آميتا ميهرا السيدة الهندية الأولى في تربية الخيول

حققت ميهرا حلم والدها بتعلم إدارة مزارع الخيول في أفضل المعاهد المتخصصة في العالم
حققت ميهرا حلم والدها بتعلم إدارة مزارع الخيول في أفضل المعاهد المتخصصة في العالم
TT

آميتا ميهرا السيدة الهندية الأولى في تربية الخيول

حققت ميهرا حلم والدها بتعلم إدارة مزارع الخيول في أفضل المعاهد المتخصصة في العالم
حققت ميهرا حلم والدها بتعلم إدارة مزارع الخيول في أفضل المعاهد المتخصصة في العالم

آميتا ميهرا، صاحبة «مزرعة أوشا» المتميزة للخيول، التي ورثتها، وهي شابة يافعة، عن والدها الذي كان من أبرز ممارسي رياضة «البولو» الهنود ذوي السمعة العالمية. تلك المزرعة انتقلت بتربية الخيول الهندية إلى آفاق جديدة، وتمكنت من إنتاج 13 جواداً ممن فازت في سباقات الخيول، وهو أكبر عدد تتمكن أي مزرعة للخيول من إنتاجه في البلاد، و7 خيول منها أشرفت آميتا ميهرا على تربيتها بنفسها.
ولقد ولدت آميتا وسط الخيول، مع بقية الأطفال من عمرها يلاعبون الحيوانات الأليفة المعتادة من القطط والكلاب، أما هي فكانت تملك حصاناً يبلغ 3 أعوام من عمره.
تقول آميتا إن حديقتها الأمامية كان يوجد فيها مهر صغير من سلالة «شيتلاند»، وكانت هناك سلة صغيرة مثبتة على ظهره كي لا تسقط من عليه. وبحلول الثامنة من عمرها، كانت تتمكن من القفز على ظهر الخيل ببراعة كبيرة. وقالت إن حياتها كانت دائماً مرتبطة مع الخيول.
«كلما أوشكت على السقوط من على مُهري، كان أبي يصر على معاودة صعودي مرة أخرى على ظهره»، تتذكر آميتا: «وبتلك الطريقة تلاشى خوفي من الخيول تدريجياً. وفي الواقع، علمنا والدنا أنا وشقيقتي كيفية السقوط من على ظهر الحصان بطريقة تحول دون إصابتنا بالأذى. وهذا في رأيي الشخصي من الأهمية مثل تعلم ركوب الخيول بصورة جيدة سواء بسواء».
وفازت «مزرعة أوشا للخيول» بثلاثمائة سباق كلاسيكي عبر 40 عاماً من تاريخها الطويل. وقالت آميتا: «بالنسبة إلى مزرعة الخيول، فإن الفوز في سباق الخيول الهندي هو مثل الفوز بجائزة (الأوسكار) بالنسبة لمخرجي الأفلام. وهو أمر لا يأتي بسهولة أبداً».

ارتباطها العميق بالخيول
لدى آميتا قصة مثيرة عن ارتباطها الكبير بالخيول. فلقد كانت مترددة كثيراً في مشاركة والدها اهتمامه بتربية الخيول، لأنها كانت مولعة بدراسة وممارسة الروحانيات. وبعد تخرجها في عام 1986 انضمت إلى الزعيم الروحاني سري أوروبيندو، وعملت كمعلمة، ومارست الكثير من الأعمال الخيرية والاجتماعية والروحانية، وواصلت اهتمامها بالدراسات الروحانية في ذلك الوقت، وساورتها فكرة إنشاء جامعة تركز على التربية الروحانية فقط. وعندما سألها والدها كيف تخطط للقيام بذلك براتب معلمة، توصل الاثنان إلى حل وسط فيما بينهما.
تقول آميتا: «قال والدي إنني إذا انضممت للعمل في مزرعة الخيول، وأنتجت الخيول الفائزة في سباق الخيول (الديربي) الهندي، فسوف يسمح لها بإغلاق المزرعة وافتتاح الجامعة»، وتمت صياغة ذلك الاتفاق على الورق.
وكي تبدأ في تدريباتها الرسمية، التحقت بـ«المعهد الوطني الآيرلندي للخيول» في عام 1991، وهو من المعاهد الكبيرة في مجال إدارة مزارع الخيول، ويملك الميدالية الذهبية في ذلك. وكانت هي المواطنة الهندية الوحيدة الملتحقة بهذا المعهد العريق، وسببت سنة الدراسة هناك صدمة ثقافية كبيرة لها، نظراً لأنه تعين عليها أن تتسخ يديها بالعمل بخلاف ما اعتادت عليه في مزرعة والدها في الهند، حيث كان هناك الكثير من الموظفين الذين يقومون بالأعمال المتواضعة في المزرعة.
وقالت آميتا: «كان علينا تنظيف الإسطبلات بأنفسنا، ومسح الطرق، وخلط الطعام للخيول، وحضور المحاضرات بشأن كيفية تركيب حدوة الخيول بأيدينا».
وبعد ذلك، سافرت آميتا في عام 1993 إلى الولايات المتحدة الأميركية لقضاء ثلاثة أشهر هناك لتعلم فنون تغذية الخيول من الخبير العالمي في تغذية الخيول جو باغان وكذلك ستيفن جاكسون، ثم استكملت درجتها العلمية في إدارة الأعمال لدى أحد معاهد الإدارة الهندية المرموقة.
وبعد تعرضها لأفضل الخبرات الدولية فيما يتعلق بفنون إدارة مزارع الخيول، تمكنت آميتا مهيرا من نقل تلك الخبرات والتجارب وأفضل الممارسات إلى بلادها.
وفي عام 1997، أنتجت أول جواد فائز في سباق الديربي الهندي، حيث كان آخر سباق فازت المزرعة به في عام 1986. ولكن، حان الوقت الآن لمعاودة الاطلاع على الاتفاقية المبرمة بينها وبين والدها. ولكن في أعماق آميتا هي لم تكن ترغب فعلاً في إغلاق مزرعة والدها على الإطلاق.
وهي تقول عن ذلك: «قال لي والدي إن لم تكوني راغبة في إغلاقها، فسوف أمنحك 2.5 فدان لبناء جامعتك الخاصة. ثم وافق على زيادة راتبي إلى مائة ألف روبية، ولم نغلق المزرعة أبداً».
و«مزرعة أوشا للخيول» هي المزرعة الهندية الوحيدة التي أنتجت ستة من خيولها المدرجة على قائمة أفضل خيول السباق.

أوقات الاختبار
وكان كل شيء يسير على ما يرام، ثم حققت آميتا لنفسها اسماً مميزاً في عالم تربية الخيول الهندية. وكانت تتولى جميع الأمور المتعلقة بالأمر باستثناء صفقات بيع الخيول.
لكن في عام 2001، وقعت بحياتها مأساة كبيرة. إذ فارق والداها وشقيقتها الحياة في حادثة سقوط مروحية كانت تقلهما.
تقول آميتا عن ذلك: «لقد كانت صدمة جسيمة. فقدت الجميع في لحظة واحدة. وأشعر الآن بأن والدي كان بعيد النظر للغاية. لقد علمني ودربني كي أحل محله في يوم من الأيام. وإن لم أكن مكانه الآن، لكان مصير مزرعة الخيول الإغلاق التام».
وتصف آميتا ميهرا تلك الفترة بأنها من أصعب وأشق فترات حياتها كلها، وقالت: «بعد شهر كامل من خسارتي لأسرتي، كان هناك مزاد. ولم أكن قد تمرست على بيع الخيول من قبل. وكان هناك 32 جواداً معروضين للبيع».
وبعد سنوات من الجهد والكفاح في البيئة المغلقة، تمكنت آميتا أخيراً من التعامل مع بعض رجال الأعمال المتسلطين.
وقالت: «سوف يدفعون بك بعيداً، إن اضطروا إلى ذلك، إنها صناعة يسيطر عليها الرجال بشدة»، وهي تعترف بأنها شعرت بالإقلال من مكانتها، لقد كانت مسألة تبارز بين الجنسين، وكانت خيولها من أفضل الخيول الموجودة في البلاد. ولكن المشترين ظنوا أنها سوف تكون عملية بيع عسيرة للغاية.
ومن حسن الطالع أن والدها قد ترك لها قائمة بالأسعار. «في البداية، كان المشترون يعرضون أسعاراً متدنية. وكنت في حالة مزرية، ومع ذلك، كنت سوف أقول نعم أو لا ولن أنخرط في المفاوضات. وانتهى بي الأمر وقد بعت كل حصان من الخيول المعروضة للبيع وفق السعر الذي حدده والدي، إذ كنت أرفض التزحزح قيد أنملة عن قائمته للأسعار».
ولم تمر سوى سنوات قليلة حتى تمكنت آميتا من تحقيق نتائج جيدة مكنتها من حيازة القبول بين أساطين تلك الصناعة. «لقد أدركوا أنني لست لقمة سائغة وأنني لست لينة العريكة».
ويوجد في مزرعتها نصب تذكاري آخر بجانب المُقام لوالديها وشقيقتها، وكان مخصصاً للحصان «رازين». لقد حقق الحصان الأصيل أكثر من 100 فوز في السباقات الكلاسيكية، وهو أعلى رقم مسجل في تاريخ السباقات الهندية. وذلك الجواد مدفونة رفاته عند موقع النصب التذكاري عندما مات في عام 2011 عن عمر يناهز 24 عاماً.
ويقرأ النقش الموسوم على نصب الحصان التذكاري: «رازين... الحصان الأسطورة... صاحب الامتياز الذي عاش ومات بكل كرامة... سوف تتذكره الأيام والسنين كأفضل حصان أنجبته البلاد وأكثرها تميزاً في تاريخ السباقات الهندية قاطبة».
كيف تمكنت آميتا من إنتاج أفضل الخيول الهندية، ثم تصديرها إلى دبي وسنغافورة، إلى جانب كونها من أفضل الخيول المطلوبة في الهند؟
كل يوم في تمام الساعة 11 صباحاً، تصطف كل الخيول في مزرعتها، ويبلغ عددهم 100 حصان، في صف طويل للتفتيش الشخصي بواسطة آميتا. وهي تراجع الطعام، والحالة الصحية، وأي تغييرات ولو كانت بسيطة في سلوكيات كل حصان منها وتقوم بتسجيلها.

شخصية متعددة المواهب
فيما وراء عالم الخيول، تعتبر السيدة آميتا ميهرا من الشخصيات متعددة المواهب، وهي من المؤلفين البارزين، ومن عشاق الموسيقى الكلاسيكية بمذاقيها الهندي والغربي.
والسيدة ميهرا من عشاق رياضة التنس، وتهتم كثيراً بعالم الروحانيات والتأمل. وكرست حياتها لأجل الخيول. وهي مستمرة منذ سنوات للحفاظ على موقع مزرعتها كأفضل جهات تربية الخيول في الهند.
وهناك فريق يتألف من 100 عامل وموظف يعلمون لديها. وجميع الأسر تعيش بالقرب من المزرعة، وتوفر آميتا لأفرادها الطعام والتعليم المجاني للأطفال، خصوصاً الإناث من بنات عمال المزرعة.
وتمكنت آميتا من نشر مجموعة من الكتب متنوعة الموضوعات، وهي من المحاضرين في المواضيع ذات الصلة بالتأمل وعلوم الحياة. كما أنها تواصل البحث عبر الإنترنت وتنظيم الدورات البحثية المتقدمة في فلسفة وممارسات «سري أوروبيندو» الهندوسية.
وكانت هي أيضاً السيدة الأولى التي نالت عضوية «نادي رعاة سباق دلهي للخيول»، وعضوية المجلس الاستشاري للجمعية الوطنية لتربية الخيول في الهند. وهي من المتحدثات المتمرسات، وعقدت الكثير من حلقات العمل، والدورات المنتظمة في مجال التنمية الذاتية، والتأمل، والتعليم المتكامل. وتلك الشخصية متعددة المواهب هي من المؤلفين غزيري الإنتاج كذلك. ومن بين الكتب التي ألفتها هناك «دايانا: التأمل والنمو الداخلي»، و«كارمايو أيارغا»، و«سادهانا: دليل الإتقان الذاتي»، و«عندما لا نبارح أزماننا»، و«قوة المواقف»، و«علوم الحياة»، و«التعليم النفسي». كما أنها تشرف بنفسها على تحرير دورية «شعاع الصحوة»، ودورية «تنمية الموارد البشرية».
ولقد طلب منها الكثيرون من معارفها في بداية مشوارها مغادرة العمل في المزرعة، لأنها من المهن التي يسيطر عليها الرجال، ولكنها تحدت وانتصرت على جميع التحديات والمعوقات التي واجهتها في مسيرتها المهنية.
ومن كلمات آميتا ميهرا الرنانة: «يتعين على المرأة أن تكون في ضعف جودة وامتياز الرجل حتى يعترف بها المجتمع والناس في هذا العالم. ولقد حققت هذا المستحيل مقارنة بمن كانوا أمامي على قدم المنافسة والتحدي».



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».