مائة يوم من «المراوغات الحوثية» على «استوكهولم»... وعين غريفيث على جولة ثانية

«الشرعية» تحدد اليوم موقفها من اجتماع لجنة الانتشار المقترح لعرض خطة المبعوث الأممي

جانب من الزخم الإعلامي إبان انعقاد المشاورات اليمنية في السويد (الشرق الأوسط)
جانب من الزخم الإعلامي إبان انعقاد المشاورات اليمنية في السويد (الشرق الأوسط)
TT

مائة يوم من «المراوغات الحوثية» على «استوكهولم»... وعين غريفيث على جولة ثانية

جانب من الزخم الإعلامي إبان انعقاد المشاورات اليمنية في السويد (الشرق الأوسط)
جانب من الزخم الإعلامي إبان انعقاد المشاورات اليمنية في السويد (الشرق الأوسط)

خلال اليوم المائة منذ بدء «اتفاق استوكهولم»، أفصحت مصادر يمنية لـ«الشرق الأوسط» عن أن الحكومة «الشرعية» ستتخذ قراراً حول دعوة وجهت إلى موفديها بلجنة إعادة الانتشار في الحديدة، إذ يعكف رئيس اللجنة الجنرال مايكل لوليسغارد يوم الاثنين المقبل على عرض الخطة الجديدة التي استحدثها مارتن غريفيث المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، الذي تشير التحليلات إلى أنه يرغب في كسب أي نقطة ولو كانت صغيرة في «استوكهولم» لكي يدعو إلى جولة مشاورات مقبلة.
وسبق لخالد اليماني وزير الخارجية اليمني أن ذكر بأن الخطة التي سيتم عرضها هي خطة سبق أن رفضها الحوثيون، وعادوا ليقولون للأمم المتحدة إنهم قبلوا بها.
وكان المبعوث الأممي أعلن في بيان أنه «عقب نقاشات بناءة مع الطرفين، هناك تقدم ملموس نحو الاتفاق على تنفيذ المرحلة الأولى من إعادة الانتشار طبقاً لاتفاق الحُديدة. وسيتم عرض التفاصيل الفنية على الطرفين في لجنة تنسيق إعادة الانتشار للتصديق عليها»، مضيفاً: «وإذ يرحب المبعوث الخاص بهذا التقدم الذي أحرزه الطرفان، يتطلع إلى سرعة التصديق على تلك الخطة من قبل لجنة تنسيق إعادة الانتشار. وتأمل الأمم المتحدة أن يُمهد هذا التقدم الطريق نحو التوصل إلى حل سياسي شامل في اليمن».
وريثما تخرج الخطة الجديدة للمرحلة الأولى من إعادة الانتشار في الحديدة، التي تشمل الموانئ الثلاثة؛ الصليف ورأس عيسى والحديدة، استمزجت «الشرق الأوسط» قراءات مسؤولين ومحللين يمنيين وخليجيين وأجانب، حول الاتفاق وما قبله وما بعده، وتداعيات الالتزام الحوثي، والخطوات التي يتخذها المبعوث الذي أكمل حولاً كاملاً منذ توليه مهمته.

- ما قبل السويد
في البداية كان اتفاق استوكهولم نجاحاً باهراً، تمثل في جمع طرفين يتحاربان ولم يتحدثا منذ ما يربو على العامين ونصف العام، وزرع المبعوث التفاؤل بين الجميع.
سرحان المنيخر القائم بأعمال رئيس بعثة مجلس التعاون الخليجي لدى اليمن يذهب في حديث مع «الشرق الأوسط» إلى ما قبل السويد، ويؤكد أن الاجتماع «لم يكن ليحصل، لولا جهود كبيرة بذلها الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي، وهو ما ذكره الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش وأعلنه أمام اجتماع سفراء المجتمع الدولي 19+ خلال المشاورات... وقال إن جهود الأمير محمد كان لها الأثر الأكبر في حضور الأطراف وإنجاح المشاورات، وهذا اعتراف دولي رفيع المستوى بدور السعودية الحريص على الحفاظ على أمن واستقرار اليمن ووحدة وسلامة أراضيه».
«دول مجلس التعاون دعمت اتفاق استوكهولم، حيث ترى أن إنهاء الأزمة اليمنية من خلال الحل السياسي المستند إلى المرجعيات الثلاث المتفق عليها دولياً، إذ يمثل مطلب اليمنيين أنفسهم الذين اجتمعوا في الحوار الوطني واتفقوا على مخرجاته وشكل الدولة الجديد، وجاء الحوثيون وانقلبوا على الحوار وعلى الدولة»، يضيف المنيخر: «حضرت دول مجلس التعاون وعلى رأسها السعودية في استوكهولم لدعم كل فرص الحل السياسي المبني على المرجعيات الثلاث، وباركت دول المجلس كعضو أساسي لمجموعة سفراء الدول 19 + الراعية للعملية السياسية في اليمن، حيث أعلنت الأمم المتحدة من خلال أمينها العام أنها من يضمن تنفيذ هذا الاتفاق».

- عدوى التفاؤل
هل يا ترى شفي المراقبون من عدوى التفاؤل التي أصاب بها المبعوث من حوله ومن يتابعه خلال مشاورات السويد؟ أم أن الجماعة الحوثية أثبتت مجدداً التزامها «بعدم الالتزام»، وتماهت مع داعمتها إيران التي تواجه بدورها «تسونامي» عقوبات لم يكتفِ بتقليم أظافرها وحسب، بل يبدو أنه سيقطع بعضها أيضاً.
كان من اللافت قبيل انقضاء المائة يوم، حديث وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في مقابلة مع «العربية» بأن الحوثيين لا يتحركون إلا بإيعاز المرشد علي خامنئي وقائد فيلق القدس قاسم سليماني، وتأكيده أن الجماعة لن تنتصر عسكرياً في اليمن.
قبل مائة يوم من اليوم، مد خالد اليماني وزير الخارجية اليمني رئيس وفد الحكومة اليمنية (الشرعية) إلى مشاورات السويد، يده، إلى محمد عبد السلام رئيس الوفد الحوثي إلى المشاورات، وتفاءل الجميع بأن بداية النهاية اقتربت، وأن هذا الاتفاق سيمهد لاتفاق آخر خلال شهر على الأكثر.
وبعد مائة يوم. كأن شيئاً لم يحدث، باستثناء اجتماعات تلو الأخرى، وجنرال يذهب وآخر يعود، وتجمد ملف الأسرى والمعتقلين الذي كان على شفا النجاح، ولم تشهد تفاهمات تعز أي تحرك باستثناء لقاءات ثنائية بحكم القرب في عدن.
ولعل المسرحية الحوثية التي تمت في الميناء كانت دليلاً استخدمته غالبية مؤيدي الشرعية ومسؤوليها في الاستشهاد باستخفاف الجماعة بالمجتمع الدولي والاتفاقيات والحل السلمي بأكمله.
يقول حمزة الكمالي وهو وكيل وزارة الشباب اليمني لـ«الشرق الأوسط»: «الميليشيات الحوثية حتى هذه اللحظة غير مؤمنة بعملية السلام، لأنها تعتبر أن ما أخذته بالقوة وكسبته بالمعركة العسكرية لن تسلمه باللين والتسويات. هذه مشكلة حقيقية تكمن في عقلية الجماعة، ولكن إذا نظرنا إلى اتفاقية استوكهولم على وجه الخصوص، أتصور أن الحوثي تهرب فيها من الضغوطات الدولية للذهاب نحو التزامات غير مثبتة وغير قابلة للتنفيذ من قبل جماعته في الداخل».
هذه الالتزامات التي كتبها الحوثي واتفق عليها على الورق وبالقرارات لن ينفذها على الأرض، لسببين؛ الأول: لا يريد خسارة إيراداته المالية وهي الرافد الرئيسي للحرب لبقائه في المعركة. والسبب الثاني وهو الأهم، أن القرار لم يعد بيد الجناح الذي يناور سياسياً كمحمد عبد السلام وغيره، هناك من يملك القرار الحقيقي مثل محمد علي الحوثي وآخرين.
«إذا تحدثنا عن مائة يوم، أتصور لو أعطينا ألف يوم فإن الحوثي لن ينفذ شيئاً، فهو ما زال في المربع الأول يراوغ ويتلاعب ويذهب إلى أشياء غير منطقية للتعذر والالتفاف على الاتفاق، وأتصور أنه حتى تغيير لوليسغارد رسالة سلبية جداً، تتيح للجماعة أنهم من الممكن أن يمارسوا ضغوطات على المبعوث، بحيث يغير المبعوث من لا يتكيف مع مزاجهم الشخصي الذي لا يريد تنفيذ الاتفاق»، طبقاً للكمالي.
في 23 فبراير (شباط) الماضي، شدد المبعوث الأممي في مقابلة مع «العربية» على أنه على ثقة «في أن الطرفين يبديان الإرادة السياسية اللازمة لترجمة الاتفاقات إلى خطوات ملموسة على الأرض»، مشيراً إلى أن «هناك شواهد على زيادة النشاط المدني في الحديدة، مقارنة بالوضع قبل التوصل إلى وقف إطلاق النار هناك».
لكن ذلك لم يترجم حتى على صعيد خطوة من أصل خطوتين للمرحلة الأولى المتعلقة بالموانئ.
يقول آدم بارون الباحث الأميركي في مجلس العلاقات الخارجية الأوروبي لـ«الشرق الأوسط»: «تستمر الاتفاقية في الصمود، بعد أن قيل إن الخطوات الملموسة نحو تحقيق مكوناتها الثلاثة التي لا تزال غير قابلة للجدل. وقد يسمح غموض صياغة الصفقة لكلا الطرفين بالتوصل إلى نوع من الاتفاق، لكنه في الوقت نفسه يسمح لهما أيضاً بتفسيرين مختلفين إلى حد ما لالتزاماتهما بموجب الصفقة».
يعود القائم بأعمال رئيس بعثة مجلس التعاون الخليجي لدى اليمن بالقول: «ما زلنا في انتظار ما يصدر عن الأمم المتحدة ومبعوثها الخاص حول الاتفاقية، لدينا ثقة في الأمم المتحدة، ونتابع ما أعلن عنه غريفيث حديثاً، من وجود تقدم بين الأطراف حول المرحلة الأولى من اتفاق الحديدة (ميناءي الصليف ورأس عيسى)، ونحن ندعم الاتفاق ونحض الحوثيين على الالتزام والانخراط بحسن نية لتنفيذه»، متابعاً: «ندعم الشرعية اليمنية التي نراها ملتزمة وإيجابية في التعاطي مع الاتفاقية وخطواتها، ومع ذلك تقدم كثيراً من التنازلات لمصلحة الشعب اليمني، بعكس الجماعة الحوثية التي لم تقدم شيئاً، حتى وإن قدموا مستقبلاً، إذ إن التنازل لا يكون إلا من الطرف الشرعي بموجب القانون وهذا ما يفتقدونه».

- جولة ثانية
الدكتور أحمد عوض بن مبارك السفير اليمني لدى الولايات المتحدة رد على سؤال «الشرق الأوسط» حول نية غريفيث عقد جولة ثانية بالقول: «كانت هناك إشارات من المبعوث لما يمكن أن تكون حوله المشاورات المقبلة دون توجيه أي دعوة صريحة بذلت لتلمس ملامح الحل الشامل عبر لقاءات غير رسمية، لكننا لم نستمع صراحة لأي دعوة إلى جلسة مشاورات مقبلة. وفي المقابل فنحن واضحون في أن أي قفز على تنفيذ اتفاق استوكهولم أو هروب إلى نقاش الترتيبات السياسية قبل الاتفاق على الترتيبات الأمنية والعسكرية وقبلها إجراءات بناء الثقة حسب كل الاتفاقات منذ أن بدأت المشاورات في جنيف، سيعد مدخلاً غير سليم ولن يقود للوصول إلى الحل، وفقاً للمرجعيات المتفق عليها». يضيف السفير: «نعتقد أن إعادة التفكير في المدخل والأسلوب الذي اعتاد عليه كل المبعوثين الدوليين لليمن مسألة مهمة، وأننا في مرحلة يجب فيها الحديث صراحة على المعرقلين للاتفاق، فقد تولى 3 مبعوثين الملف لحد الآن، والحكومة دائماً إيجابية في التعاطي مع الحلول، موقفنا كحكومة كان دائماً التجاوب مع المجتمع الدولي والأمم المتحدة، لكن الطرف الآخر هو الذي لم يلتزم بأي تعهدات، الحوثيون هم المعطل وبسببهم الأزمة التي بدأوها هم أنفسهم مستمرة».
يعود الكمالي هنا ليقول: «إذا قرأنا مارتن، فإنه يريد التهرب من استحقاق استوكهولم ويريد الذهاب إلى جولة مقبلة من دون تنفيذ حقيقي للاتفاقية، إذا استمر موقف الحكومة اليمنية الرافض لذلك، فأرى أن هذا هو الصواب، أما إذا تنازلت الحكومة تحت أي ظرف بالذهاب إلى جولة أخرى فسيكون ذلك خطأ قاتلاً لديمومة شرعية الدولة اليمنية ولبقائها في مواجهة الحوثي بصورة رسمية وكاملة وعدم رضوخها بتلاعب مارتن نحو أهدافه الشخصية بتحقيق نجاح على حساب الملف اليمني».
مقابل ذلك، قال مصدر في الأمم المتحدة لـ«الشرق الأوسط»: «الأمر ليس تجاوز أو عدم تجاوز استوكهولم. الاتفاق نفسه كان ينص على موعد لعقد جولة المشاورات المقبلة... لكن كل الأطراف متفقون على أن تركيزنا في الوقت الحالي منصب على إحراز تقدم ملموس في تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في استوكهولم... خصوصاً إعادة الانتشار في الحديدة».


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

خاص وصف المنسق الأممي التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن بأنه كان قوياً وسريعاً (الأمم المتحدة)

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

أكد المنسق المقيم للأمم المتحدة في اليمن أن التدخلات التنموية السعودية لا تقل أهمية عن تدخلاتها الإنسانية، وذلك من خلال البرنامج السعودي لتنمية إعمار اليمن.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي فعالية حوثية في محافظة إب استعداداً لتنظيم الأنشطة الدعوية والتعبوية في شهر رمضان (إعلام حوثي)

الحوثيون يستبقون رمضان بالتعبئة والتجنيد

تحت لافتة رمضان، يسارع الحوثيون إلى إنهاء العام الدراسي لفتح الطريق أمام المراكز الصيفية، وسط اتهامات لهم باستبدال تعبئة عقائدية تستهدف العقول مبكراً، بالتعليم.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي جانب من لقاء المكونات الوطنية ورجال المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) (الشرق الأوسط)

مأرب: دعوات لتوحيد الجهود السياسية والعسكرية لاستعادة صنعاء

دعا عدد من القوى الوطنية وقيادات المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) إلى توحيد الجهود السياسية والعسكرية، والعمل الجاد من أجل استعادة العاصمة اليمنية صنعاء.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص قوات تابعة لـ«حماية حضرموت» بمدينة المكلا شرق اليمن (الشرق الأوسط)

خاص حضرموت: دعوات لإدراج أبو علي الحضرمي في قوائم الإنتربول

تصاعدت في حضرموت مطالب قبلية وميدانية بملاحقة قائد «لواء الدعم الأمني»، صالح بن الشيخ أبو بكر، المعروف بـ«أبو علي الحضرمي»، وجلبه عبر الإنتربول الدولي.

عبد الهادي حبتور (المكلا (اليمن))
العالم العربي سجن انفرادي حسب ما وثقته اللجنة الوطنية اليمنية في سقطرى (اللجنة الوطنية)

لجنة يمنية تختتم توثيق ومعاينة مراكز اعتقال وانتهاكات في سقطرى

اختتمت اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان نزولها الميداني إلى محافظة أرخبيل سقطرى، ضمن إطار ولايتها القانونية للتحقيق في…

«الشرق الأوسط» (عدن)

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.