فضاء و فلك: «محاكاة هاواي المريخية» تتحوّل إلى القمر

قبة فضائية لتدريب الرواد على ظروف العمل فوق سطح الأجرام السماوية

TT

فضاء و فلك: «محاكاة هاواي المريخية» تتحوّل إلى القمر

تمّ إنشاء «مشروع هاواي للاستكشاف الفضائي التناظري والمحاكاة» (HI - SEAS) في قبة بيضاء صغيرة على طول منحدر بركان كبير يعرف بـ«مونا لوا». وقد اعتادت هذه المنشأة أثناء عملها إيواء 6 أشخاص في وقت واحد وعلى مدار عام كامل. وكان هؤلاء يتناولون الوجبات المثلّجة والمجففة، ويستحمون خلال 30 ثانية فقط لضمان عدم هدر المياه، ويرتدون بِزّات فضائية في كلّ مرة يغادرون فيها القبّة.
ولاستنساخ ومحاكاة فجوة الاتصالات بين كوكبي الأرض والمريخ، كانوا ينتظرون 20 دقيقة لوصول رسائلهم الإلكترونية إلى أفراد عائلاتهم، و20 دقيقة أخرى لتلقي الإجابة. وأحياناً، عندما يغرقون في النوم، ويطغى الصمت على آذانهم، كانوا يصدّقون فعلاً أنّهم على المريخ.
ولكن في فبراير (شباط) من العام الماضي، اضطربت الأمور. فقد كانت البعثة السادسة والأخيرة في يومها الرابع فقط عندما تمّ نقل أحد أفرادها على حمّالة إلى المستشفى. وكشفت التحقيقات التي خرجت إلى النور في يونيو (حزيران)، عن حدوث انقطاع للطاقة في المنشأة أدّى إلى بعض المشكلات التي انتهت بتعرّض أحد النزلاء لصعقة كهربائية، تمّ نتيجتها إخلاء سائر أفراد الطاقم.
في ذلك الوقت، دارت نقاشات حول إعادة الشخص المصاب الذي عولج وأخرج من المستشفى في اليوم نفسه إلى القبّة، إلا إنّ مشاركاً آخر من الطاقم شعر بأن الظروف ليست آمنة للاستمرار وقرر الانسحاب. لهذا السبب، ولأنّ بعثة محاكاة المريخ لا يمكن أن تستمرّ بطاقم يقلّ عدد أفراده عن 3، تمّ تعليق البرنامج بكامله.
ولكنّ المنشأة الواقعة على منحدر بركان «مونا لوا» لم تُترك؛ ففي الوقت الذي كان فيه مسؤولون من جامعة هاواي و«ناسا» يحققون في الحادثة، كان رائد الأعمال الهولندي الذي بنى القبّة يفكّر في كيفية استخدامها.
وقد شهد شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي اختباراً لأوّل محاكاة على سطح القمر. أمّا المحاكاة الحقيقية، فستستغرق بضعة أسابيع. ويعتزم هانك روجرز، رجل الأعمال الهولندي، اجتذاب مقترحات للبحوث من علماء في جميع أنحاء العالم.
ولكنّ التعديل لا يعني أن المحاكاة المريخية انتهت؛ إذ تؤكد كيم بينستد، من جامعة هاواي ومسؤولة التحقيق في مشروع «HI - SEAS» على تنظيم بعثة سابعة يوماً ما.
يذكر أنّ بينستد هي من تحدثت أولاً في موضوع بناء هذه القبة مع روجرز على البركان.

- محاكاة قمرية
بعد الحادثة، راجعت «ناسا» منحة بينستد. تخضع برامج البحث البشري للمراجعات كلّ عام، ولكنّ هذا المشروع تحديداً كان «ضخماً»، لذا تطلّب طرح أسئلة أكثر.
في منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حصلت بينستد على تصريح رسمي لاستكمال بحثها، حتى إنّها حصلت على تمويل، دون أن تصدر «ناسا» بحقها أي لوم أو إجراءات عقابية. ولكنّ الوقت داهم برنامج «HI - SEAS»، لأن أي محاكاة كان يجب أن تحدث قبل حلول هذا العام. وهي تتوقع أن يكون فريقها قادراً على البدء ببعثة أخرى مدتها 8 أشهر، ليقوم بتحليل للبيانات بعدها. ولن تحصل على نتائج قبل نحو السنتين.
ولكن المحاكاة القمرية البديلة لن تكون مختلفة كثيراً عن المحاكاة المريخية، لأنّ أفراد الطاقم سيكونون مضطرين خلالها للالتزام بالمنشأة بمختلف نظمها، كالطاقة والمياه والطعام والحمام الخاص. كما أنّهم سيحتاجون إلى ارتداء البِزّات الخاصة قبل مغادرة القبة، إلى جانب عملهم على استكشاف أرض «مونا لوا» الصخرية الحمراء التي تشكّلت من الحمم البركانية القديمة.

- القمر بدلاً من المريخ
التغيير هذه المرّة سيكون في المجال البحثي. فقد كانت المحاكاة المريخية تهدف إلى دراسة سلوك الناس في الفترات الطويلة والبعثات المتجهة إلى الفضاء العميق، باتصال متواضع أو معدوم مع الأرض. وأعطى الباحثون خلالها توجيهات للمشاركين بارتداء أجهزة لمراقبة أعضائهم الحيوية وحركاتهم ونومهم، ثمّ تعبئة استمارة حول سلوكهم الشخصي وتفاعلاتهم مع الآخرين، والكتابة تعبيراً عن مشاعرهم بشكل أسبوعي.
أمّا في المحاكاة القمرية، فإن المشاركين سيكونون «باحثين» وليسوا فئراناً للتجارب؛ إذ إنّهم سيقومون باختبارات علمية وسيختبرون تقنية جديدة مخصصة للحياة على سطح القمر، بالنيابة عن الباحثين الذين سيزوّدونهم بالتعليمات اللازمة بعيداً عن «مونا لوا». وكما على المحطة الفضائية الدولية، فستدور الطواقم في قلب القبة وخارجها، بحسب متطلبات التجارب على طول الرحلة.
ولكن هذه المرّة، لن تكون هناك حاجة لبعض الإجراءات الوقائية التي كانت معتمدة؛ ففي المحاكاة المريخية، وفي الأيام الممطرة والغائمة التي كانت تحول دون شحن البطاريات الشمسية التي تزود المنشأة بالطاقة، كان على أفراد الطاقم أن يرتدوا بِزّاتهم والخروج لتشغيل المولّد الكهربائي الذي يعمل بوقود البروبان. أمّا الآن، فسيتمّ التحويل من البطاريات الشمسية إلى المولّد الاحتياطي بشكل أوتوماتيكي أو عبر مركز التحكم بالبعثة الموجود في مزرعة روجرز في «بيغ آيسلاند».
تقول ميكاييلا موسيلوفا؛ عالمة أحياء فلكية من سلوفاكيا، وبدأت عملها للتو في مشروع المحاكاة القمرية في حديث نقله موقع «أتلانتك أونلاين»: «إننا نحاول أن نحرص على عدم حدوث أخطار أو مشكلات كما حدث في المرة الماضية».
وتشرف ميكاييلا موسيلوفا على مهمة جديدة انطلقت في 20 فبراير من هذا العام لعمليات محاكاة امتدت أسبوعين لاختبار المعدات عند العمل في ظروف القمر أو المريخ. ويشارك فريق من 6 أفراد في المهمة ضمن «المبادرة القمرية الأوروبية» لوكالة الفضاء الأوروبية وجامعة أمستردام بالتعاون مع «مشروع هاواي». وكما نظرائهم الذين شاركوا في المحاكاة المريخية، ترك المشاركون في المشروع القمري وحدهم في البركان خلال البعثة، ولكنّهم اتصلوا بشكل أكبر مع العالم الخارجي، لأن القبّة ستتخلّص من معظم وسائل منع الاتصال، إلى جانب تقليص تأخير الاتصال من 20 دقيقة إلى 3 ثوان.

- بث تلفزيوني
وقد نشر روجرز كاميرات في الأماكن المشتركة في المنشأة، ويدرس الفريق ما إذا كان يجب تشغيلها طوال الوقت أم فقط في حالات الطوارئ. ولكنّ روجرز يفكّر جدياً في بثّ البعثة مباشرة للناس على شكل تلفزيون الواقع.
وقال رجل الأعمال الهولندي: «لم نستطع القيام بهذا الأمر خلال بعثات (ناسا) لأن تركيب الكاميرات حول المركبة كان يعد استباحة للخصوصية، ولكننا هنا لا ندير فندقاً لشهر العسل. نحن نشغّل محطة فضائية».
تأتي خطط روجرز في فترة حيوية على صعيد الاستكشاف القمري؛ ففي ظلّ إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يركز البرنامج الفضائي الأميركي بشكل كبير على تطوير التقنيات القمرية، حيث قال جيم بريدينستين، مدير «ناسا»، إن الوكالة الفضائية سترسل مركبات فضائية آلية إلى القمر هذا العام، على أن تلحقها برواد فضاء بشر خلال 10 سنوات. أمّا الوكالة الفضائية الهندية، فتخطط لوضع مركبة سيارة ومسبار على سطح القمر في الربيع. وبدورها، ترغب روسيا في إرسال أوّل روادها الفضائيين إلى سطح القمر عام 2030، مع خطط لبناء محطة دائمة هناك. كما أعلنت الوكالة الفضائية الأوروبية التي تضمّ 22 دولة، في أكتوبر الماضي أنّها ستسعى إلى بناء سطح قمر صناعي على شكل منشأة في مدينة كولون الألمانية، ومهمته تدريب رواد فضائيين على بعثات مستقبلية. وتعمل الشركات التجارية من دول مختلفة على تقديم طروحات لإرسال بعثات قمرية بوتيرة سريعة لم يرَ العالم مثلها منذ برنامج «أبولو».
وتقول بينستد: «إن عزلة موقع (HI - SEAS) هي أكثر ما يجعله مناسباً للمحاكاة الفضائية، إلى جانب غياب التحفيز البصري والحياة خارج المنشأة. وهذه الأمور جميعها تعدّ عوامل مشتركة بين القمر والمريخ».


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
TT

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)

أعلنت شركة «سبيس بايونير»، المتخصصة في تطوير الصواريخ ومقرُّها بكين، اليوم الجمعة، أن الرحلة التجريبية الأولى لصاروخها القابل لإعادة الاستخدام «تيانلونغ-3» باءت بالفشل، مما يسلّط الضوء على التحديات التي يواجهها مطوّرو الصواريخ الصينيون في محاولتهم اللحاق بشركة «سبيس إكس» الأميركية، التابعة لإيلون ماسك.

ولم تقدم «سبيس بايونير»، المعروفة أيضاً باسم «بكين تيانبينغ تكنولوجي»، سوى قليل من التفاصيل حول سبب الفشل، واكتفت بإعلان الفشل، في بيان موجَز نشرته على حسابها الرسمي على تطبيق «وي تشات».

والشركة بين مجموعة صغيرة من شركات تطوير الصواريخ في القطاع الخاص، التي تشهد نمواً سريعاً مدفوعاً بجهود بكين لتحويل الصين إلى قوة فضائية كبرى، فضلاً عن الدعم المتعلق بالسياسات الذي يسهّل على هذه الشركات جمع رأس المال وطرح أسهمها للاكتتاب العام، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتتنافس هذه الشركات، الآن، على مَن يصبح المطوّر الصيني الرائد للصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، وهي تقنية لم تتقنها، حتى الآن، سوى شركة «سبيس إكس».

والقدرة على إطلاق المرحلة الرئيسية لصاروخ مَداري واستعادتها وإعادة استخدامها هي عامل أساسي لخفض تكاليف الإطلاق وتسهيل وضع الأقمار الصناعية في المدار حول الأرض لأغراض تتراوح من الاتصالات إلى المراقبة العسكرية.


علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
TT

علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)

عندما يحدث الانفجار الهائل لنجم في نهاية حياته، فيما يعرف بظاهرة المستعر الأعظم أو (السوبرنوفا)، فإنه يقذف المادة في الفضاء ويترك عادة بقايا نجمية شديدة الكثافة، مثل الثقب الأسود أو النجم النيتروني.

لكن بعض هذه الانفجارات عندما تحدث لأكبر النجوم في الكون قد تكون قوية للغاية لدرجة أنها لا تترك أي شيء على الإطلاق، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويطرح العلماء منذ ستينات القرن الماضي نظرية حدوث هذه الانفجارات النجمية فائقة القوة، وتوصلوا الآن إلى أدلة على وجودها، وإن كانت غير مباشرة.

ظهرت هذه الأدلة في أبحاث تتعلق بالثقوب السوداء وموجات الجاذبية في نسيج الكون، التي تعرف بتموجات (الزمكان).

وقال هوي تونغ، وهو طالب دكتوراه في الفيزياء الفلكية بجامعة موناش في أستراليا والمعد الرئيسي للدراسة التي نُشرت، الأربعاء، في دورية «نيتشر»، إن التوقعات تشير إلى أن مثل هذه الانفجارات النجمية العظمى تحدث في أضخم النجوم؛ أي تلك التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بما يتراوح بين 140 و260 مرة.

وأضاف تونغ: «على الرغم من كتلتها الهائلة، فإن عمرها قصير نسبياً، نحو بضعة ملايين سنة. وللمقارنة، ستعيش الشمس نحو 10 مليارات سنة، لذا فإن هذه النجوم تحترق أسرع بألف مرة تقريباً، مثل الألعاب النارية الكبيرة التي تشتعل بشدة ولفترة قصيرة قبل أن تنفجر».

«المدى المحظور»

يترك انفجار نجوم كبيرة ذات كتلة معينة وراءه نجماً نيوترونياً، وهو نواة النجم المنهارة والمضغوطة. وعندما تنفجر بعض النجوم الأكبر من ذلك، تترك وراءها ثقباً أسود، وهو جسم شديد الكثافة وله جاذبية قوية لدرجة أن الضوء نفسه لا يستطيع الهرب منها. ويحتفظ الثقب الأسود بجزء من كتلة النجم الأصلي، بينما يُقذف الباقي في الفضاء.

وفي هذه الدراسة، فحص الباحثون بدقة البيانات المجمعة عن 153 زوجاً من الثقوب السوداء، مع معرفة كتلتها بناء على موجات الجاذبية التي أطلقتها، ثم فصلوا الثقوب السوداء التي تشكلت عبر اندماجات سابقة بين ثقبين أسودين أصغر حجماً.

واكتشف الباحثون حينها غياب الثقوب السوداء التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بواقع 44 إلى 116 مرة، وهو ما أطلقوا عليه وصف «المدى المحظور».

وقالوا إن غيابها يمكن تفسيره على أفضل وجه بأنه اندثار النجوم الأكبر، ولكن بدلاً من أن تترك وراءها ثقوباً سوداء في هذا النطاق من الكتلة كما هو متوقع، فإنها تنفجر دون أن تترك أي أثر في نوع نادر من الانفجارات يطلق عليه «سوبرنوفا عدم الاستقرار الزوجي».

أفضل مؤشر حتى الآن

ووصفت عالمة الفيزياء الفلكية المشاركة في إعداد الدراسة مايا فيشباك من المعهد الكندي للفيزياء الفلكية النظرية بجامعة تورونتو هذه الظاهرة بأنها «من أعنف أنواع انفجارات موت النجوم».

وأضافت: «في الغالب، تشكل النجوم الضخمة ثقوباً سوداء. وكلما زادت كتلة النجم، زاد ثقل الثقب الأسود»، إلى أن تصل النجوم إلى عتبة كتلة معينة، تفرض بعدها القواعد الفيزيائية لانفجارها عدم تركها أي بقايا نجمية.

وقال تونغ: «تصبح النواة غير مستقرة، مما يؤدي إلى انهيار جامح ثم انفجار حراري نووي عنيف ينسف النجم».

وفي الوقت الحالي، قد تكون الأدلة المقدمة في هذه الدراسة أفضل مؤشر حتى الآن على حدوث انفجارات عدم الاستقرار الزوجي.

وقال تونغ: «إننا نستخدم في الأساس شيئاً غير مرئي، وهو الثقوب السوداء، باعتباره سجلاً لبعض من أكثر الانفجارات سطوعاً في الكون».


حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
TT

حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم

لم يكن الاجتماع الذي عقدته «منظمة الصحة العالمية» في الأول من أبريل (نيسان) 2026، مجرد لقاء تقني لمناقشة مستقبل الصحة الرقمية، بل بدا أقرب إلى لحظة مراجعة عالمية لسؤال يتجاوز التكنولوجيا نفسها: مَن يملك القرار عندما تدخل الخوارزميات إلى قلب الطب؟

مشهد عالمي... وسؤال واحد

في تلك المشاورات التي جمعت حكومات، وشركات، وخبراء، وممثلين عن المجتمع المدني، لم يكن النقاش حول أدوات أو منصات، بل حول شيء أعمق بكثير: كيف يمكن تحويل الأخلاق من مبادئ تُكتب إلى شروط تُبرمج داخل الأنظمة؟

وللمرة الأولى، لم تعد الأخلاقيات هامشاً مكمّلاً للتقنية، بل أصبحت في صلبها.

لكن خلف هذا المشهد التوافقي الهادئ، يظل سؤال أكثر إرباكاً يفرض نفسه: هل يمكن فعلاً الاتفاق على أخلاقيات عالمية... في عالم لا يتفق حتى على معنى القرار الطبي نفسه؟

من التقنية إلى الأخلاق: تحوّل في مركز الثقل

ما يلفت الانتباه في هذه الاستراتيجية ليس ما تقوله عن التكنولوجيا، بل ما تكشفه من تحوّل في طريقة التفكير؛ فبعد سنوات كان التركيز فيها منصبّاً على توسيع استخدام الأنظمة الرقمية، تتحول البوصلة اليوم نحو مفاهيم أكثر عمقاً: العدالة، والثقة، والشمول، وحوكمة البيانات. لم يعد السؤال كيف نستخدم التقنية؟ بل: كيف نضبطها؟

الوثيقة تدعو إلى نموذج «متعدد الأطراف»، لا يقتصر فيه القرار على الحكومات، بل يمتد ليشمل القطاع الخاص، والمجتمع المدني، والمؤسسات الأكاديمية، في محاولة لبناء نظام صحي رقمي يعكس تعقيد الواقع العالمي، لا في صورته النظرية المبسطة. لكن هذا الطموح، رغم وجاهته، يكشف مفارقة دقيقة: فإذا شارك الجميع في القرار... فمن يتحمل نتيجته؟

حين يتوقف القراروتبدأ الأسئلة

وهم الإجماع: عندما يصبح الجميع مسؤولاً... ولا أحد مسؤول

في الظاهر، يبدو النموذج التشاركي مثالياً؛ فهو يعزز الشفافية، ويحدّ من الانحياز، ويمنح القرار طابعاً جماعياً مطمئناً. لكن في العمق، يحمل هذا النموذج مفارقة دقيقة؛ حين تتوزع المسؤولية على الجميع... قد تختفي. فالقرار الطبي، بطبيعته، لا يحتمل الغموض. في لحظة التشخيص أو التدخل العلاجي، لا يمكن للطبيب أن يستند إلى «إجماع خوارزمي»، ولا إلى رأي موزّع بين أنظمة متعددة. هناك دائماً لحظة حاسمة يتحمل فيها إنسان واحد مسؤولية الاختيار.

وهنا يظهر التوتر بين عالمين لا يلتقيان بسهولة: عالم الخوارزميات الذي يميل إلى توزيع القرار، وعالم الطب الذي يقوم (في جوهره) على تحمّل مسؤوليته.

حين تتقدم القدرة... ويتأخر الفهم

أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تحليل البيانات الطبية بدقة غير مسبوقة، واقتراح قرارات قد تتفوق في بعض الحالات على التقدير البشري، خصوصاً في قراءة الصور الطبية أو ربط المؤشرات المعقدة في السجلات الصحية.

لكن هذه القدرة التقنية، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة فهماً كاملاً لما يحدث في الواقع السريري. فالأنظمة الذكية لا تعيش نتائج قراراتها، ولا تتعامل مع المريض بوصفه تجربة إنسانية متكاملة، بل كبيانات قابلة للتحليل. إنها قادرة على الحساب، لكنها لا تدرك السياق. وتستطيع التنبؤ، لكنها لا تتحمل تبعات الخطأ.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي في الطب الحديث: أن نمتلك أدوات قادرة على دعم القرار بدرجة عالية من الدقة، دون أن نخلط بين القدرة الحسابية... والفهم السريري الكامل لنتائج هذا القرار.

القرار... وما الذي لا تقوله الوثيقة؟

رغم شمول هذه الاستراتيجية، فإنها تترك عدداً من الأسئلة الجوهرية دون إجابة واضحة، وهي أسئلة تمسّ جوهر القرار الطبي نفسه.

- من يتحمل المسؤولية عند الخطأ؟

- ومن يملك صلاحية إيقاف النظام عندما تنحرف الخوارزمية عن المسار الصحيح؟

- ومتى يجب أن يمتنع الذكاء الاصطناعي عن تقديم التوصية، بدلاً من الاستمرار في إعطاء إجابة قد تكون مضللة؟

هذه الأسئلة لا تتعلق بالتقنية بقدر ما تتعلق بحدودها.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «الصمت الخوارزمي» بوصفه أحد أهم التحديات المقبلة، وهو اللحظة التي يجب فيها على النظام الذكي أن يتراجع، لأن القرار يتجاوز نطاق البيانات التي بُني عليها، أو لأن درجة عدم اليقين أصبحت أعلى من أن تُترجم إلى توصية موثوقة.

الذكاء الاصطناعي لا يصل إلى الجميع

* نحو 30 في المائة من سكان العالم فقط يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات

التقنية التي تسمح بتطبيق التقنيات الذكية في الممارسة الطبية بشكل فعلي

وهم الشمول: هل العالم متساوٍ رقمياً؟

رغم أن هذه الاستراتيجية تدعو إلى شمول عالمي في تبني الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي، فإن الواقع يكشف مفارقة واضحة؛ فالتقديرات تشير إلى أن نحو 30 في المائة فقط من سكان العالم يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات التقنية التي تسمح بتطبيق هذه التقنيات في الممارسة الطبية بشكل فعلي.

وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن الأخلاقيات نفسها: كيف يمكن تحقيق «عدالة رقمية» في عالم غير متكافئ رقمياً من الأساس؟ فالدعوة إلى الشمول، رغم عدالتها النظرية، قد تحمل نتيجة معاكسة؛ إذ قد تؤدي عملياً إلى توسيع الفجوة بين أنظمة صحية متقدمة قادرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة الرعاية، وأخرى لا تزال تكافح لتوفير الحد الأدنى من الخدمات الطبية.

وفي هذا السياق، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للتطوير، بل قد يتحول (من حيث لا يُقصد) إلى عامل جديد يعيد رسم خريطة العدالة الصحية على مستوى العالم.

بين العدالة... والحياة

من أكثر التحديات تعقيداً في الطب أن القرار «الأخلاقي» لا يكون دائماً «عادلاً» بالمعنى النظري أو الإحصائي؛ ففي الممارسة السريرية، قد يضطر الطبيب إلى اتخاذ قرار لا يحقق التوازن بين جميع الخيارات، بل يركّز على إنقاذ حالة محددة في لحظة حرجة، حتى لو جاء ذلك على حساب اعتبارات أخرى. وهذا النوع من القرارات يعتمد على السياق، وعلى تقدير المخاطر، وعلى فهم الحالة الفردية للمريض.

في المقابل، تميل الخوارزميات بطبيعتها إلى البحث عن التوازن، وإلى تقديم توصيات تستند إلى الأنماط العامة والنتائج الأكثر ترجيحاً على مستوى المجموعات. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: الفارق بين قرار يُبنى على حساب الاحتمالات... وقرار يُتخذ في مواجهة حالة إنسانية فردية.

الخاتمة: من يعرّف الأخلاق؟

قد تضع الاجتماعات العالمية أطراً عامة، وقد ترسم الاستراتيجيات مسارات للتطوير، لكن القرار الطبي سيبقى (في جوهره) لحظة إنسانية لا يمكن اختزالها بالكامل في نموذج حسابي. فالذكاء الاصطناعي قادر على دعم القرار وتحسين دقته، لكنه لا يستطيع أن يحدد بمفرده ما هو القرار الصحيح في كل سياق سريري.

وفي الوقت الذي تدخل فيه الأخلاقيات إلى تصميم الخوارزميات، لا يعود التحدي تقنياً فقط، بل يصبح سؤالاً أعمق يتعلق بالمرجعية ذاتها: من يملك حق تعريف الأخلاق... عندما تتحول إلى جزء من الرموز الكومبيوترية؟