لا يمكن القول إن أسبوع لندن للأزياء، سواء الرجالية أو النسائية، يعتمد على الإبهار بقدر ما يعتمد على الابتكار والقدرة على خض التابوهات والمتعارف عليه. فعلى العكس من نيويورك مثلا أو ميلانو أو باريس، فإلى حد قريب لم تكن تتمتع بإمكانيات مالية عالية ولا إلى نجوم عالميين يضفون البريق عليها، إلى أن قررت دار «بيربيري» العودة إليها من ميلانو. كانت هذه العودة بمثابة نقلة غيرت كل الموازين، وارتقت بأسبوع لندن إلى مستوى عالمي أكبر. وبالفعل، لم تبخل علينا الدار البريطانية بعنصر الإبهار، الذي يجعل وسائل الإعلام والمشترين يعدون لندن وجهة مهمة وليست مجرد محطة عبور. السبب أنها واحدة من أنجح بيوت الأزياء البريطانية، إذ تحقق أرباحا لا يستهان بها على المستوى العالمي، ما يمنح مصممها كريستوفر بايلي الكثير من الحرية لكي يستعرض فنيته وقدراته من جهة وإرثها وتاريخها من جهة ثانية. وهذا ما حصل يوم الأربعاء الماضي في حديقة كينغستون، التي أصبحت بمثابة المقر التقليدي لعروض الدار. المثير في تشكيلته لخريف وشتاء 2014 أنها لا تفتقد الأناقة العالية التي يحتمها خط «بيربيري برورسم»، لكنها تجارية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. أي أنها ستروق للكل، وسيجد فيها كل رجل، أيا كانت جنسيته وأسلوبه، ما يحتاجه منها وما يمكن أن يغني خزانته لمواسم كثيرة وليس فقط للموسمين المقبلين. وإذا عرف سبب هذه المعادلة التي تجمع العملية بالأناقة الفنية بطل العجب. فمصممها الفني كريستوفر بايلي ترقى هذا العام وسيصبح أيضا رئيسها التنفيذي، مما يجعله أول مصمم يتحمل هذه المسؤولية في دار لا يمتلكها ولم يؤسسها، وهو تحد مثير ومسؤولية صعبة أكد يوم الأربعاء الماضي أنه أهل لها.
فقد أعطى الجنس الخشن درسا رائعا في كيف يمكنه التنسيق بين الألوان والاستمتاع بإكسسوارات كانت إلى عقد قريب حكرا على المرأة، مثل إيشاربات الحرير التي زين بها العنق والأكتاف، وحقائب اليد التي أعطاها أحجاما ضخمة، فضلا عن الألوان الفاتحة التي كان الهدف منها ضخ بعض الانتعاش على الأقمشة الصوفية. ولأن «بيربيري» بريطانية حتى العظم، حرص المصمم على صنع معظم القطع إن لم نقل كلها في معامل أو مغازل بريطانية، مثل أربطة العنق الصوفية والشالات التي جرى غزلها في أسكوتلندا، بنقوشات هندسية وإثنية إلى حد ما ظهرت أيضا في حقائب اليد، إضافة إلى الكنزات والبنطلونات المفصلة بطيات تتيح الحركة وفي الوقت ذاته تتميز بعصرية من شأنها أن تستقطب الرجل الذي أدمن طويلا على التصاميم الضيقة. وبما أنه لا يمكن أن يمر عرض لكريستوفر بايلي من دون أن يقدم تحية للموسيقى أو للفن، بحكم أنه عاشق للاثنين، كان عرضه هذا بمثابة معرض رسم متحرك. فقد استوحى التشكيلة، كما قال، من فنانين كان لهم أثر كبير عليه وعلى الساحة الفنية في القرن العشرين مثل لوسيان فرويد، بين نيكولسون، دانكان غرانت وكريستوفر وود. وربما هذا ما أكسب التشكيلة والعرض ككل صبغة رومانسية بوهيمية شرح المصمم أنه أرادها أن تكون طبيعية «لم أرد أي شيء مفتعل أو حاد، بقدر أردت نعومة وصورة تمثل هؤلاء الفنانين وهم يسافرون ويعيشون مغامراتهم الخاصة». وبما أن «التصميم تعبير عن وجهة نظر»، بحسب رأيه، فإن وجهة نظره هنا لم تكن ترجمة حرفية، بل مجرد تأثر استقى منه الكثير من الألوان وروح هؤلاء الفنانين البوهيمية التي ترجمتها في كنزات مفتوحة وإكسسوارات تلعب على صورة داندية عصرية. واحدة من هذه الصور التي رسمها لنا صورة يعرفها الجميع للفنان دانكان غرانت يظهر فيها بسترة «بليزر» بالأزرق الغامق مع صديري بلون المستردة وقميص أبيض ومنديل جيب باللون الأحمر القاني وربطة عنق. الفرق هنا أن المصمم استبدل الـ«بلايزر» بالكنزة المفتوحة والقميص المفصل بـ«تي - شيرت» ومنديل الجيب بوشاح، يمكن أن يسرقه من المرأة أو العكس، ليزين به أكتافه حتى بعض اللون على مظهره الداكن، أو يخفف من رسمية جاكيت أو معطف شتوي. أنهى العرض بلوحة أيقونية توشح فيها العارضون بمجموعة من الشالات المطبوعة بمربعات بألوان تتباين بين البيج والرمادي والبنفسجي والأحمر، علما بأن هذه المربعات لا تلعب على «لوغو» الدار المشهور بقدر ما تلعب على ألوان استعملها كل الفنانين المذكورين الذين استلهم منهم هذه الصورة، وعلى رأسهم نيكلسون الذي كان متأثرا بصديقه بيت موندريان.
رغم فنية هذه التشكيلة وأناقتها، تذكرنا كل إطلالة على منصة العرض بأنها تتوجه إلى أسواق عالمية وإلى رجل يريد أن يلفت الأنظار بأناقته، لكن بأسلوب غير صادم. وهذا الأمر، يعني بعيون مصمم فني تشكيلة تثبت مهارته وقدرته على قراءة السوق ومتطلباتها، بينما تعني بعيون رئيس تنفيذي، تشكيلة تبيع بسهولة وتحقق الأرباح. وبما أن كريستوفر بايلي أصبح يقوم بالمهمتين، فإنه في هذه التجربة أكد أنه أهل للمسؤوليتين وأن قرار «بيربيري» كان صائبا يمكن أن يكون بداية تغيير جديد في عالم الموضة.
> بما إن أي أسبوع موضة لا يمر من دون جدل أو مناقرات، فإن دار «بيربيري» أثارت سخط بعض المصممين وعلى رأسهم باتريك غرانت، مصمم «نورتون آند سان» الواقعة في سافيل رو. السبب أن هذا الأخير رأى أنه من الظلم أن تضع «بيربيري» شروطها على حساب الآخرين، بعد أن منعت العارضين المشاركين في عرضها المشاركة في أي عرض آخر يوم الأربعاء، ما وضع باتريك غرانت الذي كان مقررا أن يقدم عرضه في نفس اليوم، في مأزق.
ويعترف غرانت أن كون هذا القرار جاء مفاجئا وفي آخر لحظة، عرضه للكثير من الارتباك والسباق مع الزمن للبحث عن أربعة عارضين جدد لتعويض أربعة انسحبوا بسبب شرط «بيربيري». وعلق المصمم أن الأمر غريب وغير مقبول لأن العادة جرت أن يشارك العارضون في أكثر من عرض واحد في اليوم.
9:41 دقيقه
«بيربيري برورسم».. شالات وأوشحة تخاطب العالم
https://aawsat.com/home/article/16827
«بيربيري برورسم».. شالات وأوشحة تخاطب العالم
تشكيلة تجسد مفهوم «صنع في بريطانيا» متأثرة بالفن البوهيمي
شالات وأوشحة وألوان مستوحاة من فنانين بوهيميين من القرن العشرين
- لندن: جميلة حلفيشي
- لندن: جميلة حلفيشي
«بيربيري برورسم».. شالات وأوشحة تخاطب العالم
شالات وأوشحة وألوان مستوحاة من فنانين بوهيميين من القرن العشرين
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

