كيف غطى الإعلام اضطرابات فيرغسون؟

عسكر الصحافيون بالقرب من الحرس الوطني.. وامتلأ المكان بشاحنات القنوات التلفزيونية

صحون فضائية ترسل التقارير حول العالم
صحون فضائية ترسل التقارير حول العالم
TT

كيف غطى الإعلام اضطرابات فيرغسون؟

صحون فضائية ترسل التقارير حول العالم
صحون فضائية ترسل التقارير حول العالم

لم أسافر بطائرة إلى سانت لويس (ولاية ميزوري) لتغطية قمة الدول الـ20 الغنية. كانت الخارجية الأميركية سترسل خطابات إلى الصحافيين في واشنطن قبل شهرين تقريبا، مع معلومات عن القمة، وإرشادات حول السفر، والفنادق. واقتراح فندق معين يُخصص للصحافيين، حتى يسهل حضورهم المؤتمرات الصحافية. ومعلومات عن كل صحافي، لمنحة بطاقة صحافية.
ولم أسافر إلى سانت لويس، حتى لتغطية المؤتمر السنوي للأميركيين العرب. رغم أن إمكانياتهم، طبعا، أقل من إمكانيات الحكومة الأميركية، كانوا سيرسلون دعوات مسبقة، ربما قبل شهر. ويتعهدون بحجز غرف في الفندق الذي يُعقد فيه المؤتمر. ويؤثر عليهم كرم العرب، ويصرفون بطاقات غذاء أو عشاء مجانية. جئت إلى هنا لتغطية اضطرابات واشتباكات عنصرية بين سكان ضاحية فيرغسون (الأغلبية الهائلة سوداء)، وشرطة المدينة (الأغلبية الهائلة بيضاء). وقبل ذلك، شاهدت مشاهد من الاضطرابات في التلفزيون جعلتني أحس، وكأنها حرب. بسبب صور الدبابات والمصفحات، وصور الشرطة، تحول كل شرطي إلى جندي؛ يحمل بندقية أوتوماتيكية عملاقة، ويرتدي ملابس القتال، ويضع على رأسه قبعة فيها جهاز اتصالات لاسلكي، ويضع على عينيه نظارة للرؤية في الظلام.

* صور تُذكّر باحتلال العراق وأفغانستان
* وجاي نيكسون، حاكم ولاية ميزوري، نفسه، قال: «تشبه فيرغسون منطقة حرب».
بحثت في خريطة «غوغل» عن فندق في فيرغسون (قريب، أو ربما ليس قريبا جدا، من مكان الاضطرابات).
لكن فوجئت بأنه لا يوجد أي فندق. رغم أن هذه ليست ضاحية صغيرة من ضواحي سانت لويس، بل هي مدينة، سكانها 20 ألف شخص تقريبا؛ لا فندق كبير (مثل «هيلتون»). ولا فندق صغير (مثل «دايز إن»).
لحسن الحظ، تقع فيرغسون قرب مطار سانت لويس، حيث توجد فنادق كثيرة، كبيرة وصغيرة. حسب خريطة «غوغل»، أقرب فندق إلى فيرغسون هو «هيلتون المطار». لكن، قال موظف الحجز إنه ملآن، بسبب أعداد كبيرة من الصحافيين من مختلف أنحاء العالم. واقترح فندقا آخر على مسافة 15 ميلا (20 كيلومترا تقريبا).
وصلت ليلا، وفي الصباح، سألت عن مكان الاضطرابات. لكن، طبعا، ليست الاضطرابات في خريطة «غوغل»، أو في أي خريطة، أو في عنوان معين يعرفه موظفو الفندق. وكنت شاهدت في التلفزيون صحافيين يتجمعون في مطعم «ماكدونالد» للساندويتشات، وحسب موقع «ماكدونالد» في الإنترنت، فإن له ثمانية مطاعم في فيرغسون.
حتى سائق التاكسي قال إنه ليس متأكدا. وزاد المشكلة عندما قال: «ليست المظاهرات في شارع واحد. لا يوجد شارع اسمه شارع المظاهرات. إنها في شوارع كثيرة. تتجمع في مكان، وعندما تواجهها الشرطة، تنتقل إلى مكان آخر». مشكلة ثالثة؛ كان الوقت صباحا. ولا يتظاهر الناس في الصباح، لأنهم متعبون من مظاهرات الليلة الماضية.
لحسن الحظ، شاهدنا في شارع محطة الوقود التي كان أحرقها المتظاهرون، وكنت شاهدتها في التلفزيون. ربما أقرب مطعم «ماكدونالد» من محطة الوقود هو «ماكدونالد الصحافيين»، بالإضافة إلى وجود عربة تلفزيون خارج المطعم. لكن كان عدد الصحافيين قليلا جدا، وكانوا يتناولون الإفطار، يتضح أنهم صحافيون من ملابسهم، وكومبيوتراتهم، وكاميراتهم. ومن الواضح أنهم متعبون من الليلة الماضية. في زاوية، جلس ثلاثة صحافيين ألمان، تحدث معي واحد منهم بالإنجليزية بلكنة ألمانية واضحة، وفي اقتضاب، قال واحد منهم إن المظاهرات لا تخرج أثناء النهار بسبب حرارة الجو.
ولحسن الحظ، مرة أخرى، كان هناك متجر خمور قريب، عليه آثار نهب، وتحرسه شرطة. كان الشرطي ودودا (ربما لمواجهة تقارير صحافية بأن الشرطة اعتقلت صحافيين، منهم صحافي في «واشنطن بوست»، مما جعلها تنتقد الشرطة، وكأنها تشكوهم للرئيس أوباما).
قال الشرطي، وقد زاد الغموض: «الآن، توجد ثلاثة جهات أمنية في فيرغسون؛ الحرس الوطني، وشرطة هاي واي باترول (شرطة الطرق البرية)، وشرطة المدينة». سألت: «أيهما أقرب؟». قال: «الحرس الوطني. في ميدان تارغيت، على هذا الشارع، بعد أميال قليلة».
هذه أكبر منطقة تجارية في فيرغسون (رغم أنها ليست كبيرة جدا). وفيها متجر «تارغيت»، ويُعد من المتاجر «الراقية». ربما عسكر الحرس الوطني هنا لحمايته، لأن أغلبية الذين في داخله من البيض.
لحسن الحظ، مرة أخرى، فكر صحافيون كثيرون مثل هذا التفكير. وعسكروا بالقرب من الحرس الوطني. وامتلأ المكان بشاحنات القنوات التلفزيونية، وارتفعت إلى السماء صحون الإرسال إلى الأقمار الفضائية؛ «إن بي سي» و«سي بي إس» و«سي إن إن»، وتلفزيونات محلية (واحد باللغة الإسبانية).
لكن، مثلما قال الصحافي الألماني، لا توجد مظاهرات بالنهار. لهذا، امتلأ المكان بكاميرات متجهة نحو الحرس الوطني، وعسكر كل فريق تحت خيمة، وانشغلوا بالفطور والقهوة والشاي.

* البحث عن صحافيين
* إذن لا يذهب الصحافيون إلى مكان المظاهرات، يذهب المتظاهرون إلى مكان الصحافيين. لهذا، بدأ أناس يأتون إلى «صحافيي تارغيت» ليتحدثوا؛ جاءت امرأتان سوداوان عضوتان في كونغرس ولاية ميزوري، وجاء أستاذ جامعة متخصص في موضوع الأقليات، وقدم نفسه على أنه «خبير».
وجاء صاحب موقع في الإنترنت اسمه «لو أند أوردر» (القانون والنظام). طبعا، لم يقل إنه يؤيد قتل الشرطي ويلسون للصبي الأسود براون، لكن قال: إن الشرطة يجب أن لا تتساهل مع الذين يخرقون القانون.
وجاءت نسوة بيضاوات يحملن لافتات عن موضوع «القانون والنظام»، وقلن إنهن من جناح «حزب الشاي» التابع للحزب الجمهوري، وهو الجناح الذي ظل يقود حملة قوية ضد أوباما، منذ أن أصبح رئيسا. وكأنهم لا يريدون رئيسا أسود لأميركا (رغم أنهم، طبعا، لا يقولون ذلك، علنا، على الأقل).
وجاء رجل أمن من متجر «تارغيت»، وقال إنه يريد أن يقول للإعلاميين إن «تارغيت» توفر الأمن الكافي لزبائنها؛ لم يتحدث عن أبيض أو أسود. وصار واضحا أنه كان يريد تقديم دعاية تجارية باسم المحافظة على الأمن.
مضى النهار بطيئا، وارتفعت حرارة الشمس، وأحس الصحافيون بالملل، وبدأوا يجرون مقابلات صحافية مع بعضهم بعضا؛ تجولت كاميرا تلفزيون «سي بي إس» بين صحافيين يجلسون تحت خيام، وسألني مراسل صحيفة من أستراليا إذا كنت أريد الحديث عن ردود فعل اضطرابات فيرغسون في الدول العربية والأفريقية. وطلب صحافي يتكلم اللغة الإسبانية مترجما يساعده في مقابلات مع صحافيين أميركيين.
وصار واضحا أن صحافي أميركا اللاتينية أراد معرفة وضع الأقلية اللاتينية في الولايات المتحدة (حسب آخر إحصاء للسكان، تفوقت الأقلية اللاتينية على السود في عدد السكان).
وحاول صحافي من الدنمارك معرفة التعقيدات العنصرية في تاريخ الولايات المتحدة. وقال مندوب إذاعة «بان أفريكان» (كل أفريقيا) إن الأفريقيين «يعطفون كثيرا على إخوانهم وأخواتهم الأميركيين».
وركزت شبكة تلفزيون أسترالية على رأي الصحافيين الأميركيين البيض في هذه الاشتباكات العنصرية.

* شرطة فيرغسون
* في منتصف النهار، ذهبت مع مجموعة من الصحافيين إلى مركز شرطة فيرغسون. كنا نحاول مقابلة قائد الشرطة، بعد أن قال جنود في الحرس الوطني (الذي يعسكر في «تارغيت الصحافيين») إنهم لا يتحدثون للصحافيين، ولأن شرطة فيرغسون لم تعد تراقب مباشرة المتظاهرين (بعد اتهامات بالتفرقة العنصرية)، اعتقدنا أن قائدها يمكن أن يكون غير مشغول، وبإمكانه الحديث للصحافيين. هذا هو قلب ضاحية فيرغسون؛ مركز الشرطة، مركز الإطفاء، البريد.. إلخ. لهذا، كانت هناك حراسة مشددة.
أولا: بسبب المتظاهرين الذين ظلوا يعسكرون هناك، ويحملون لافتات، ويرددون هتافات معادية للشرطة. وعندما زادت حرارة الجو، تجمعوا تحت ظلال الأشجار القريبة.
ثانيا: لأن كثيرا من السود والسوداوات كنّ في المكان، لدفع غرامات عن مخالفات مرورية، أو لدفع غرامات كجزء من محاكمات، أو لترتيب مثولهم أمام محاكم.
بالنسبة للصحافيين، كانت هذه فرصة للسؤال عن جانب آخر من جوانب هذه المشكلة العنصرية في فيرغسون (وفي كل أميركا)؛ سيطرة البيض، ليس فقط على الأمن في الشوارع، ولكن، أيضا، على المعاملات المكتبية. قالت سوداء تبدو بائسة وفقيرة، وتحمل في يدها بضع دولارات: «قالت لي تلك البيضاء إنني سأعود إلى السجن إذا لم أدفع قسط الغرامة الشهرية. يقسطونها على شهور. أحيانا أجمعها كلها، وأحيانا لا أقدر».
كانت «تلك البيضاء» شقراء كبيرة الجسم، وبدت عملاقة أمام السوداء صغيرة الحجم، التي بدأت تبكي بعد أن أنذرتها البيضاء. عندما بدا صاحب كاميرا تلفزيونية يصور ذلك، منعته الشقراء. وأشارت إلى لافتة تقول: «ممنوع التصوير والحديث بالهاتف الجوال».

* المتظاهرون
* طبعا، وجد الصحافيون فرصا أكثر وسط المتظاهرين أمام مركز الشرطة؛ صور فريق تلفزيوني ألماني المتظاهرين، ولافتاتهم، ومتطوعين أحضروا أكياسا من زجاجات الماء، وصناديق من البيتزا، وكعكا.
من بين المتطوعين بيض اهتم بهم التلفزيون الألماني. وكان هؤلاء فخورين بأنهم تطوعوا، وقالوا إن الموضوع بالنسبة لهم ليس أبيض أو أسود. لكن الموضوع عدل أو ظلم.
وكان هناك محامٍ (قال إنه درس اللغة العربية في الأردن) يرفع لافتة تدعو لاعتقال الشرطي الذي قتل الصبي الأسود.
وكانت هناك سيدة بيضاء، مع ابنتها، تحت ظل شجرة صغيرة، والأم ترفع لافتة فيها: «نسكن في فيرغسون، وأريد الأمن لي ولابنتي هذه».
وجاءت إلى شاحنة تابعة لتلفزيون «سي إن إن» ليجروا معها مقابلة. هذه ثالث شاحنة تابعة لتلفزيون «سي إن إن» في المنطقة. ويبدو أنها أكثر الشبكات التلفزيونية تغطية للاضطرابات. كاميراتها تبدو في كل مكان.
بعد غروب الشمس، فرح الصحافيون عندما زادت أعداد المتظاهرين. لكن، لم تكن المظاهرات منتظمة؛ هل هي في منطقة «تارغيت»؟ في منطقة «ماكدونالد الصحافيين»؟ في منطقة نادي «نوروود» شبه الأرستقراطي؟ أمام كلية «سانت لويس»؟ في شارع فيرغسون؟ في شارع فلورسانت؟
أولا: لم تكن التغطية الصحافية منتظمة، لغياب مشرف عليها.
ثانيا: لم يكن المتظاهرون يعلنون مسبقا أين سيتظاهرون.
ثالثا: كانت هناك لعبة «القط والفأر» بين المتظاهرين والشرطة.
لهذا، صارت التغطية الصحافية تعتمد على حظ كل صحافي، وعلى قدرته على جمع معلومات عن مكان المظاهرات، وحجمها. وهل تستحق التنقل من مكان إلى آخر؟
في تلك الليلة، كان حظ الصحافيين سيئا، لأن مطرا غزيرا بدأ ينزل. لكن، كان ذلك لحسن حظ الشرطة، وقال الكابتن جونسون (في مؤتمر صحافي في منتصف الليل): «ساعدنا المطر».



الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».


السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
TT

السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)

أكَّد محمد بن فهد الحارثي، رئيس المنتدى السعودي للإعلام، أن قطاع الإعلام في السعودية يحظى بأولوية وطنية بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي. وأشار الحارثي، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إلى أن رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز تمنح المنتدى بُعداً يُعزز من مكانة المملكة بوصفها مركزاً إعلامياً عالمياً.

وكشف رئيس المنتدى السعودي للإعلام، الذي سينطلق الاثنين 2 فبراير (شباط) المقبل، عن تفاصيل «بوليفارد 2030» التي تحتفي بمشروعات السعودية، وتأتي بالتزامن مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وعن إطلاق أول جائزة عالمية في فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي.

رعاية ملكية للمنتدى

وقال الحارثي إن رعاية خادم الحرمين الشريفين لنسخة هذا العام رسالة واضحة بأن الإعلام يحظى بأولوية وطنية، بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي، ما يجذب نخبة من صناع القرار والخبراء الدوليين، ويرسخ مكانة السعودية مركزاً إعلامياً يصنع التأثير، ويقود الحوار حول مستقبل الصناعة في عالم سريع التحول.

وأوضح أن المنتدى يتميز بأنه حراك استراتيجي متواصل يترجم «رؤية المملكة 2030»، وأن ما يميزه هو التكامل بين الحوارات المهنية والمبادرات العملية، ومن ذلك معرض «فومكس» والجائزة السعودية للإعلام، ما يخلق منظومة شاملة تنتج مخرجات ملموسة.

وأضاف: «نحن نضيف للقطاع بُعداً مستقبلياً من خلال استكشاف تأثير الذكاء الاصطناعي، وبناء جسور التواصل مع المؤسسات العالمية، وتمكين الكوادر الوطنية، بما يجعل المنتدى رافداً حقيقياً لتطوير الصناعة محلياً وإقليمياً».

وأكد الحارثي أن المنتدى هذا العام يكتسب بُعداً استثنائياً بتزامنه مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وسيشهد للمرة الأولى إطلاق «بوليفارد 2030»؛ وهي مساحة تستعرض منجزات برامج الرؤية والمشروعات الضخمة (مثل الدرعية، والعلا، والبحر الأحمر، والقدية)، بجانب معرض مستقبل الإعلام.

أول جائزة عالمية للذكاء الاصطناعي

وعن قدرة المنتدى على مواكبة التحولات العالمية، قال الحارثي إن شعار المنتدى، «الإعلام في عالم يتشكل»، يعكس إدراكاً عميقاً للتحولات الجيوسياسية والتقنية. وقال: «ستعقد أكثر من 150 جلسة حوارية تغطي موضوعات متنوعة، من توظيف الذكاء الاصطناعي إلى اقتصاد الإعلام والترفيه، ومن أبرز الإنجازات أن النسبة الأكبر من المتحدثين هم قيادات إعلامية دولية بارزة تزور السعودية للمرة الأولى. كما أضفنا للجائزة السعودية للإعلام فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، لتكون أول جائزة عالمية في هذا المجال».

وعن مساهمة المنتدى في بناء جسور التفاهم مع المؤسسات العالمية، وتصحيح الصورة الذهنية، قال الحارثي إن المنتدى يُمثل أداة قوة ناعمة؛ من خلال مبادرة «SMF Connect» تربط الإعلاميين السعوديين بنظرائهم عالمياً. وأضاف: «لقد لمسنا أن الإعلامي الأجنبي حين يأتي للسعودية يخرج بانطباعات إيجابية، وبعضهم اعترف بأن نظرته للمملكة كانت مبنية على معلومات غير دقيقة قبل أن يخوض التجربة المعيشة، ويرى الإنجازات بنفسه في الرياض».

وأوضح الحارثي أن أبرز التحديات التي تواجه الإعلام السعودي حالياً، هي مواكبة التقنيات المتسارعة، وبناء كوادر مؤهلة في المجالات المستقبلية، وتعزيز المنافسة العالمية للمحتوى السعودي. وعن آلية عمل المنتدى على مواجهتها، قال الحارثي: «إن ذلك يتم عبر برامج متخصصة مثل مبادرة (غرفة العصف)، وهي مساحة مُصمَّمة للعصف الذهني وصناعة الأفكار؛ حيث يجتمع الشباب الموهوبون مع الخبراء والمختصين في جلسات منظمة لاستكشاف قضايا الإعلام الراهنة، وتوليد أفكار برامجية ورقمية يتم تبنيها من مؤسسات إعلامية أو إنتاجية مختلفة، ومبادرة نمو (SMF GROW UP) الداعمة للشركات الناشئة، وهي بالشراكة مع برنامج ضمان تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة (كفالة) والفرصة متاحة للمؤسسات الإعلامية لكي تستفيد من هذه المبادرة».

محمد بن فهد الحارثي رئيس المنتدى السعودي للإعلام (المنتدى)

«سفراء الإعلام»

ومبادرة «سفراء الإعلام» التي تُهيئ طلاب الجامعات ليكونوا جيلاً جديداً من الكوادر المهنية القادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً. ونفخر بأن معظم الشباب والشابات الذين يعملون في فريق المنتدى في هذه النسخة هم من مخرجات هذه المبادرة في نسختيها السابقتين.

وأشار الحارثي إلى أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي محوران رئيسيان في نسخة المنتدى 2026، وأضاف: «خصصنا جلسات متعمقة لاستكشاف توظيف الذكاء الاصطناعي في الصحافة وصناعة المحتوى، والبنية الرقمية للإعلام، كما أطلقنا فئة جديدة في الجائزة السعودية للإعلام للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، وهي نقلة نوعية تُعيد تشكيل مفهوم الصناعة الإبداعية، وتهدف هذه الخطوات إلى تحفيز الابتكار وبناء ثقافة تجريبية لدى الإعلاميين، بما يجعل المملكة في طليعة الدول المستفيدة من التقنيات المتقدمة. ومن مبادرات المنتدى المتخصصة في هذا الإطار، (معسكر الابتكار الإعلامي) الذي يُركز على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات».

توسع في الجائزة السعودية للإعلام

وأوضح الحارثي طبيعة التوسع الذي شهدته الجائزة السعودية للإعلام، عبر 4 مسارات تغطي 14 فرعاً؛ حيث تمثلت الإضافة الأبرز في استحداث فئة المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي ضمن مسار المحتوى المرئي والمسموع، لتكون بذلك أول جائزة عالمية متخصصة في هذا المجال ضمن منظومة الجوائز المهنية. كما أُضيفت جائزة «المنافس العالمي» التي تكرّم المبادرات الإعلامية السعودية ذات الحضور والتأثير الدولي، بهدف تحفيز المنافسة العالمية وترسيخ ثقافة الابتكار.

وعمّا إذا كان قد انعكس هذا التوسع في الجائزة على نتائج المشاركة في فروعها، قال الحارثي: «إن الجائزة تجاوزت البُعد المحلي لتصبح منصة عالمية حقيقية؛ حيث استقطبت مشاركات من أكثر من 20 دولة، بزيادة قدرها 200 في المائة في المشاركات الدولية مقارنة بالنسخة السابقة، يشمل ذلك تنوعاً جغرافياً استثنائياً يشمل دولاً عربية، ويمتد إلى قوى إعلامية عالمية، مثل الصين وأميركا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، إضافة إلى سنغافورة وسويسرا وهولندا، ونجح هذا الحضور الدولي في رفع سقف المنافسة؛ حيث تأهل أكثر من 500 عمل للفرز النهائي ضمن 14 فرعاً مهنياً، وسيحتفي المنتدى بالفائزين من مختلف أنحاء العالم، في حفل التكريم يوم 4 فبراير (شباط) 2026».

بالإضافة إلى الجائزة، أصبح للمنتدى مبادرات متعددة. وعن أهميتها في تعزيز قطاع الإعلام السعودي، قال الحارثي: «إن المبادرات تحوّل المنتدى من فعالية سنوية إلى عمل مؤسسي مستدام وحراك متواصل، فمبادرة (ضوء المنتدى) تنقل النقاشات الإعلامية لمختلف مناطق المملكة، و(غرفة العصف) تخلق مساحة لصناعة الأفكار الإبداعية، في حين (سفراء الإعلام) تبني جيلاً جديداً من الكوادر الأكاديمية بخبرة ميدانية مبكرة، وهذه المبادرات مجتمعة تُسهم في بناء بيئة إعلامية ممكّنة، وتعزز القدرات الوطنية، وتضع المملكة في موقع القيادة الإعلامية إقليمياً ودولياً».