان الصحافي الذي وزعته الدار، أن مجموعته لـ«ربيع وصيف 2026»، بألوانها والتواءاتها والتفافاتها حول الجسم، ليست حنيناً أو اقتباساً حرفياً من الماضي، بل هي «عدسة تفسيرية يعاد من خلالها تفكيك الحاضر وإعادة تجميع عناصره لفتح احتمالات جديدة لتخيله»، مشيراً إلى أنه لا يحاول أن يكون بديلاً لقدوته، بل أن يكون استمراراً له. فـ«ديور»، وفق قوله، «ضخمة لا يمكن وضعها ضمن قالب نهائي، بل يجب التعامل معها على أنها عملية إبداعية مستمرة، تتغير وتتطور مع كل مصمم».

الحب بالورود والأزهار

من هذا المنظور يبدو استحضار الورود امتداداً طبيعياً لذاكرة الدار وليس مجرد خيار جمالي، إذا أخذنا في الحسبان علاقة المؤسس كريستيان ديور بالورود والأزهار. وحتى إذا نسينا، فإن عطور الدار تُذكرنا بهذه العلاقة الأبدية، كذلك أول عرض قدمه راف سيمونز للدار بعد توليه قيادتها الإبداعية بعد خروج غاليانو. غرس مليون وردة في جدران وسقف «متحف رودان» وامتدت هذه الورود إلى التصاميم التي أخذت أشكال ورود متفتحة ومُلتفة من كل الجوانب.

استحضار الورود كان امتداداً طبيعياً لذاكرة الدار وليس مجرد خيار جمالي (ديور)

أعاد سيمونز التجربة في تشكيلته لـ«ربيع وصيف 2016»، حيث صمم ديكورها على شكل تلة علوّها نحو 59 قدماً وغطتها نحو 300 ألف وردة ديلفينيوم باللون الأزرق البنفسجي.

وفق «ديور»، فـ«إننا عندما نستلهم من الطبيعة، فإنها تُعلِمنا أنها لا تُقدّم خلاصات نهائية قاطعة، بل تكشف عن أنظمة في حركة دائمة؛ تتطوّر، وتتكيّف، وتتواصل عبر الزمن». ووفق هذا المنطق، تأتي الأزياء الراقية مختبراً للأفكار وللحرفية على حد سواء، بحيث تتحوّل التقنيات العريقة من ذاكرة الماضي إلى معرفة حيّة نابضة.

فساتين تتراقص بشكل دائري كأنها أزهار تؤدي رقصات صوفية أو اشتاقت إلى أن تُحكى من جديد في انسجام تام بين الجسد والأنا (ديور)

أما كيف ترجم آندرسون هذه الأفكار، فمن خلال فساتين تتراقص بشكل دائري كأنها أزهار تؤدي رقصات صوفية، أو اشتاقت إلى أن تُحكى من جديد، في انسجام تام بين الجسد والأنا. ومع كل حركة، تفتتح حواراً آخر مع أعمال فنانة الخزف ماغدالين أودوندو، التي تعاون معها المصمم لخلق أشكال باستدارات جديدة، ستشكل إضافة لمفردات الدار من دون المساس بأسسها الراسخة.

جون غاليانو... الحاضر بقوة

حضور غاليانو العرض وجلوسه جنب آنّا وينتور؛ عرابة الموضة، كان كافياً لإعادة النقاش بشأن الإرث والمسؤولية وإمكانية البناء على الماضي بدل تفكيكه بنية إعادة بنائه من الصفر، لمجرد استعراض المهارات. فأشكال الورود هنا لم تكن مجرد زخرفة، بل لغة حب، تلخصت في باقة صغيرة قدمها أستاذ لمعجب، وجعلت حضوره جزءاً مؤثراً في سردية هذه اللحظة المؤثرة من تاريخ الدار.

أثره وتأثيره ظهرا أيضاً في الفلسفة العامة لمجموعة أظهر فيها آندرسون أنه يتشارك مع غاليانو قناعة أساسية مفادها بأن الـ«هوت كوتور» لا يُبنى على «الجمال السهل»، بل على فكرة قادرة على إرباك المتلقي ودفعه إلى إعادة النظر فيما يعرفه واعتاده. فوفق رأي آندرسون، يمكن أن تكون الصدمة أداة للبيع؛ لأن الأفكار، لا الصيغ الجاهزة، هي التي تصنع القيمة طويلة الأمد للدار.

«سكياباريللي» تعود للإحساس

بينما اختار آندرسون مساراً عاطفياً يميل إلى الحلم أكثر، تعامل دانيال روزبيري، المدير الإبداعي في دار «سكياباريللي»، مع مفهوم الصدمة في خط الـ«هوت كوتور» بشكل دخل فيه مناطق الألم والنشوة.

يقول روزبيري إنه كثيراً ما يُسأل عن جدوى هذا الخط، «وردِّي ببساطة أنه ليس للحياة اليومية؛ بل هو مساحة تتيح لي التواصل مع ذلك الشاب بداخلي الذي اختار الخيال على الطرق المضمونة... فهو بالنسبة إليّ دعوة إلى التوقف عن التفكير العقلاني، والعودة إلى الإحساس».

نحتت طبقات التول الملون تحت الدانتيل عمقاً بصرياً وضبابية لونية (سكياباريللي)

بين الألم والنشوة

أطلق على هذه المجموعة لـ«ربيع وصيف 2026» عنوان «الألم والنشوة»... ألم الولادة ونشوة الاكتشاف، مما انعكس في «كل تفصيل فتحه المصمم على بوابات الإحساس عندما تقع العين على الفن وتتأمله» وفق ما جاء في البيان الصحافي للدار.

في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، وخلال زيارة خاصة إلى «كنيسة سيستينا (Sistine Chapel)» في روما، عاش المصمم لحظة تجلٍّ وهو يرفع عينيه إلى السقف.

شدّته رسومات أنجزها حشد من الفنانين، ثم يأتي مايكل أنجلو في عام 1508 ليضع لمساته ويُغير كل شيء... «في تلك اللحظة»؛ يقول روزبيري، «توقف التفكير وبدأ الإحساس، فبعد 40 عاماً، جاء أنجلو برؤية جامحة وصاخبة بصرياً ليقلب مسار الفن إلى الأبد. كانت أيضاً هشّة ورومانسية بامتياز، يمتزج فيها الألم بالنشوة، امتزاجاً مروّعاً وبديعاً. فمايكل أنجلو لم يشرح؛ فقط أذن للناظرين بفتح باب الإحساس عند تأمّل الفن».

الصحوة الإبداعية

صحوة المصمم الإبداعية ظهرت في ذيول عقارب وإبر سامة وأسنان أفاعٍ... اندمجت في تصاميم تثير التوتر وتحفز على التفكير (سكياباريللي)

في لحظة التجلي هذه، قرر المصمم، ولأول مرة منذ سنوات، أن يتوقف عن التفكير في كيف يجب أن يبدو الشيء... «بدأت أُنصت إلى ما أشعر به في لحظات الإبداع. لم يعد النبض العاطفي يتمحور حول الشكل، بل حول الإحساس: كيف نشعر ونحن نعمل على إنجازه؟ يا لها من راحة... ويا لها من صحوة إبداعية» ظهرت في خطوط حادة تحولت إلى ذيول عقارب وإبر سامة وأسنان أفاعٍ اندمجت في تصاميم تثير التوتر وتحفز على التفكير.

استلهم روزبيري الألوان من طيور الجنة: الوردي والأزرق والزعفراني... وكذلك بعض الأشكال (سكياباريللي)

لكن المصمم يُؤكد أنها ليست تمرداً مطلقاً على الواقع؛ بل هي أيضاً احتفال بالمهارة الجماعية في المشاغل، وحرفية جسّدت ذروة الخيال والمهارة. الدانتيل المقصوص مثلاً نُفِذ بأسلوب نحتي ثلاثي الأبعاد، والريش، بنوعيه الحقيقي والاصطناعي، لُوّن وغُمِس في الراتينغ قبل أن يزين بالكريستال، فيما منحت طبقات التول الملون تحت الدانتيل عمقاً بصرياً وضبابية لونية. أما الألوان فمُستلهمة عموماً من ألوان طيور الجنة؛ الوردي، والأزرق، والزعفراني. بالنسبة إلى الإكسسوارات، وهي من العناصر القوية التي تفخر بها الدار وتميزها، فجاءت برؤوس طيور اصطناعية مصنوعة من ريش حريري، ومناقير راتينغية، وعيون لؤلؤية، إلى جانب رموزها الأيقونية مثل ثقب المفتاح.

ما نجح فيه روزبيري، وجوناثان آندرسون في «ديور»، أنهما لم يجعلا الصدمة، باختلاف لغتها، نقيضاً للحلم، بل جعلاها طريقاً للوصول إلى القلب.


أسبوع باريس للهوت كوتور ربيع وصيف 2026... النجمات يصنعن البريق في باريس

المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
TT

أسبوع باريس للهوت كوتور ربيع وصيف 2026... النجمات يصنعن البريق في باريس

المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)

لا يزال أسبوع الهوت كوتور لربيع وصيف 2026 بباريس مستمراً في إتحاف عشاق الموضة بأجمل الأزياء وأكثرها ابتكاراً. فهذا الموسم يختلف عما تابعناه لسنوات، بفضل دخول مصممين شباب إلى بيوت أزياء كبيرة بدأوا يضخونها بديناميكية غابت عن الساحة طويلاً. من ماثيو بلايزي في دار «شانيل» إلى جوناثان أندرسون في «ديور» وهلم جرا من الأسماء الشابة، التي أكدت لحد الآن قدرتها على إبداع قطع تحاكي اللوحات الفنية، معتمدين على مهارات ورغبة في التميز عوض الاعتماد على إحداث الصدمات لمجرد خلق الجدل.

سفيرات دار «شانيل» بينلوبي كروز شارلوت أوف موناكو ونيكول كيدمان (شانيل)

لكن الملاحظ أن هذا الأسبوع، ومنذ انطلاقه، شهد غزواً غير مسبوق لنجمات وسيدات المجتمع، مثل ريهانا ونيكول كيدمان وبنيلوبي كروز ولورين سانشيز، زوجة الملياردير جيف بيزوس وهلم جرا.

قد يقول البعض إن الأمر عادي بحكم أن بيوت الأزياء تستضيف هؤلاء للحصول على مزيد من البريق في أسبوع قائم أساساً على البريق والتميز. وهذا صحيح لكن الجديد هذه المرة أن التغطيات الصحافية تكاد تتجاهل ما يجري على منصات عروض الأزياء في كثير من الأحيان لتُسلط الضوء على ما يجري خارجها أو في الصفوف الأمامية، بدليل التغطيات على وسائل التواصل تحديداً.

أصبح وجود نجمات في الصفوف الأمامية مسألة وجودية بالنسبة لبيوت الأزياء الكبيرة خاصة (رويترز)

النادي النخبوي يفتح أبوابه للعالم

هذا المشهد يعكس سؤالاً قديماً متجدداً: هل وجود النجمات يطغى على أهمية عروض الأزياء أم أنه يُغذيها ويمنحها حياة أبعد من المنصة؟ الجواب عن هذا السؤال يمكن أن نجده في تغير الزمن من جهة، وثقافة «الهوت كوتور» من جهة أخرى. فرغم الطابع النخبوي لهذا الخط وعدد زبوناته المحدود، فإنه لم يعد حدثاً مغلقاً كما كان عليه في السابق. فقد تبنى منذ سنوات استراتيجية التواصل مع جمهور أكبر عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن انتبه صناع الترف أن صورة واحدة لشخصية مشهورة وهي تصل إلى العرض أو تجلس في الصف الأمامي قد تحقق انتشاراً يفوق تأثير عرض كامل.

المصممون تقبلوا هذا الأمر أيضاً، فالحرفية العالية واحترام معايير الإبداع والاستثمارات الكبيرة التي يتطلبها هذا الخط، لا تساوي شيئاً إذا لم تصل ثمراتها إلى جمهور يحلم بها ويرغب في اقتنائها، أو على الأقل الانتماء على نادي التميز ولو من خلال عطر أو أحمر شفاه أو حقيبة يد.

لورين سانشيز رفقة زوجها جيف بيزوس مؤسس شركة «أمازون» لدى وصولهما عرض «سكياباريللي» (غيتي)

من هذا المنظور، فإن هذا الغزو المكثف هذا الموسم جزء من خطة مدروسة، تتداخل فيها الأدوار بين السفيرة الرسمية للدار مثل نيكول كيدمان والأميرة شارلوت أوف موناكو والنجمة الإسبانية بنيلوبي كروز كسفيرات لدار «شانيل» وبين الزبونة الجديدة مثل لورين سانشيز التي باتت تفرض حضورها في هذه العروض، وبين النجمة المؤثرة مثل ريهانا. هذه الأخيرة مثلاً اضطرت إلى تأخير عرض «ديور» ما يقرب الساعة انتظاراً لوصولها.

للزمن الجديد متطلباته

النجمة ديمي مور في عرض «سكياباريللي» (سكياباريللي)

هذا الكم من النجوم والاهتمام المتزايد بهم في هذا الموسم يتزامن مع التغيرات التي تشهدها الموضة ككل. فدار «فالنتينو» تقدم أول عرض لها بعد رحيل مؤسسها فالنتينو غارافاني، بينما قدَّمت دار «جيورجيو أرماني» عرضاً ذكَّر الكل بغيابه وكأنهم كانوا قبل ذلك يقاومون الإحساس بفقده. إضافة إلى كل هذا، فإن تصدر مصممين شباب المشهد في وقت عصيب بسبب تراجع الإيرادات، يُحتِم تقبل أن هذه الشخصيات بكل ما تثيره من ضجيج إعلامي ضرورية، كونها تلعب دور الوسيط بين الرؤية الإبداعية وبين جمهور واسع. لذلك فإن الاستثمار في حضور أسماء لامعة هو جزء من استراتيجية تعزز الصورة على المدى البعيد.