غور الأردن يبقى حجر عثرة في طريق مباحثات السلام

الفلسطينيون يخوضون صراع بقاء مع المستوطنين

عائلة فلسطينية تجتمع حول موقد في منزلها في قرية برادلة شمال منطقة غور الأردن («نيويورك تايمز»)
عائلة فلسطينية تجتمع حول موقد في منزلها في قرية برادلة شمال منطقة غور الأردن («نيويورك تايمز»)
TT

غور الأردن يبقى حجر عثرة في طريق مباحثات السلام

عائلة فلسطينية تجتمع حول موقد في منزلها في قرية برادلة شمال منطقة غور الأردن («نيويورك تايمز»)
عائلة فلسطينية تجتمع حول موقد في منزلها في قرية برادلة شمال منطقة غور الأردن («نيويورك تايمز»)

يقول سكان قرية بردلة الزراعية الفلسطينية، التي تقع في شمال منطقة غور الأردن من الضفة الغربية، إن المياه تزورهم في منازلهم كل ثلاثة أيام، وعندما تأتي يسارعون لملأ الزجاجات والصهاريج لاستخدامها طوال الفترة التي تنقطع فيها المياه عنهم. في المقابل، تبدو مستوطنة شادموت ميهولا اليهودية المجاورة قطعة من الجنة إذا ما قورنت بتلك القرية، حيث تمتلئ بمساحات واسعة من العشب الأخضر وحمامات السباحة.
المتناقضات التي تظهر في تلك الخلفية الوعرة من التلال، التي تشق قممها الحادة سماء الضفة الغربية، تعكس التعقيدات التي تبدو في الصراع الشرس للسيطرة على وادي الأردن، وكذلك التحديات التي تواجه الفلسطينيين في إدارتهم لشؤون تلك المنطقة. وبينما يسعى المفاوضون الإسرائيليون والفلسطينيون إلى تحقيق تقدم في مباحثات السلام التي أعاد إحياءها وزير الخارجية الأميركي جون كيري، فقد بقي الطرفان على خلاف فيما يتعلق بالممر الاستراتيجي الذي يمر بين المنطقة الحيوية المزدحمة بالسكان في الضفة الغربية والمنطقة الحدودية مع الأردن. ويصر بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، على الإبقاء على وجود إسرائيلي عسكري طويل الأجل على طول المنطقة الحدودية بهدف منح تسلل الأفراد وتهريب الأسلحة من الشرق. ويقول بعض أعضاء حزب نتنياهو (الليكود) إنه لا يمكن تحقيق أي عمق أمني أو استراتيجي من دون بناء المستوطنات، مشيرين إلى أن إسرائيل ينبغي أن تضم تلك المنطقة بشكل دائم.
على الجانب الآخر، يصر الفلسطينيون على أنه ينبغي على إسرائيل سحب قواتها والتوقف عن بناء المستوطنات حتى يتمكنوا من السيطرة على حدودهم، في إطار إنشاء دولتهم المستقلة ذات السيادة.
غير أن سكان وادي الأردن، الذي دائما ما يكون فصل الصيف فيه شديد الحرارة، يرون أن المناورات الدبلوماسية تبدو مسألة ثانوية بالنسبة لواقع الحياة الصعب الذي يواجهه مجتمعان متداخلان ومتعاديان. فبينما يسيطر القلق على المستوطنين من خسارة منازلهم، يشعر الفلسطينيون بالقلق من أن تواصل إسرائيل السيطرة على غالبية المياه والأراضي في الوادي الخصيب الذي يعتبرونه سلة غذاء الدولة المستقبلية. ويقول ضرار صوافطة، أحد موظفي مجلس بلدية قرية دربلة: «إننا نعيش تحت رحمتهم».
ويعيش نحو 60 ألف فلسطيني في منطقة وادي نهر الأردن في قرى متفرقة وواحة مدينة أريحا القديمة. ويعملون بالزراعة في نحو 8600 فدان، يجري استئجار غالبية تلك المساحة من ملاك الأراضي الفلسطينيين الأثرياء، الذين يعيشون في القدس ونابلس. ويشتكي الكثيرون من سوء الإدارة والاختلال الوظيفي من جانب السلطة الفلسطينية، التي تدير القرى وأريحا، فضلا عن القيود التي يفرضها الحكم الإسرائيلي العسكري.
على الجانب الآخر، يعيش 6500 مستوطن إسرائيلي في 21 تجمعا سكانيا صغيرا يتخللها كثير من الثكنات العسكرية الإسرائيلية. ويزرع المستوطنون الإسرائيليون 13000 فدان، ويستخدمون مياه الصرف الصحي المعالجة في ري بساتين التمر الوفيرة، كما يستأجرون 6000 فلسطيني للعمل في مشاريع زراعية مزدهرة جرى تكييفها لتلائم الطقس شبه الاستوائي.
ويزعم القادة الفلسطينيون أن إسرائيل تريد البقاء في تلك المنطقة إلى أجل غير مسمى بسبب مصالحها الاقتصادية. وقد وضع صائب عريقات، كبير المفاوضين الفلسطينيين وممثل منطقة وادي الأردن في المجلس التشريعي الفلسطيني، قائمة بمصالح المستوطنين في تلك المنطقة، التي تشمل: «مزارع النخيل الكبيرة ومزارع الكرم الكبيرة ومزارع الديك الرومي، بالإضافة إلى بحيرات اصطناعية لتربية التماسيح، من أجل استخدام جلودها في الأحذية والحقائب».
غير أن مستوطني وادي الأردن الذين جاء معظمهم بحثا عن الحياة الرعوية تحت رعاية حكومات يقودها حزب العمل الذي يسيطر عليه عقلية أمنية بعد حرب 1967، يعيشون وسط حالة متنامية من عدم اليقين من أن الحكومة ستدعم استمرار وجودهم هناك.
في عام 1997 خلال فترة رئاسته الأولى للوزراء، كتب نتنياهو خطابا للمستوطنين جاء فيه أن «وادي الأردن سيصبح جزءا لا يتجزأ من دولة إسرائيل بوب أي اتفاقية يجري التوصل إليها».
لكن كثيرين من المستوطنين يشيرون إلى حديث نتنياهو الآن عن الإبقاء فقط على وجود عسكري في تلك المنطقة.
في قرية بردلة، تبدو الأمور في غاية التعقيد، إذ أدى الاحتلال والمشكلات الفلسطينية الداخلية إلى جفاف آبار المياه. وقبل قيام إسرائيل بانتزاع المنطقة من الأردن خلال حرب 1967، كانت بردلة تعتمد على المياه الآتية من أحد الينابيع القريبة. لكن الإسرائيليين قاموا بحفر بئر ذات عمق أكبر، وهو ما علق عليه صوافطة بقوله: «جففوا بئرنا».
وفي سبعينات القرن الماضي، أبرمت اتفاقية بشأن المياه، ثم جرى توقيع اتفاقية أوسلو للسلام في تسعينات القرن الماضي، وهو ما أدى بعد ذلك إلى توقيع اتفاقيات مياه جديدة. غير أنه مع الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي اندلعت في عام 2000، توقف الفلسطينيون عن تسديد فواتير الكهرباء والمياه للسلطة الفلسطينية، بل حتى مجلس بلدية قرية بردلة يتحمل مسؤولية عدم تسديد نحو مليوني شيقل (أكثر من 560 ألف دولار) قيمة فواتير المرافق. وهذا ما دعا السلطة الفلسطينية، حسب كلام صوافطة، إلى تأجيل تمويل بعض المشاريع، مثل مد الطرق وبناء سد وشبكة مياه في القرية.
وتستقطع إسرائيل ديون استغلال المرافق من عوائد الضرائب التي تجمعها بالنيابة عن السلطة الفلسطينية. وبعد ذلك تستخدم الحكومة الفلسطينية، التي تعاني على الدوام نقصا في السيولة، باقي العوائد في دفع مرتبات موظفيها. وبعد دفع مرتبات الموظفين، يتبقى الشيء القليل الذي تستخدمه السلطة الفلسطينية في مساعدة المزارعين. ويقول رفعت حمد الله الدراغمة، صاحب مزرعة، إن السلطة الفلسطينية مدينة له بـ300 ألف شيقل (نحو 85 ألف دولار) عبارة عن مبالغ ضرائب مستردة خلال الأربعة أعوام الماضية. ويعمل لدى الدراغمة 15 عائلة في مزرعته الكائنة في منطقة «الجفتلك» في الوادي، ويبيع الدراغمة إنتاج المزرعة لإسرائيل.
ويقول عبد الغفار الدوابشة، نائب مدير زراعة أريحا، أن هناك نحو 60 حالة مشابهة لحالة الدراغمة في مكتبه.
«خربة مكحول»، وهي عبارة عن مخيم على الطريقة البدوية يقع شمال وادي الأردن، خلال الأشهر القليلة الماضية، رمزا للصراع المستمر على كل شبر من أرض وادي الأردن. ففي سبتمبر (أيلول)، وصلت جرافات الجيش الإسرائيلي فجرا إلى «خربة مكحول»، حيث محت جميع هياكل الأبنية المؤقتة، بما فيها تلك الأبنية التي تأوي الناس والحيوانات. وكلما قام الفلسطينيون بنصب خيام جديدة، عادت الجرافات لإزالتها، حتى تكرر ذلك السيناريو ثلاث مرات، مما دعا النساء والأطفال للانتقال إلى مساكن دائمة في قرية طمون الواقعة قرب نابلس.
ويعلق أشرف بشارات (30 سنة)، واحد مما يقرب من 12 عائلة تربي الماشية في «خربة مكحول»، على ما قامت به الجرافات الإسرائيلية بقوله «لقد اعتدنا العيش كملوك»، مشيرا إلى أنه قبل سبتمبر (أيلول) كانت سفوح التلال تعج بحظائر الحيوانات.
وتقع «خربة مكحول» بين ثلاث قواعد للجيش الإسرائيلي. وخلال تدريباتهم، دائما ما يصدر الجنود الإسرائيليون ضجيجا ناتجا عن الانفجارات وأصوات إطلاق النار. ويقول المسؤولون العسكريون الإسرائيليون إن حظائر الحيوانات جرى تدميرها، لأنها بُنيت من دون الحصول على تراخيص.
العائلات الفلسطينية ترفض مغادرة الأراضي التي يقولون إنهم امتلكوها أو استأجروها على مدى عقود. وتقوم السلطة الفلسطينية في الوقت الحالي بمساعدة العائلات الفلسطينية على تسجيل قطع الأراضي وكذلك الحصول على تراخيص للعمل فيها. وقد جرى إعادة بناء إحدى الحظائر. كما ينام بعض السكان المحليين تحت أغطية من مادة النيلون جرى نصبها مكان خيمة العائلة التي قامت الجرافات الإسرائيلية بإزالتها.
وقد جرى توصيف غالبية مناطق وادي الأردن تحت مظلة «المنطقة سي»، أي أنها جزء من الضفة الغربية التي تبقى تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة. ومن الصعب الحصول على تراخيص لتشييد الأبنية التي يجري فيها تعبئة المنتجات الزراعية أو الأكواخ المسقوفة بألواح مصنوعة من مادة الزنك، بينما تكون عمليات هدم تلك الأبنية سمة للحياة اليومية في تلك الأراضي. المستوطنون الإسرائيليون يتولون حاليا، بشكل مؤقت، حماية الأماكن التي يعيشون فيها. وبعد أن ضرب فلسطينيان من منطقة الخليل ضابطا إسرائيليا متقاعد بالهراوات حتى الموت في أكتوبر (تشرين الأول) في فناء منزله، بقرية بروش هابيكا السياحية المنعزلة، قام طلاب وعائلات مدرسة يشيفا الكائنة في إحدى المستوطنات الدينية المجاورة، بالانتقال بشكل مؤقت خلال العطلة للإقامة في المنطقة، في محاولة لتعزيز وجودهم هناك.
وخلال الأعوام القليلة الماضية، زرع المستوطنون جزءا من المنطقة منزوعة السلاح الواقعة بين السياج الحدودي الأمني ومنطقة الحدود الفعلية على طول نهر الأردن بآلاف من شجيرات النخيل. كما بدأ أبناء مؤسسو المستوطنات، الذين غادروا مرة أخرى إلى المدينة، بالعودة إلى تلك المستوطنات بفضل أسعار السكن الرخيصة وطريقة العيش في المجتمعات الريفية. وخلال هذا الأسبوع، افتتح وزير كبير في حزب الليكود حيا جديدا في «جيتيت»، وهي مستوطنة بعيدة كانت في يوم من الأيام ذات طابع علماني، غير أنه جرى إحياؤها مرة أخرى، ولكن عن طريق تدفق سيل من المستوطنين الدينيين.
خلال لقاء أُجري معه أخيرا، قال ديفيد الهياني عضو حزب الليكود ورئيس مجلس وادي الأردن الإقليمي المؤلف من المستوطنين: «لقد استغرق الأمر منا 30 عاما قضيناها في التفكير فيما ينبغي أن نزرعه وكيف نزرعه». ويدير الهياني مزرعة نباتات طبية في مستوطنة أرجمان التي تقع أعلى أحد التلال في وادي الأردن حيث يستعين بـ20 فلسطينيا لزراعتها. ويشير الهياني إلى علاقة الصداقة والتعاون التي تجمعه بالمزارعين الفلسطينيين الذين يعملون في مزرعته.
ويقول الهياني عن التيار الإسرائيلي السائد: «إنهم يصفوننا بالرواد، ملح الأرض، الصهاينة الحقيقيين»، مضيفا: «والآن يبدو أن حزب العمل وآخرين قد تخلوا عن مستوطني وادي الأردن».
ويضيف الهياني: «لقد جئنا لأن حكومتنا هي التي أرسلتنا للعيش هنا، كل الحكومات الإسرائيلية اتخذت الخطوة نفسها. ولو أن الحكومة الإسرائيلية اتخذت قرارا بعكس ذلك، فإننا سنقبل ذلك القرار».
* خدمة «نيويورك تايمز»



نبيل فهمي أميناً عاماً جديداً لجامعة الدول العربية

الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية نبيل فهمي (رويترز)
الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية نبيل فهمي (رويترز)
TT

نبيل فهمي أميناً عاماً جديداً لجامعة الدول العربية

الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية نبيل فهمي (رويترز)
الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية نبيل فهمي (رويترز)

اعتمد مجلس جامعة الدول العربية، بالإجماع، نبيل فهمي أميناً عاماً جديداً للجامعة خلال اجتماع وزراء الخارجية العرب في عمان، الاثنين، حسب المكتب الإعلامي للجامعة.

ويأتي فهمي خلفاً لأحمد أبو الغيط، وتبدأ ولايته مطلع يوليو (تموز) المقبل وتستمر خمس سنوات.

وفهمي دبلوماسي مخضرم تولى منصب وزير الخارجية المصري بين عامي 2013 و2016، وسيكون ثامن أمين عام للجامعة التي تتخذ القاهرة مقرا لها.وطوال تاريخها، لم يقد الجامعة العربية سوى أمناء عامّين مصريين، باستثناء التونسي الشاذلي القليبي الذي تولى المنصب في ثمانينات القرن الماضي بعد تعليق عضوية مصر في المنظمة على خلفية توقيعها معاهدة سلام مع إسرائيل.وفي بيان الإجماع على ترشيحه وصف فهمي البالغ 75 عاما المنصب بأنه «مسؤولية كبيرة» نظرا إلى «ما تواجهه أمتنا من تحديات غير مسبوقة، ومخالفات صارخة للقانون الدولي من قبل أطراف معتدية غدرا على دولنا وسلامتنا، وأخرى طال احتلالها لأراضينا وتعرقل تمكين أشقائنا من ممارسة حقوقهم المشروعة، فضلا عن تعرض منطقتنا لمخططات تستهدف الهيمنة، والمساس بأمن واستقرار العالم العربي».


توسّع أمراض الطفولة والدم في مناطق سيطرة الحوثيين

ارتفاع الإصابات والوفيات الناتجة عن الحصبة في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام حكومي)
ارتفاع الإصابات والوفيات الناتجة عن الحصبة في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام حكومي)
TT

توسّع أمراض الطفولة والدم في مناطق سيطرة الحوثيين

ارتفاع الإصابات والوفيات الناتجة عن الحصبة في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام حكومي)
ارتفاع الإصابات والوفيات الناتجة عن الحصبة في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام حكومي)

تتسع دائرة المخاوف الصحية في اليمن مع استمرار تسجيل إصابات بأمراض يمكن الوقاية منها عبر اللقاحات، بالتزامن مع تفاقم معاناة المصابين بالأمراض الوراثية المزمنة في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، وسط تحذيرات من أن تراجع الخدمات الصحية ونقص الأدوية الأساسية يهددان حياة آلاف الأطفال والمرضى.

وتشير تقديرات ومعلومات صادرة عن مصادر طبية وعاملين في القطاع الصحي اليمني إلى أن الحصبة وشلل الأطفال عادا ليمثلا تحدياً صحياً متزايداً خلال السنوات الأخيرة، في وقت تواجه فيه المرافق الصحية ضغوطاً متصاعدة بسبب نقص الإمكانات وتراجع برامج الوقاية والرعاية الطبية.

في هذا السياق، حذر تيسير السامعي، وهو مسؤول الإعلام الصحي في محافظة تعز (جنوب غرب)، من تفاقم الوضع الصحي في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، مؤكداً أن المعلومات الواردة من مصادر طبية هناك تفيد باستمرار ارتفاع أعداد الإصابات والوفيات الناتجة عن الحصبة، في ظل غياب بيانات رسمية دقيقة وصعوبة الوصول إلى الإحصاءات الصحية.

12 ألف إصابة بالحصبة في اليمن خلال 5 أشهر (إعلام محلي)

وأوضح السامعي أن تقديرات متداولة تتحدث عن آلاف الإصابات ومئات الوفيات المرتبطة بالحصبة في تلك المناطق، وهو ما يعكس حجم التحديات التي تواجه القطاع الصحي، خصوصاً مع تراجع أنشطة التحصين الروتيني وحملات التطعيم الموسعة.

في المقابل، أظهرت بيانات صحية في المناطق الخاضعة للحكومة اليمنية تسجيل نحو 12 ألفاً و791 حالة حصبة مشتبهاً بها خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري، بينها 71 حالة وفاة. وتصدرت محافظة حضرموت المحافظات من حيث عدد الإصابات والوفيات، تلتها تعز ثم عدن.

منع اللقاحات

يرى مختصون يمنيون أن هذه الأرقام تعكس استمرار خطورة المرض رغم توافر لقاحات فعالة وآمنة قادرة على الحد من انتشاره. ويؤكدون أن الحصبة لا تزال من أكثر الأمراض المعدية تأثيراً على الأطفال، خصوصاً في البيئات التي تشهد ضعفاً في معدلات التحصين.

ويشير عاملون في القطاع الصحي اليمني إلى أن انتشار الشائعات والمعلومات المضللة من الحوثيين حول اللقاحات أسهم في إحجام بعض الأسر عن تحصين أطفالها، الأمر الذي أدى إلى اتساع فجوة المناعة المجتمعية وعودة ظهور أمراض كانت تحت السيطرة خلال سنوات سابقة.

وتتجاوز تداعيات تراجع التحصين مرض الحصبة لتشمل أمراضاً أخرى، أبرزها شلل الأطفال الذي كان اليمن قد أعلن خلوه منه عام 2006، قبل أن تعود حالات الإصابة للتسجيل مجدداً خلال الأعوام الأخيرة.

معظم الإصابات بشلل الأطفال تركزت في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

وحسب السامعي، فقد سجلت البلاد خلال السنوات الثلاث الماضية نحو 450 إصابة بشلل الأطفال، مع وجود تقديرات بوجود حالات أخرى لم يتم اكتشافها أو الإبلاغ عنها. كما تركزت غالبية الإصابات في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين نتيجة تعثر حملات التحصين وصعوبة وصول الفرق الصحية إلى بعض المناطق.

ويؤكد مختصون أن المحافظات الواقعة تحت إدارة الحكومة لم تسجل إصابات جديدة بشلل الأطفال خلال عامي 2025 و2026، وهو ما يعد مؤشراً على أهمية استمرار حملات التطعيم في الحد من انتشار المرض.

ولا تقتصر المخاوف على الحصبة وشلل الأطفال فحسب، إذ تتهم الحكومة اليمنية والجهات الصحية جماعة الحوثي بمواصلة حملات مناهضة اللقاحات، وهو ما أسهم -حسب تلك الجهات- في عودة انتشار أمراض أخرى مثل الكزاز والدفتيريا والسعال الديكي، وجميعها أمراض يمكن الوقاية منها عبر برامج التحصين المنتظمة.

مرضى الدم

وبالتوازي مع أزمة الأمراض الوبائية، تتفاقم معاناة آلاف المرضى المصابين بالأنيميا المنجلية والثلاسيميا في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، نتيجة نقص الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية اللازمة لاستمرار العلاج.

وفي أحد أحياء العاصمة المختطفة صنعاء، تعيش أم محمد معاناة يومية مع طفلها البالغ من العمر 12 عاماً والمصاب بالأنيميا المنجلية. فمع كل نوبة ألم حادة تهاجم عظامه ومفاصله، تبدأ رحلة البحث عن دواء أو كيس دم يخفف من معاناته، وسط نقص متكرر في المستشفيات وارتفاع أسعار الأدوية في الصيدليات الخاصة.

وتقول إن التحدي لم يعد مقتصراً على المرض ذاته، بل أصبح مرتبطاً بالحصول على العلاج والرعاية الطبية، مشيرةً إلى أن الأسرة تضطر أحياناً للانتظار أياماً قبل توفير بعض الأدوية أو المستلزمات المطلوبة.

اليمن يواجه حالياً تدهوراً في الصحة العامة وتفشي الحصبة (الأمم المتحدة)

وتعكس هذه القصة واقع آلاف المرضى في صنعاء وإب والحديدة وذمار وغيرها من المحافظات، حيث يعتمد المصابون بالأنيميا المنجلية والثلاسيميا على متابعة طبية مستمرة وعمليات نقل دم دورية وأدوية متخصصة للحد من المضاعفات الصحية.

لكنَّ كثيراً من المراكز الطبية التي تقدم هذه الخدمات تعاني من نقص حاد في الأدوية الأساسية، لا سيما العلاجات المستخدمة لخفض تراكم الحديد الناتج عن عمليات نقل الدم المتكررة، إضافةً إلى محدودية توفر أكياس الدم والفحوصات المخبرية الضرورية.

وفي محافظة إب، يضطر والد طفلة مصابة بالثلاسيميا إلى قطع مسافات طويلة شهرياً للوصول إلى مركز صحي يقدم خدمات نقل الدم. ويقول إن بعض الرحلات تنتهي دون حصول ابنته على الجرعة اللازمة بسبب عدم توفر الدم أو المستلزمات الطبية.

أما في محافظة ذمار، فيروي أحد المرضى البالغين معاناته مع النوبات المؤلمة التي قد تستمر لساعات أو أيام، موضحاً أن غياب الأدوية أو تأخر الحصول على أكياس الدم يؤدي إلى تفاقم حالته الصحية ويزيد من معاناة أسرته.

ضغوط متزايدة

وتكشف مصادر طبية يمنية عن ازدياد أعداد المصابين بالأمراض الوراثية في عدد من المحافظات الخاضعة للحوثيين، وسط ضغوط متنامية تواجهها المراكز والوحدات الصحية المتخصصة نتيجة محدودية الموارد وضعف الإمكانات.

وتؤكد هذه المصادر أن المرافق الطبية المتبقية لم تعد قادرة على تلبية الاحتياجات المتزايدة للمرضى، خصوصاً فيما يتعلق بتوفير الأدوية ومشتقات الدم والخدمات التشخيصية الدورية التي يحتاج إليها المصابون بشكل مستمر.

كانت تقارير صادرة عن الجهات الصحية التابعة للحوثيين قد أقرت سابقاً بتسجيل نحو 465 حالة وفاة مرتبطة بانعدام الأدوية حتى نهاية أكتوبر (تشرين الأول) 2023، إضافةً إلى توثيق 700 إصابة جديدة بالأنيميا المنجلية والثلاسيميا خلال العام نفسه.

ممرضتان يمنيتان تقدمان الرعاية لطفل حديث الولادة (الأمم المتحدة)

كما أقرت تلك الجهات بأن نحو 40 ألف مصاب بالأنيميا المنجلية و1500 مريض بالثلاسيميا يواجهون مخاطر متزايدة بسبب نقص الأدوية والعلاجات اللازمة.

ويُحذر أطباء يمنيون من أن تأخر العلاج أو انقطاعه قد يقود إلى مضاعفات خطيرة تشمل تلف الأعضاء الحيوية والالتهابات المتكررة وارتفاع احتمالات الوفاة في بعض الحالات، خصوصاً لدى الأطفال الذين يحتاجون إلى متابعة دقيقة ومستدامة.

ويؤكد مختصون أن الأنيميا المنجلية والثلاسيميا من الأمراض الوراثية المزمنة التي تتطلب رعاية صحية مستمرة، وتوافر بنوك دم فعالة، وأدوية متخصصة وفحوصات دورية، وهي متطلبات بات توفيرها أكثر صعوبة في ظل التدهور المستمر للخدمات الصحية والأوضاع الاقتصادية.

Your Premium trial has ended


المحافظات اليمنية تدفع لتعزيز الأمن والخدمات والاقتصاد

دعم سعودي ومشاريع تنموية في كل المجالات لإسناد الحكومة اليمنية (إكس)
دعم سعودي ومشاريع تنموية في كل المجالات لإسناد الحكومة اليمنية (إكس)
TT

المحافظات اليمنية تدفع لتعزيز الأمن والخدمات والاقتصاد

دعم سعودي ومشاريع تنموية في كل المجالات لإسناد الحكومة اليمنية (إكس)
دعم سعودي ومشاريع تنموية في كل المجالات لإسناد الحكومة اليمنية (إكس)

كشفت سلسلة اجتماعات يمنية شهدتها محافظات شبوة وعدن وحضرموت ومأرب، عن توجه حكومي ومحلي لتعزيز الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات العامة وتسريع وتيرة الإصلاحات الاقتصادية، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات معيشية وأمنية متراكمة فرضتها سنوات الحرب الحوثية والأزمات الاقتصادية.

في هذا السياق، أكدت اللجنة الأمنية في محافظة شبوة (وسط) برئاسة المحافظ عوض ابن الوزير، مواصلة تنفيذ حملة منع حمل السلاح داخل مدينة عتق، مركز المحافظة، باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لترسيخ الأمن وتعزيز هيبة الدولة والنظام والقانون.

وأشادت اللجنة بالنتائج التي حققتها الحملة منذ انطلاقها، مشيرة إلى نجاحها في الحد من انتشار السلاح داخل المدينة، وتقليص المظاهر المسلحة التي كانت تشكل أحد أبرز التحديات أمام الحياة المدنية والاستقرار المجتمعي.

ورأت اللجنة أن حالة الهدوء والاستقرار التي تشهدها مدينة عتق خلال الفترة الأخيرة، تعكس الأثر المباشر للحملة، مؤكدة أهمية الاستمرار في تنفيذها والبناء على ما تحقق من نتائج، وصولاً إلى القضاء الكامل على ظاهرة حمل السلاح داخل المدينة.

حملة منع السلاح بشبوة أسهمت في تقليص المظاهر المسلحة (إعلام حكومي)

واستعرض الاجتماع جملة من المستجدات الأمنية والعسكرية في المحافظة، إلى جانب تقارير الأداء الميداني ومستويات الإنجاز التي حققتها الوحدات الأمنية والعسكرية في تنفيذ مهامها المختلفة.

وأكدت اللجنة أهمية رفع مستوى التنسيق بين مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية، وتطوير آليات العمل المشترك بما يضمن تعزيز الجاهزية الميدانية والاستجابة الفاعلة للتحديات الأمنية.

كما أشادت بمستوى التعاون المجتمعي الذي رافق تنفيذ حملة منع السلاح، مثمنة الدور الذي قامت به القيادات الاجتماعية والقبلية والمواطنون في دعم جهود الأجهزة الأمنية وإنجاح الحملة.

وفي السياق ذاته، جددت اللجنة الإشادة بتضحيات الجيش والأجهزة الأمنية في مختلف الجبهات، مؤكدة أهمية مواصلة الجهود الرامية إلى حماية المحافظة والحفاظ على حالة الاستقرار التي تشهدها.

التنمية والخدمات في عدن

في محافظة عدن، حيث العاصمة اليمنية المؤقتة، ناقش وزير الدولة محافظ المحافظة، عبد الرحمن شيخ، مع مديري المديريات والمكاتب التنفيذية، مستوى تنفيذ المشاريع الخدمية والتنموية وسير العمل في القطاعات الحيوية.

واستمع المحافظ إلى تقارير تفصيلية حول المشاريع المدرجة ضمن البرنامج الاستثماري للمحافظة، ونسب الإنجاز المحققة، إضافة إلى الصعوبات والتحديات التي تواجه بعض المشاريع وسبل معالجتها.

اجتماع في عدن لمراجعة المشاريع الخدمية والتنموية (إعلام حكومي)

وأكد الاجتماع أهمية التركيز على المشاريع المرتبطة بشكل مباشر باحتياجات المواطنين، خصوصاً مشاريع البنية التحتية والخدمات الأساسية التي تمثل أولوية ملحة في ظل تزايد الطلب على الخدمات العامة.

كما تناول الاجتماع سير العملية الامتحانية الوزارية في مختلف مديريات المحافظة، ومستوى الجاهزية التعليمية، إلى جانب مناقشة الوضع الصحي وسير العمل في المرافق والمنشآت الطبية.

وشدد المحافظ على ضرورة تذليل العقبات التي قد تعرقل تنفيذ المشاريع أو تؤثر على مستوى الخدمات، مؤكداً أهمية رفع كفاءة الأداء وضمان إنجاز المشاريع وفق الجداول الزمنية المحددة.

التدخلات الإنسانية في حضرموت

في مدينة المكلا (شرق)، بحث عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت، سالم أحمد الخنبشي، مع وفد برنامج الغذاء العالمي، آليات توسيع التدخلات الإنسانية وتعزيز الشراكة بين السلطة المحلية والبرنامج.

وتناول اللقاء الأوضاع الإنسانية والمعيشية في المحافظة، وسبل تطوير برامج الدعم المقدمة للفئات الأكثر احتياجاً، إضافة إلى مناقشة احتياجات النازحين واللاجئين من دول القرن الأفريقي، والتحديات المرتبطة بتوفير الخدمات الأساسية لهم.

وأكد الخنبشي أهمية توسيع نطاق البرامج الإنسانية لتشمل أكبر عدد ممكن من المستفيدين، مع التركيز على القطاعات ذات الأثر المباشر في حياة المواطنين.

لقاء في المكلا مع وفد برنامج الغذاء العالمي لبحث توسيع التدخلات الإنسانية (إعلام حكومي)

وأولى اللقاء اهتماماً خاصاً ببرامج التغذية المدرسية، حيث دعا المسؤول اليمني إلى تعزيز هذا المسار من خلال دعم المطابخ المدرسية، وتوسيع نطاق الاستفادة منها، لما تمثله من أهمية في تشجيع الطلاب على الانتظام في الدراسة وتحسين البيئة التعليمية.

كما ناقش الجانبان فرص تعزيز مشاريع سبل العيش والمشروعات الصغيرة والأسر المنتجة، باعتبارها أدوات مهمة لتقوية الاعتماد على الذات، وتحسين الظروف الاقتصادية للأسر المستفيدة.

وأكد وفد برنامج الغذاء العالمي استمرار التعاون مع السلطة المحلية في حضرموت، والعمل على تطوير التدخلات الإنسانية والتنموية بما يتناسب مع الاحتياجات المتزايدة للسكان.

الإصلاحات الاقتصادية في مأرب

في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ المحافظة، سلطان العرادة، رئيس وأعضاء اللجنة الاقتصادية المشتركة من البنك المركزي ووزارة المالية، لمناقشة تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية والمالية.

وركز اللقاء على آليات تنفيذ الموجهات الرئاسية المتعلقة بالإصلاحات الاقتصادية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المختصة بما يسهم في رفع كفاءة إدارة الموارد العامة وتحسين الأداء المالي والإداري.

كما ناقش المجتمعون السبل الكفيلة بتعزيز الإيرادات العامة، ورفع كفاءة التحصيل وتطوير آليات العمل المؤسسي بما يدعم جهود الحكومة في مواجهة التحديات الاقتصادية المتفاقمة.

العرادة خلال اجتماعه باللجنة الاقتصادية المشتركة لمناقشة تنفيذ الإصلاحات (إعلام حكومي)

وأكد العرادة أهمية المضي في تنفيذ الإصلاحات، باعتبارها ضرورة ملحة لدعم الاستقرار الاقتصادي وتحسين الخدمات العامة، وتعزيز قدرة مؤسسات الدولة على الوفاء بالتزاماتها.

وشدد على ضرورة معالجة أوجه القصور والاختلالات الإدارية والمالية، وتعزيز معايير الشفافية والانضباط المالي، وتوريد الإيرادات وفق القوانين واللوائح النافذة.

ووجّه العرادة السلطة المحلية في مأرب بتقديم التسهيلات اللازمة للجنة الاقتصادية المشتركة، وضمان التعاون الكامل مع الجهات المختصة، لإنجاح برنامج الإصلاحات وتحقيق أهدافه التنموية والاقتصادية.