الليالي المضيئة تهدد النظم البيئية

دراسة أشارت إلى أن الإضاءة الاصطناعية على الحيوانات باتت أمراً صعباً

الليالي المضيئة تهدد النظم البيئية
TT

الليالي المضيئة تهدد النظم البيئية

الليالي المضيئة تهدد النظم البيئية

في سنة 2017. ذكر باحثون أن أعداد الحشرات الطائرة في ألمانيا تراجع بأكثر من 75 في المائة خلال العقود الثلاثة الماضية.
هذه الخسارة المذهلة في أعداد الكائنات اللافقارية تصدرت عناوين الصحف، ودفعت البعض للتحذير من أن انخفاضاً كهذا يهدد الحياة على سطح الأرض بالفناء. السؤال الذي كان يطرحه الجميع: ما هي أسباب هذه الخسارة؟
ربما يكون تغير استخدامات الأراضي وتغير المناخ ورش المبيدات من بين العوامل التي تقف وراء ذلك، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير هذا التراجع الكبير. فقد اكتشف عدد من الباحثين مؤخراً أن المناطق المنكوبة تعاني من مستويات عالية في الإضاءة الليلية، وربما يكون هذا التلوث الحلقة المفقودة من أجل حل اللغز.
تعد دراسة آثار الضوء الاصطناعي على الحيوانات أمراً صعباً. والخيار الأفضل لتقدير بصمة التلوث الضوئي هو البحث في الأماكن التي تعرضت مؤخراً للإضاءة الليلية. وهذا أمر متاح لأن مساحة الأراضي المضاءة بشكل مصطنع تزداد سريعاً. وكانت الزيادة بين سنتي 2012 و2016 بحدود 2.2 في المائة سنوياً، لا سيما في أميركا الجنوبية وأفريقيا وآسيا، التي تشهد اتساعاً في المساحات المنارة بفضل المصابيح الموفرة للطاقة والزهيدة الثمن. ويكفي النظر من شباك طائرة أثناء تحليقها ليلاً لملاحظة مدى اتساع المساحات المضاءة، حتى في مناطق كانت تعتبر نائية حتى وقت قريب.

- الجاذبية المميتة
في ثمانينات القرن التاسع عشر، لاحظ عالم الطيور السويدي الأميركي لودفيج كوملين أن برجاً مناراً يجذب إليه الطيور المهاجرة في المساء، وأن كثيراً من هذه الطيور لاقت حتفها بعد اصطدامها بأجهزة الإنارة أو الأسلاك الكهربائية المحيطة. ملاحظات كوملين كانت من بين أقدم التقارير لتأثير التلوث الضوئي في الأنواع الحية.
ومنذ ذلك الحين، عمل كثير من العلماء على تحديد أنواع الكائنات الحية التي تستسلم لجاذبية الضوء المميتة. ولعل أبرز الأمثلة وضوحاً هي مملكة الحشرات، التي تضم أنواعاً مثل العث والخنافس تتجمع حول مصابيح الشوارع والأضواء الكاشفة وغيرها من مصادر الإنارة الليلية.
ورغم أن العوامل الكامنة وراء ما يسمى بسلوك «الطيران إلى الضوء» لا تزال غير واضحة، فإن نتائجها على الحشرات موثقة جيداً، وهي تشمل زيادة معدلات الإصابة والإرهاق والافتراس.
يمكن أن تؤدي هذه الجاذبية المميتة إلى تجزئة موائل الحيوانات وتفتيتها، كما تفعل سلاسل المصابيح في تقييد حركة الكائنات الحية من مكان إلى آخر. في إحدى التجارب الحقلية، وجد فريق باحثين من معهد لايبنتز لبيئة المياه العذبة والمصايد الداخلية في برلين أن أضواء الشوارع يمكن أن تجتذب العث الذي يطير ضمن دائرة نصف قطرها 23 متراً من مصدر الضوء. وحيث إن أعمدة الإنارة غالباً ما توضع على مسافات تتراوح بين 20 و45 متراً، فإن مناطق التأثير المجاورة تتداخل وتشكل جدار جذب يمنع الحشرات من الانتشار في الطبيعة.
تستطيع بعض الكائنات الحية التكيف مع الضوء بمرور الوقت، مما يحد من تأثيره السلبي. في سنة 2016. اكتشف باحثون سويسريون أن أحد أنواع العث المنتشر في الأماكن الحضرية كان أقل تأثراً بالانجذاب نحو الأضواء، مقارنة بالنوع ذاته الموجود في المناطق الريفية المظلمة. ويبدو أن ضغط الاصطفاء الطبيعي لمواجهة الانجذاب نحو الضوء مرتفع للغاية، إذا كان التعرض مستمراً ومترافقاً مع ارتفاع معدلات الموت والإنهاك.حتى الآن، تعد فراشة العث هي المثال الوحيد الموثق على التكيف لمواجهة الضوء الاصطناعي. علماً بأن مستويات الضوء هي واحدة بين مجموعة من الخصائص التي تميز المناطق الحضرية عن المناطق الريفية، ولا يمكن استبعاد مساهمة الضوضاء وتلوث الهواء وغير ذلك من الضغوط البيئية في الدفع نحو حصول هذا التكيف.

- اضطراب الساعة البيولوجية
تملك معظم الكائنات الحية، من البكتيريا إلى البشر، إيقاعاً داخلياً يُعرف بالساعة البيولوجية، مما يساعدها في توفيق نشاطها الحيوي مع تعاقب الليل والنهار الذي يحدث مع دوران كوكب الأرض حول محوره. ويتأثر هذا الإيقاع بمجموعة متنوعة من الإشارات الخارجية، لا سيما الضوء. وعندما يتلاشى ظلام الليل بسبب الإضاءة الاصطناعية، يمكن للساعة البيولوجية أن تضطرب وتختل.
وتغير الليالي المشرقة توقيت الأنشطة اليومية التي تتحكم بها الساعة البيولوجية، مثل البحث عن الطعام والنوم. فبعض الأنواع الحية النهارية، مثل العصافير، قد تستمر في البحث عن الطعام إلى ما بعد موعد نومها المفترض، بينما تقضي الكائنات الحية الليلية كالفئران والخفافيش وقتاً أقل في الصيد وإيجاد الغذاء.
يمكن أن يشوه التلوث الضوئي الإيقاعات الموسمية أو تلك المرتبطة بمنازل القمر، بما فيها الأحداث البيولوجية الخاصة بالتكاثر والهجرة. وقد وجد باحثون من المعهد الهولندي للبيئة في واخينينغن أن مستويات الإضاءة الثابتة والمنخفضة تدفع طيور «البلاكبيرد» الأوروبية إلى البدء في دورتها الإنجابية قبل شهر من نظيراتها التي تعيش في الليالي المظلمة. كما وجد باحثون آخرون أن التلوث الضوئي يتسبب في تأخير الولادة لدى الحيوانات الجرابية كالكنغر، ويجعل الطيور المغردة تبيض في وقت أبكر، ويغير أنماط هجرة أسماك السلمون.
وتلعب الإضاءة الليلية دوراً مؤثراً في تغيير مستويات «الميلاتونين» في جسم الكائن الحي، وهو هرمون ينتج بشكل أساسي في الليل ويعد مسؤولاً عن تنظيم الإيقاع الحيوي. ومن المعروف أن إفراز هذه المادة الكيميائية يتراجع بوجود طيف الضوء الأزرق الذي ينبعث من الأجهزة الإلكترونية ومصابيح الدايود الباعث للضوء (أجهزة الليد). ونظراً لتكلفتها المنخفضة وتوفيرها في استهلاك الطاقة، تنتشر أجهزة «الليد» على نطاق واسع عالمياً، حيث تسجل الدراسات مستويات منخفضة من الميلاتونين جرى قياسها لدى البشر المعرضين للضوء الأزرق.
وتظهر التجارب في المختبر أن التعرض للضوء في الليل يمكن أن يثبط إفراز الميلاتونين لدى مجموعة متنوعة من الأنواع الحية، بما فيها الطيور والأسماك والحشرات. وعلى سبيل المثال، تحتفظ الصراصير التي تعيش تحت ضوء مستمر بمستويات منخفضة من الميلاتونين، مما يؤدي إلى ضعف في وظائفها المناعية مقارنة بمثيلاتها التي تتعرض للإضاءة لمدة 12 ساعة يومياً. ويمكن أن يعود التلوث الضوئي بمزيج من الفوائد والأضرار على الأنواع الحية. ففي دراسة نشرت سنة 2018، وجد باحثون أن تعريض العنكبوت الحائك الأسترالي للضوء ليلاً يجعله يصل مرحلة البلوغ بشكل أبكر، حيث يقل عدد التقشرات التي يواجهها أثناء النمو ويكون حجمه أصغر عند البلوغ ويضع كمية أقل من البيض. في المقابل، لاحظ الباحثون خارج المختبر وجود ميزة تعويضية تحظى بها العناكب التي تعيش تحت الضوء الاصطناعي، حيث تزداد حصتها الغذائية اليومية بسبب وفرة الفرائس التي تجذبها الأضواء.

- حلقة معقدة من التأثيرات
وتتسبب الإضاءة الليلية بسلسلة من الأحداث المتداخلة. ففي دراسة نشرت سنة 2018 في مجلة «نيتشر» عرض باحثون نتائج مراقبتهم للتفاعل بين الإضاءة الليلية والنباتات والكائنات الملقِّحة الليلية مثل العث والخنافس. وكان من بين هذه النتائج أن الكائنات الملقحة تتجنب زيارة النباتات المضاءة ليلاً، حيث انخفضت الزيارات بنسبة تتجاوز 60 في المائة، وتسبب ذلك في انخفاض الإثمار لدى النباتات المضاءة بمقدار 13 في المائة. هذا النقص في الإنتاج يمكن أن يؤدي إلى تراجع في أعداد الكائنات الملقِّحة النهارية، مثل النحل، التي تعتمد على النباتات كمصدر رئيسي للغذاء. ويؤدي التلوث الضوئي إلى تغير في إنتاجية النظم البيئية. ومن الملاحظ أن الكائنات الحية الدقيقة تنتج كميات أقل من ثاني أكسيد الكربون تحت الأضواء الاصطناعية، ويعود ذلك على الأرجح إلى تواصل عملية التركيب الضوئي ليلاً. ويشير الباحثون إلى أن استمرار هذه الظاهرة على المدى الطويل يمكن أن يقلل من كمية الكربون المنبعثة من نظم المياه العذبة بمرور الوقت.
وبينما يكتشف العلماء مزيداً من الأدلة على أضرار الليالي المشرقة، يوجد توجه عالمي لإيجاد حلول تحدٍ من تأثير التلوث الضوئي. ففي هولندا، جرت إضاءة بعض المناطق بالضوء الأحمر بدلاً من الأبيض لمنع حدوث خلل في أعداد الخفافيش. لكن هذه المشكلة لا يمكن حلها فقط عن طريق تغيير لون الطيف. ومن الخيارات المتاحة الحد من الأوقات التي تضاء بها الشوارع من خلال وضع حساسات حركة على الطرقات، واستخدام الأغطية العاكسة بحيث لا يتسلل الضوء إلى السماء أو إلى الغابات المجاورة.
هذه الحلول في حد ذاتها ليست كافية لمواجهة تأثير الليالي المضيئة على نحو متزايد في جميع أنحاء العالم، ولا تملك الحيوانات القدرة على التكيف بسرعة كافية مع التغيرات التي يحدثها البشر على هذا الكوكب. ولعل قيامنا باتخاذ قرارات فردية وجماعية للحد من الإضاءة الاصطناعية سيكون أمراً حاسماً في جعل عالمنا أقل تلوثاً مما هو عليه الآن.

- بالتزامن مع مجلة «البيئة والتنمية»


مقالات ذات صلة

مصر: غالبية الدول تعتبر مشاريع قرارات «كوب 27» متوازنة

شمال افريقيا وزير الخارجية المصري سامح شكري (إ.ب.أ)

مصر: غالبية الدول تعتبر مشاريع قرارات «كوب 27» متوازنة

أكد رئيس مؤتمر الأطراف حول المناخ (كوب27) سامح شكري اليوم (السبت) أن «الغالبية العظمى» من الدول تعتبر مشاريع القرارات التي قدمتها رئاسة مؤتمر المناخ «متوازنة» بعدما انتقدها الاتحاد الأوروبي. وأوضح وزير خارجية مصر سامح شكري للصحافيين بعد ليلة من المفاوضات المكثفة إثر تمديد المؤتمر في شرم الشيخ أن «الغالبية العظمى من الأطراف أبلغتني أنها تعتبر النص متوازنا وقد يؤدي إلى اختراق محتمل توصلا إلى توافق»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. وتابع يقول «على الأطراف أن تظهر تصميمها وأن تتوصل إلى توافق».

«الشرق الأوسط» (شرم الشيخ)
بيئة البيئة في 2021... قصص نجاح تعزز الأمل في تخفيف أزمة المناخ

البيئة في 2021... قصص نجاح تعزز الأمل في تخفيف أزمة المناخ

شهدت سنة 2021 الكثير من الكوارث والخيبات، لكنها كانت أيضاً سنة «الأمل» البيئي. فعلى الصعيد السياسي حصلت تحولات هامة بوصول إدارة داعمة لقضايا البيئة إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة. كما شهدت السنة العديد من الابتكارات الخضراء والمشاريع البيئية الواعدة، قد يكون أبرزها مبادرة «الشرق الأوسط الأخضر» التي أطلقتها السعودية. وفي مجال الصحة العامة، حقق العلماء اختراقاً كبيراً في مواجهة فيروس كورونا المستجد عبر تطوير اللقاحات وبرامج التطعيم الواسعة، رغم عودة الفيروس ومتحوراته. وفي مواجهة الاحتباس الحراري، نجح المجتمعون في قمة غلاسكو في التوافق على تسريع العمل المناخي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق فرقة «كولدبلاي» تراعي المعايير البيئية في جولتها سنة 2022

فرقة «كولدبلاي» تراعي المعايير البيئية في جولتها سنة 2022

أعلنت فرقة «كولدبلاي» البريطانية، الخميس، عن جولة عالمية جديدة لها سنة 2022 «تراعي قدر الإمكان متطلبات الاستدامة»، باستخدام الألواح الشمسية وبطارية محمولة وأرضية تعمل بالطاقة الحركية لتوفير كامل الكهرباء تقريباً، فضلاً عن قصاصات «كونفيتي» ورقية قابلة للتحلل وأكواب تحترم البيئة. وذكرت «كولدبلاي» في منشور عبر «تويتر» أن «العزف الحي والتواصل مع الناس هو سبب وجود الفرقة»، لكنها أكدت أنها تدرك «تماماً في الوقت نفسه أن الكوكب يواجه أزمة مناخية». وأضاف المنشور أن أعضاء فرقة الروك الشهيرة «أمضوا العامين المنصرمين في استشارة خبراء البيئة في شأن سبل جعل هذه الجولة تراعي قدر الإمكان متطلبات الاستدامة» و«

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق بعد انخفاضها بسبب الإغلاق... انبعاثات الكربون تعاود الارتفاع

بعد انخفاضها بسبب الإغلاق... انبعاثات الكربون تعاود الارتفاع

انخفضت انبعاثات الغازات المسببة للاحترار العالمي بشكل كبير العام الماضي حيث أجبر وباء «كورونا» الكثير من دول العالم على فرض الإغلاق، لكن يبدو أن هذه الظاهرة الجيدة لن تدوم، حيث إن الأرقام عاودت الارتفاع بحسب البيانات الجديدة، وفقاً لشبكة «سي إن إن». وتسببت إجراءات الإغلاق لاحتواء انتشار الفيروس التاجي في انخفاض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 7 في المائة على مدار عام 2020 - وهو أكبر انخفاض تم تسجيله على الإطلاق - وفق دراسة نُشرت أمس (الأربعاء) في المجلة العلمية «نيتشر كلايميت شينج». لكن مؤلفيها يحذرون من أنه ما لم تعطِ الحكومات الأولوية للاستثمار بطرق بيئية في محاولاتها لتعزيز اقتصاداتها الم

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
بيئة 5 ملفات بيئية هامة في حقيبة بايدن

5 ملفات بيئية هامة في حقيبة بايدن

أعلن الفريق الانتقالي للرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن أن وزير الخارجية السابق جون كيري سيكون له مقعد في مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، وهي المرة الأولى التي يخصّص فيها مسؤول في تلك الهيئة لقضية المناخ. ويأتي تعيين كيري في إطار التعهدات التي قطعها جو بايدن خلال حملته الانتخابية بإعادة الولايات المتحدة إلى الطريق الصحيح في مواجهة تغيُّر المناخ العالمي ودعم قضايا البيئة، بعد فترة رئاسية صاخبة لسلفه دونالد ترمب الذي انسحب من اتفاقية باريس المناخية وألغى العديد من اللوائح التشريعية البيئية. وعلى عكس ترمب، يعتقد بايدن أن تغيُّر المناخ يهدّد الأمن القومي، حيث ترتبط العديد من حالات غياب الاستقرار

«الشرق الأوسط» (بيروت)

الأمم المتحدة تَصِف ظاهرة «إل نينيو» بأنها «تهديد كبير» للصحة

لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)
لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)
TT

الأمم المتحدة تَصِف ظاهرة «إل نينيو» بأنها «تهديد كبير» للصحة

لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)
لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)

نبّهت الأمم المتحدة، الثلاثاء، إلى عواقب ظاهرة «إل نينيو» الكثيرة على الصحة، مشددة على أن هذا الحدث المناخي الطبيعي يشكّل «تهديداً كبيراً»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضحت منظمة الصحة العالمية أن من بين المخاطر الصحية التي قد تنجم عن هذه الظاهرة، موجات حرّ شديدة قد تُفاقم بعض الأمراض، ورداءة في نوعية الهواء بسبب الحرائق خصوصاً، فضلاً عن تأزُّم سوء التغذية والكوليرا بفعل الجفاف والفيضانات.

وقد تؤدي «إل نينيو» أيضاً إلى زيادة انتشار الأمراض المنقولة عبر البعوض، كالملاريا وحمى الضنك والشيكونغونيا، نظراً إلى أن هذه الظاهرة المناخية تهيئ الظروف لأمطار غزيرة وفيضانات.

وقالت مديرة وحدة الحد من المخاطر والعمليات الإنسانية، وتغيّر المناخ في منظمة الصحة العالمية تيريزا زكريا خلال مؤتمر صحافي في جنيف، إن «من الممكن توقُّع العواقب الصحية لظاهرة إل نينيو، وثمة فرصة تالياً لكي نتحرّك الآن، قبل أن تتحوّل هذه المخاطر إلى أزمة».

وأضافت: «ندعو الحكومات والشركاء والمجتمعات إلى الاستثمار من دون إبطاء، والاستعداد واتخاذ تدابير استباقية، من أجل إنقاذ الأرواح، والحفاظ على خدمات الرعاية الصحية».

وتدعو منظمة الصحة العالمية الدول إلى تحسين جهوزية أنظمتها الصحية، وتعزيز قدرتها على رصد الأمراض، وضمان استمرارية الرعاية، وتوفير مخزونات من المعدات الطبية في المناطق الأكثر عرضة للمخاطر.

وسبق أن أدّت موجة «إل نينيو» الحالية التي قد تصبح الأشد عنفاً على الإطلاق، إلى ظروف مناخية حادة في مختلف أنحاء العالم.

ورأت زكريا أن هذه الظاهرة تشكّل «تهديداً كبيراً للصحة العامة».

وتوقعت «رَصْدَ عواقب صحية في مختلف أنحاء العالم»، ورأت أن أشد هذه العواقب ستُسجَّل حيث «تتقاطع الصدمات المناخية مع هشاشة الأنظمة الصحية، وضعف فرص الحصول إلى الرعاية، وانعدام الأمن الغذائي، ونزوح السكان والأزمات الإنسانية».

وكانت منظمة الأرصاد الجوية العالمية التابعة للأمم المتحدة نبّهت في مطلع سبتمبر (أيلول) من أن موجة «إل نينيو» الحالية قد تكون «الأقوى» تُسجّل منذ بدء قياس هذه الظاهرة المناخية قبل 4 عقود، ومن المقرر أن تصدر نشرتها المقبلة في شأنها في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني).

وأوضح المستشار في المكتب المشترك بين المنظمة العالمية للأرصاد الجوية ومنظمة الصحة العالمية أرمل كاستيلان للصحافيين، أن تأثيراتها يُتوقع أن تزداد حدّة، وأن تستمر تداعياتها إلى ما بعد ذروتها المتوقعة في نهاية السنة.

ومن شأن اجتماع «إل نينيو» مع عواقب تغيّر المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية تعزيز وتيرة الظواهر الجوية القصوى وحدتها.

ولاحظ كاستيلان أن «تأثيرها يتزامن مع درجات حرارة مرجعية مرتفعة جداً أصلاً على مستوى العالم، وهي تالياً ضربة مزدوجة، والواقع مختلف وغير مسبوق بالمقارنة مع ما حدث عام 2015، آخر مرة بلغت فيها الانحرافات في درجات حرارة سطح البحر المرتبطة بـ(إل نينيو) مستويات مرتفعة إلى هذا الحد».

وتسعى المنظمة العالمية للأرصاد الجوية مع شركائها تحسباً لظاهرة «إل نينيو» إلى تحسين التنسيق بين خبراء الأرصاد الجوية والسلطات الصحية، بحيث تحصل هذه السلطات على توقعات الطقس في الوقت المناسب وبصيغة قابلة للاستخدام مباشرة.


العراق يبدأ محاكمة 6 فرنسيين يشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش»

في الأعوام الماضية أصدرت محاكم عراقية أحكاماً بالإعدام والسجن مدى الحياة على خلفية الانتماء إلى «جماعة إرهابية» في قضايا إرهاب وقتل بحق أشخاص بينهم أجانب (واع)
في الأعوام الماضية أصدرت محاكم عراقية أحكاماً بالإعدام والسجن مدى الحياة على خلفية الانتماء إلى «جماعة إرهابية» في قضايا إرهاب وقتل بحق أشخاص بينهم أجانب (واع)
TT

العراق يبدأ محاكمة 6 فرنسيين يشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش»

في الأعوام الماضية أصدرت محاكم عراقية أحكاماً بالإعدام والسجن مدى الحياة على خلفية الانتماء إلى «جماعة إرهابية» في قضايا إرهاب وقتل بحق أشخاص بينهم أجانب (واع)
في الأعوام الماضية أصدرت محاكم عراقية أحكاماً بالإعدام والسجن مدى الحياة على خلفية الانتماء إلى «جماعة إرهابية» في قضايا إرهاب وقتل بحق أشخاص بينهم أجانب (واع)

مثُل 6 فرنسيين، الأحد، أمام القضاء في العراق؛ حيث يُحتَجز الآلاف من المشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش» من جنسيات مختلفة بانتظار محاكمتهم.

وتلا قاضي محكمة الكرخ أمام المتهمين لائحة الاتهام الموجهة إليهم ومن ثم تلا انتداب محامين للدفاع عن المتهمين مع السماح للطرفين بالاجتماع ، ومن ثم تقرر رفع جلسة المحاكمة الأولى إلى الخامس من الشهر المقبل.

وأكّد مصدر قضائي عراقي، الخميس، أن الفرنسيين الـ6 الذين لم يكشف عن هويّاتهم هم ضمن مجموعة أولى من 47 مواطناً فرنسياً نُقلوا إلى العراق سنة 2025 من سوريا المجاورة، حيث استولى التنظيم على مناطق شاسعة اعتباراً من 2014، قبل أن يتمّ دحره من البلدين اللذين ارتكب فيهما مجازر وأعمالاً وحشية، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ومن بين هؤلاء أدريان غييال المعروف بنشاطه الإرهابي والذي تبنّى، خصوصاً باسم تنظيم «داعش»، الهجوم الذي نُفِّذ في نيس (جنوب فرنسا) وأودى بحياة 86 شخصاً في 14 يوليو (تموز) 2016 في يوم العيد الوطني الفرنسي.

وفي الأعوام الماضية، أصدرت محاكم عراقية أحكاماً بالإعدام والسجن مدى الحياة، على خلفية الانتماء إلى «جماعة إرهابية» في قضايا إرهاب وقتل، بحق أشخاص بينهم أجانب.

وفي عام 2019، صدرت أحكام إعدام في حقّ 11 مواطناً فرنسياً حُفّضت عقوباتهم في درجة الاستئناف إلى السجن مدى الحياة.

وندّدت مجموعات حقوقية بالطابع المستعجل لهذه المحاكمات التي تُقام في قضايا «إرهاب»، مشيرة إلى أنها لم تتقيّد بالضمانات الإجرائية اللازمة.

وما زال هناك كثير من الشهادات تنتظر التحقيق فيها حول أعمال العنف الوحشية التي ارتكبها التنظيم المتشدّد في العراق، حيث خلّف مقابر جماعية كثيرة لم تُكتشف كلّها بعد، وبعضها لم يتم فتحه.

محاكم كثيرة مقبلة

وطالب محامون فرنسيون أُبلغوا باقتراب موعد الجلسات، باريس بإعادة مواطنيها الذين قد يواجهون عقوبة الإعدام «على نحو عاجل».

وفي بيان نُشر الخميس، ندَّد المحامون ماري دوزيه، وماتيو باغار، وفيكتوار دوميير، وبولين غامبا-مارتيني، وباتيست فاشون، بانعدام الشفافية في الإجراءات القضائية في العراق وتعذُّر تمثيل الموكِّلين المحرومين، في نظرهم، من حقّهم في الدفاع عن أنفسهم.

وباتت السجون العراقية المكتظة أصلاً بأعضاء يشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش»، تضمّ آلاف السجناء الإضافيين الذين نُقلوا إليها منذ العام الماضي من سوريا.

وفي مطلع عام 2026، نُقل إلى العراق أكثر من 5700 شخص من نحو 60 جنسية يشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش» بعدما أمضوا سنوات في مخيّمات سورية بإدارة القوّات الكردية. ومن بينهم 5 مواطنين فرنسيين على الأقلّ، منهم مَن كان قاصراً عندما التحق أهله بالتنظيم.

وفي مطلع سبتمبر (أيلول)، أعلن القضاء العراقي استكمال استجواب أكثر من 5700 شخص يُشتبه بانتمائهم إلى تنظيم داعش، و«الانتقال إلى المرحلة القضائية التالية المتمثلة في إحالتهم على محكمة الموضوع».

وأسفرت التحقيقات عن «كشف عدد من العناصر شديدة الخطورة (...) وقيادات من الصف الأول» في تنظيم «داعش»، وعن «معلومات مرتبطة بجرائم جسيمة ذات بعد دولي ارتُكبت بحق المجتمع الإيزيدي»، بحسب مجلس القضاء الأعلى العراقي.

والإيزيديون أقلية ناطقة باللغة الكردية تتبع ديانة خاصة، وكانت قد تمركزت بشكل أساسي في شمال العراق قبل تعرضها لهجمات واضطهاد من جانب «داعش» بدءاً من الثالث من أغسطس (آب) 2014، وفرار أفرادها جماعياً بعد ذلك.

وأدّت التحقيقات كذلك إلى تسليم فنلندي وأميركي لسلطات بلديهما في أبريل (نيسان)، وإطلاق سراح7 عراقيين، بينما يجري «استكمال الإجراءات اللازمة لإطلاق سراح 457 محتجزاً من الجنسية السورية ممَّن لم تثبت بحقهم أدلة تستوجب استمرار الإجراءات القضائية بحقهم»، وفق مجلس القضاء الأعلى العراقي.

وكان تنظيم «داعش» سيطر على مساحات واسعة في شمال العراق وغربه اعتباراً من عام 2014، إلى أن تمكَّنت القوات العراقية من دحره في 2017، بدعم من التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن.

وفي سوريا حيث هُزم التنظيم في عام 2019، احتُجز آلاف المشتبه بانتمائهم للجماعات المتطرف مع عائلاتهم، وبينهم أجانب، في سجون ومخيمات تولت إدارتها «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» حتى يناير (كانون الثاني) 2026.


السعودية تؤكد التزامها بحماية الأمن الغذائي العالمي

الدكتور علي الشيخي أكد أن السعودية تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية (واس)
الدكتور علي الشيخي أكد أن السعودية تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية (واس)
TT

السعودية تؤكد التزامها بحماية الأمن الغذائي العالمي

الدكتور علي الشيخي أكد أن السعودية تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية (واس)
الدكتور علي الشيخي أكد أن السعودية تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية (واس)

أكدت السعودية التزامها بمواصلة جهودها الدولية والإقليمية لتعزيز استدامة الموارد البحرية، ومكافحة الصيد غير القانوني، ودعم الحوكمة الرشيدة للمصايد؛ بما يسهم في حماية الأمن الغذائي العالمي واستدامة النظم البيئية البحرية.

جاء ذلك خلال مشاركة وفدها الذي رأَسه الدكتور علي الشيخي الوكيل المساعد للثروة الحيوانية والسمكية بوزارة البيئة والمياه والزراعة، في أعمال الدورة السابعة والثلاثين للجنة مصايد الأسماك (COFI37)، والحدث الرفيع المستوى للاحتفال بمرور عشر سنوات على دخول اتفاق تدابير دولة الميناء حيز النفاذ، بمقر منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» في العاصمة الإيطالية روما.

وأوضح الشيخي خلال كلمته أن المملكة تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية والازدهار، وأن التحديات التي تواجه الموارد البحرية تتجاوز الحدود الوطنية، وتتطلب استجابة دولية متكاملة تقوم على التعاون والشفافية والابتكار والالتزام بالتنفيذ.

وأشار إلى أن المملكة انسجاماً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» تواصل تطوير منظومتها الوطنية لإدارة المصايد البحرية، وتعزيز أطر الحوكمة والرقابة والامتثال، ورفع كفاءة التفتيش، وتحسين جودة البيانات، والاستفادة من التقنيات الحديثة في التتبع والرصد؛ بما يعزز الإدارة المستدامة للموارد البحرية، ويرسخ شفافية سلاسل الإمداد، ويدعم تنمية الاقتصاد الأزرق.

وأكد أن البحر الأحمر يحظى بمكانة خاصة في جهود السعودية، لما يتميز به من تنوع أحيائي فريد ونظم بيئية ذات أهمية بيئية واقتصادية وتنموية، مبيناً أن المملكة تعمل على ترسيخ نموذج متوازن بين طموحات التنمية ومتطلبات الاستدامة، عبر حماية الموائل البحرية الحساسة، وتنظيم أنشطة الصيد، وتعزيز الرقابة والتتبع، وتطوير إدارة عمليات الإنزال، وتشجيع ممارسات الصيد المسؤولة والمستدامة.

تشارك السعودية في أعمال الدورة السابعة والثلاثين للجنة مصايد الأسماك (واس)

وشدد على أهمية تعزيز الشراكة الإقليمية بين الدول المطلة على البحر الأحمر، وتبادل المعلومات والبيانات، وتكامل أعمال الرقابة والتفتيش، وبناء القدرات؛ بما يسهم في حماية موارده واستدامتها للأجيال القادمة.

وتشارك السعودية في أعمال الدورة السابعة والثلاثين للجنة مصايد الأسماك، التي تنعقد خلال الفترة من 7 إلى 11 سبتمبر (أيلول) الجاري، وتناقش قضايا رئيسية في قطاعي مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية، بينها تقرير «حالة الموارد السمكية وتربية الأحياء المائية في العالم 2026»، والتقدم المحرز في مكافحة الصيد غير القانوني، وتنفيذ الصكوك الدولية ذات الصلة، والتكيف مع تغير المناخ والتخفيف من آثاره، ودعم مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية صغيرة النطاق.

وأكدت السعودية أهمية الانتقال خلال المرحلة المقبلة من الرقابة التقليدية إلى الرقابة الذكية، ومن الاستجابة للمخالفات إلى استباقها، مع تعزيز التكامل بين دول العلم والساحل والميناء والسوق، وتوسيع استخدام أنظمة الرصد والتتبع وتحليل البيانات والتقنيات الحديثة.

كما جددت التزامها بمواصلة العمل مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة والدول الأعضاء والمنظمات الإقليمية والدولية والشركاء؛ لتعزيز الحوكمة الرشيدة للمصايد، ومواجهة الصيد غير القانوني، ودعم استدامة الموارد البحرية والأمن الغذائي العالمي، وتحويل الالتزامات الدولية إلى نتائج وأثر مستدام.