دمشق تهدد باستعادة إدلب وشرق سوريا بـ«المصالحة أو القوة»

رئيس الأركان العراقي يعلن قرب فتح المنفذ الحدودي... ونظيره الإيراني يؤكد بقاء قواته لـ«محاربة الإرهاب»

وزير الدفاع السوري علي أيوب يتوسط رئيس أركان الجيش العراقي الفريق أول ركن عثمان الغانمي (يمين) ورئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية اللواء محمد باقري خلال مؤتمر صحافي في دمشق أمس (أ.ب)
وزير الدفاع السوري علي أيوب يتوسط رئيس أركان الجيش العراقي الفريق أول ركن عثمان الغانمي (يمين) ورئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية اللواء محمد باقري خلال مؤتمر صحافي في دمشق أمس (أ.ب)
TT

دمشق تهدد باستعادة إدلب وشرق سوريا بـ«المصالحة أو القوة»

وزير الدفاع السوري علي أيوب يتوسط رئيس أركان الجيش العراقي الفريق أول ركن عثمان الغانمي (يمين) ورئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية اللواء محمد باقري خلال مؤتمر صحافي في دمشق أمس (أ.ب)
وزير الدفاع السوري علي أيوب يتوسط رئيس أركان الجيش العراقي الفريق أول ركن عثمان الغانمي (يمين) ورئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية اللواء محمد باقري خلال مؤتمر صحافي في دمشق أمس (أ.ب)

أكد وزير الدفاع السوري العماد علي عبد الله أيوب، أمس، أن بلاده ستعيد بسط سيطرتها على كامل الجغرافية السورية «سواء بالمصالحات أم بالقوة العسكرية»، مشيراً تحديداً إلى إدلب التي تنتشر فيها «هيئة تحرير الشام» وشمال شرقي سوريا، حيث تنتشر «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة بقوات التحالف الدولي بقيادة أميركا.
وجاء كلامه في وقت أعلن رئيس الأركان العراقي قرب فتح المنفذ الحدودي بين العراق وسوريا، وفي وقت أكد رئيس الأركان الإيراني، أن بلاده ستواصل «محاربة الإرهاب في سوريا»، في نفي لنيتها الاستجابة للمطالب بانسحابها منها.
وعقد العماد أيوب مؤتمراً صحافياً مشتركاً في دمشق، أمس، مع رئيس أركان الجيش العراقي الفريق أول ركن عثمان الغانمي، ورئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية اللواء محمد باقري، وذلك عقب اجتماعات عسكرية استضافتها العاصمة السورية بين مسؤولين عسكريين من الدول الثلاث. وقال أيوب، في المؤتمر الصحافي: إن النظام السوري سيستعيد بسط سيطرته على كامل الجغرافية السورية «سواء بالمصالحات أم بالقوة العسكرية، وإدلب لن تكون استثناءً أبداً؛ فهي واحدة من أربع مناطق خفض التصعيد التي تم تحديدها، حيث عادت المناطق الثلاث الأخرى إلى كنف الدولة السورية، وهذا ما ستؤول إليه الأمور في إدلب وغيرها». وشدد على أن أي «وجود عسكري لأي دولة كانت من دون دعوة رسمية من الدولة السورية هو وجود احتلالي وغير شرعي»، مؤكداً امتلاك قوات النظام «عوامل القوة» لإخراج القوات الأميركية من التنف (قرب الحدود مع الأردن والعراق) باعتبارها قوات «احتلال». ولفت إلى أن الورقة المتبقية مع القوات الأميركية هي ورقة «قوات سوريا الديمقراطية» في شمال شرقي سوريا، قائلاً: «سنتعامل معهم إما بالمصالحات وإما بتحرير الأرض».
وقال أيوب أيضاً: إنه من «غير الحكمة الرد» على الضربات الإسرائيلية في الداخل السوري، مضيفاً: «الحكمة ألا ترد. الحكمة ضرب العملاء في الداخل بقسوة»، مشدداً على أن من غير الحكمة الانجرار إلى حرب تحدد إسرائيل مكانها وزمانها، رابطاً بين الضربات الإسرائيلية ومن وصفهم بـ«الإرهابيين بالداخل».
وبث التلفزيون الرسمي السوري وقائع المؤتمر الصحافي المشترك للقيادات العسكرية الإيرانية والسورية والعراقية، وهو الأول من نوعه منذ بدء الحرب في سوريا قبل ثماني سنوات، علماً بأن هناك غرف عمليات مشتركة تضم الإيراني والسوري والعراقي وكل من «يقف في محور المقاومة»، بحسب تعبير تلفزيون النظام.
من جانبه، وصف اللواء الإيراني محمد باقري الاجتماعات العسكرية التي جرت بدمشق بأنها «مهمة للجميع»، قائلاً: إن «ما تمخض عنها سيساعدنا في الاستمرار في مواجهة التحديات والأخطار والتهديدات التي أفرزها انتشار الإرهاب التكفيري وتمدده في هذه المنطقة الحيوية من العالم»، معبّراً عن دعمه لما قاله وزير الدفاع السوري برفض «دخول أي دولة بصورة غير شرعية إلى سوريا». وحدد الهدف لهذه المرحلة بـ«استتباب السيادة الوطنية ووحدة التراب السوري وخروج جميع القوات المتواجدة في سوريا من دون إذن»، مضيفاً أنه من خلال التنسيق الإيراني - السوري - العرقي ستتم مواجهة المشاكل التي تواجه المنطقة، ولا سيما «تدخل الصهاينة»، مضيفاً أن «علينا اتخاذ الإجراءات اللازمة مرحلة بمرحلة». وأكد أن بلاده أرسلت «مستشاريها» إلى العراق وسوريا «بطلب من بغداد ودمشق، وقد دخلت إيران هذه الحرب بكل ما أوتيت من قوة»، معلناً رفضه «دخول القوات المسلحة الأجنبية إلى أي من دول المنطقة من دون إذن قانوني من حكوماتها». وقال: «نحن بدورنا دخلنا سوريا والعراق بإذن من حكومتيهما وسنبقى نحارب الإرهاب في سوريا ما دامت الحكومة الشرعية تطلب منا ذلك».
من جانبه، أعلن رئيس أركان الجيش العراقي، عثمان الغانمي، أن أمن الحدود بين سوريا والعراق مهم جداً، وهو «ممسوك» من قِبل القوات الأمنية العراقية وقوات النظام السوري، معلناً أن الأيام القليلة المقبلة ستشهد فتح المنفذ الحدودي بين العراق وسوريا، واستمرار الزيارات والتجارة بين البلدين. وأشار إلى استمرار التنسيق بين سوريا والعراق «من خلال مركز المعلومات الذي تم إنشاؤه». وشدد على أن فتح المنافذ الحدودية «أمر مهم وحساس للمبادلات التجارية ولتنقل السياح والزوار الإيرانيين انطلاقاً من الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى العراق ومن العراق إلى سوريا»، بحسب ما أوردت وكالة الصحافة الفرنسية.
ويشار إلى أن دمشق لم تعلن رسمياً عن الاجتماع العسكري بشكل مسبق، في حين أعلنت عنه كل من إيران والعراق، ولم تذكر سوريا تفاصيل عن المواضيع التي ستُطرح خلال الاجتماعات التي تستمر يومين.
ميدانياً، ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية، أن «قوات سوريا الديمقراطية» عملت أمس (الاثنين) على تضييق الخناق أكثر فأكثر على مقاتلي تنظيم «داعش» المحاصرين في شرق سوريا، تزامناً مع خوضها اشتباكات عنيفة، واستهدافها بدعم من التحالف الدولي بقيادة أميركية، جيبهم الأخير في الباغوز.
وأتى تصعيد العمليات العسكرية غداة إعلان هذه الفصائل، أن لا مهلة زمنية محددة لانتهاء المعركة، مع ترجيحها وجود الآلاف وبينهم مقاتلون رافضون للاستسلام داخل الجيب المحاصر. وقال مسؤول كردي في «قوات سوريا الديمقراطية» لوكالة الصحافة الفرنسية، الاثنين، في الباغوز: «تقدمت قواتنا داخل المخيم ليلاً وسيطرت على مبانٍ عدة، قبل أن تتابع تقدمها صباح الاثنين وتطوق (داعش) من ثلاث جهات» بينما يوجد نهر الفرات من الجهة الرابعة.
ويقتصر وجود التنظيم حالياً في الباغوز، الواقعة على الضفاف الشرقية لنهر الفرات، على مخيم عشوائي محاط بأراضٍ زراعية تمتد حتى الحدود العراقية.
ومن على جرف صخري مطل على الباغوز، شاهدت صحافية في وكالة الصحافة الفرنسية سحباً من الدخان تتصاعد من المخيم بمحاذاة النهر. وكان أحد مقاتلي «قوات سوريا الديمقراطية» يرصد بمنظار تحركات مقاتلي التنظيم المتوارين بين خيم وشاحنات صغيرة متوقفة قربها، ثم ينادي زميله ليسارع إلى إطلاق النار. يفرغ الأخير ذخيرته ثم يأخذ مقاتل آخر مكانه، بينما يُسمع دوي طلقات رشاشة وقذائف مدفعية من محاور أخرى.
في الوقت ذاته، شنّت طائرات التحالف ضربتين على الأقل بمحاذاة النهر بعد رصد تحركات لمقاتلين من التنظيم قرب جسر مدمر كان يربط ضفتي الفرات.
وقال المتحدث باسم التحالف الدولي، شون راين، للوكالة الفرنسية، أمس: إن «الهجوم البري لـ(قوات سوريا الديمقراطية) كان فعالاً للغاية»، موضحاً أن هذه القوات «تواصل اتباع مقاربة مدروسة ومنهجية لإنهاء آخر مناطق سيطرة (داعش)».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.