موجة أفلام المرأة بين الارتفاع بها والهبوط

تتميز بمواضيع كثيرة ومستويات متباينة

مشهد من «على كف عفريت»
مشهد من «على كف عفريت»
TT

موجة أفلام المرأة بين الارتفاع بها والهبوط

مشهد من «على كف عفريت»
مشهد من «على كف عفريت»

من السهل النظر إلى قضايا المرأة وتقديمها على الشاشة، على أساس أن للمرأة حقوقاً مهضومة. هي بالفعل لديها حقوق جرفتها التقاليد، وأتت عليها المفاهيم. وأخفقت قوانين المجتمع والسلطات في معاملة المرأة ككيان شريك متكامل وحيوي في الحياة الاجتماعية.
لكن هناك حقوقاً مهضومة في شتّـى جوانب الحياة الأخرى. الأطفال لديهم حقوق مهضومة، الرجال لديهم حقوق مهضومة، الشجر الذي يموت واقفاً أو يتم قطعه لبناء عمارة سكنية، له حقوق مهضومة، كذلك الماء التي يهدر له حقوق مهضومة. بالتالي المسألة ليست حقوق امرأة؛ بل حقوق حياة.
هذا لا ينفي أن على السينما، وكافة الإبداعات التعبيرية الأخرى، تمنح موضوع المرأة نصيباً أكبر من الحاجة أو أعلى تقديراً مما يجب. على العكس، ومن يتابع أفلامنا العربية يدرك أن هناك عدداً كبيراً من الأفلام يسد النقص السابق في إثارة قضايا نسائية عادلة ومحقة.
المشكلة كانت دائماً في الكيفية. لا توجد رسالة يمكن أن تصل إلى من تتوجه إليهم إلا إذا كانت محصنة بمعالجة فنية؛ لأن هذا من شروط صنع الفيلم. في الوقت ذاته، على تلك الرسالة أن تستوفي شروطاً بالغة الأهمية، من بينها الحقيقة.

على بعد عقود
في السنوات الثلاث الأخيرة، شاهدنا مزيداً من الأفلام العربية التي تتحدث عن المرأة، في مطلق الظروف التي تمر بها. في معظمها تسرد حالات محقة، سواء أكانت مستوحاة من أحداث حقيقية أو من كتابات خيالية. كان هناك مثلاً «عمرة والعرس الثاني» لمحمود صباغ، و«على كف عفريت» لكوثر بن هنية (تونس)، و«غدوة خير» (تونس) للطفي عاشور، و«نور» لخليل زعرور (لبنان)، و«قماشتي المفضلة» لغايا جيجي (موضوع سوري بإنتاج ألماني - فرنسي)، و«ميادين الحرية» لنزيهة عربي (ليبيا)، و«فوضى» لسارة فتّاحي (النمسا)، و«صوفيا» (فرنسا، وبلجيكا)، و«زهرة الصبار» لهالة القوصي، و«زهرة حلب» لرضا الباهي... والتعداد يطول.
بطبيعة الحال تتنوع المواضيع ومصادرها وأساليب مخرجيها، كما تختلف «الفورمات» التي استخدمها المخرجون للتعبير عما يريدون إيصاله. هناك الروائي وهناك التسجيلي. هناك الفيلم الطويل والفيلم القصير؛ لكن الثابت هو التباين في النجاح من فيلم لآخر.
«أمل»، على سبيل المثال، فيلم لبناني التمويل، مصري الموضوع والإخراج (لمحمد صيام) نال جوائز عدة، بينها جائزة أفضل فيلم تسجيلي من مهرجان قرطاج. أفضل ما في «أمل» إحاطته بتاريخ شخصيته الرئيسية (أمل الجمل) قبل وخلال وبعد ثورة 2011. أسوأ ما فيه هو أن نسيجه كمادة تسجيلية ووثائقية مركّـب على نحو بات تقليدياً بين كثير من الأفلام غير الدرامية، وهو الطلب من الشخصية الرئيسية أن تعلّق بصوتها أو أن تتبادل الحديث مع شخصية أخرى، وذلك بهدف الكشف عن مزيد من الأفكار المطروحة.
الفيلم يبدأ ببطلته وهي تشارك في المظاهرات ضد حسني مبارك، وتتعرض للتعنيف من قِبل رجال البوليس، وينتهي بها وهي تقرر أن تنضم للشرطة. كما ينتقل بها الفيلم من متحررة إلى محجبة، وينتهي بها بين الحالتين، ما يكاد يطيح بقيمة الموضوع.
في الدائرة الاجتماعية الواسعة التي تنتمي إليها معظم الأفلام العربية التي تتحدث عن المرأة، نجد «بلا موطن» لنرجس النجار (المغرب) التي توفر موضوعاً يُثير الاهتمام، ناتجاً عن قيام السلطات الجزائرية بترحيل المغربيات المتزوّجات من جزائريين من الجزائر. بذلك فرضت تشتت نحو 40 ألف عائلة، حسب الفيلم، كانت عاشت في الجزائر وأنجبت هناك، ثم وجدت نفسها تواجه مصائر مختلفة، وكلها غير إنسانية؛ لكن إذ توظّـف هذه الخلفية لتقديم حكاية تقع على بعد عقود من ذلك القرار، تنتقل من المأساة العامة إلى الخاصة، متحدثة عن هانيا (غالية بن زاوية) التي فقدت والديها صغيرة. والدتها غابت عنها ووالدها بقي في الجزائر، وهي ترعرعت في بيت امرأة طيبة. من هنا وصاعداً هو ترتيب تراكمات من المصاعب والمآزق التي يتابعها المرء بنصف رغبة.
وفي ذلك الريف البعيد، تقع أحداث «إلى آخر الزمان» لياسمين شويخ. المخرجة الجزائرية تحسن سرد دراما عاطفية، حول امرأة تصل إلى قرية سيدي بوقبور مدفوعة برغبة تأمين مدفن لها بالقرب من قبر شقيقتها. لديها فرصة لأن تقع في الحب؛ لكنها تمتنع من دون مبرر، فتبقى في موضعها الجديد معلقة بين ذكريات الأمس وواقع الحاضر.
الفيلم المصري «زهرة الصبار» لهالة القوصي، ينتقل إلى المدينة (غالب الوقت) ثم ينسل إلى الريف. من العين التي ترقب سكنات الإنسان وتستمع إلى لهاث حياته، إلى التصالح مع الأرض والقبول برحابة الريف وحريته.

مخرجات سعوديات
في دورته الخامسة، كشف مهرجان «أفلام من السعودية» عن عدد كبير من الأفلام التي طرحت موضوع المرأة. طبعاً قبلها احتل فيلم «وجدة» لهيفاء المنصور مكانه في هذا الخصوص، كما فعل فيلم محمود الصباغ الثاني «عمرة والعرس الثاني»؛ لكن هناك نشاطاً مكثفاً لأفلام تسلط الضوء إيجابياً على المرأة السعودية، وما هو منتظر منها في عهد منفتح جديد. من هذه الأفلام «صوت» لرهف إبراهيم، و«قضية هند» لدينا ناجي، و«أغنية البجعة» لهناء العمير، من بين أخرى.
هذه النماذج الثلاثة، وهناك أخرى، هي لمخرجات، وهي نتيجة أخرى موازية للطروحات النسائية التي نجدها في الأفلام السعودية الجديدة.
بعض الأفلام التي تدور حول المرأة وواقعها، لا يخلو من المغالطات. ففي مقابل «على كف عفريت» لكوثر بن هنية، الذي يتناول واقعة اغتصاب حقيقية لفتاة تبحث عن رجلي الشرطة اللذين قاما بهذه الجريمة، نجد «صوفيا» للمخرجة المغربية مريم بن مبارك، يستلهم من حادثة واقعية أخرى موضوعه. على عكس الفيلم التونسي، يخفق في إيصالها إلى حيث يجب أن تصل.
ففي «صوفيا» رسالة مغالطة تشي بأنه في وجود قيود على المرأة التي تحبل دون زواج، فإن بطلة الفيلم (صوفيا)، دافعت عن هذا الحق بذكاء، وخرقت القيود، وساهمت في تغيير قوانين مرعية، كما يدّعي الفيلم. لا يهم إذا ما كانت وسائلها في ذلك تعتمد على الكذب وإيذاء أبرياء. ابتسامتها في نهاية الفيلم هي ابتسامة شريرة، قُصد بها أن تكون ابتسامة انتصار.
ويرمي المخرج الجديد خليل زعرور في «نور» لدراما عاطفية، تقع في بيئة مسيحية، وتتمحور حول فتاة اسمها نور (عايدة صبرا) التي ترغَم على الزواج ممن لا تحب. طبعاً الموضوع على هذا الشكل مطروق مئات المرات؛ لكن الشيء الوحيد الجديد هنا هو أن الأحداث تقع في كنف قرية مسيحية، بينما اعتدنا في أفلام عربية شتى، مشاهدة أعمال ذات حكايات مشابهة تقع في بيئات مسلمة، في أفلام مغربية أو جزائرية أو تونسية أو مصرية. ولا يفوت المخرج التعرض للتركيبة الاقتصادية والطبقية أيضاً.
السينما المصرية ما زالت توفر الجزء الأكبر من الأفلام التي تتعرض لمواضيع وشؤون المرأة، كما نرى في «بلاش تبوسني» لأحمد عامر، و«الظرافة» لأحمد مجدي، و«ورود مسمومة» لأحمد فوزي صالح، و«أخضر يابس» لمحمد حماد.
في نتاجها الكلي هي أفلام اجتماعية مطلوبة، وبطبيعة الحال تتفاوت في المستوى، وتلتقي في الحديث عن المرأة التي هي نصف المجتمع والأكثر تحملاً لأعبائه.



ستون عاماً على لغز المرأتين عند برغمان

ليف أولمان في «برسونا» (شركة «سفينسك فيلم إندوستري»)
ليف أولمان في «برسونا» (شركة «سفينسك فيلم إندوستري»)
TT

ستون عاماً على لغز المرأتين عند برغمان

ليف أولمان في «برسونا» (شركة «سفينسك فيلم إندوستري»)
ليف أولمان في «برسونا» (شركة «سفينسك فيلم إندوستري»)

60 سنة مرّت على فيلم إنغمار برغمان «برسونا» (Persona)، وما زال يثير النقاشات والكتابات ويستقطب اهتمام الباحثين والمؤرخين. وعُرض الفيلم في مهرجانات سينمائية عدّة منذ إنتاجه عام 1966، ولا يزال يحظى بالاهتمام بعد مرور نحو 19 عاماً على رحيل مخرجه.

إلى ما سبق، هناك عمل بريطاني للمخرج بنديكت أندروز، بعنوان «إلكترا/برسونا»، شاركت في بطولته الممثلتان كيت بلانشيت ونينا هوس. وقد عُرض على خشبة المسرح الوطني في لندن بين أغسطس (آب) وأكتوبر (تشرين الأول) الماضيين، وصُوّر أيضاً للعرض على الشاشة. ويجمع بين مسرحية «إلكترا» لسوفوكليس وفيلم برغمان، ولذلك لا يُعدّ إعادة إنتاج سينمائية مباشرة له.

هناك أسباب كثيرة للاهتمام بهذا الفيلم. فهو مُدرج في قوائم النقاد إما على أنه أفضل فيلم حقّقه برغمان، أو أحد أفضل أعماله. ولم يأتِ هذا التقدير من فراغ، بل لأن «برسونا» (القناع) شكّل بداية مرحلة جديدة لبرغمان، اتّسمت بمزيد من التوغّل في أعماق النفس البشرية، كما في أفلام لاحقة له، مثل «ساعة الذئب» (Hour of the Wolf، 1968)، و«العار» (Shame، 1968)، و«اللمسة» (The Touch، 1971).

كان إنغمار برغمان أحد أكثر المخرجين العالميين توغّلاً في أعماق شخصياته، ينتقل بين جوانبها من دون فواصل تقليدية أو سياق سردي تمهيدي. وعندما يقطع مشهداً ليبدأ آخر، يصعب التكهّن بالتسلسل بينهما. وعندما تتحرّك الكاميرا لتعكس صورة في المرآة أو تنتقل بين الذكريات والأزمنة، فإنّ ما يحدث لا يقتصر على صورة منعكسة، وإنما هو انتقال كامل إلى جانب آخر من الشخصية، يتطلّب تفسيراً لحل لغز لا يقلّ تعقيداً عن لغز المشهد السابق أو اللاحق.

بيبي أندرسون في «برسونا» (شركة «سفينسك فيلم إندوستري»)

شِعر وتجريب

كان «برسونا» أحد أفلام المخرج السويدي إنغمار برغمان، ومن أعماله التي تعاون فيها مع مدير التصوير سفين نيكفيست. وهو من أصعب أفلام المخرج تحليلاً، إذ يعمل على مستويات عدّة. هناك مستوى العلاقة الوجدانية بين بطلتيه: الممثلة إليزابيت (ليف أولمان)، التي توقّفت عن الكلام، والممرّضة ألما (بيبي أندرسون)، التي تعتني بها.

وهناك مستوى آخر يتمثّل في اختيار المخرج ما يريد التعبير عنه والطريقة التي يُعبّر بها، والتي تثير أحياناً حيرة المتلقّي حيال ما يراه. لكنها حيرة محسوبة، لا في إطار التركيبة الفنية للفيلم فحسب، وإنما أيضاً في التركيبة النفسية لشخصياته. لذلك، لا يتحوّل الفيلم إلى متاهة أو مجموعة أسئلة يعجز المشاهد عن الإجابة عنها، ولو بمزيد من التركيز.

«برسونا» فيلم شعري بنبرة تجريبية خاصة، من دون التخلّي عن الدراسة النفسية التي ميّزت عدداً من أفلام برغمان. الفيلم آسر، ومشبَع باختيارات المخرج في توجيه الأداء. فلا يُسمح لبطلتيه، ولا للعدد القليل من الممثلين الذين يؤدّون أدواراً صغيرة، بالخروج عن التفاصيل التي يحدّدها. والارتجال ممنوع، كما اعتاد في أفلامه الأولى، حتى الثمانينات، عندما بدأ يمنح ممثليه قدراً من الحرّية.

تبدأ القصة بصورة لآلة عرض سينمائي، تليها لقطات من فيلم رسوم متحرّكة وآخر كوميدي صامت، يظهر فيه شخص يهرب من الأشباح بالاختباء تحت شرشف سريره. وتتبع ذلك لقطات لعنكبوت وأشجار في فصل الخريف وحاجز من الأسلاك الشائكة والثلج، ثم صبيّ على سرير أبيض، يبدو نائماً أو ميتاً، وامرأة عجوز. يرنّ هاتف، وتفتح المرأة عينيها، بينما يتقلّب الصبيّ في سريره.

ومع ظهور الصبيّ، يبدأ الفيلم بالانتقال تدريجياً من تتابع اللقطات المتفرّقة إلى صلب حكايته.

تتلقّى الممرّضة ألما (بيبي أندرسون) تعليمات بالاعتناء بالممثلة إليزابيت فوغلر (ليف أولمان)، التي توقّفت تماماً عن الكلام خلال أدائها مشهداً من مسرحية «إلكترا».

يدور جزء من الفيلم في المستشفى، حيث نتابع حال الممثلة والممرّضة التي تحاول مساعدتها. وتتداخل في هذه المرحلة مشاهد وتفاصيل لا تتّضح دلالاتها منذ البداية. تشاهد إليزابيت على التلفزيون صوراً من حرب فيتنام، بينها مشهد إحراق راهب بوذي نفسه احتجاجاً على الحرب. لا تتكلّم، لكن ردّ فعلها يكشف تأثّرها بما تراه. وتؤكد المشاهد التي تجمع المرأتين في المستشفى اختلاف شخصيتيهما، تمهيداً لاستكشاف العلاقة النفسية المعقّدة التي ستنشأ بينهما لاحقاً.

إنغمار برغمان (المعهد السويدي للأفلام)

أدوات برغمان

بعد ذلك، وبناءً على اقتراح طبيبة المستشفى، تنتقل ألما بالممثلة الصامتة إلى منزل صغير على البحر، أملاً في أن يساعد تغيير الأجواء على تهدئة إليزابيت وتجاوز الحالة النفسية الغامضة التي تمرّ بها. وفي هذا المنزل المطلّ مباشرة على البحر، يمارس برغمان لعبته القائمة على الغموض وتقديم مَشاهد عصيّة على الفهم في البداية، أو عند مُشاهدة الفيلم للمرة الأولى. تحاول ألما إقناع إليزابيت بالكلام، لكنّ الممثلة تواصل صمتها. ولا تنطق بكلمة «لا شيء» إلا في مشهد متأخر من الفيلم، عندما تطلب منها ألما ترديدها.

الفيلم، من هنا، يدور حول امرأتين تدخل كلّ منهما عالم الأخرى، بموازاة عالمها الخاص. ويمهّد لذلك حوار تلقيه الطبيبة أمام إليزابيت، قبل انتقالها إلى المنزل البحري، تتناول فيه الحلم المستحيل بأن يكون الإنسان على حقيقته، لا أن يبدو كذلك فحسب، والفجوة بين صورته أمام الآخرين وحقيقته أمام نفسه.

يفسّر هذا الحوار وضع إليزابيت، لكنه يتوغّل أيضاً في أزمة الازدواجية التي تتجاوز هاتين الشخصيتين لتقترب من شخصياتنا نحن، إذ يختلف تصرّفنا عندما نكون وحدنا عن تصرّفنا أمام الآخرين. إنه وضع مصطنع يمنحنا شعوراً بالراحة، ويتصل كذلك بالهوية الذاتية ومواجهتها.

ومع توالي اعترافات ألما وكشف جوانب من حياة إليزابيت، وانتقال المخرج بين الحقيقة والذاكرة من دون فواصل أو ترتيب سردي تقليدي، تتبلور حالة إليزابيت، فإذا بصمتها وسيلة للامتناع عن الكذب، أو هكذا تفسّره الطبيبة. أما ألما، التي تتحدّث كثيراً، فتصل إلى حالة نفسية تهدّد قدرتها على التمييز بين ذاتها وذات الممثلة. إنه فيلم عن امرأتين تبدوان مختلفتين، لكن العلاقة بينهما تكشف تدريجياً أوجه التشابه والتداخل، إلى حدّ يصعب معه الفصل بينهما.

وعلى أكثر من صعيد، لم تعد الممرّضة مجرد أداة للمساعدة، إذ أصبحت تعيش أزمة نفسية خاصة بها. ويتّضح ذلك خصوصاً عندما تقرأ رسالة كتبتها إليزابيت إلى الطبيبة، تتحدّث فيها عن رغبتها في مواصلة العيش في الصمت والعزلة، وتكشف أنها كانت تراقب ألما وتدرس شخصيتها. عندها تدرك الممرّضة أن اعترافاتها تحوّلت إلى مادة تتأملها الممثلة، فتتصدّع الثقة بينهما.


شاشة الناقد: ليام نيسون... مُحارب أفغانستان في فيلمين

ليام نيسون في «النمس» (سامويل غولدوين)
ليام نيسون في «النمس» (سامويل غولدوين)
TT

شاشة الناقد: ليام نيسون... مُحارب أفغانستان في فيلمين

ليام نيسون في «النمس» (سامويل غولدوين)
ليام نيسون في «النمس» (سامويل غولدوين)

THE MONGOOSE

النمس | ★★★* إخراج: مارك فانسلوف

‫* الولايات المتحدة وأستراليا (2026) | عروض تجارية

منذ عام 2008، دأب ليام نيسون على الظهور في دور المُحارب المنفرد في سلسلة من أفلام الحركة. كان «تيكن» (Taken) أولها، وتبعه جزءان آخران، ثم شارك في «الأيام الثلاثة المقبلة» (The Next Three Days)، بدور صغير، و«مجهول» (Unknown)، و«من دون توقف» (Non-Stop)، و«الركض طوال الليل» (Run All Night)، ضمن مجموعة كبيرة من أفلام النوع.

لا يعني ذلك أنه امتنع عن تمثيل سواها؛ فأفلامه بالغة التنوّع، وتتوالى بلا انقطاع، لكنه كوّن لنفسه صورة حافظ عليها بنجاح مهني، حتى وإن أخفق بعضها في تحقيق نجاح تجاري.

«النمس» فيلم حركة آخر تتفاوت مستوياته. فمن ناحية، هو فيلم بارع في الكتابة والتنفيذ، يستند السيناريو على مطاردة طويلة بالسيارات بين رجل هارب من الشرطة وقوى القانون التي تلاحقه. ريان فلاناغان، الملقّب بـ«فانغ» (نيسون)، محارب سابق في أفغانستان نال أوسمة عسكرية، ويجد نفسه متهماً بالقتل بعدما يقتل خطيب زوجته السابقة دفاعاً عن النفس. وهو يدرك الآن أنّ الحروب لم تعد تُخاض دفاعاً عن قيم بقدر ما تقوم على مبرّرات لا يُعوّل عليها. ويستخدم مهاراته في المراوغة حتى لا تتكرّر تجربته في تلك الحرب، عندما وقع مع رفاقه في الأسر، ودُفنوا في التراب حتى رؤوسهم، قبل أن يتمكّن هو ومعظمهم من النجاة.

مشهد النجاة كرتوني، ولا جديد فيه، لكن المخرج، الذي ينجز هنا فيلمه الروائي الطويل الأول، وسبق أن عمل مؤدّياً ومنسّقاً لمَشاهد الخطر في عدد من أفلام نيسون، يستخدم الاسترجاع الزمني في مواضع صحيحة ومبرّرة خلال النصف الأول من الفيلم، ثم ينصرف إلى متابعة المطاردات الشيّقة في نصفه الثاني. نيسون مناسب للدور بموهبته، ويستفيد هنا من تجسيد شخصية تختلف عن معظم أدواره السابقة.

تدور الأحداث في الزمن الحاضر، لكن الفيلم متيّم بسينما السبعينات، إخراجاً ومواقف وشخصيات، وحتى بالأغنيات التي تعود إلى تلك المرحلة. والأغنية التي نسمعها نغمةً لاتصال زوجة ريان السابقة، وعنوانها «أنتِ مثيرة» (You Sexy Thing)، تعود بدورها إلى السبعينات، واشتهرت بأداء فرقة «هوت شوكليت» (Hot Chocolate)، وإن كانت النسخة المستخدمة في الفيلم إعادة أداء لها. وبذلك، فهو فيلم جيد أيضاً في استحضار الحنين إلى الماضي.

THE FIX

التصويب | ★☆

* إخراج: غاي موشي

‫* الولايات المتحدة (2026) | عروض تجارية

في «التصويب» (The Fix)، يقتل فريق أميركي من عناصر العمليات الخاصة، بقيادة تاكر (زاكاري ليفاي)، الإيرانيين الأشرار والإيرانيين الأخيار على السواء. يدخل الفريق طهران بحثاً عن 25 مليون دولار مخبّأة في فندق منذ أيام الثورة الإيرانية.

ليام نيسون في «التصويب» (أسترال فيوتشر)

كان الفريق قد خدم في أفغانستان خلال الأيام الأخيرة من الوجود العسكري الأميركي هناك، وهي المدّة التي تدور فيها أحداث مطلع الفيلم. ثم يزور تاكر رئيس عملياته السابق، لاري (ليام نيسون)، الذي يعاني مشكلات في الذاكرة، فيكشف له عن الأموال المخبّأة في طهران. يقرّر تاكر اقتحام طهران متخفّياً مع رجاله في زيّ مدني، بحثاً عن ذلك الكنز. أما الساعة الأخيرة، فتتوالى فيها مشاهد الحركة والقتال التي تعرف منذ بدايتها مَن سيُقتل فيها ومَن سيخرج حيّاً منها.

للسيناريو همّ واحد، هو تقديم فيلم حركة عسكري متوّج بالضحايا. وهنا يكمن تناقض أساسي في شخصية تاكر، لأنّ السيناريو يقدّمه رجلاً يحمل في نفسه رفضاً للمهمّات العسكرية التي انصرف إليها طوال حياته، ويدرك مسؤوليته حيال عائلته التي نبذته بسبب غيابه معظم الوقت عن البيت. لكن هذا الرفض لا يمنعه من القيام بعملياته في أفغانستان، ولاحقاً في إيران، بكل استعداد لدعم رسالة عسكرية واضحة ضد البلدين، ثقافةً وسياسةً. هذا ما يجعل الفيلم أحد تلك الإنتاجات الحافلة بالبطولات الخارجة عن الواقع، منذ أن انبرى تشاك نوريس وسيلفستر ستالون لتلقين الفيتناميين دروساً قاسية، حتى بعد الهزيمة الأميركية هناك.

ينتقل الفيلم من ورطة إلى أخرى لحشد أكبر قدر ممكن من الأحداث. وكلما بدا أنه حلّ مشكلة، خلق مشكلة أخرى، ممّا يؤدّي إلى إطالة رتيبة. هو متخم من دون إشباع، وكثير الحركة من دون متعة.

سبق للمخرج موشي أن خدم في الجيش الإسرائيلي، ولا يتطلّب الأمر كثيراً من الخيال لندرك أنّ فيلمه هذا، الذي كتبه مع آخرين، يتبع أجندة سياسية خاصة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


السينما الإسرائيلية تمنع وتحجب وتعيش حالة حصار

«اخبرني كل شيء»: فيلم آمن لا يُثير نقمة (ليمينال كونتنت).
«اخبرني كل شيء»: فيلم آمن لا يُثير نقمة (ليمينال كونتنت).
TT

السينما الإسرائيلية تمنع وتحجب وتعيش حالة حصار

«اخبرني كل شيء»: فيلم آمن لا يُثير نقمة (ليمينال كونتنت).
«اخبرني كل شيء»: فيلم آمن لا يُثير نقمة (ليمينال كونتنت).

في وسط الأزمات التي تمر بها إسرائيل على أصعدة مختلفة، اقتصادية وسياسية وأمنية ومجتمعية، هناك حرب على جبهة جديدة محورها موقف الحكومة الإسرائيلية من الأفلام التي تنتقد السياسة الداخلية وتكشف عن أوضاع الفلسطينيين تحت ممارسات الدولة، والتفرقة العنصرية التي تنفيها الدولة وتؤكدها الأحداث والدلائل المختلفة.

في المواجهة وزارة الثقافة الإسرائيلية التي تمسك بزمام المنح التي توفرها الحكومة الإسرائيلية لمنتجي وصانعي الأفلام في كل عام، والتي تبلغ ما يوازي 40 مليون دولار. التوجه الحالي للوزارة هو تشجيع الصناعة المحلّية من ناحيةٍ، ودعم الأفلام التي لا تناهض توجهات وسياسات الحكومة الإسرائيلية، وذلك عبر إحكام القبضة على من يمكن له التمتع بمنحة حكومية لتحقيق فيلمه، وذلك بناءً على موقفه السياسي منها.

سبق لعدد من المخرجين الإسرائيليين المعروفين بمواقفهم المعارضة، من بينهم آفي مغربي ونيتا شوشاني وناداف لابيد، أن استفادوا من المنح الحكومية لإنتاج أفلام تنتقد سياسات الدولة تجاه الفلسطينيين أو تعيد مساءلة السردية الرسمية لتأسيس إسرائيل. ومن أبرز هذه الأعمال فيلم شوشاني «1948: تذكّر، لا تتذكّر»، (1948: Remember, Remember Not) الذي أُنتج عام 2023 وأثار جدلاً واسعاً داخل إسرائيل، وصل إلى حد مطالبة وزارة الثقافة للمخرجة بإعادة المنحة الحكومية التي حصلت عليها لإنجاز الفيلم.

محمد غزاوي في «البحر» (ماجدال فيلمز).

ما وراء البحر

في العام الماضي، نفذ فيلم «البحر» لمخرجه شاي كارميلي-بولاك بنفسه من هذا القرار. حققه شاي كارميلي- بولاك متناولاً قصّة ولد فلسطيني قرر الوصول إلى البحر الذي لم يره من قبل. مثَّل الفيلم إسرائيل في ترشيحات الأوسكار بعد أن نال أربع جوائز من مهرجان «القدس السينمائي»، بينها جائزة أفضل فيلم، وجائزة أفضل ممثل التي فاز بها الصبي محمد غزاوي. مما دفع وزير الثقافة ميكي زوهار، إلى قرار حجب المساعدة الحكومية لمهرجان القدس احتجاجاً منه على خروج «البحر» بتلك الجوائز عنوةً عن أفلام رآها أكثر استحقاقاً.

الترشيح الإسرائيلي لأوسكار العام المقبل هو دراما عاطفية عنوانها «أخبرني كل شيء» (Tell Me Everything) لموشي روزنثال. فيلم محافظ حول صبي (في الثانية عشرة من عمره أيضاً) يكتشف سرّاً عن أبيه يؤدي به إلى طرح تساؤلات حوله مع سعي الأب لإعادة بناء الثقة بينهما.

بدوره من المتوقع جداً أن يدخل فيلم «نازا»، المعروض حالياً في صالات أميركية محدودة، الترشيحات الرسمية في سباق أوسكار أفضل فيلم تسجيلي طويل في العام المقبل.

لكن في الوقت الذي يُثير «نازا» هذا القبول العالمي والتقدير لا بد من الإشارة إلى أنه يطمر بعض الإنجازات الفلسطينية التي تتحدّث عن الوضع الفلسطيني حيال الجبروت الإسرائيلي مثل «غزّة 13» لحسام أبو دان، و«المواطن أسامة» (ترشيح فلسطين الرسمي للأوسكار) لأحمد حسّونة، و«حوار مع البحر» لمؤيد عليان، وهي بعض النتاجات ذات الشأن الفلسطيني الذي خرجت هذا العام.

لا بد من التذكير بأن «نازا» ليس فيلماً إسرائيلياً على الإطلاق. الإنتاج انطلق من مؤسسة «ذ غارديان» البريطانية، وانضمّت إليها شركة «JW Films» الأميركية، وتبنّت توزيعه شركة «MK2» الفرنسية. لهذا السبب لم يكن في استطاعة الحكومة الإسرائيلية سوى الاحتجاج ضدّه والتحقيق مع الجنود الذين أدلوا بتصريحاتهم و-تلقائياً- عدم عرضه في البلاد. وهذا هو حال أفلام إسرائيلية معارضة تجد نفسها أمام جدار منع غير رسمي بسبب عزوف صالات السينما عن عرضها خوفاً من احتجاج اليمين المتطرّف.

راشل شور ويوڤال إبراهام مخرجا «نازا» (ذا غارديان فيلمز)

«نازا» مضاد

تداعيات سياسة البطش الإسرائيلية توالت منذ العام الماضي على أصعدة رسمية وغير رسمية حول العالم. على سبيل المثال تبنى مهرجان «IDFA» في أمستردام سياسة تستبعد المؤسسات والأفلام المرتبطة مباشرةً بتمويل حكومي إسرائيلي، لكنه أكد في الوقت نفسه أنه لا يقاطع المخرجين أو الأفلام الإسرائيلية المستقلة. وفي الثاني من مارس (آذار) هذا العام تم إلغاء مهرجان «الفيلم اليهودي في أونتاريو (كندا)»، وفي أبريل (نيسان) اضطر منتجو فيلم «Seret»، (إخراج دانييلا غرودسكي وداني كوهن)، إلى الاكتفاء بعرض خاص للفيلم في لندن بعدما تعذّر إيجاد صالة سينمائية عامّة له.

كما تعذّر على المخرج آموس غيتاي تسويق فيلمه الجديد «الطريق إلى أريحا» عالمياً، فمنذ عرضه في مهرجان ڤينيسيا في الدورة ذاتها التي تم فيها عرض «نازا»، لم يشق طريقه صوب أي عرض تجاري خارج بلاده باستثناء العرضين اللذين خُصصا له يوم أمس (الخميس)، في مهرجان طوكيو السينمائي.

داخل إسرائيل ذاتها تم إنتاج 31 فيلماً جديداً هذه السنة؛ معظمها يواكب قرارات الحكومة ويتجنّب سطوتها، من بينها «نازا» آخر هو «نازا: القصّة الحقيقية». حققه ثلاثة مخرجين هم: هاغاي غوتمن، وآريَل أوربوش، وروي دانينو، وهدفه مناقضة «نازا» الأول والبرهنة على أن ما ورد في ذلك الفيلم غير صحيح. الملصق المختار للفيلم يصوّر مخرجَي «نازا»، راشَل شور ويوڤال أبراهام وعليهما كلمة «خائنان» مطبوعة باللون الأحمر.

معظم ما تم إنتاجه من أفلام إسرائيلية هذا العام (31 فيلماً) يختار الطريق الآمن. الموضوعات المطروحة تتناول، على سبيل المثال، قصّة فتاة جميلة تتعرّض لحادثة تُقعدها (Many Waters)، وزوجين يكتشفان بعد سنوات من زواجهما أسراراً (Thou Shalt Love)، وفتاة تبحث عن موقعها بين أسرة جديدة (Habaita‪!‬)، وأخرى تكاد تفقد عملها مفتشة في حافلات المدينة بسبب مشاجرة (Lev Zahav).