«فاتكا» يبدأ في تجريد النظام المصرفي العالمي من «سريته».. ولبنان أول ضحاياه من العرب

شكل قانون الامتثال الضريبي الأميركي الضربة الأوجع لمعاقل السرية المصرفية

يقر مرجع مصرفي فضل عدم الكشف عن اسمه بأن الوثائق الخاصة بتطبيق قانون «فاتكا» التي يوقع عليها عملاء البنوك اللبنانية من حاملي الجنسية الأميركية أو «الغرين كارد» تتضمن تنازلا عن سرية الحسابات لصالح السلطة الضريبية الأميركية حصرا («الشرق الأوسط»)
يقر مرجع مصرفي فضل عدم الكشف عن اسمه بأن الوثائق الخاصة بتطبيق قانون «فاتكا» التي يوقع عليها عملاء البنوك اللبنانية من حاملي الجنسية الأميركية أو «الغرين كارد» تتضمن تنازلا عن سرية الحسابات لصالح السلطة الضريبية الأميركية حصرا («الشرق الأوسط»)
TT

«فاتكا» يبدأ في تجريد النظام المصرفي العالمي من «سريته».. ولبنان أول ضحاياه من العرب

يقر مرجع مصرفي فضل عدم الكشف عن اسمه بأن الوثائق الخاصة بتطبيق قانون «فاتكا» التي يوقع عليها عملاء البنوك اللبنانية من حاملي الجنسية الأميركية أو «الغرين كارد» تتضمن تنازلا عن سرية الحسابات لصالح السلطة الضريبية الأميركية حصرا («الشرق الأوسط»)
يقر مرجع مصرفي فضل عدم الكشف عن اسمه بأن الوثائق الخاصة بتطبيق قانون «فاتكا» التي يوقع عليها عملاء البنوك اللبنانية من حاملي الجنسية الأميركية أو «الغرين كارد» تتضمن تنازلا عن سرية الحسابات لصالح السلطة الضريبية الأميركية حصرا («الشرق الأوسط»)

مع توالي فرض الغرامات على أكبر المؤسسات المصرفية حول العالم، تواصل إدارات المصارف العالمية تنفيذ المزيد من الالتزامات القاسية والمشددة في إدارة العمليات المالية والإجراءات الداخلية للتحقق والمتابعة والرقابة في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ورغم ما لذلك من أثره على سرية النظام المصرفي العالمي الذي تتغنى به كثير من دول العالم وتعدّه واحدة من مزاياها لجذب أصحاب رؤوس الأموال، فإن الضربة القاضية التي تلقتها هذه الميزة (السرية المصرفية)، هي بدء سريان تطبيق قانون «فاتكا».
وأول ضحايا هذا القانون من العرب المصارف والشركات المالية اللبنانية وأغلب شركات التأمين التي وقعت أخيرا في بيروت اتفاقية «فاتكا» الخاصة بمكافحة التهرب الضريبي، لحاملي الجنسية الأميركية في الخارج.
وتصدرت هذه الهواجس الاهتمامات المصرفية اللبنانية بفعل تزامنها بالصدفة مع 3 عوامل مؤثرة؛ الأول بدء سريان تطبيق قانون «فاتكا»، في مطلع يوليو (تموز)، رغم فترة السماح المشروطة بإبداء حسن النية.
الثاني بدء المسار القانوني لإقرار القانون الأميركي الجديد الذي يفرض عقوبات مالية على ممولي «حزب الله» وقناته التلفزيونية. أما الثالث، فهو الحظر الذي فرضته وزارة الخزانة الأميركية ضد بنك «FBME» (المملوك من مجموعة «صعب» اللبنانية)، الذي يتخذ من تنزانيا مقرا رئيسا له، بعد اتهامه بتبييض الأموال والقيام بصفقات عدة مشبوهة ومخالفات قانونية، وتسهيل تأمين التمويل لصالح «حزب الله»، وذلك بين عامي 2006 و2013.
وتنجح المصارف اللبنانية في إدارة التعامل مع مكافحة غسل الأموال والعقوبات المالية الدولية من خلال آليات تنتجها السلطات النقدية المتمثلة بحاكمية المصرف المركزي ولجنة الرقابة وهيئة التحقيق الخاصة المولجة بمكافحة غسل الأموال، واعتمادا على دوائر الرقابة الداخلية وسلسلة إجراءات حازمة يتولى متابعتها الكوادر المصرفية العاملة والمدربة في مجال مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب (ضباط الالتزام).
لكن فيما يتعلق بقانون «فاتكا»، فإن الرحلة بدأت للتو وسط قلق من المس بنظام السرية المصرفية الذي يعتمده لبنان منذ عام 1956، والذي مثّل ولا يزال ركيزة أساسية لنهوض الجهاز المصرفي وازدهاره محليا وإقليميا، حيث يدير حاليا أصولا تزيد عن 170 مليار دولار، أي ما يوازي 3.5 ضعف الناتج المحلي.
ويقر مرجع مصرفي (فضل عدم الكشف عن اسمه) بأن الوثائق الخاصة بتطبيق قانون «فاتكا»، التي يوقع عليها عملاء البنوك اللبنانية من حاملي الجنسية الأميركية أو البطاقة الخضراء (غرين كارد) تتضمن تنازلا عن سرية الحسابات لصالح السلطة الضريبية الأميركية حصرا، مما يعني عمليا خرقا جانبيا لقانون السرية المصرفية من قبل صاحب الحساب، وليس من قبل المصرف. وثمة تقديرات غير رسمية تفيد بأن أكثر من 100 ألف لبناني يحملون الجنسية الأميركية، إنما من المبكر حصر أعداد من يملكون حسابات في المصارف اللبنانية.
ووفقا للمعلومات، فإن ضم التهرب الضريبي إلى قائمة البنود المصنفة تحت شبهة الجريمة المالية في قانون مكافحة تبييض الأموال يشكل مخرجا متوازنا بين نظام السرية المصرفية ومتطلبات الإفصاح، التي يفرضها قانون «فاتكا». لكن المرجع المصرفي يسأل: ماذا لو صدرت لاحقا «فاتكا» أوروبي؟ هكذا سينضم عشرات آلاف اللبنانيين من حاملي الجنسيات الأوروبية إلى قوائم كشف الحسابات، ويتعمق خرق السرية المصرفية، حتى وإن جرى الأمر عن طريق العميل. كما ستصبح إدارات المصارف بمنزلة شرطة مالية ملزمة بالتفتيش وتحصيل الضرائب، مع ما تتطلب هذه المهمة من جهود وتطوير برامج معلوماتية وإنفاق متعدد الأوجه، بينما تكون العقوبات ضريبة الأخطاء والعواقب الوخيمة جزاء المخالفة.
مع ذلك، لا تجد المؤسسات اللبنانية مفرا من حتمية تطبيق «فاتكا» بكل دقة والتزام، تلافيا لمخاطر السمعة التي قد تتعرض لها المصارف والمؤسسات المالية، وذلك بناء لقناعة ومصلحة المصارف اللبنانية، بضرورة التقيد بالقانون، ولأن مصرف لبنان حريص على تطبيق هذا القانون، كون لبنان جزءا من المنظومة المالية العالمية والمجتمع الدولي، والمصرف المركزي يلتزم بأن تتقيد المصارف اللبنانية بتطبيق المعايير الدولية، بما فيها قانون «فاتكا».
ووفقا لوصف النائب الثالث لحاكم مصرف لبنان الدكتور محمد بعاصيري، فإن المصارف اللبنانية تلتزم بتطبيق هذا القانون بحكم التعاون الدولي في جميع المجالات، وتجنبا للعقوبة القاضية باقتطاع 30% من التحويلات الواردة إلى المصرف المخالف من الولايات المتحدة الأميركية. وتاليا يمكن إيقاف التعامل مع المصرف المعني من قبل النظام المصرفي الأميركي والمصارف الدائرة في فلكه، أما الأخطر من العقوبة المالية، فهي قدرة البنك الأميركي المراسل للمصرف صاحب المخالفة على وقف العمل معه، وعدم تسهيل عملياته المالية والمصرفية مع المؤسسات الأجنبية. بالإضافة إلى ضغوط ونفوذ السلطات الأميركية للتأثير على درجات التقييم الائتماني على هذه البنوك.
ويرى أن السرية المصرفية «يجب أن لا تشكل حاجزا أو عائقا للتعاون الدولي مطلقا. فالقانون رقم 318 المعني بمكافحة تبييض الأموال كرّس هذا المبدأ، وفق آلية تسمح للمصارف بالتعاون، دون المس بالسرية المصرفية. كما أن تطبيق (فاتكا) يطلب الحصول على إذن من العميل برفع السرية على حساباته تجاه السلطات الضريبية الأميركية تحديدا».
وإذ وقّعت نحو 122 مؤسسة لبنانية بالتزامها موجبات القانون، فإن دور البنك المركزي سيجري من خلال هيئة التحقيق الخاصة التي تتحرك في حال ورود أي بلاغ من السلطات الأميركية عن شكوك معينة لحسابات معينة، مع بقاء الدور الأساسي للمصارف نفسها فيما خص عملية التصريح.
ويرى الخبير المصرفي علي بدران «إن قانون (فاتكا) لا يتوافق في بعض موجباته مع القوانين المحلية والسيادية في بعض الدول، ومنها لبنان، كقانون السرية المصرفية، كونه يفرض على المصارف اللبنانية تزويد الدائرة الضريبية الأميركية (IRS) بتفاصيل حسابات زبائنها الأميركيين. وهذا الامتثال يتطلب موافقة العميل الخطية على رفع السرية المصرفية، بكل شأن يختص أو ينجم عن تطبيق قانون (فاتكا)، بموجب كتاب خاص بذلك، يجيز للمصرف تقديم المعلومات والمستندات المطلوبة وعن الحسابات إلى (IRS)».
ويقول: «في المبدأ، لا يوجد مخالفة للسرية المصرفية المعمول بها في لبنان، لكن ذلك يشكل استثناء إضافيا على هذه السرية، وبموافقة خطية من عميل المصرف، وإن كانت لا مفر منها أمام العميل المكلف حسب قانون (فاتكا)، قد يعني ذلك أن متطلبات طارئة، مثل قانون مكافحة تبييض الأموال، أو واجب الالتزام بالعقوبات الدولية التي قد تفرض، لكن ذلك ما هو إلا إحداث استثناءات إضافية لقانون السرية المصرفية».
ولهذه الغاية، فقد عممت جمعية مصارف لبنان قبل أشهر من بدء التطبيق، النماذج لإبلاغ ولتوقيع جميع الزبائن فيما يتعلق بقانون «فاتكا»، حيث تتضمن إشعارا إلى جميع زبائن المصارف عن الحسابات الخاضعة لهذا القانون. إضافة لنموذج ثان يتضمن المؤشرات على قانون «فاتكا»، وتحديد الحالة التي تنطبق على عميل المصرف ضمن خيارات ثلاثة، إما عدم التكليف بالضريبة الأميركية وفقا لقانون «فاتكا»، أو بالتكليف بالضريبة الأميركية، وهنا يجري التصريح برفع السرية المصرفية فيما يختص بالقانون، مع الإجازة بتقديم المعلومات إلى السلطات الأميركية وللمراسلين والمؤسسات المصرفية والمالية.
أما الخيار الثالث فيوجد تكليف بالضريبة الأميركية وفقا لقانون «فاتكا»، لكن عميل المصرف لا يوافق على رفع السرية المصرفية، ولا يجيز تقديم المعلومات والمستندات المطلوبة للسلطات الأميركية، مع ما يستتبع ذلك من نتائج. وهنا ليس أمام المصرف خيار سوى إغلاق الحساب وتصنيف صاحبه «غير متعاون»، وفقا لتعليمات «فاتكا».
ويقول بدران: «المصارف اللبنانية لا تخرق قانون السرية المصرفية، حيث يجري الطلب من العميل التوقيع على رفع السرية المصرفية وفقا لمقتضيات قانون (فاتكا) فقط. وهذا ما يخول لها بالتالي الكشف عن حساباته لصالح IRS، وبالتالي فإن موافقة العميل على التصريح عن حساباته لصالح طرف محدد لا تشكل خرقا للسرية المصرفية عملا بأحكام المادة الثانية من قانون السرية المصرفية».
وعن الانعكاسات المالية والتقنية لتطبيق القانون، يقر بدران بأن الامتثال للقانون ينطوي على تكاليف تشغيلية كثيرة ناجمة عن تعديل إجراءات فتح الحسابات الجديدة ومتابعتها ومراقبتها والتدقيق فيها. وأنظمة معالجة المعاملات وإجراءات التعرف إلى العميل، وتكاليف إنشاء وحدة امتثال لمتابعة قانون «فاتكا» يعمل فيها موظفون أكفاء، للتأكد من مدى فعالية الإجراءات المتَّخذة على صعيد التعليمات الخاصة بهذا القانون.
ويقول الخبراء المصرفيون إن مستقبل السرية المصرفية أضحى محسوما في المواجهة غير المتكافئة التي يخوضها ضد الترسانة القانونية للقوة العظمى، حيث تخوض منذ سنوات حربا شرسة للإطاحة نهائيا بالسرية المصرفية بدأتها مجموعة الـ20، التي تريد وبسرعة إقرار التبادل الآلي للمعلومات الجبائية على المستوى العالمي، ثم منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية التي تسعى لبلورة مقاييس دولية في هذا الصدد، فيما يسعى الاتحاد الأوروبي جاهدا لإطلاق مفاوضات لفرض ممارسة الشفافية الضريبية على جميع أعضائه، مضافة إليهم سويسرا ابتداء من عام 2015.
لكن قانون «فاتكا» الأميركي، وفق الخبراء المصرفيين والاقتصاديين مثّل الضربة الأوجع لمعاقل السرية المصرفية، حيث بدأت تتهاوى الواحدة تلو الأخرى؛ لوكسمبورغ، فالنمسا، وحتى سنغافورة النائية. ومن المحتمل جدا أن يكون هذا العام هو العام الذي ستلوّح فيه سويسرا أيضا بالراية البيضاء. حيث تدرس برن مشروع الاتفاق مع واشنطن حول قانون الامتثال الضريبي على حسابات الأميركيين الخارجية «فاتكا».



«غولدمان ساكس» يرفع توقعاته لأسعار الغاز في أوروبا عام 2027

شعار بنك «غولدمان ساكس» في رسم توضيحي (رويترز)
شعار بنك «غولدمان ساكس» في رسم توضيحي (رويترز)
TT

«غولدمان ساكس» يرفع توقعاته لأسعار الغاز في أوروبا عام 2027

شعار بنك «غولدمان ساكس» في رسم توضيحي (رويترز)
شعار بنك «غولدمان ساكس» في رسم توضيحي (رويترز)

رفع بنك «غولدمان ساكس» توقعاته لأسعار الغاز الطبيعي في أوروبا خلال عام 2027، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن آفاق السوق، وسط مخاطر تتعلق بإمدادات الغاز الطبيعي المسال من الشرق الأوسط واحتمالات انخفاض درجات الحرارة عن معدلاتها المعتادة خلال فصل الشتاء.

ورفع البنك توقعاته لسعر الغاز الأوروبي في الربع الأول من عام 2027، وفق مؤشر «تي تي إف» الهولندي، إلى 74 يورو للميغاواط/ساعة، مقارنةً بـ44 يورو في تقديراته السابقة. كما زاد توقعاته لمتوسط السعر خلال العام بأكمله إلى 51 يورو للميغاواط/ساعة، مقابل 32 يورو سابقاً، وفق «رويترز».

وقدّر «غولدمان ساكس» أن الأسواق تأخذ في الحسبان احتمالاً بنسبة 47 في المائة لاستمرار انخفاض إمدادات الغاز الطبيعي المسال من الشرق الأوسط خلال فصل الشتاء الحالي، بالتزامن مع تسجيل درجات حرارة أدنى من المعدلات الموسمية.

وقال البنك في مذكرة صدرت الاثنين، إن جزءاً من المخاطر التي قد تدفع الأسعار إلى الارتفاع بات محسوباً بالفعل في الأسواق، إلا أن التراجع الأخير في تدفقات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز يعزز الحاجة إلى التحوط تحسباً لشح الإمدادات خلال الشتاء الأوروبي.

وأضاف أن انحراف درجات الحرارة في شمال غربي أوروبا عن متوسطها الموسمي قد يؤدي إلى تغير في الطلب الإقليمي على الغاز بما يعادل 12 في المائة من الطاقة التخزينية المتاحة.

ورغم تجاوز إمدادات الغاز الطبيعي المسال من الشرق الأوسط التوقعات خلال أكتوبر (تشرين الأول)، لا تزال حركة ناقلات الغاز متقلبة، فيما لم تتعافَ التدفقات المقدرة للغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز بالوتيرة نفسها التي شهدتها تدفقات النفط.

وفي مؤشر إلى استمرار المخاطر الأمنية في المنطقة، أظهرت بيانات رصد الحوادث الأمنية البحرية أن أكتوبر كان الشهر الأكثر تسجيلاً للهجمات على السفن التجارية في مضيق هرمز والممرات المائية المجاورة.

في المقابل، تراجعت العقود الهولندية القياسية للغاز تسليم الشهر المقبل في مركز «تي تي إف» بأكثر من 10 في المائة، الاثنين، لتصل إلى 10.77 يورو للميغاواط/ساعة، وسط تنامي الآمال بالتوصل إلى نهاية للحرب الأميركية - الإسرائيلية، مدفوعةً باستمرار محادثات الوساطة، رغم تواصل الهجمات على السفن في المنطقة.


«المركزي» الأسترالي يرفع أسعار الفائدة إلى أعلى مستوياتها في 18 عاماً

عامل ينعكس طيفه على واجهة المقر الرئيسي لبنك الاحتياطي الأسترالي في سيدني (رويترز)
عامل ينعكس طيفه على واجهة المقر الرئيسي لبنك الاحتياطي الأسترالي في سيدني (رويترز)
TT

«المركزي» الأسترالي يرفع أسعار الفائدة إلى أعلى مستوياتها في 18 عاماً

عامل ينعكس طيفه على واجهة المقر الرئيسي لبنك الاحتياطي الأسترالي في سيدني (رويترز)
عامل ينعكس طيفه على واجهة المقر الرئيسي لبنك الاحتياطي الأسترالي في سيدني (رويترز)

رفع البنك المركزي الأسترالي أسعار الفائدة الثلاثاء، إلى أعلى مستوياتها في 18 عاماً، في خامس زيادة منذ بداية العام، غير أن انقسام أعضاء مجلس الإدارة بشأن القرار، بواقع ستة أصوات مقابل ثلاثة، عزز التوقعات باقتراب نهاية دورة التشديد النقدي.

وفي ختام اجتماعه لشهر نوفمبر (تشرين الثاني)، رفع البنك سعر الفائدة الرئيسي بمقدار 25 نقطة أساس إلى 4.85 في المائة، مؤكداً أنه سيواصل اتخاذ الإجراءات التي يراها ضرورية لإعادة التضخم إلى مستوياته المستهدفة. لكنه حذف من بيانه إشارة صريحة إلى احتمال إجراء مزيد من الزيادات في أسعار الفائدة إذا اقتضت الحاجة، وفق «رويترز».

وسرعان ما انعكس هذا التحول الأقل تشدداً في لهجة البنك على الأسواق، إذ تراجع الدولار الأسترالي، فيما تعززت رهانات المستثمرين على إبقاء أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماع الشهر المقبل. وانخفض الدولار الأسترالي بنسبة 0.3 في المائة إلى 0.6979 دولار، فيما تراجعت العقود الآجلة للسندات الحكومية لأجل ثلاث سنوات أربع نقاط إلى 95.13 نقطة.

وكان 30 من أصل 32 اقتصادياً استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا رفع أسعار الفائدة، فيما كانت الأسواق تسعّر احتمالاً بنسبة 88 في المائة لاتخاذ هذه الخطوة، عقب صدور بيانات أظهرت ارتفاعاً حاداً في التضخم خلال الربع الثالث، إلى جانب تصريحات متشددة من مسؤولي البنك، طغت على المخاوف من ارتفاع معدل البطالة إلى أعلى مستوياته في خمس سنوات.

وقال مجلس إدارة البنك في بيان إن «توقعات التضخم المعدّلة واستمرار المخاطر التي تدفعه إلى الارتفاع دفعا المجلس إلى اعتبار أن تشديد الأوضاع المالية بشكل إضافي بات ضرورياً لدعم عودة التضخم إلى مستوياته المستهدفة».

وأضاف أن المجلس «سيواصل اتخاذ ما يراه ضرورياً لإعادة التضخم بصورة مستدامة إلى المستوى المستهدف».

وبلغ إجمالي الزيادات التي أقرها البنك منذ بداية العام 125 نقطة أساس، مما عوّض بالكامل الزيادة في التيسير النقدي البالغة 75 نقطة أساس خلال عام 2025، ووضع أستراليا ضمن البنوك المركزية الأكثر تشدداً في الاقتصادات المتقدمة. وفي المقابل، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعه هذا الشهر، فيما فاجأ بنك الاحتياطي النيوزيلندي الأسواق بقراره التوقف عن رفع الفائدة، في تصويت متقارب.

وقالت كاثرين بالمر، رئيسة استراتيجية الدخل الثابت في «بلاك روك أستراليا»، إن التحدي الذي يواجه البنك المركزي يتمثل في استمرار الضغوط التضخمية، بالتزامن مع بدء تباطؤ زخم النمو الاقتصادي.

وأضافت: «في ظل استمرار ظهور الأثر الكامل لزيادات أسعار الفائدة التي أُقرت هذا العام على الاقتصاد، نتوقع أن يُبقي البنك الفائدة عند مستوياتها الحالية خلال الفترة المقبلة، ريثما يقيّم البيانات الاقتصادية الجديدة ومدى انتقال أثر السياسة النقدية إلى الاقتصاد، مع احتفاظه بخيار التشديد مجدداً إذا لم تتراجع الضغوط التضخمية».

من جهته، قال ستيفن سميث، الشريك في «ديلويت أكسس إيكونوميكس»، إن انقسام التصويت بواقع ستة أصوات مقابل ثلاثة يعكس صعوبة الموازنة التي تواجه صناع السياسة النقدية، في وقت تقلّص فيه الأسر إنفاقها وتواجه الشركات ضعفاً في الطلب.

وأضاف أن «الزيادة التي أُقرت اليوم تعزز مخاطر تباطؤ النمو الاقتصادي بوتيرة تفوق التوقعات خلال العام المقبل، في وقت لا يزال فيه التضخم مرتفعاً».

وفي تحديث منفصل لتوقعاته الاقتصادية، رفع البنك تقديراته للتضخم بصورة ملموسة، متوقعاً بقاءه عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، حتى مع افتراض استقرار أسعار الفائدة قرب مستوياتها الحالية لمدة عام أو أكثر.

وتشير هذه التوقعات إلى احتمال دخول الاقتصاد في فترة مطولة من ضعف النمو واستمرار الضغوط السعرية. وقال سميث إن هذا السيناريو يشكل تحدياً للأسر التي بدأت بالفعل خفض إنفاقها، وللشركات التي تواجه تراجع المبيعات، مضيفاً أن ذلك قد يفسر انقسام أعضاء مجلس الإدارة بشأن قرار رفع الفائدة.

مخاوف من ترسّخ التضخم

وتبدي السلطات النقدية الأسترالية قلقاً من أن يؤدي استمرار ارتفاع أسعار النفط إلى انتقال الضغوط التضخمية إلى قطاعات أوسع من الاقتصاد، بما قد يزعزع توقعات التضخم. فقد تسارع التضخم الأساسي إلى أعلى مستوى له في عامين، مسجلاً 3.7 في المائة خلال الربع الثالث، بعدما ظل لأكثر من خمس سنوات فوق النطاق المستهدف للبنك المركزي، المحدد بين 2 و3 في المائة.

وكان قطاع الإسكان الأكثر تأثراً بتشديد السياسة النقدية، إذ يتجه السوق نحو تسجيل أكبر تراجع له منذ أربعة عقود. ومن المتوقع أن يؤدي هذا التراجع إلى الحد من إنفاق الأسر نتيجة انخفاض قيمة ثرواتها، فضلاً عن امتداد تداعياته إلى القطاعات المرتبطة بنشاط سوق العقارات، من شركات الوساطة العقارية ومكاتب نقل الملكية إلى شركات نقل الأثاث.

كما أظهرت سوق العمل مؤشرات على التباطؤ، مع ارتفاع معدل البطالة إلى 4.7 في المائة، وهو أعلى مستوى له في خمس سنوات. ومع ذلك، لا يزال البنك المركزي يرى أن سوق العمل يشهد قدراً من الضيق، وأنه يواصل تشكيل مصدر للضغوط التضخمية.

وتباطأ الاقتصاد الأسترالي تحت وطأة ارتفاع تكاليف الاقتراض، لكن هذا التباطؤ لم يكن كافياً لتهدئة المخاوف بشأن التضخم، في ظل استمرار طفرة الاستثمارات في مراكز البيانات، التي تعزز الطلب في اقتصاد يعاني محدودية المعروض.


النحاس يتراجع مع عزوف المستثمرين عن المخاطرة قبيل انتخابات التجديد النصفي الأميركية

عمال مناجم يتناقلون أكياس خام النحاس عبر سلسلة بشرية داخل بئر منجم في مدينة كولويزي بجنوب جمهورية الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)
عمال مناجم يتناقلون أكياس خام النحاس عبر سلسلة بشرية داخل بئر منجم في مدينة كولويزي بجنوب جمهورية الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)
TT

النحاس يتراجع مع عزوف المستثمرين عن المخاطرة قبيل انتخابات التجديد النصفي الأميركية

عمال مناجم يتناقلون أكياس خام النحاس عبر سلسلة بشرية داخل بئر منجم في مدينة كولويزي بجنوب جمهورية الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)
عمال مناجم يتناقلون أكياس خام النحاس عبر سلسلة بشرية داخل بئر منجم في مدينة كولويزي بجنوب جمهورية الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)

تراجعت أسعار النحاس، الثلاثاء، مع امتداد موجة العزوف عن المخاطرة إلى أسواق المعادن الصناعية قبيل انتخابات التجديد النصفي الأميركية، فيما زاد ضعف اليوان الضغوط على الأسعار، إذ جعل السلع المقوَّمة بالدولار أكثر تكلفةً بالنسبة إلى المشترين في الصين، أكبر مستهلك للمعدن في العالم.

وانخفض سعر النحاس القياسي لأجل ثلاثة أشهر في بورصة لندن للمعادن بنسبة 1.27 في المائة إلى 14.163.50 ألف دولار للطن المتري بحلول الساعة 03:06 بتوقيت غرينتش. كما تراجع عقد النحاس الأكثر تداولاً في بورصة شنغهاي للعقود الآجلة بنسبة 0.18 في المائة إلى 108.380 ألف يوان (16.302.65 ألف دولار) للطن، وفق «رويترز».

ويترقب المستثمرون من كثب نتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية، بحثاً عن مؤشرات بشأن توجهات السياسة المالية والإنفاق في المرحلة المقبلة، فضلاً عن مسار الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، الذي ألقى بظلاله على آفاق النمو العالمي.

وقال ديفيد ويلسون، رئيس استراتيجية المعادن في بنك «بي إن بي باريبا»: «تشهد أسواق المعادن الأساسية قدراً كبيراً من الضبابية قبيل انتخابات التجديد النصفي، في ظل عدم اليقين المحيط بالأوضاع في منطقة الشرق الأوسط».

وتشير استطلاعات الرأي إلى تقدم الديمقراطيين للفوز بمجلس النواب، في حين لا تزال المنافسة على مقاعد مجلس الشيوخ متقاربة إلى حد يصعب معه ترجيح كفة أي من الحزبين.

وارتفع الدولار بنسبة 0.33 في المائة أمام اليوان، مما زاد الضغوط على النحاس، من خلال رفع تكلفة المشتريات المقومة بالدولار بالنسبة إلى المشترين الصينيين.

في المقابل، حدّت مؤشرات شح الإمدادات المادية في الصين من خسائر المعدن. فقد ظلّت علاوة النحاس في يانغشان، وهي مؤشر لقياس الطلب على المعدن المستورد، قرب مستوى 200 دولار للطن المسجل يوم الاثنين، وهو الأعلى منذ أكثر من عقد، في ظل خفضٍ موسميّ للإنتاج.

وقال ويلسون: «نلحظ مؤشرات على أن المصاهر الصينية بدأت تخفض معدلات الإنتاج، لكنّ ذلك أمر معتاد في هذا الوقت من العام».

وأظهرت بيانات البورصة أن مخزونات النحاس في المستودعات الخاضعة لمراقبة بورصة شنغهاي للعقود الآجلة بلغت 44.612 ألف طن، الجمعة، بانخفاض تجاوز 75 في المائة مقارنةً بمستوياتها قبل ستة أشهر.

وفي بورصة لندن للمعادن، تراجع الألمنيوم بنسبة 1.12 في المائة، والزنك بنسبة 1.39 في المائة، والرصاص بنسبة 1 في المائة، والنيكل بنسبة 0.71 في المائة، والقصدير بنسبة 3.14 في المائة.

أما في بورصة شنغهاي، فانخفض الألمنيوم بنسبة 0.4 في المائة، والزنك بنسبة 0.29 في المائة، والرصاص بنسبة 1.7 في المائة، والقصدير بنسبة 1.85 في المائة، في حين ارتفع النيكل بنسبة 0.63 في المائة.