الأغوار.. الصراع على «قاع العالم»

أسباب أمنية واقتصادية وسياسية وسيادية تجعل منها «قنبلة موقوتة» في وجه «السلام الفلسطيني - الإسرائيلي»

الأغوار.. الصراع على «قاع العالم»
TT

الأغوار.. الصراع على «قاع العالم»

الأغوار.. الصراع على «قاع العالم»

تحولت المعركة «الهادئة» بين الفلسطينيين والإسرائيليين على منطقة «الأغوار» الحدودية مع المملكة الأردنية، إلى «ساخنة وملتهبة»، وظهرت الخلافات بين الطرفين أخيرا، كعقبة كبيرة في طريق تحقيق تقدم في عملية السلام.
وربما لم يكن يتوقع الأب الروحي للعملية السلمية الحديثة، وزير الخارجية الأميركي جون كيري، وهو يضع تصورات أولية لمستقبل المنطقة، في ظل اتفاق سلام نهائي، أن «قاع العالم» (المنطقة الأكثر انخفاضا عن سطح البحر) أكثر أهمية مما تخيل، ويشكل قنبلة موقوتة على طاولة المفاوضات.
ويتخذ الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي في منطقة الأغوار، شكلا مختلفا منذ عشرات السنين. إنه صراع يدور على كل متر مربع في المنطقة التي تشكل نحو 28 في المائة من مساحة الضفة الغربية المحتلة.
وخلال شهرين، جاء كيري للمنطقة عدة مرات، وقدم اقتراحات مختلفة لتجاوز الخلافات حول الأغوار، لكنها كانت في كل مرة تصدم برفض الطرفين معا، الفلسطيني والإسرائيلي.
ويقول الفلسطينيون إنهم لن يتنازلوا عن متر واحد من منطقة الأغوار، لأنها على الأقل أرض فلسطينية، وهي بوابة الدولة العتيدة إلى العالم، ويقول الإسرائيليون إنهم لن يتراجعوا عن المنطقة التي تشكل عمقا أمنيا وبوابة الحراسة والطمأنينة الشرقية لمواطنيها.
وتبلغ مساحة الأغوار، 2070 كيلومترا، بواقع 1.6 مليون دونم، وتمتد المنطقة على مسافة 120 كيلومترا، بعرض يتراوح بين ثلاثة كيلومترات و15 كيلومترا، من شمال البحر الميت جنوب فلسطين إلى بردلة عند مدخل بيسان شمالا. ويعيش فيها نحو 50 ألف فلسطيني مقابل 7000 مستوطن إسرائيلي يسيطرون على أغلبية الأراضي هناك.
وقال صائب عريقات، كبير المفاوضين الفلسطينيين، لـ«الشرق الأوسط»: «بعد قيام الدولة لن نقبل وجود جندي إسرائيل واحد في الضفة وفي الأغوار، لا برا ولا بحرا ولا جوا ولا على المعابر».
وكان عريقات يرد ضمنا على مقترحات لكيري تتحدث عن بقاء القوات الإسرائيلية في المنطقة لـ10 سنوات مع تخفيض عددها، وزرع أجهزة دفاعية وأخرى للإنذار المبكر، وإدارة مشتركة على المعابر، وهو ما رفضه الفلسطينيون. والمفارقة العجيبة أن الإسرائيليين رفضوا نفس المقترحات.
وقال وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه يعالون: «الانسحاب من الضفة سيمس بحرية عمل الجيش الإسرائيلي، وسيؤدى إلى انهيار حكم الرئيس الفلسطيني محمود عباس». وأضاف: «إن من شأن تطبيق سيناريو الانسحاب من غزة، في الضفة، تثبيت أقدام حماس، والإطاحة بأبو مازن».
وتابع: «إن إسرائيل لن ترهن أمنها لأي جهة أجنبية.. الجيش لا يمكنه التنازل عن حرية الحركة في مدن الضفة الغربية، لأن من شأن ذلك تعزيز وجود قوى معادية».
كما انتقد وزير الشؤون الاستراتيجية والاستخبارية في الحكومة الإسرائيلية، مقترحات كيري، وقال إن إسرائيل ترفض مقترحات الولايات المتحدة حول ضمان أمن وادي الأردن» (الأغوار). وأضاف: «الأمن يجب أن يبقى بأيدينا.. أولئك الذين يقترحون حلا يقضي بنشر قوة دولية أو شرطيين فلسطينيين أو وسائل تقنية لا يفقهون شيئا في الشرق الأوسط».
إذن، رفض الفلسطينيون التنازل عن المنطقة ورفض الإسرائيليون كذلك.
وبدت مهمة كيري أكثر تعقيدا مما تخيل، إذ تشكل الأغوار واحدة فقط من الملفات التي لا تقل أهمية، القدس اللاجئين الأسرى الحدود المياه.
واختصر عريقات المسألة بقوله: «سلامنا لن يكون بأي ثمن، لنا 37 كيلومترا على البحر الميت، لنا 97 كيلومترا من الحدود على نهر الأردن، لنا حقوق مائية في نهر الأردن، لنا القدس الشرقية، لنا ممر آمن بين الضفة وغزة تحت سيادتنا، لنا أربعة كيلومترات منطقة حراما في القدس، لنا 46 كيلومترا منطقة حراما في اللطرون (منطقة مهجرة شمال القدس)، ولنا مياه إقليمية على بحر غزة، وحق عودة اللاجئين».
ويقود كيري الآن مفاوضات مع الجانبين تشمل كل هذه الملفات. وقال كيري قبل يومين بعد أكثر من 25 ساعة من التفاوض مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو: «الجانبان الإسرائيلي والفلسطيني يحرزان قدرا من التقدم في محادثات السلام، لكن احتمال عدم التوصل لاتفاق لا يزال قائما».
وأضاف كيري: «إن فكرة الجانبين باتت أوضح بخصوص التنازلات اللازمة للتوصل إلى اتفاق».
وتابع: «المسار أصبح أكثر وضوحا. الأحجية أصبحت أكثر تحديدا. بات أكثر وضوحا للجميع ما هي الخيارات الصعبة المتبقية، لكن لا أستطيع إبلاغكم تحديدا بالموعد الذي قد تنتظم فيه القطع الأخيرة من الأحجية في مكانها أو تسقط على الأرض فلا يكتمل حل الأحجية».
ويسعى كيري إلى وضع «اتفاق إطار» استرشادي لاتفاق السلام النهائي. ولا يعرف بعد كيف يمكن أن يقدم كيري حلا وسطا مقبولا في الملفات الأكثر تعقيدا مثل القدس والحدود واللاجئين إذا كانت الخلافات حول منطقة «الأغوار» تراوح مكانها.
وفي حين يتصارع الطرفان على الطاولة، نقلت إسرائيل الصراع إلى الأرض بضربة استباقية، فأعلنت هذا الأسبوع عبر اللجنة الوزارية لسن القوانين في الكنيست، قانون ضم المستوطنات اليهودية في غور الأردن وتطبيق القانون الإسرائيلي عليها.
ووافق ثمانية من وزراء «الليكود» و«البيت اليهودي» و«إسرائيل بيتنا» على اقتراح القانون الذي تقدمت به عضو الكنيست ميري ريغف (الليكود)، بينما عارض الاقتراح وزراء حزب «الحركة» و«هناك مستقبل».
ويقترح القانون تطبيق نظام الحكم والإدارة التابعين لإسرائيل على المستوطنات في الغور وعلى الطرق المؤدية إليها. وكذلك عدم فرض تحديد البناء في مستوطنات الغور لأسباب سياسية إلا بقرار من الكنيست. وقالت ريغف، إن «الهدف من اقتراح القانون سياسي وأمني فقط لأن مستوطنات غور الأردن تشكل خط دفاع أمنيا استراتيجيا للحدود الشرقية الطويلة لدولة إسرائيل». ووصف عريقات الأمر بجريمة حرب.
وردت الحكومة الفلسطينية بعقد اجتماعها في الأغوار وخصصت ملايين الدولارات لدعم صمود الفلسطينيين هناك.
ونددت حركة فتح بقانون ضم مستوطنات منطقة الأغوار في الضفة الغربية. وقالت اللجنة المركزية، في بيان أصدرته عقب اجتماع لها برئاسة الرئيس محمد عباس في رام الله، إن مشروع القانون يعد «باطلا ولاغيا وجريمة ضد الإنسانية، ويهدف لإفشال كل الجهود الأميركية والدولية المبذولة لتحقيق تسوية عادلة وشاملة ودائمة في المنطقة».
كما استنكرت حركة حماس القرار الإسرائيلي، وعدته «قرارا عدوانيا سافرا، وشكلا من أشكال العدوان الإسرائيلي يستدعي مقاومته والتصدي له والعمل على إفشاله وبكل الطرق».
وبينما تعهد وزراء اليمين بتمرير القرار في الكنيست، توقع وزراء إسرائيليون معارضون للقانون فشله وعدم قبوله من قبل الحكومة أيضا. وصرح الوزيران؛ وزيرة القضاء تسيبي ليفني ووزير المالية يائير لبيد، بأنهما سيستأنفان ضد القرار.
ولا يعد القرار الإسرائيلي أول أو آخر الخطوات التي تنفذها إسرائيل في الأغوار في سبيل السيطرة عليها. ومنذ عشرات السنين نفذت إسرائيل خططا كثيرة في سبيل تهجير الفلسطينيين من الأغوار، وفي الأعوام الأخيرة تحولت الهجمة الإسرائيلية إلى مسعورة ومجنونة، راحت إسرائيل معها تجرب كل شيء ممكن من أجل التخلص من الفلسطينيين نهائيا.
أعلنت الأراضي هناك منطقة عسكرية مغلقة وأراضي دولة، وحولت الأراضي إلى مستوطنات ومصانع ومزارع ومواقع للتدريب الحي، منعت المزارعين والبدو والأهالي من استثمار أراض كثيرة للرعي أو الزراعة أو البناء، قطعت المياه عن تجمعات الفلسطينيين وأراضيهم، وسيطرت على كل الآبار الجوفية في المكان، هدمت بيوتا وأنذرت الأخرى، وعزلت المنطقة عن بقية الضفة الغربية، وأخذت تمنع دخولها لغير أهلها الذين يحملون هويتها.
وفي زيارة سريعة للمكان، قال فتحي خضيرات، منسق اللجان الشعبية لمناهضة الاستيطان في الأغوار ومسؤول حملة «أنقذوا الأغوار»، لـ«الشرق الأوسط»، إن الاهتمام الإسرائيلي في منطقة الأغوار يوازيه اهتمام فلسطيني للأسباب نفسها، موضحا: «إنها تشكل ثلث مساحة الضفة الغربية، وهي أحد أقطاب مثلث الماء الفلسطيني وتشكل نحو 47 في المائة من مصادر المياه الجوفية الفلسطينية، وهي المعبر الوحيد للفلسطينيين نحو العالم الخارجي، وهي عصب الاقتصاد الفلسطيني المستقبلي الذي يتمثل في الزراعة، وهي المكان الذي يمكن فيه توسيع القدس الشرقية، وهي المكان الذي يمكن فيه أيضا استيعاب اللاجئين حال عودتهم».
ويرفض الرئيس الفلسطيني محمود عباس التصديق بحاجة إسرائيل الأمنية في الأغوار.
وقال غير مرة، إن إسرائيل تجني 620 مليون دولار سنويا من استثمارها للأغوار الفلسطينية، وإن ادعاءاتها بالسيطرة على الأغوار لدوافع أمنية كاذبة، مضيفا: «إنه استثمار استيطاني».
وحتى رئيس الموساد الأسبق، الذي يعد أحد أقوى رجال المخابرات في إسرائيل، مائير داغان، فقد دعم وجهة النظر التي تقول إنه لا حاجة أمنية لإسرائيل في الأغوار.
وقال داغان معقبا على الأزمة الحالية: «ليست لدي مشكلة مع طلب سياسي بأن يكون غور الأردن جزءا من دولة إسرائيل.. من الشرعي أن يكون هناك موقف كهذا. ويزعجني أن يجري عرض ذلك وكأنما هو مشكلة أمنية. ليس هناك جيش عراقي، وليست ثمة جبهة شرقية. هناك سلام مع الأردن. لا أحب الحديث عن أن غور الأردن هو أمر أساسي لأمن إسرائيل.. هذه مناورة واستخدام للاعتبارات الأمنية ليس أكثر».
وتدعم الأرقام وجهة نظر الرئيس الفلسطيني محمود عباس.
وقال تقرير استراتيجي صدر أخيرا في إسرائيل عن «مجلس السلام والأمن»، الذي يضم مجموعة واسعة من كبار الضباط والمسؤولين الأمنيين السابقين، إنه لا يوجد أي أهمية استراتيجية عسكرية للأغوار، بعدها ليست ذات صلة بالواقع مقارنة بالتهديدات الحالية، وذلك لتغير شكل وتقنيات القتال والحرب المقبلة.
وأضاف التقرير: «وحتى في السيناريو الأقل معقولية ويحاكي حربا كلاسيكية تقليدية ينبغي أن نذكر: 1 - إن الغور لا يوفر عمقا استراتيجيا، فعرض دولة إسرائيل مع الغور وفي المكان الأكثر ضيقا هو 50 كيلومترا فقط، ولذلك فإن ثمة حاجة لرد آخر وهو ليس إقليميا. 2 - إذا تعين أن يوفر الغور ردا على هجوم عسكري بري، فإن المنطقة البالغة الأهمية لانتشار عسكري إسرائيلي، هي السفوح التي تقود إلى قمم الجبال. والانتشار هناك يحول الغور إلى مكان مقتل القوة المهاجمة. 3 - إن القوة الإسرائيلية التي ستمكث بشكل دائم في الغور ستكون بالضرورة محدودة الحجم، وموجودة في منطقة متدنية طوبوغرافيا، وتتعرض لخطر المحاصرة بشكل دائم. 4 - توجد لخط نهر الأردن أهمية تتعلق بالحفاظ على الأمن ومراقبة الحدود في الفترات العادية وليس أكثر من ذلك».
ومع انعدام الأهمية العسكرية وفي ظل عدم وجود أهمية دينية لليهود في المنطقة، تبرز الأسباب الاقتصادية كأهم الأسباب وراء تمسك إسرائيل بقاع العالم.
وتقيم إسرائيل المنطقة أكبر مزارع نخيل في البلاد، ومشاتل ورود وخضراوات وفواكه، إضافة مزارع ضخمة للدواجن والأبقار والديك الرومي، وخمس برك اصطناعية لتربية التماسيح من أجل استخدام جلودها في الأحذية والحقائب.
وعلى سبيل المثال، احتفل الإسرائيليون عام 2010 بزراعة النخلة رقم 1.000000 مليون في الأغوار.
وحسب تقرير مجلس المستوطنات لعام 2012 فقد ربحت المستوطنات من الأغوار نحو 650 مليون دولار سنويا.
وقال عريقات في جولة حديثة مع سفراء وقناصل دول أوروبية: «تريد إسرائيل البقاء 40 سنة في الأغوار، لماذا لا تبقى هناك 400 سنة إضافية، مع كل هذه الأرباح».
* الأغوار
* تشكل منطقة الأغوار 28 في المائة من مساحة الضفة الغربية (2070 كم2)، وتمتد على الجهة الشرقية للضفة الغربية، من عين جدي (البحر الميت) جنوبا إلى ما يعرف بـ«تل مقحوز» على حدود بيسان شمالا داخل الخط الأخضر، ومن نهر الأردن شرقا حتى السفوح الشرقية للضفة الغربية غربا.
تعد منطقة الأغوار جزءا من حفرة الانهدام الأفرو آسيوية وهي من أكثر بقاع الأرض انخفاضا. وتقع على انخفاض نحو 380م تحت سطح البحر.
قسمت مناطق الأغوار إلى مناطق «أ» و«ب» و«ج» حسب اتفاق أوسلو عام 1993، وأغلب الأراضي هناك هي مناطق «ج» ومناطق تدريب عسكرية.
تعد المنطقة بوابة الفلسطينيين الوحيدة في الضفة الغربية نحو العالم، وتوصف بأنها سلة غذاء الفلسطينيين، وأكثر المناطق غنى بالموارد الطبيعية والمياه الجوفية في باطن الأرض.
بدأت إسرائيل منذ 1967، أي منذ الاحتلال، خطة ممنهجة، تستهدف إفراغ الأغوار من سكانها الفلسطينيين، وإحكام السيطرة على أرضها ومواردها.
أنشأت إسرائيل 36 مستوطنة في المنطقة يعيش فيها نحو 7000 مستوطن يسيطرون على خيرات المنطقة، وأقدم المستوطنات هي «جفاعوت»، و«بينيت» منذ 1972 و«روتم» و«منجون» و«تيرونوت» و«روعي» و«شدمان» و«منجولا».
أما التجمعات العربية الفلسطينية فلا يزيد سكانها على 5130 نسمة وأهمها أبزيق والمالح وخربة الحمصة وكردلة وبردلة وخربة الرأس الأحمر وعين البيضا والحديدية والفارسية والحمة والعقبة وغيرها، في حين كان العدد يزيد على 300 ألف فلسطيني قبل الاحتلال.
وقال تقرير لمحافظة طوباس والأغوار الشمالية: «إن المستوطنات والمجلس الإقليمي الاستيطاني تحتل مساحة 1.344.335 مليون دونم من أراضي الأغوار، أي ما يعادل 83.4 في المائة من أراضي المنطقة المعنية و24 في المائة من مساحة الضفة و95 في المائة من أراضي المنطقة «ج» في الأغوار.
كما تحتل أراضي الدولة 748.965 دونم، ما يعادل 48.7 في المائة من أراضي الأغوار و14 في المائة من مساحة الضفة، و55.5 في المائة من مساحة المنطقة «ج» في الأغوار، أما المناطق العسكرية المغلقة فتصل إلى 743.626 دونم ما يعادل 46.1 في المائة من مساحة الأغوار و13.3 في المائة من مساحة الضفة و52.6 في المائة من مساحة المنطقة «ج» وتقع 334.614 دونم ضمن ما يسمى محميات طبيعية ما يعادل 20.7 في المائة من الأغوار وستة في المائة من الضفة و23.6 في المائة من المنطقة «ج»، أما المناطق التي أغلقت بفعل الجدار العنصري فتصل إلى 2.505 دونم و0.16 في المائة من مساحة الأغوار و0.04 في المائة من مساحة الضفة و0.20 في المائة من مساحة المنطقة «ج»، ليصبح المجموع الصافي 1.372.695 دونما ما يعادل 85.17 في المائة من مساحة الأغوار وشمال البحر الميت و24.5 في المائة من مساحة الضفة و97 في المائة من مساحة المنطقة «ج» ليبقى الباقي الممزق وغير المتواصل والمحروم من الخدمات والموارد في يد الفلسطينيين في تجمعات معزولة تنازع على البقاء والصمود في وجه الجرافات الإسرائيلية.
* أهم ملفات المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية
* القدس: تريد إسرائيل الاحتفاظ بالسيطرة على المدينة موحدة، أي بشقيها الشرقي والغربي، بينما يقول الفلسطينيون إنهم لن يقبلوا ولن يقيموا دولة من دون القدس «الشرقية» عاصمة لهم.
* اللاجئون: تعارض إسرائيل أي حق لعودة اللاجئين الفلسطينيين الذين غادروا قراهم في عام 1948 أو في وقت لاحق، وتقول إن العودة يمكن أن تكون محددة، لكن إلى الضفة الغربية وقطاع غزة وليس إلى إسرائيل، ويعرض الفلسطينيون عودة نحو 10 آلاف لاجئ إلى إسرائيل وتعويض البقية ضمن الحق في تقرير المصير.
* الحدود: يقول الفلسطينيون إنهم سيقيمون الدولة على حدود 1967، وإن هذه الحدود يجب أن تكون مرجعية المفاوضات، وترفض إسرائيل هذه الحدود، وتعدها «ساقطة» أمنيا وتطلب تعديلات حدودية تمكنها من حفظ الأمن.
* تبادل الأراضي: تريد «إسرائيل» الاحتفاظ بنحو سبعة في المائة من أراضي الضفة الغربية، حيث يمكنها ضم مستوطنات إليها، ويوافق الفلسطينيون على نحو اثنين في المائة فقط، لكن بعد الاعتراف بسيادتهم، ويرفضون بقاء مستوطنات في أراضيهم.
* المستوطنات: تقول إسرائيل إنها مستعدة لإخلاء بعض المستوطنات، لكنها ستحتفظ بأربع كتل استيطانية في الضفة الغربية ضمن أي تسوية، من بينها «معاليه أدوميم» قرب القدس، و«أريئيل» في نابلس، و«غوش عتصيون» جنوب بيت لحم، ويقول الفلسطينيون إن كل الاستيطان باطل ولاغ وغير شرعي.
* المياه: يريد الفلسطينيون حقوقهم المائية في نهر الأردن والبحر والميت وبحر غزة، وثمة نقاش حاد حول المسألة، والحق في المياه الجوفية في مناطق الضفة (مشكلات حول حفر الآبار سحب المياه سعر المياه وكميتها أيضا).
* الأغوار: تصر إسرائيل على بقاء جنودها على امتداد المنطقة لضمان أمنها، ويسعى الفلسطينيون للسيطرة الكاملة هناك مع الموافقة على حضور قوات متعددة الجنسيات لطمأنة إسرائيل.
* المعابر: يصر الإسرائيليون على مراقبة المعابر وإبقاء نقاط لهم، ويرفض الفلسطينيون أي مشاركة لهم ويقولون إن ذلك يمس السيادة
* يهودية الدولة الإسرائيلية: يقول الإسرائيليون إنهم لن يوقعوا اتفاقا من دون اعتراف الفلسطينيين بيهودية إسرائيل، ويرفض الفلسطينيون ذلك رفضا قاطعا.
* الممر الآمن: يطالب الفلسطينيون بممر آمن بين الضفة وغزة من دون مراقبة، ولم يجب الإسرائيليون على الأمر.
* الأسرى: عدتهم القيادة الفلسطينية من ملفات الحل النهائي وقالت إنها لن توقع أي اتفاق من دون تبييض السجون.



الحرب حوّلت السودان إلى وطن على شاشة هاتف

من مشاهد الحرب السودانية (آ ف ب)
من مشاهد الحرب السودانية (آ ف ب)
TT

الحرب حوّلت السودان إلى وطن على شاشة هاتف

من مشاهد الحرب السودانية (آ ف ب)
من مشاهد الحرب السودانية (آ ف ب)

تبحث أسرة سودانية عن قريب اختفى منذ عدة أشهر عبر إحدى مجموعات تطبيق «واتساب». وفي مجموعة أخرى على التطبيق ذاته يجمع لاجئون سودانيون في أوغندا تكاليف دفن أحد أبناء الجالية الذين توفوا هناك. وعلى صفحة «فيسبوك» محلية تنشر صورة رجل مجهول الهوية، أملاً في أن يتعرّف عليه أحد. وفي مجموعة (غروب) للصحافيين، يتبادل الصحافيون والمراسلون أرقام المسؤولين والمصادر، ويتحقّقون من الأخبار المتداولة عن المعارك في مجموعات أخرى. قد تبدو هذه المشاهد متفرّقة، لكنها في الواقع أجزاء من قصة واحدة، بدأت منذ اندلاع الحرب في السودان يوم 15 أبريل (نيسان) 2023، وتحولت معها المنصات الرقمية من أدوات للتواصل الاجتماعي، إلى فضاء بديل تدار عبره تفاصيل الحياة اليومية.

أعادت الحرب المتطاولة التي دخلت عامها الرابع في السودان، تشكيل «الجغرافيا السودانية» على الأرض. ومثلها أعادت مجموعات على منصّات التواصل، كـ«واتساب» و«فيسبوك» و«تلغرام» وغيرها، تشكيل الطريقة التي يحصل بها الناس على المعلومات، وكيف يتواصلون مع أسرهم، أو يبحثون عن المساعدة، أو حين يتابعون الأخبار، ويواجهون آثار النزوح والغياب والخوف.

أبقت الأسر متصلة

لم تفرّق الحرب السودانيين بين المدن والولايات فحسب، بل وزّعتهم أيضاً على عشرات الدول، واضطرتهم للعيش في بيئات جديدة. وهكذا فقد كثيرون منهم القدرة على اللقاء المباشر، ومن ثمّ، أصبحت المنصات الرقمية الرابط اليومي الذي يحافظ على ما تبقى من الحياة الاجتماعية.

بالنسبة للعديد من الأسر، يبدأ اليوم وينتهي على شاشة الهاتف...

صباح أحمد، مثلاً، وهي نازحة من ولاية الجزيرة، تقول لـ«الشرق الأوسط» إن أول ما تفعله عند الاستيقاظ من النوم، هو تفقّد هاتفها للتأكد من عدم وجود مكالمات فائتة من أفراد أسرتها، لأن الحرب - كما تصفها - جعلت الناس يتوقعون الأخبار السيئة في كل لحظة، وأصبح الاطمئنان على الأقارب جزءاً من الروتين اليومي.

ولكن لا يقتصر هذا الاعتماد المتزايد على المنصات الرقمية على تبادل الأخبار العائلية. بل بالنسبة للاجئين السودانيين في الخارج، تحوّلت مجموعات الـ«واتساب» وصفحات الـ«فيسبوك» إلى نافذة يومية يطلون من خلالها على ما يجري داخل البلاد. وهنا يقول سيبويه يوسف، اللاجئ السوداني في أوغندا، إن هذه المجموعات أصبحت «الوسيلة الرئيسة لمعرفة أحوال الأهل والأصدقاء، وتحولت أيضاً إلى مساحة لتقديم الدعم للمحتاجين والمرضى والمشاركة في الأفراح والأتراح».

أما الدكتور عبد الناصر الفكي، أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعات السودانية، فيرى في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن الحرب أفرزت ما يشبه «الأسرة الإلكترونية»، حيث «بات أفراد العائلة الممتدة يتواصلون باستمرار رغم تفرقهم بين السودان ودول اللجوء... هذه المنصات لم تعد وسيلة للتواصل فقط، بل أصبحت أيضاً، أداة للدعم النفسي وتبادل المعلومات الصحية والتعليمية، ومشاركة الخبرات المتعلقة بالحياة في ظروف الحرب والنزوح».

قرارات مصيرية عن بعد

أكثر من هذا، في ظروف الحرب لا تقتصر أهمية المعلومات على معرفة ما يجري، بل تمتد أحياناً إلى اتخاذ قرارات تتعلق بالحياة والموت، فعندما بدأت المخاوف تتزايد في ولاية الجزيرة، لم تعتمد بعض الأسر على البيانات الرسمية أو الأخبار العامة وحدها، بل لجأت إلى شبكاتها الاجتماعية للحصول على تقديرات مباشرة من الأصدقاء والمعارف الموجودين في مناطق مختلفة.

وبحسب صباح أحمد فإن أسرتها شعرت بخطر متزايد يهدد سلامتها في مدينة الحصاحيصا، بولاية الجزيرة، في أثناء سيطرة «قوات الدعم السريع» عليها. وبناء عليه بدأت التشاور مع أصدقاء وزملاء للحصول على صورة أوضح للأوضاع، مضيفة: «بعد سلسلة من الاتصالات والنقاشات، اتخذت الأسرة قرار المغادرة إلى القضارف ثم إلى ولاية نهر النيل»، وهو قرار تعدّه اليوم خطوة أسهمت في تجنيبها مخاطر كبيرة.

وتعكس هذه التجربة واقعاً أوسع، إذ تحولت المنصات الرقمية إلى شبكة إنذار غير رسمية يعتمد عليها كثرة من السودانيين في تقييم المخاطر واتخاذ قرارات النزوح أو البقاء أو التنقل بين المناطق.

شبكات استجابة وتكافل

في الواقع، لم تنتظر المجتمعات المحلية وصول المنظمات الدولية حتى تبدأ الاستجابة لآثار الحرب. ففي الأشهر الأولى، اعتمدت جهود المساعدة على شبكات اجتماعية قائمة أصلاً على روابط الأسرة والجيرة والانتماء المناطقي. وظهرت ما عرفت بـ«التكايا»، وهي مجموعات أهلية ميدانية تقدم للناس الطعام الجاهز والشراب وأحياناً الدواء، معتمدة على ما يتيسر تجميعه وإيصاله من أموال عبر هذه الوسائط.

ويرى مدني عباس، خبير العمل الإنساني ووزير التجارة السابق، أن «مجموعات الواتساب لعبت دور الحلقة التي ربطت بين المحتاجين والداعمين، وساعدت في تحديد الاحتياجات وتنسيق الاستجابة داخل المجتمعات المحلية. ومع مرور الوقت، أصبحت هذه المنصات أيضاً مساحة للتنسيق بين المجموعات القاعدية والمنظمات الوطنية العاملة في المجال الإنساني».

وأردف عباس لـ«الشرق الأوسط» شارحاً: «مثلما أسهمت صفحات فيسبوك ووسائل التواصل الأخرى في توثيق الأوضاع الإنسانية ونقل احتياجات المجتمعات المحلية، فإنها ساعدت في حشد الدعم لمشاريع مرتبطة بالأمن الغذائي والصحة والتعليم والطاقة الشمسية، بل وحتى في توفير التمويل لبعض أنشطة الاستجابة الإنسانية».

بل في المنافي والملاجئ أخذ هذا التكافل أشكالاً أكثر تنظيماً، ففي العاصمة الأوغندية كمبالا، مثلاً، توجد مجموعة «واتساب» أخذت اسم «وفيات كمبالا»، تضم أكثر من ألف لاجئ سوداني يتعاونون ويتشاركون الفقر في جمع المال لتغطية تكاليف دفن الموتى ومساندة أسرهم. إذ يجمع الأعضاء المساهمات المالية عبر المجموعة، ويتولى متطوّعون منهم متابعة ترتيبات التجهيز والدفن والتشييع، في نموذج يعكس كيف تحولت المنصات الرقمية إلى أداة لإدارة التضامن الاجتماعي في ظروف استثنائية.

سيدة سودانية تتلقى آخر الأخبار عبر وسائل التواصل (رويترز)

في أثر الغائبين

ولكن، لعل من أكثر الاستخدامات الإنسانية تأثيراً للمنصات الرقمية خلال الحرب، تحوّلها إلى وسيلة للبحث عن المفقودين والمختفين، ففي مجموعات الـ«واتساب» وصفحات الـ«فيسبوك»، تتكرّر يومياً منشورات تبدأ بكلمة «مفقود» وتنتهي بمناشدات لإعادة النشر على أوسع نطاق. وفي كثير من الأحيان تتضمّن هذه المنشورات صور الأشخاص المفقودين ومعلومات عن آخر مكان شوهدوا فيه، أملاً في أن تقودها المصادفة إلى شاهد أو معلومة أو خيط جديد.

هذه المناشدات ما عادت تقتصر على الأشخاص الذين تبحث عنهم أسرهم، بل امتدت أيضاً إلى مجهولي الهوية والأشخاص الذين يعثر عليهم في ظروف إنسانية صعبة. وفي إحدى الحالات المتداولة، نشر مواطنون صورة رجل عثر عليه في إحدى المدن السودانية وهو عاجز عن التعريف بنفسه، دعوا المتابعين والأعضاء إلى مشاركة المنشور حتى يتم التعرف عليه والوصول إلى أسرته.

وفي حالة أخرى، ساعد انتشار المناشدات عبر «واتساب» و«فيسبوك» في الوصول إلى معلومات عن رجل اختفى لأكثر من سنة بعد تعرضه للخطف. ويقول الرجل، الذي طلب إغفال اسمه خشية الانتقام والرمز إليه بـ«م. ن»، إن أسرته لجأت إلى نشر بياناته وصوره على نطاق واسع بعد فقدان الأمل في العثور عليه عبر الوسائل التقليدية، قبل أن تصل إليها معلومات ساعدت في معرفة مصيره.

وإلى جانب الأشخاص، ظهرت مجموعات وصفحات متخصّصة في تتبّع السيارات المفقودة أو المنهوبة، إذ ينشر أصحابها الصور وأرقام اللوحات ومعلومات الفقدان أملاً في العثور عليها عبر الشبكات الاجتماعية.

في ظروف الحرب لا تقتصر أهمية المعلومات

على معرفة ما يجري بل تمتد أحياناً إلى اتخاذ

قرارات تتعلق بالحياة والموت

إعلام موازٍ

من ناحية ثانية، في بلد تعطلت فيه مؤسسات إعلامية كثيرة، وجدت الأخبار طريقها إلى الجمهور عبر المجموعات (الغروبات) والصفحات والقنوات الرقمية، ويرى الصحافي والباحث في الإعلام الرقمي، محمد عبد العزيز، أن خروج معظم المؤسسات الإعلامية من الخدمة في الأيام الأولى للحرب خلق فراغاً معلوماتياً واسعاً، سرعان ما ملأته المنصات الرقمية، وعلى رأسها تطبيق «واتساب». وساعدت عدة عوامل في ذلك، من بينها قدرة التطبيق على العمل في بيئات الاتصالات الضعيفة، واعتماده على الرسائل الصوتية، وسهولة استخدامه، وانتشاره الواسع بين مختلف الفئات الاجتماعية.

وهنا يذكر الدكتور عصام عباس، خبير تقنية المعلومات، خلال حوار مع «الشرق الأوسط» أن «هذه الخصائص جعلت واتساب منصة مثالية للعمل في بيئة مضطربة مثل السودان». وبالفعل، تجلت أهمية التطبيق أكثر عندما توقفت خدمة المكالمات الصوتية عبر «واتساب» داخل السودان إبان الحرب. وبينما لم تقدم تفسيرات رسمية مفصلة للقرار، رجّح مراقبون ارتباطه باعتبارات أمنية واستخدام التطبيق في الاتصالات بين أطراف النزاع، ما أدى إلى انتقال أعداد كبيرة من المستخدمين إلى الرسائل الصوتية والمكتوبة، التي غدت وسيلة رئيسية للتواصل اليومي.

وفي الوقت نفسه، نشأت مجموعات مهنية متخصصة للصحافيين، أبرزها مجموعة «ممكن رقم»، الذي يستخدم للحصول على أرقام المسؤولين والخبراء والمصادر المختلفة. وظهرت مجموعات أخرى لتبادل الأخبار ومتابعة تطورات الحرب والتحقق من المعلومات المتداولة.

مع هذا، لا يتعامل الصحافيون المحترفون مع هذه المنصات بوصفها مصدراً نهائياً للمعلومات. وهذا ما يقوله عبد المنعم أبو إدريس، مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية» (AFP) ونقيب الصحافيين السودانيين لـ«الشرق الأوسط» بأن ما يرد في المجموعات الرقمية «قد يشكل خيطاً أولياً أو يقود إلى مصدر محتمل، لكنه يحتاج دائماً إلى التحقق والتأكيد عبر مصادر مستقلة».

في مرمى الحرب

لكن البيئة الرقمية التي ساعدت الناس على التواصل والتنظيم وتبادل المعلومات، وفرت أيضاً مساحة واسعة للتضليل. فبجانب المجموعات الشعبية والمهنية، ظهرت إبان الحرب مجموعات وقنوات رسمية تنشر بيانات المؤسسات الحكومية والتغطيات الرئاسية، كما أنشأت أطراف الصراع قنواتها الخاصة لنشر رواياتها للأحداث، من بينها قنوات مرتبطة بـ«قوات الدعم السريع» على تطبيق «تلغرام».

وتعكس هذه المنصات في الغالب وجهة نظر الجهة التي تديرها، ما يجعلها جزءاً من معركة السرديات المصاحبة للحرب. ويرى محمد عبد العزيز أن «طبيعة الشبكات المغلقة وصعوبة معرفة المصدر الأول للمعلومة سهلتا انتشار الأخبار المفبركة والمقاطع المجتزأة والتسجيلات المضللة». بينما يشير الدكتور عصام عباس إلى أن «غياب آليات فعالة لضبط المحتوى داخل المجموعات المغلقة، وسهولة إعادة توجيه الرسائل والمقاطع الصوتية والصور، ساعدا في انتشار خطاب الكراهية والمحتوى التحريضي، وبذا تحوّلت المنصات إلى ساحة تتداخل فيها الأخبار الصحيحة مع الإشاعات، والمعلومات الموثقة مع الروايات الموجّهة».

خارج الصفوف والعيادات

من جهة ثانية، لم تتوقف آثار التحول الرقمي عند حدود الأخبار والتواصل والإغاثة، فمع تراجع الخدمات الصحية وصعوبة الوصول إلى الأطباء والمشافي في بعض المناطق، انتقلت استشارات طبية كثيرة إلى الفضاء الرقمي. وصار من المألوف أن يتلقى الأطباء صوراً للتحاليل أو الأعراض عبر الهاتف، ثم يرسلون الإرشادات العلاجية عن بعد.

وهنا يقول الدكتور بدر الدين أجبر، أستاذ كلية الطب بجامعة كردفان والمدير العام السابق لوزارة الصحة بالولاية، لـ«الشرق الأوسط» إن هذا النوع من المتابعة «لم يعد يقتصر على الحالات البسيطة، بل شمل مرضى الأمراض المزمنة أيضاً، في ظل الصعوبات التي تواجه الوصول إلى الخدمات الصحية في بعض المناطق».

وفي قطاع التعليم، لعبت المنصات الرقمية دوراً مماثلاً. فبعد توقف الدراسة الحضورية في كثير من الجامعات والمدارس، لجأت مؤسسات التعليم العام والعالي إلى تطبيقات مثل «تلغرام» لنشر المحاضرات والمواد التعليمية والتواصل مع الطلاب. وتقول جهاد عباس، الطالبة المتخرجة في «جامعة بحري» في أثناء الحرب، إن هذه التجربة مكنتها من استكمال دراستها الجامعية رغم ظروف الحرب، وإن المجموعات التي أنشأها الطلاب فيما بينهم لتبادل المعلومات والإجابة عن الاستفسارات الأكاديمية، عوّضت جزءاً من غياب الحياة الجامعية التقليدية.

مجتمع يعيد تنظيم نفسه

وهكذا، بعد أكثر من سنتين من الحرب، ما عادت المنصات الرقمية مجرد وسائل للتواصل، بل تحولت إلى مساحات للبحث عن المفقودين، ومنصات للإغاثة والعمل الإنساني، وشبكة للتكافل الاجتماعي، ووسيلة للتعليم والعلاج، ومصدر للأخبار، وساحة للصراع على الروايات.

ولم تكن هذه التحولات نتاج خطة مسبقة، بل استجابة طبيعية لواقع فرضته الحرب، نتجت إثر تعثر مؤسسات كثيرة، أو تراجع قدرتها على أداء أدوارها التقليدية، فاندفع السودانيون لإعادة تنظيم جوانب من حياتهم اليومية عبر الشبكات الرقمية، مستفيدين من قدرتها على تجاوز الحدود والمسافات والعوائق.

وطوال سنوات الحرب الأربع، لم تعد المنصات الرقمية مجرد وسائط لنقل الرسائل بين الناس، بل صارت جزءاً من البنية الاجتماعية التي يعتمد عليها السودانيون في التواصل والتعلم والعلاج وتنظيم المساعدات والبحث عن المفقودين ومتابعة الأخبار.

بل، ومع أن السودانيين قد يختلفون حول أثرها وما تتيحه من فرص أو ما تحمله من مخاطر، يبقى أمرٌ واحدٌ محل اتفاق هو «أن جانباً مهماً من الحياة السودانية انتقل خلال الحرب إلى الفضاء الرقمي، وأعاد الناس بناء شبكاتهم الاجتماعية والمهنية والإنسانية على الشاشات الصغيرة التي حملوها معهم في رحلة النزوح واللجوء والبقاء».


ميشال عيسى... سفير أميركي بنكهة لبنانية وتوقعات كثيرة

إبان جلسة تثبيته في مجلس الشيوخ الأميركي رسم ملامح سياسته فوضع مجموعة من العناوين التي تحوّلت لاحقاً إلى ملامح أساسية في أدائه
إبان جلسة تثبيته في مجلس الشيوخ الأميركي رسم ملامح سياسته فوضع مجموعة من العناوين التي تحوّلت لاحقاً إلى ملامح أساسية في أدائه
TT

ميشال عيسى... سفير أميركي بنكهة لبنانية وتوقعات كثيرة

إبان جلسة تثبيته في مجلس الشيوخ الأميركي رسم ملامح سياسته فوضع مجموعة من العناوين التي تحوّلت لاحقاً إلى ملامح أساسية في أدائه
إبان جلسة تثبيته في مجلس الشيوخ الأميركي رسم ملامح سياسته فوضع مجموعة من العناوين التي تحوّلت لاحقاً إلى ملامح أساسية في أدائه

لم يحتج السفير الأميركي الجديد لدى لبنان عندما حلَّ في بيروت إلى «فترة تعليمية»، ولا إلى دورات خاصة في وزارة الخارجية قبل وصوله إلى محطته الأولى في العمل الدبلوماسي الذي جاءه من تقاعد قصير من عالم الأعمال والسيارات. إذ إنَّ السفير ميشال عيسى يعرف بيروت، وبقية مناطق لبنان، أكثر مما يعرف أروقة وزارة الخارجية التي لم تكن له بها أي علاقة قبل تعيينه من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لقد كان عيسى يعود إلى المدينة التي وُلد فيها، وإلى بلد حمله معه في رحلة امتدت من لبنان إلى فرنسا، ثم الولايات المتحدة، قبل أن يعود إليه ممثِّلاً للدولة الأقوى في العالم خلال واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ العلاقات اللبنانية - الأميركية.

منذ اللحظة الأولى لتعيين ميشال عيسى سفيراً للولايات المتحدة لدى لبنان، بدا واضحاً أنَّ اختيار عيسى لم يكن قراراً روتينياً داخل الإدارة الأميركية. فواشنطن لم ترسل إلى بيروت دبلوماسياً مهنياً تقليدياً أو مسؤولاً أمنياً سابقاً، بل اختارت رجل أعمال ومصرفيّاً مخضرماً يحمل جذوراً لبنانية عميقة، ويتمتع في الوقت نفسه بعلاقة مباشرة بالرئيس الأميركي دونالد ترمب.

لكن الأهم، أن تعيين عيسى جاء إبّان مرور لبنان بمنعطف تاريخي. فالبلاد كانت تحاول الخروج من أسوأ أزمة اقتصادية ومالية في تاريخها الحديث، بينما كانت تداعيات الحرب على الجبهة الجنوبية، ومستقبل العلاقة بين الدولة اللبنانية و«حزب الله»، تتصدَّر أجندة النقاشات الدولية والإقليمية.

أكثر من رسالة

وحقاً، رأى كثيرون أن اختيار عيسى يحمل أكثر من رسالة. إذ يقول صديقه النائب اللبناني فؤاد مخزومي: «من جهة أرادت واشنطن إرسال شخصية تعرف لبنان من الداخل وتفهم تركيبته المعقّدة، ومن جهة أخرى أرادت الاعتماد على رجل يتمتّع بثقة الرئيس الأميركي شخصياً ويستطيع نقل توجّهات البيت الأبيض مباشرة إلى واحدة من أكثر الساحات تعقيداً في الشرق الأوسط».

ولقد كانت من بين الخطوات اللافتة التي رافقت انتقاله إلى العمل الدبلوماسي، تخلّيه عن الجنسية اللبنانية قبل تسلّمه مهامه سفيراً للولايات المتحدة، في خطوة هدفت إلى إزالة أي التباس قانوني أو سياسي محتمل يتعلّق بازدواجية الانتماء.

من بسوس إلى «وول ستريت»

وُلد ميشال عيسى عام 1955 في العاصمة اللبنانية، بيروت، إلا أنه يتحدّر من بلدة بسوس في قضاء عاليه بمحافظة جبل لبنان.

عيسى نشأ في لبنان خلال فترة كانت البلاد فيها لا تزال تعيش سنوات الاستقرار النسبي التي سبقت الحرب الأهلية، وتلقَّى تعليمه المدرسي في بيروت قبل أن تغادر عائلته لبنان في إطار موجة الهجرة اللبنانية التي شهدتها سبعينات القرن الماضي.

فرنسا كانت محطته الأولى. وهناك تابع دراسته في الاقتصاد والمالية، وبدأت تتشكَّل شخصيته المهنية. إذ حصل على شهادة دبلوم الدراسات الجامعية العامة (DEUG) في الاقتصاد من جامعة باريس العاشرة - نانتير. وكذلك درس في كلية الدراسات العليا للبنوك في باريس. وفي أواخر السبعينات انتقل إلى الولايات المتحدة، البلد الذي سيبني فيه مستقبله المهني ويحقق فيه نجاحاته الكبرى.

قطاعا المال والمصارف

على مدى عقود، عمل ميشال عيسى في القطاعين المالي والمصرفي، متنقلاً بين مؤسسات دولية بارزة. فشغل مناصب تنفيذية في مصارف وشركات استثمارية معروفة، واكتسب خبرةً واسعةً في إدارة الديون وإعادة هيكلة الشركات والاستثمارات والأسواق المالية.

وفي عالم المال الأميركي، بنى سمعته كرجل يتمتّع بقدرة على معالجة الملفات المعقّدة، وإدارة المخاطر، وإيجاد الحلول للأزمات المالية. ومع مرور السنوات أصبح اسمه معروفاً في الأوساط الاقتصادية والاستثمارية، خصوصاً في نيويورك، حيث استقرَّ وأسَّس شبكةً واسعةً من العلاقات المهنية.

دخول دائرة ترمب

من جهة ثانية، لعل الجانب الأكثر إثارة للاهتمام في سيرة ميشال عيسى هو علاقته بالرئيس الأميركي دونالد ترمب. فالرجل لم يكن مجرّد داعم سياسي للرئيس الأميركي، بل تصفه تقارير إعلامية أميركية بأنه من المقرّبين إليه، ومن شركائه في لعبة الغولف. وتعود العلاقة بينهما إلى سنوات سبقت دخولهما معاً دائرة العمل السياسي المباشر.

وعندما أعلن ترمب ترشيحه لمنصب سفير الولايات المتحدة لدى لبنان، اختار كلمات لافتة في وصفه، مشيداً بخبرته المالية الواسعة، ومسيرته في الأعمال والتجارة الدولية.

وفي بيروت، كما واشنطن، لا يُنظَر إلى هذه العلاقة على أنها تفصيل ثانوي. وهنا يقول مخزومي: «إن السفير الذي يتمتع بقناة مباشرة إلى البيت الأبيض يمتلك هامش حركة أوسع من ذلك الذي يتوافر عادة للدبلوماسيين التقليديين. ولهذا السبب اكتسب تعيين عيسى أهمية إضافية في بيروت»، معتبراً أن الرجل «لا يمثل الخارجية الأميركية فحسب، بل يحمل أيضاً ثقة الرئيس الأميركي نفسه».

وبالنسبة إلى لبنان، فإنَّ هذه العلاقة تمنح منصبه بُعداً مختلفاً. إذ إن كل رسالة ينقلها أو موقف يعلنه يُنظَر إليه بوصفه أقرب إلى «المزاج السياسي» للبيت الأبيض من كونه مجرّد رأي دبلوماسي تقليدي.

سفير تحت المجهر

منذ أسابيعه الأولى في لبنان، وجد عيسى نفسه منخرطاً في ملفات تتجاوز الدبلوماسية التقليدية. إذ شارك في لقاءات تناولت مستقبل الدعم الأميركي للجيش اللبناني، وملفات الإصلاح الاقتصادي، والجهود الدولية الرامية إلى تثبيت الاستقرار على الحدود الجنوبية.

وخلال جلسة تثبيته في مجلس الشيوخ الأميركي، رسم عيسى ملامح سياسته، فوضع مجموعة من العناوين التي تحوَّلت لاحقاً إلى ملامح أساسية في أدائه. فلقد تكلَّم عن أهمية دعم المؤسسات «الشرعية» اللبنانية، وتعزيز الإصلاحات الاقتصادية، و«تمكين الدولة من بسط سلطتها» على كامل أراضيها. وطبعاً، لاقت هذه المواقف ترحيباً لدى بعض القوى اللبنانية، في حين أثارت تحفّظات وانتقادات لدى أطراف أخرى رأت فيها امتداداً للمقاربة الأميركية التقليدية تجاه لبنان.

لكن ما جعلت حضوره مختلفاً عن كثير من أسلافه هي خلفيته اللبنانية.

فالرجل يتكلّم العربية بطلاقة، ويفهم تفاصيل الحياة السياسية اللبنانية، ويعرف الفوارق الدقيقة بين القوى والأحزاب والطوائف، وهذه عناصر تمنحه قدرة أكبر على فهم المشهد المحلي.

ولكن في المقابل، جعلته هذه الخلفية أيضاً عُرضةً لتدقيق أكبر. فكل تصريح يصدر عنه يُقرَأ أحياناً من زاويتين: زاوية السفير الأميركي، وزاوية اللبناني الذي يعرف تفاصيل البلد الذي يعمل فيه.

حياة خاصة... جداً

بعيداً عن السياسة والدبلوماسية، تبدو شخصية ميشال عيسى مختلفة عن الصورة النمطية لكثيرين من رجال المال. فالرياضة تُشكِّل جزءاً مهماً من سيرته الشخصية. وتشير المعلومات الرسمية إلى أنه كان منافساً دولياً في ألعاب القوى خلال شبابه، قبل أن يتحوَّل اهتمامه لاحقاً إلى رياضات أخرى أبرزها كرة المضرب والغولف.

أيضاً، تكشف هذه الخلفية الرياضية جانباً مهماً من شخصيته. فالانضباط والمنافسة والسعي إلى تحقيق النتائج هي صفات يربطها كثيرون بمسيرته المهنية الطويلة في القطاع المالي. ثم إن رياضة الغولف لعبت دوراً يتجاوز الهواية الشخصية، إذ تحوَّلت إلى أحد «الجسور» التي جمعته بالرئيس ترمب، المعروف بشغفه بهذه الرياضة.

أما عائلياً، فعلى عكس كثير من الشخصيات العامة، يحرص عيسى على إبقاء حياته العائلية بعيداً عن الأضواء. والمعلومات المتوافرة عن زوجته وولديه محدودة للغاية، الأمر الذي يعكس رغبةً واضحةً في الفصل بين حياته الخاصة وعمله العام.

بين الجذور اللبنانية والمصالح الأميركية

في الواقع، يقف ميشال عيسى عند تقاطع مسارين متوازيين. الأول شخصي بدأ في أحياء بيروت وبلدة بسوس قبل أكثر من نصف قرن، والثاني سياسي ومهني قاده إلى قلب الإدارة الأميركية. وربما تكمن فرادة تجربته في الجمع بين هذين المسارين. فهو يعرف لبنان بعيون ابن البلد، لكنه يتحرَّك فيه بصفته ممثلاً للمصالح الأميركية. يفهم تعقيدات النظام اللبناني، لكنه مُكلَّف بتنفيذ سياسات تحددها واشنطن، لا بيروت.

وهنا يقول فؤاد مخزومي إن الرجل «واضح وجريء وشفاف. هو يريد لبنان، ونحن نراهن على أصوله اللبنانية وعلى ما يحاول أن يقوم به لأنَّه يؤدي بنا إلى لبنان أفضل. هو يبني علاقات جيدة مع الجميع، وهذا هو السبب في قوة السفير».

ويضيف: «لبنان موجود في مناطق توجد فيها إسرائيل من جهة وسوريا من جهة أخرى، ولديه الملف الفلسطيني. وهنا الوجود المسيحي المميز في المنطقة. هذه كلها تُشكِّل حالةً فريدةً، لكن إذا لم يكن هناك شخص ينقل الصورة إلى البيت الأبيض كما هو السفير عيسى فلن يتحقَّق ذلك. السفير عيسى يستطيع أن يتحدث مباشرة مع مَن يتخذون القرار في الولايات المتحدة، وهذا يعطينا نقطة قوة. ونستطيع أن نبني عليه من أجل الحصول على فهم أفضل في الولايات المتحدة للموقف اللبناني».


سفراء الولايات المتحدة لدى لبنان: دبلوماسيو المهمات الصعبة

ديفيد ساترفيلد (آ ب)
ديفيد ساترفيلد (آ ب)
TT

سفراء الولايات المتحدة لدى لبنان: دبلوماسيو المهمات الصعبة

ديفيد ساترفيلد (آ ب)
ديفيد ساترفيلد (آ ب)

راهنت الولايات المتحدة على لبنان نموذجاً ليبرالياً في ظل المد الشيوعي منذ الخمسينات. ولعب سفراؤها في بيروت أدواراً رئيسية في محطات بارزة من تاريخ لبنان الذي عاش الاضطراب كما الرخاء والاستقرار، وعاش الصراعات الخارجية على أرضه، ما اضطر الولايات المتحدة لإعادة التوازن في الاصطفافات الإقليمية التي كانت تفرض إيقاعها على الداخل.

العديد من السفراء تركوا بصمة واضحة في لبنان، بدءاً من مرحلة بعد الاستقلال، إثر انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، وحتى اليوم. وهنا نستعرض بعض السفراء في مراحل حساسة:

1- جورج وادسوورث

يُعد من أوائل رؤساء البعثة الأميركية في لبنان إبّان مرحلة الاستقلال، وكان شاهداً على ولادة العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن ولبنان المستقل.

2- روبرت ماكلينتوك

وصل إلى بيروت في أعقاب «أزمة 1958» وإنزال قوات «المارينز» الأميركية في لبنان لدعم عهد الرئيس كميل شمعون. وهو يُعتبر من أبرز السفراء خلال مرحلة الحرب الباردة.

3- آرمن ماير

كان من أكثر السفراء الأميركيين نفوذاً خلال الستينات، وارتبط اسمه بعلاقات وثيقة مع الرئيس فؤاد شهاب إبّان مرحلة بناء مؤسسات الدولة اللبنانية.

4- فرانسيس إدوارد ميلوي

عُيّن سفيراً للولايات المتحدة في لبنان في مايو (أيار) 1976، وأثناء توجهه في موكب غير محمي أمنياً لمقابلة الرئيس اللبناني المنتخب إلياس سركيس وتقديم أوراق الاعتماد له، تعرّض موكبه للاختطاف في منطقة «الخط الأخضر» في بيروت. وعُثر على جثته مقتولاً بالرصاص مع المستشار الاقتصادي في السفارة روبرت وورينغ وسائقهما اللبناني في منطقة الرملة البيضاء. واتهمت «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» بالضلوع في اغتيالهم.

5- جون غنتر دين

شغل موقعه في الفترة بين عامي «1978 - 1981» في أخطر المراحل من الحرب الأهلية. وفي أغسطس (آب) 1980 نجا السفير دين من محاولة اغتيال في الحازمية (إحدى ضواحي بيروت). وسعى لفتح قنوات اتصال مع «منظمة التحرير الفلسطينية»، تمهيداً لإنهاء أزمة لبنان قبل الغزو الإسرائيلي في عام 1982.

6- روبرت ديلون

تولّى منصب سفير الولايات المتحدة لدى لبنان في الفترة ما بين 1981 و1983، وذلك في حقبة «التغييرات»، إذ شهدت حقبته الغزو الإسرائيلي وصولاً إلى بيروت، وإبعاد «منظمة التحرير الفلسطينية» من لبنان إلى تونس، وانتخاب الرئيس بشير الجميل ثم اغتياله، وتوقيع «اتفاقية 17 أيار» بين لبنان وإسرائيل. في تلك الحقبة، لعبت واشنطن دور الوسيط لإخراج «منظمة التحرير»، وأرسلت قوات «المارينز» ضمن قوة متعددة الجنسيات. لكن عام 1983 كان مفصلياً، فيوم 18 أبريل (نيسان) فجّر انتحاري شاحنة مفخّخة في مقر السفارة الأميركية بحي عين المريسة في بيروت، فقتل 63 شخصاً بينهم 17 أميركياً. وبعدها في أكتوبر (تشرين الأول) قتل 241 جندياً أميركياً في تفجير ثكنة «المارينز» قرب مطار بيروت، واتهم «حزب الله» و«الحرس الثوري الإيراني» بالضلوع في التفجيرين.

7- جون توماس ماكارثي

تولّى مهامه في واحدة من أخطر مراحل الحرب الأهلية اللبنانية خلال الصراع بين حكومتي العماد ميشال عون العسكرية، ورئيس الحكومة في بيروت الغربية سليم الحص. وكان من أبرز الوجوه الأميركية في مرحلة «اتفاق الطائف».

في عهده، غادر وطاقمه بيروت، ولم يستأنف العمل إلا يوم 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 1990، عندما قدّم السفير رايان كروكر أوراق اعتماده، إيذاناً بمرحلة إعادة بناء العلاقة بعد «اتفاق الطائف» الذي أوقف الحرب اللبنانية.

8- ديفيد ساترفيلد

لعب دوراً بارزاً في ملفات الجنوب اللبناني والعلاقة الأميركية - السورية في نهاية عهد الرئيس السوري حافظ الأسد، وفي عهده انسحب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000.

جيفري فيلتمان (آ ف ب)

9- جيفري فيلتمان

ربما يكون فيلتمان الأكثر شهرة في الذاكرة السياسية اللبنانية الحديثة. تولّى منصبه خلال اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، واندلاع «انتفاضة 14 آذار»، وخروج الجيش السوري من لبنان، و«حرب يوليو (تموز)» 2006. كان لاعباً أساسياً في السياسة الأميركية تجاه لبنان، ثم أصبح مساعداً لوزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى.

10- ميشيل سيسون

تابعت مرحلة ما بعد «اتفاق الدوحة» وصعود الانقسام السياسي بين فريقي «8 و14 آذار»، وتميّزت بعلاقات واسعة مع مختلف القوى اللبنانية.

11- مورا كونيللي

وصلت مع اندلاع الحرب السورية وتزايد انعكاساتها على لبنان، وشهدت بدايات الانخراط الأميركي المكثّف في دعم الجيش اللبناني.

12- دوروثي شيا

أصبحت من أكثر السفراء الأميركيين حضوراً في الإعلام اللبناني خلال مرحلة الانهيار المالي وانفجار مرفأ بيروت والصراع السياسي الداخلي.

13- ليزا جونسون

أدارت مرحلة الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» بعد أحداث 2023، وكانت من أبرز الوجوه الأميركية في جهود التهدئة والاتصالات السياسية والعسكرية.